9 مصاحف

9 و 12 مصحف

 

Translate

السبت، 22 أبريل 2023

المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام د. جواد علي الجزء الثالث

 

المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام

د. جواد علي

الجزء الثالث – الفصول 63-136

 

الفصل الثالث والستون انبياء جاهليون    691

الفصل الرا بع والستون اللّه ومصير الإنسان    695

الفصل الخامس والستون الروح والنفس والقول بالدهر 702

الفصل السادس والستون الالهة والتقرب اليها 707

الفصل الثامن والستون رجال الدين   718

الفصل التاسع والستون الاصنام  721

الفصل السبعون أَصنام الكتابات  733

الفصل الحادي والسبعون، شعائر الدين   742

الفصل الثاني والسبعون الحج والعمرة  745

الفصل الثالث والسبعون بيوت العبادة    755

الفصل الرابع والسبعون الكعبة    762

الفصل الخامس والسبعون الحنفاء 766

الفصل السادس والسبعون اليهودية بين العرب 779

الفصل السابع والسبعون اليهود والأسلام  786

الفصل الثامن والسبعون شعر اليهود  792

الفصل التاسع والسبعون النصرانية بين الجاهليين   795

الفصل الثمانون المذاهب النصرانية 804

الفصل الحادي والثمانون التنظيم الديني 807

الفصل الثاني والثمانون اثر النصرانية في الجاهليين    812

الفصل الثالث والثمانون المجوس والصابئة    817

الفصل الرابع والثمانون تسخير عالم الارواح 820

الفصل الخامس والثمانون في اوابد العرب   830

الفصل السادس والثمانون الطيرة   836

الفصل السابع والثمانون من عادات وأَساطير الجاهليين   840

الفصل الثامن والثمانون أَثر الطبيعة في اقتصاد الجاهليين 844

الفصل التاسع والثمانون الزروع و المزروعات    849

الفصل التسعون الزرع   853

الفصل الحادي والتسعون المحاصيل الزراعية    855

الفصل الثاني والتسعون الشجر   857

الفصل الثالث والتسعون المراعي  863

الفصل الرابع والتسعون الثروة الحيوانية 866

الفصل الخامس والتسعون الارض 870

الفصل السادس والتسعون الارواء    876

الفصل السابع والتسعون معاملات زراعية 889

الفصل الثامن والتسعون الحياة الاقتصادية 891

الفصل التاسع والتسعون ركوب البحر 895

الفصل المئة التجارة البحرية   898

الفصل الواحد بعد المئة تجارة مكة 904

الفصل الثاني بعد المئة القوافل 911

الفصل الثالث بعد المئة طرق الجاهليين    914

الفصل الرابع بعد المئة الاسواق   921

الفصل الخامس بعد المئة البيع والشراء 925

الفصل السادس بعد المئة الشركة  929

الفصل السابع بعد المئة المال   931

الفصل الثامن بعد المئة أصحاب المال   935

الفصل التاسع بعد المئة الطبقة المملوكة 939

الفصل ألعاشر بعد المئة الاتاوة والمكس والاعشار 943

الفصل الحادي عشر بعد المئة النقود   946

الفصل الثاني عشر بعد المئة الصناعة والمعادن والتعدين 950

الفصل الثالث عشر بعد المئة حاصلات طبيعية    954

الفصل الرابع عشر بعد المئة الحرف    957

الفصل الخامس عشر بعد المئة قياس الابعاد والمساحات والكيل    973

الفصل السادس عشر بعد المئة الفن الجاهلي   976

الفصل السابع عشر بعد المئة القصور والمحافل وألاطام   982

الفصل الثامن عشر بعد المئة الخزف والزجاج والبلور   987

الفصل التاسع عشر بعد المئة الفنون الجميلة 988

الفصل العشرون بعد المئة أمية الجاهليين   993

الفصل الحادي والعشرون بعد المئة الخط العربي    1003

الفصل الثاني والعشرون بعد المئة المسند ومشتقاته 1016

الفصل الثالث والعشرون بعد المئة الكتابة و التدوين    1025

الفصل الرابع والعشرون بعد المئة الدراسة والتدريس 1033

الفصل الخامس والعشرون بعد المئة ا لكتاب والعلماء    1038

الفصل السادس والعشرون بعد المئة الفلسفة والحكمة   1043

الفصل السابع والعشرون بعد المئة الأمثال  1047

الفصل الثامن والعشرون بعد المئة القصص 1050

الفصل التاسع والعشرون بعد المئة الطب والبيطرة  1052

الفصل الثلاثون بعد المئة ألهندسة والنوء   1060

الفصل الحادي والثلاثون بعد المئة الوقت و الزمان 1064

الفصل الثاني والثلاثون بعد المئة الاشهر الحرم 1071

الفصل الثالث والثلاثون بعد المئة النسيء  1075

الفصل الرابعُ والثلاثون بعد المئة التقاويم والتواريخ  1079

الفصل الخامس والثلاثون بعد المئة اللغات السامية 1082

الفصل السادس والثلاثون بعد المئة العربية لسان آدم في الجنة    1085

=

=

الفصل الثالث والستون

انبياء جاهليون

قال "الجاحظ": وإلمتكلمون لا يؤمنون بهذا، ويزعمون أن خالداً هذا كان أعرابيا وَ برياً، من أهل "شرج" و "ناظرة". ولم يبعث الله نبياً من الأعرأب ولا من الفَدًادين اًهل الوبر، وهم أهل البادية. إنما يبعثهم من أهل لقرى، وسكان المدن.

ويظهر أنه عاش قبيل الإسلام. ففد ذكر أهل الأخبار أن ابنة له قدمت على النبي، فبسط لها رداءه وقالى: هذه ابنة نبي ضيعه قومه. وذكروا أنهْا لماسمعت سورة: )قل هو الله أحد (، قالت: قد كان أبي يتلو هذه السورة. وزعموا أنه هو الذي دعا على العنقاء، فذهبت وانقطع نسلها.

ثم نبيّ اخر اسمه "حنظلة بن صفوان"، كان نبياً بعثه الله اهل الرس، فكذبوه وقتلوه، عاش في أيام "بختنصر"، وقد نسب الى حمير، وقبل إنه كان من أنبياء الفترة تلك، وإنه هو الذيَ دعا على العنقاء، فانقطع نسلها.:ذكر بعض أهل الأخبار أن الله أرسل "حنظلة" إلى أهل عدن ففقتلو5.

وذكر أهل الأخبار اسم نبي ارسل الى أهل "حضور"، اسمه "شعيب بن ذي مهدم". فقتلوه، فاستأصلهم "بختنصر"، وقبره ب "صنين" جبل باليمن.

وذكر أهل الأخبار أن "مسيلمة بن حبيب الحنفي"، كَان ممن ادعى النبوة بمكة قبل الهجرة، وصنع أسجاعا. وكان قد طاف قبل التنبي، في الأسواق التي كانت بين دور العجم والعرب، يلتقون فيها للتسوق والبياعات، كنحو سوق الابلة، وسوق لقه، وسوق الأنبار، وسوق الحيرة. وكان يلتمس تعلم الحبل والنيرّجات، واختبارات النجوم والمتنبئين. وقد كان أحكم حيل السدنة والحُواء وأصحاب الزجر والخط، ومذهب الكاهن والعيلّف والساحر، وصاحب الجن الذي يزعم أن معه تابعه.

وقد احكم من ذلك أموراً. فمن ذلك، أنه صب " على بيضة من خلّ قاطع، حتى لان قشرها، فادخلها في قارورة ضيقة الرأس،وتركها حتى نجت ويسمت، وعادت إلى هيئتها الأولى، فأخرجها إلى "مجاعة بن مرارة بن سلمى الحنقي" لليمامي، وأهل بيته، وهم أعراب، وادعى بها أعجوبة، وانها جعلت له آية، فآمن به من في ذلك المجلس: مجاعة وغيره. ومن ذلك أنه كان قد حمل معه ربشاً في لون ريش أزواج حمام، وقد كان يراهن في منزل مجاعة مقاصيص. فالتفت، بعدان أراهم الاية فيً البيض، إلى الحمام فقال لمجاعة: إلى كم تعذب خلق الله بالقص! ولو أراد الله للطير خلاف الطيران لما خلق لها أجنحة، وقد حرمت علكيم قص أجنحة الحمام ! فقال له مجاعة كالمتعنت: فسل الذي أعطاك في البيض هذه الآية أن ينبت لك جناح هذا الطير الذكر الساعة ? قال مسيلمة: فإن أنا ساًلت الله ذلك، فانتبه له حتى يطير وأنتم ترونه، أتعلمون اني رسول الله اليكم ? قالوا: نعم. قال فإني اريد أن اناجي ربي، وللمناجاة خلوة، فانهضوا عني، وان شئتم فادخلوني هذا البيت وادخلوه معي، حتى أخرجه اليكم الساعة وافي الجناحين يطير. وأنتم ترونه ولم يكن القوم سمعوا بتغريز الحلم، وكانوا بسطاء لا يعرفون حيل المحتالين، فلما خلا بالطائر أخرج الريش الذي قد هيأه، فادخل طرف كل ريشة مما كان معه في جوف ريش الحمام المقصوص، من عند المقطع والقصن. فلما غرز ريشه اخرجه، وأرسله أمامهم من يده فطار، واعتبروا عمله آية.

ثم انه قال لهم: ان الملَك ينزل إليّ، والملائكة تطير وهي ذوات أجنحة، ولمجيء الملك زجل وخشخشة وقعقعة، فمن كان منكم ظاهراً فليدخل منزله، فإنّ من تاًمل اختطف بصره ثم صنع راية من رايات للصبيان للتي تعمل من الورق الصيني، ومن الكاغد، وتجعل لها الأذناب والأجنحة، وتعلق في صدورها الجلاجل، وترسل يوم الريح بالخيوط الطوال الصلاب. ثم أرسلها مع الريح، وهم لا يرون الخيوط، والليل لا يبين عن صورة الرق، وعن دقة الكاغد،فتوهموا أن ذلك الملائكة: وتصارخوا، وصاح: من صرف بصره ودخل بيته فهو آمن ! فاصبح القوم وقد أطبقوا على نصرته والدفع عنه. فهو قوله: ببـيضة قــارورٍ ورايةِ شـــادن  وتوصيل مقصوص من الطير جادف

ونسب بعض أهل الأخبار "مسيلمة" على هذا النحو: "مسيلمة بنُ ثمامة ابن كبير بن حبيب بن الحارث بن عبد الحارث بن هفان بن ذهل بن الدول بن حنيفة" و "مسيلمة الكذاب بن حبيب" ثمامة بن كبير، وجعله بعضهم "مسيلمة بن حبيب". وجعلوا كنيته "أبا ثمامة" وقيل "أبا هارون" و "أبو ثمالة". وذكروا أنه كان يسمى ب "الرحمان" قبل مولد "عبد الله" والد رسول الله، "وكانت قريش حين سمعت: بسم الله الرحمن الرحيم، قال قائلم:

دق فوك، إنما تذكر مسيلمة رحمان اليمامة ". وذكروا أنه دعا إلى الرحمان، أي إلى عبادة الرحمان. بينما عرف نفسه ب "الرحمن"، فقيل له: "رحمان اليمامة". وأنه دعا إلى عبادته هذه قبل النبوة، وقد عرف أمره بمكة، فلما نزل الوحي على الرسول، قال أهل مكة إنما أخذ علمه من "رحمان" اليمامةّ. وقالوا له: لا إنا قد بلغنا أنك إنما يعلمك رجل باليمامة يقال له الرحمن، ولن نؤمن به أبداً ". فأنزل الله سبحانه: )وهم يكفرون بالرحمن. قل: هو ربي(. كان مسيلمة بن حبيب الحنفي، ثم أحد بني الدول قد تسمى بالرحمن في الجاهلية،وكان من المعمرين. ذكر وثيمة بن موسى أن مسيلمة تسمى بالرحمن قبل أن يولد عبد الله ابو رسول الله صل الله عليه وسلم.

قال "الواحدي" في أسباب نزول الاية: "وهم يكفرون بالرحمن. قل لهم اتصال باليمن وباليمامة وبمعظم أنحاء جزيرة العرب. وأرى ان "مسيلمة" كان قد دعا إلى عبادة الرحمن متأثرا ًبدعوة المتعبدين له ممن كان قبله على ما يظهر، وهي عبادة إلهَ اسمه "الرحمن" فعرف مسيلمة ب "الرحمن" وب "رحمن اليمامة". وعبادة الرحمن ديانة متأزرة بفكرة التوحيد، وبوجود إلهَ واحد هو "الرحمن" رب العالمين.

وقد أشير إلى موضع اسمه "وادي ا الرحمن" في الكتاب الذي أعطاه رسول الله الى "يزيد بن المحجل" الحارثي، ورد فيه: "ان لهم غرة ومساقيها ووادي الرحمن من بين غابتها". ولا أستبعد احتمال وجود صلة بين هذه ألتسمية وبين الرحمن الإلهَ.

وقد وصف الرواة "مسيلمة" باًنه "كان قصيراً شديد الصفرة أخنس الأنف أفطس.

ويظهر من غربلة ما ذكره أهل الأخبار عن "مسيلمة" أنه كان أكبر عمرا من الرسول. وأنه كان قد تكهن وتنبأ باليمامهّ ووجد له أتباعا قبل نزول الوحي على النبيّ. وأن أهل مكة كانوا على علم برسالته. ويذكر أهل الأخبار أن "مسيلمة" كان ابن ماثة وخمسين سنة حين قتل. وهو عمر قد بولغ فيه ولا شك، إذ لا يعقل أن يكون في هذه السن يوم قتل، فقد كان فعالاً نشيطاً، نشاطاً لا بمكن أن يظهر إلاّ من رجل قويّ فعال، هو دون المائة.

وكان "مسُيلمة" يدعي أن معه رئياً في أول زمانه، ولذلك قال الشاعر حين وصفه: بيبضة قارور وراية شادن  وخلة جني وتوصيل طائر

وكان "مسيلمة" في. جملة رجال "وفد حنيفة" الذي قصد الرسول، وفيهم "رحال بن عنفوة". لكنه - كما يقول الرواة - لم يذهب مع الوفد إلى الرسول، بل بقي مع رجال الوفد يبصرها لهم. فلما قرروا العودة، بعد أن أسلموا وأعطاهم جوائزهم، قالوا: "يا رسول الله إنا خلفنا صاحباً لنا في رحالنا يبصرها لنا، وفي ركابنا يحفظها علينا، فأمر له رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بمثل ما أمر به لأصحابه وقال: ليس بشركم مكاناً لحفظه ركابكم ورحالكم، فقيل ذلك لمسيلمة، فقال: عرف أن الأمر لىّ من بعده. فلما عادوا إلى ديارهم، ادعى مسيلمة النبوة، وشهد "رحال بن عنفوة" "الرحال بن عنفوة"، أن رسول الله، أشركه في الأمر، فتبعه الناس. وكان "الرحال" قد تعلم سوراً من القرآن، فنسب إلى "مسيلمة" بعض ما تعلم من القرآن، فكان من أقوى أسباب الفتنة على "بني حنيفة". قتله "زيد بن الخطّاب"، يوم اليمامة.

وذكر "الطبري"، أن "مسيلمة" كان يصانع كل أحد ويتألفه ولا يبالي أن يطلع الناس منه على قبيح. "وكان معه نهار الرجّال بن عنفوة" وكان قد هاجر إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، وقرأ القرآن، وفقه في الدين، فبعثه معلماً لأهل اليمامة وليشغب على مسيلمة، وليشدد من أمر المسلمين، فكان أعظم فتنة على بني حنيفة من مسيلمة، شهد له أنه سمع محمداً، صلى الله عليه وسلم، يقول: إنه قد أشرك معه، فصدقوه واستجابوا له، وأمروه بمكاتبة النبي، صلى الله علبه وسلم، ووعدوه إن هو لم يقبل أن يعينوه عليه، فكان نهار الرجال ابن عنفوة لا يقول شيئاً إلا تابعه عليه ؛ وكان ينتهي إلى أمره. وكان الذي يؤذن له: عبد الله بن النواحة، وكان الذي يقُيم له "حجير ين عمير"، ويشهد له، وكان مسيلمة إذا دنا حجير من الشهادة، قا ل: صرح حجير، فيزيد في صوته، ويبالغ لتّصديق نقسه، وتصديق نهار وتضليل منَ كان قد أسلم، فعظم وقاره في أنفسهم. فجعل "الطبري" اسم مساعد "مسيلمة" "نهار الرجال بن عنفوة"، لا "الرحال ين عنفوة" "رحال بن عنفوة كما في الموارد الأخرى. لكنه عاد فدعاه "الرجال" تارة و "رحال بن عنفوة" تارة أخرى، حينما تكلم عنه وعن.نهايته. وذلك في أيام "أبي بكر"، أي في حوادث السنة الحادية عشرة. وأظن أن مرد هذا الاختلاف لا يعود إلى "الطبري نفسه، بل إلى النساخ والى الطبع.

وقد أورد "الطبري" رواية أخرى في كيفية قدوم "مسيلمة بن حبيب" على رسول الله. فذكر "ان بني حنيفة أتت بمسيلمة إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، تستره بالثياب، ورسول الله جالس في أصحابه، ومعه عسيب من سعف النخل، في رأسه خوصات، فلما انتهى إلى رسول اللّه، صلى اللّه عليه وسلم،فقال له رسول الله: لو سألتني هذا العسيب الذي في يدي ما اعطيتك !. ولم يشر "الطبري" إلى أسماء من جاء معه من وفد بني حنيفة، وقد ذكر بعد هذه الرواية الرواية السابقة التي ذكرناها،دون أن يشير إلى اسماء رجال الوفد. ثم قال بعد ذلك: "ثم انصرفوا عن رسول الله وجاءوا مسيلمة بما أعطاه رسول الله، فلما انتهى إلى اليمامة ارتدّ عدو الله وتنباً وتكذّب لهم، وقال: إني قد أشركت في الأمر معه، وقال لوفده: ألم يقل لكم رسول الله حيث ذكرتموني: أما انه ليس بشرّكم مكاناً ! ما ذلك إلا لما كان يعلم اني قد أشركت معه، ثم جعل يسجع السجعات، ويقول لهم فيما يقول، مضاهاة للقرآن: لقد أنعم الله على الحُبلى، أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاق وحشى. ووضع عنهم الصلاة، وأحلّ لهم الخمر والزنا، ونحو ذلك".

ولا يتفق ما ذكره "الطبري" من وضع "مسيلمة" الصلاة عن أتباعه، مع ما أورده هو من انخاذه مؤذناً يؤذن بين الناس، ومن اتخاذه "مقيماً" يقيم له الصلاة، ئم مع ما ذكره غيره من أنه قلّص الصلوات الخمسة، فجعلها ثلاثة صلوات في اليوم. ولا يوجد دلبل على تحليله الزنا والخمر.

وذكر ان "مسيلمة"، بعد ان عاد إلى قومه كتب كتاباً إلى الرسول فيه :من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، أما بعد، فإني قد أشركت معك في الأمر، وإن لنا نصف الأرض ولقريش نصفها، ولكن قريشاً قوماً يعتدون". فكتب اليه رسول الله: "بسم الله الرحمن الرحيم:.من محمد رسول الله الى مسيلمة الكذاب، أما بعد، فالسلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإن الأرض لله يورثها من يشاء والعاقبة للمتقين". وقدم بكتاب مسيلمة رجلان، فساًلهما رسول الله عنه فصدّقاه، فقال: أما والله لولا ان الرسل لا تقتل لقتلتكما.

وتذكر رواية أخرى ان مسيلمة قال للرسول يوم وفد عليه مع من وفد من رجال "حنيفة": "إِن شئت خلينا لك الأمر وبايعناك على انه لنا بعدك. فقال له رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لا ولا نعمة عين ولكن الله لقاتلك". وتذكر رواية أخرى ان "هوذة بن علي الحنفي" صاحب اليمامة. " قد كتب إلى النبي، أن يجعل له الأمر من بعده على من يسلم ويصير اليه "فينصره،فقال رسول الله: لا ولا كرامة اللهم اكفنيه، فمات بعد قليل.

وروي ان رسول اللّه، بعث "حبيب بن زيد بن عاصم" أحد "بني النجار و"عبد الله بن وهب الأسلمي" إلى مسيلمة، فلم يعرض لعبد الله، وقطع يدي حبيب ورجليه.

وذكر ان رسولي مسيلمة اللذين حملا كتابه إلى الرسول، كانا "ابن الفوّ احة و "ابن أثال"، وانهما قالا لرسول الله: نشهد ان مسيلمة رسول إلله. فقال الرسول: لو كنت قاتلاً رسولاَ لقتلتكما. فعادا إلى صاحبهما، وذكر "الطبري" أن "مسيلمة" ضرب حرماً باليمامة، فنهى عنه، وأخذ الناس به، فكان محر ماً، فوقع في ذلك الحرم قُرى الأحاليف، أفخاذ من بني أسيد، كانت دارهم باليمامة فصار مكان دارهم في الحرم"، فصاروا يغيرون على ثمار أهل اليمامة، ويتخذون الحرم دغلاً، فإن نذروا بهم فدخلوه أحجموا عنهم، وإن لم ينذروا بهم فذلك ما يريدرن، فكثر ذلك منهم حتى استعدوا عليهم، فقال: انتظر الذي يأتي من السماء فيكم وفيهم، ثم قال لهم والليل الأطحم، والذئب الأدلم، والجذع الأزلم، ما انتهكت أسيد من محرم. فقالوا: أما محرم استحلال الحرم وفساد الأموال ا ثم عادوا للغارة، وعادوا للعدوى. فقال: انتظر الذي يأتيني، فقال: والليل الدامس، والذئب الهامس، ما قطعت أسيد من رطب ولا يابس. فقالوا: أما النخل مرطبة فقد جدّوها، وأما الجدران يابسة فقد هدموها، فقال اذهبوا وارجعوا فلا حقّ لكم".

وقد أورد أهل الأخبار كلاماً زعموا أن "مسيلمة" نظمه مضاهاة للقرآن. من ذلك قوله: "يا ضفدع نقيّ كم تنقين ! نصفك فْي الماء ونصفك في الطين ! لا الماء تكدرين، ولاَ الشارب تمنعين". "وكان فيما يقرأ لهم فيهم: إن بني تميم قوم طهر لقاح، لا مكروه عليهم ولا إتاوة، نجاورهم ما حيينا بإحسان، نمنعهم من كل إنسان، فإذا متنا فاًمرهم إلى الرحمان". "وكان يقول: والشاة وألوانها، واعجبها السود والبانها، والشاة السوداء واللبن الأبيض، إنه لعجب محض، وقد حرم المذق، فمالكم لا تمجعون". "وكان يقول: "يا ضفدع ابنة ضفدع، نقّي ما تنقين، أعلاك في الماء وأسفلك في الطين، لا الشارب تمنعين، ولا الماء تكدرين". "وكان يقول: والمبذّرات زرعاً، والحاصدات حصداً، والذاريات قمحاً، والطاحنات طحناً، والخابزات خبزاً، والثاردات ثرداً، واللاقمات لقماً، إهالة وسمناً، لقد فضلتم على أهل الوبر، وما سبقكم أهل المدر، ريفكم فامنعوه، والمعتر فآووه، والباغي فناوئوه". وذكر بعض أهل الأخبار أن "أبا بكر" لما سأل وفداً من "بني حنيفة" أرسله "خالد" اليه عما كان يقوله لهم: "قالوا: كان يقول يا ضفدع نقي نقي، لا للشارب تمنعين، ولا الماء تكدرين، لنا نصف الأرض، ولقريش نصف الأرض، ولكنّ قريشاً قوم يعتدون".

ويظهر من أسلوب هذه الأيات المنسوبة إلى "مسيلمة"، انها محاكاة ومضاهاة للايات الأولى من القرآن الكريم، الآيات للتي نزلت بمكة في عهد الرسالة الأولى.

وهي بذلك تختلف عن أسلوب الوحي المنزل بعد الهجرة بالمدينة. ولم نجد فيما بقي من كتب أهل الأخبار ما يشير بشيء إلى "قرآن مسيلمة"، أو إلى بقية أخرى منه.

هذا ولا بد لي من التنبيه إلى اننا لا نستطيع التأكيد بان ما نسب إلى مسيلمة من كلام، هو حق وصحيح. فمن الجائز أن يكون قد وضع عليه وضعاً. وقد رأينا كيف انهم اختلفوا في رواية "يا ضفدع" اختلافاً بينا في ضبط العبارات.

وكان الناس يقصدون "مسيلمة" ليسمعوا منه، بعد ان اشتهر امره. وقد تمكن من التاًثير في بعضهم. وكان ممن قصده "المتشمس بن معاوية"، عم "الأحنف بن قيس" الشهير. فلما خرج من عنده قال عنه انه كذاب. وقال عنه "الأحنف"، وقد رآه ايضاً، وقد سئل كيف هو ? ما هو بنبي صادق، ولابمتنبىء حاذق.

وذكر أهل الأخبار ان مسيلمة كان صاحب "نيرجات" و. تمويه واحتيال. يدًعي المعجزات والأيات، وانه أول من أدخل البيضة في القارورة، وأول من وصل جناح الطائر المقصوص، وكان يدّعي ان ظبية تأتيه من الجبل فيحلب لبنها. وقد جربه قوم، فوجدوا آياته "منكوسة. تفل في بئر قوم سألوه ذلك تبركاً، فملح ماؤها. ومسح رأس صبي فقرع قرعاً فاحشاً، ودعا لرجل في ابنين له بالبركة، فرجع إلى منزله، فوجد أحدهما قد سقط في البئر والآخر قد أكله الذئب. ومسح على عيني رجل استشفى بمسحه فابيضت عيناه"، ومسح وجه "أبا بصير"، وهو صبي من "بني يشكر بن وائل"، وكانوا أتوا به "مسيلمة"، فعمي، فكنى "أبا بصير"، وكان يروى عنه. وأتته امرأة من بني حنيفة، تكنى بأم الهيثم، "فقالت: إن نخلنا لسحق وإن آبارنا لجرز، فادع الله لمائنا ولنخلنا، كما دعا محمد لأهل هزمان"، فدعا بسجل، ودعا لهم فيه، ثم تمضمض بفمه منه، ثم مجه فيه، فانطلقوا به حتى فرغوه في تلك الآبار. ثم سقوه نخلهم، فغارت مياه تلك الآبار، وخوى نخلهم. وقد ذكر "الطبري" هذه الملاحظة: "وانما استبان ذلك بعد مهلكه".

وروى " الطبري "، أخبارا أخرى من هذا النوع، ذكر ان " نهاراً" قال له: برك على مولودي حنيفة، فقال له: وما التبريك ? قال: كان أهل الحجاز اذا ولد فيهم المولود أتوا به محمداً فحنّكه ومسح رأسه، فلم يؤت مسيلمة بصبي فحنكه ومسح رأسه إلا قرع ولثغ. وذكر ان "نهاراً" قال له: توضأ واعطِ وضوءك إلى أصحاب الحيطان، أي البساتين كمايفعل محمد، فأعطى أحدهم وضوءه، فسقى به حائطه، فيبست أشجاره، وصارت الأرض يبابأَ لا ينبت مرعاها. وأعطى "مسيلمة" رجلاً سجلاً من ماء، وكانت أرضه سبخة، فأفرغه في بئره، فغرقت أرضه، فما جف ثراها، ولا أدرك ثمرها. وأتته امرأة فاستجلبته إلى نخل لها يدعو لها فيه،فجزت كبائسها يوم عقرباء كلها.

وقد عرف "مسيلمة" بين أتباعه ب "رسول الله"، وكانوا يتعصبون له،ويؤمنون به إيماناً شديداً. وذكر أن "طلحة النميري" جاء إلى اليمامة، فقال: "اين مسيلمة ? قالوا: انه رسول اللّه! فقال: لا، حتى أراه، فلما جاءه. قال: أنت مسيلمة ?قال: نعم. قال: من يأتيك ? قال: رحمن. قال: أفي نور أو في ظلمة ? فقال: في ظلمة، فقال: أشهد أنّك لكذّاب وأن محمداً صادق، ولكن كذّاب ربيعة أسب احب إلينا من صادق مضر "، أو "أنه في قال: كذاب ربيعة أحب اليّ من كذّاب مضر"، فقتل معه" "يوم عقرباء".

ويظهر من بعض ملاحظات "الطبري" عن هذه الأخبار، أنها إنما ظهرت، وقيلت بعد هلاك "مسيلمة ". فقد قال في موضع: " وكانوا قد علموا واستبان لهم، ولكن الشقاء غلب عليهم"، وقال في موضع آخر: "وانما استبان ذلك بعد مهلكه "، و " استبان ذلك بعد مهلكه ". ولهذه الملاحظات أهمية كبيرة بالطبع في تقييم هذه الروايات وصحتها، فالعادة أن من يفشل ويهلك لا سيما اذا كان قد نال حظاً من المكانة والجاه والاسم، يحمل عليه كثيراً، ولا يتورع حتى أصحابه ومن كان يؤمن به من الدس عليه.

واتخذ "مسيلمة" مؤذناً يؤذن له في اتباعه اسمه "حجير". "وكان أول ما أمر أن يذكر مسيلمة في الاذان، توقف. فقال له محكم بن الطفيل: صرح حجير، فذهبت مثلا ً". وكان "محكم بن طفيل الحنفي" صاحب حربه ومدبر أمره، وكان أشرف منه في حنيفة. وذكر "الطبري"، أن الذي كان يؤذن له "عبد الله بن النوّاحة"، وكان الذي يقيم له حُجير بن عمير، ويشهد له. وكان مسيلمة إذا دنا حجير من الشهادة، قال صرح حجير، فيزيد في صوته ويبالغ لتصديق نفسه. وذكر أن مؤذنه "حجير"، كان إذا أذن يقول أشهد أن مسيلمة يزعم أنه رسول الله، فيقول مسيلمة له: أفصح حجير، فذهبت مثلاً.

ورووا أنه تزوّ ج "سجاح" التي تنبأت، وهي تميمة من "بني يربوع"، وكان يقال لها "صادر" وكان لها مؤذن، يقال له "زهير بن عمرو"، من "بني سليط بن يربوع"، ويقال إن "شبث بن ربعي" أذن لها.

وذكروا أنها كانت كاهنة زمانها، تزعم أن رئيها ورئي سطيح واحد، ثم جعلت ذلك الرئي ملكاً حتى ادعت النبوة، فاختلفت مع "مسيلمة" وكذبته وجحدت نبوته،فلما اتصلت به وتزوجته، وهبت نفسها له. فقال لها فيما زعموا: ألا قومي إلى المخدع  فقد هيىّ لك المضجع

فإن شثت سلَـقـنـاك  وان شئت على أربع

وإن شئتَ بثـلـنة  وإن شئت به أجمع

فقالت بل به أجمع. فجرى المثل بغلمتها حتى قيل أغلم من سجاح.

وفيها قال قيس بن عاصم، وقيل عطارد بن حاجب بن زرارة: اضحت نبيتنا أنثى نطيف بهـا  وأصبحت أنبياء ألله ذكـرانـا

يا لعنة الله والأقوام كـلـهـم  على سجاح ومن بالإفك أغرانا

أعني مسيلمة الكذاب لاسقـيت  أصداؤه ماء مزن حثما كانـا

ولما قتل "مسيلمة" رثاه بعض شعراء بني حنيفة بقوله: لهفي عليك أبـا ثـمـامة  لهفى على ركني تهـامة

كم آية لـك فــيهـــم  كالشمس تطلع من غمامة

قتله "وحشي" قاتل حمزة.

وذكر أهل الأخبار ان "مسيلمة" كان قد تزوج "كبشة بنت الحارث بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس" "كيسة بنت الحارث بن كريز بن حبيب بن عبد شمس"، ثم تركها فخلف عليها "عبد الله بن عامر بن كريز"، فولدت له. ويظهر انها لم تلد من "مسيلمة".

والذي يقرأ ما ذكره "الطبري" عن "مسيلمة" وعن صلة "نهار" به، يخرج بصورة تظهره شخصاً جاهلاً بليداً، يحركه ويوجهه "نهار" حيث يريد، لا يفهم ولا يعقل، ولا يعرف كيف يتصرف، ولا يتخذ رأياً حتى يشير عليه "نهار" به. "فكان نهار الرجّال بن عنفوة لا يقول شيئاً إلا تابعه عليه". وهي صورة تخالف ما نقرأه عنه في الموارد الأخرى. ولو كان "مسيلمة" على نحو ما صوّره الطبري، لما التفت حوله "بنو حنيفة"، ولما استماتوا في الدفاع عنه. ولما ضحى "الرحال بن عنفوة" و "محكم بن الطفيل" وغيرهما بأنفسهم في الدفاع عنه. حتى ان منهم من بقي مؤمناً به حتى بعد مقتله،وتغلب المسلمين على اليمامة.

وقد كتب الجاحظ قصة مسيلمة وقصة "ابن النواحة"، ولعلّه قصد به "عبد الله بن النواحة" مؤذنه، في كتابه المفقود حتى اليوم "فصل ما بين النبي والمتنبيّ"، حيث ذكر جميع المتنبين. وذكر "البلاذري" أن "مسيلمة"، كان قد أرسل كتابه الذي كان وجهه إلى الرسول والذي فيه "من مسليمة رسول الله، الى محمد رسول الله، أما بعد: فإن لنا نصف الأرض ولقريش نصفها، ولكن قريشاً لا ينصفون، والسلام عليك. وكتب "عمرو بن الجارود الحنفي"، مع "عبادة بن الحارث" أحد بني عامر بن حنيفة، وهو "ابن النواحة " الذي قتله عبد الله بن مسعود بالكوفة.

وكان "مسيلمهّ قد أمر "عمرو بن الجارود الحنفي"، بتدوين كتابه الذي وجهه إلى الرسول، فأمر الرسول كاتبه "أُبي بن كعب" بالردّ عليه. ومعنى هذا أن مسيلمة كان قد اتخذ له كتبة يكتبون له رسائله، على نحو ما كان لرسول الله.

وأنا لا استبعد احتمال علم "مسيلمة" بالكتابة والقراءة. وإن لم ينص أهل الأخبار على ذلك. كما لا استبعد احتمال، التقائه باليهود وبالنصارى وأخذْه منهم، فقد كان في اليمامة قوم من أهل الكتاب، ودعوته الى عبادة إلَه هو "الرحمن"، تدل على تأثره بأتباع هذه الديإنة وبأهل الكتاب.

هذا ولم أجد في الأخبار المتعلقة بمسيلمة خبراً يفيد صراحة أن مسيلمة كان قد اعتنق الإسلام ودخل فيه. فالأخبار التي تتحدث عن مجيئه إلى يثرب لا تشير إلى ذلك، والأخبار الأخرى التي تتحدث عنه وهو في اليمامة لا تشير إلى قبوله الإسلام كذلك، بل نجد فيها كلها أنه ظل يرى نفسه نبياً مرسلاً من "الرحمن" وصاحب رسالة، لذلك فليس من الصواب أن نقول: "ردة مسيلمة"، أو "ارتداد مسيلمة"، أو نحو ذلك، لأنه لم يعتنق الإسلام ثم ارتد عنه، حتى ننعته بالمرتد.

وكان "مجاعة بن مرارة" الذي نزل عليه "مسيلمة"، من رؤساء "بني حنيفة" وممن وفد على الرسول، فأعطاه النبي أرضاً باليمامة يقال لها "الغورة"، وكتب له بذلك كتاباً. وذكر بعض أهل الأخبار انه كان بليغاً حكيماً وقد أسر "يوم اليمامة"، فتوسط له بعض وجوه "بني حنيفة"، لدى خالذ أن يبقيه، فارسله إلى "أبي بكر"، فصفح عنه. وقد كان قد انجرف مع من انجرف فمال إلى "مسيلمة" وأيده، وحارب معه. وله شعر أشار فيه إلى مسيلمة، ونعته فيه ب "الكذاب". ولما وفد على "أبي بكر." اقطعه "الخضرمة"، ثم قدم على عمر، فاًقطعه الرياء، ثم قدم على عثمان، فأقطعه قطيعة أخرى.

وأما "الرحال بن عنفوة" "رحّال بن عنفوة"، فهو "نهار الرجال بن عنفوة"،"الرجّال بن عنفوة" في تأريخ الطبري. وهو من وجوه "بني حنيفة" واسمه "نهار"، وكان في الوفد الذي جاء إلى الرسول، وقد اختلف إلى " أبيّ بن كعب" ليتعلم منه القرآن. وكان رئيس وفد "حنيفة" "سلمى بن حنظلة". وقد تعلّم سورة البقرة وسورأَ من القرآن. وذكر انه كان على غاية من الخشوع واللزوم لقراءة القرآن والخير، ثم انقلب على عقبيه وصار من أشد أعوان مسيلمة المقربين له، فشهد له ان الرسول أشركه معه في الأمر. وكان احد وفد "بني حنيفة" إلى رسول الله، وفيهم "فرات بن حيان".

وأما "محكم بن طفيل بن سبيع" الحنفي، فقد كان من أشراف وسادات "بني حنيفة". وهو اشرف من مسيلمة في حنيفة. وكان من المقدمين عند مسيلمة. وقد عهد " مسيلمة" اليه قيادة احدى المجنبتين في قتاله مع "خالد ابن الوليد". وقد عرف ب "محكم اليمامة". وقد قتل وهو يحارب المسلمين. "قتله خالد بن الوليد يوم مسيلمة".

وأما "فرات بن حيان بن ثعلبة بن عبد العزى بن حبيب" العجلي، فكان عيناً لأبي سفيان في حروبه، وكان ممن هجا الرسول، ثم أسلم ومدحه،وأقطعه الرسول أرضأَ باليمامة.، ثم سكن الكوفة وأقام بها. وكان في حرب الخندق عيناً للمشركين.

وأما أثال بن النعمان الحنفي، فكان معع "فرات بن حيان" حين قدم المدينة وقد كلّم الرسول. وذكر في رواية أنه كان مع ثمامة بن أثال في قتال مسيلمة في الردة.

وكان "ثمامة بن أثال بن النعمان بن سلمة الحنفي"، من قدماء من أسلم من أهل اليمامة. فقد أرسل رسول الله خيلا قبل نجد، فجاءت به، فربطوه بسارية من سواري المسجد بيثرب، فكلمه الرسول، ثم امر فأطلق من رباطه، فدخل في الإسلام.، وأمره ان يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل: صبوت ! قال: لا والله ولكن أسلمت مع محمد رسول الله ولا واللهِ لا يأتيكم من اليمامة حبّة حنطة، حتى يأذن فيها النبيّ. ثم خرج إلى اليمامة، فمنعهم أن يحملوا إلى مكة شيئاً. فكتبوا إلى النبيّ: إنك تأمر بصلة الرحم، فكتب إلى ثمآمة أن يخلي بينهم وبن الحمل اليهم. وكانت ميرة قريش من اليمامة ومنافعهم منها، وكانت ريف مكة. ولما ارتد أهل اليمامة، وصاروا مع مسيلمة، ثبت أثال على الإسلام فكان مقيماً باليمامة ينهاهم عن اتباع مسيلمة وتصديقه، فلما عصوه وأصفقوا على اتباع مسيلمة، عزم على مفارقتهم، ففارقهم ولحق بالعلاء بن الحضرمي في مقاتلة المرتدين من اهل البحرين، فلما ظفروا اشرى ثمامة حلة كانت لكبيرهم:"الحطم" فرآها عليه ناس من "بني قيس بن ثعلبة"، فظنوا أنه هو الذي قتله وسلبه فقتلوه. وقد رووا له شعراً في الرسول وفي الردة. وكان له عم اسمه "عامر ابن سلمة بن عبيد بن ثعلبة الحنفي". وقد كان مسلماً.

وجاء في رواية ان رسول الله لما بعث العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى في رجب سنة تسع، فاسلم المنذر ورجع العلاء، فمر باليمامة، قال له ثمامة بن أثال: انت رسول محمد ? قال نعم. قال: لاتصل اليه ابداً، فقال له عمه: عامر بن سلمة بن عبيد بن ثعلبة الحنفي: مالك وللرجل، فأسلم عامر، ووقع ثمامة بعد ذلك في الأسر.

وكان "معمر بن كلاب الرماني"، جاراً لثمامة بن أثال، وهو ممن وعظ مسيلمة وبني حنيفة ونهاهم عن الردة، فلما عصوه تحول إلى المدينة، فمنعه ثمامة حتى ردّه وشهد قتال اليمامة، مع خالد.

و "الحطم" المذكور، هو "الحطم بن هند" البكري، أحد "بني قيس ابن ثعلبة"، قدم المدينة في رواية في عير له يحمل طعاماً فباعه، ثم دخل على النبي، فبايعة وأسلم، فلما قدم اليمامة، ارتد عن الإسلام، وخرج في عير له تحمل الطعام في ذي القعدة يريد مكة، وكان عظيم التجارة، وأراد المسلمون أن يتلقوه ويأخذوا ما معه، فمنعهم الرسول من ذلك لحرمة الشهر. وذكر انه بعد ان قابل الرسول، وسمع منه مبادىء الإسلام. قال الحطم: في أمرك هذا غلظة، أرجع إلىقومي، فأذكر لهم ما ذكرت، فإن قبلوه أقبلت معهم، وان أدبروا أدبرت معهم. قال له ارجع. فلما رجع مرّ بسرح من سرح المدينة،فساقه فانطلق بهْ.

وذكر أن "الحطم" قتل في الجيار، من نواحي البحرين، لما ارتدت بكر ابن وائل.

هذا هو كل ما ورد إلى علمنا عن الأنبياء العرب في الجاهلية. وقد حصلنا عليه من المؤلفات الإسلامية. أما نصوص جاهلية، فيها شيء عن النبوة والأنبياء، فلم يصل إلينا منها أي شيء.

يقول "أبو العلاء المعري" عن ادعاء بعض الناس بالأمامة والنبوة في الإسلام: "ولم تكن العرب في الجاهلية تقدم على هذه العظائم، والأمور غير النظائم، بل كانت عقولهم تجنح إلى رأي الحكماء، وما سلف من كتب القدماء. إذ كان أكثر الفلاسفة لا يقولون بنبي، وينظرون إلى من زعم ذلك بعين الغبي ". فهو ينكر وجود نبوة وأنبياء عند الجاهليين للسبب المذكور. وهو يقصد ولا شك بها، النبوة على وفق المعنى المفهوم منها في الإسلام. أي أن تكون بوحيّ ينزل على النبي من الإسلام، ويكلام منزل يتلوه على الناس، يكون كلام الله لا كلام النبيّ.

الفصل الرا بع والستون

اللّه ومصير الإنسان

لا نعرف رأي الجاهليين في الخلق، وفي كيفية نشوء هذا ألكون، إذ لم تصل إلينا نصوص جاهلية في هذا المعنى. ولا بد أن يكون لهم كما كان لغيرهم رأي في الخلق وفي نشوء الكون. فموضوع نشوء الكون وظهوره، من الموضوعات التي تثير رأي كل انسان مهما كانت ثقافته وكان تفكيره.

وفي القرآن الكريم كلمات مثل "البارىء" و "المصور" و "الخلاّ ق" و "خلقنا" و "خلقت" و "خلقناكم" و "خالق" وغيرها مما له علاقة بخلق الكون والانسان وبقية المخلوقات، وفيه كيفية خلق الله للكون ومن فيه وكيفية خلق الإنسان ومن أي شيء خلق. ولكن هل كان يعرف جميع الجاهليين هذا المعنى المنزل في كلام الله، وهل نزلت هذه الآيات لإرشاد الناس إلى ذلك، أو انها نزلت لتذكير القوم ولفت نظرهم إلى شيء يعلمونه ولكنهم كانوا ينسبونه لغير الله أو يتجاهلونه، إن كان ذلك على سبيل التذكير، فمعنى هذا ان لأهل الجاهلية رأياً في كيفية الخلق، وإن كان ذلك على سبيل التعليم والإرشاد،إنه يدل على أن من خوطب بتلك الآيات لم يكن له فقه وعلم بما خوطب به.

وفي القرآن الكريم آيات فيها خطاب للمشركين في بيان فساد رأيهم واعتقاداتهم، وفيها ردّ عليهم، منها نستطيع أن نحيط بعض الإحاطة بآرائهم في الوجود وفي البعث والحشر والحساب وغير ذلك من أمور تتعلق بدياناتهم. وهذه الآيات هي الشواهد الوحيدة التي نملكها من اراء القوم في ذلك العهد.أما ما جاء في روايات الأخباريين وفي كتب التفسير والحديث والملل والنحل، ففيه بعض الشيء عن آراء الجاهليين القريبين من الإسلام، ولا سيما عرب مكة ويثرب عن تلك الأمور.

ويفهم من القرآن الكريم ان من الجاهليين من كان يعتقد ان للعالمّ خالقاً خلق الكون وسوّاه، وان منهم من كان يعتقد بوجود إلهَ واحد فهم موحدون، وان منهم من أقر بوجود إلَه واحد غير انه رأى تعذر الوصول اليه بغير وسطاء وشفعاء فاعتقد بالأرواح وبالجن وعبد الأصنام لتكون واسطة تقربه إلى الله.

أما كيف خلق الله الأرض والسماوات وكيف نشأ الكون، فذلك ما لم يتعرض له القرآن الكريم حكاية على لسان الجاهليين. ولذلك لا نعرف رأي أولئك القوم الذين عاصروا الرسول وعاشوا قبيل الإسلام في كيفية ظهور الوجود وخلق الكون. ويفهم من بعض الأخباريين أن من الجاهليين من كان يرى أن خالقاً خلق الأفلاك، غير أنها تحركت أعظم حركة فدارت عليه وأحرقته، لأنه لم يقدر على ضبطها وإمساك حركتها، وأن منهم من كان يقول: " إن الأشياء ليس لها أول البتة، وإنما تخرج من القوة الى الفعل. فإذا خرج ما كان بالقوة إلى الفعل، تكونت الأشياء مركباتها وبسائطها من ذاتها لا من شيء آخر. وقالوا إن العالم لم يزل ولا يزال ولا يتغير ولا يضمحل مع فعله. وهذا العالم هوالممسك لهذه الأجزاء التي فيه ". وهذا كلام إن صح أنه من كلام الجاهليين ومن مقالاتهم، فإنه يدل على تعمق القوم في المقالات، وعلى أن لهم رأياً وفلسفة في الدين، وأنهم لم يكونوا على الصورة التي يتخيلها معظمنا عنهم، وهي الصورة التي رسمها لهم أهل الأخبار. في أثناء كلامهم العام عن الجاهليين.

اللّه الخالق

ويظهر من القرآن الكريم، أن قريشاً كانوا يؤمنون بإلَه واحد خلق الكون، وهو رب السماوات والأرض. ففي سورة العنكبوت: ) ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولنّ: الله، فأنى يؤفكون(.

وفي هذه السورة نفسها سؤال آخر موجه إلى المشركين ) ولئن سألتهم من نزل من السماء ماءً فأحيا به الأرض من بعد موتها، ليقولن: الله، قل: الحمد لله، بل أكثرهم لا يعقلون(.

وفي سورة لقمان سؤال آخر موجه إلى أولئك المشركين، وجواب صادر منهم، هو هذا الجواب نفسه: إقرار بوجود خالق واحد خلق السماوات والأرض:) ولئن سألهم من خلق السماوات والأرض، ليقولن: الله. قل الحمد لله، بل أكثرهم لا يعلمون(. وفي سورة الزخرف: )ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض، ليقولن: خلقهن العزيز العليم (، وفي سورة الزمر: )ولئن سألهتم من خلق السماوات والأرض، ليقولن الله(، وفي سورة الزخرف أيضاٌ: )ولئن سألتهم من خلقهم، ليقولن: الله. فانى يؤفكون (، وفي سورة العنكبوت: )ولئن سألتهم من نزً ل من السماء ماءفاًحيا به الأرض من بعد موتها، ليقولن: الله(. وهناك آيات أخرى على هذا النحو، فيها أسئلة موجهة إلى المشركين عن خلق السماوات والأرض،وأجوية على السنتهم فيها اعتراف باًن خالقها وصانعها هو الله.

وفي القرآن الكريم أيضاً ان قريشاً كانت تعتقد ان الله هو الذي ينزل المطر ويحيي الأرض بعد موتها، وفيه انهم كانوا يقسمون به، وانهم كانوا قد جعلوا له نصيباً مما ذرأ من الحرث والأنعام، وانهم كانوا يقولون إن الله هو الذي شاء فجعلهم وآباءهم مشركين، وانه لو لم يشأ لما أشركوا بعبادته أحداً، وانهم كانوا يتضرعون اليه ويستغيثون به في الكوارث والملمات، وانهم جعلوا له بناتاً وبنين وشركاء الجن. فقريش اذن وفق هذه الآيات قوم، كانوا يؤمنون بإلَه عزيز عليهم، ومن آيات ذلك انهم جعلوا له نصيباً في أموالهم، مع ان المال من أعز الأشياء على الإنسان، لا سيما بالنسبة لتلك الأيام.

وفي تلبية الجاهليين المنصوص عليها في كتب أهل الأخبار اعتراف صريح واضح بوجود إلهَ. كانوا يلبون بقولهم: "لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك، إلا شريك هو لك. تملكه وما ملك، يعنون بالشريك الصنم، يريدون ان الصنم وما يملكه ويختص به من الآلات التي تكون عنده وحوله والنذور التي كانوا يتقربون بها اليه كلها ملك لله عز وجل" فذلك معنى قولهم: يملكه وما ملك. فهم يعترفون ويقرون بوجود الله، لكنهم يتقربون اليه بالأصنام. وهذا هو الشرك.

وفي دعاء العرب اعتراف بوجود "الله"، فقولهم: "رماه الله يما يقبض عصبه"، و "قمقم الله عصبه"، و "لا ترك الله له هارباً ولا قارباً"، و "شتت الله شعبه"، و "مسح الله فاه"، و "رماه الله بالذبحة"، و "رماه الله بالطسأة"، و "سقاه الله الذيغان"، و "جعل الله رزقه فوت فمه"، و "رماه في نيطه"، و "قطع الله به السبب"، و "قطع الله لهجته"، و "مدّ الله أثره"، و "جعل الله عليها راكباً قليل الحداجة"، و "لا أهدى الله له عافية"، و "أثل الله ثلله"، و "حته الله حت البرمة"، و "رماه الله بالُطّلاطلة"، و "رماه الله بالقصمل"، و "ألزق الله به الحوَبة"، و " لحاه الله كما يلحى العود"، و "اقتثمه الله اليه"، و "ابتاضه الله"، إلى آخر ذلك من دعاء يدل على وجود ايمان بخالق هو اللّه.

وفي الشعر المنسوب إلى الجاهليين اعتقاد بوجود الله، واتقاء منه، وتقرب اليه باحترام الجوار وقرى الضيف ". هذا عمرو بن شأس يقول في شعره: ولولا اتقاء الله والعهد قد رأى  منيته منى أبوك الـلـيالـيا

فلولا اتقاء شأسٍ اللهَ، لفتك بخصمه، وجعله من اهالكين. وفي بعضه اعتراف بان هذه الأرض الواسعة هي "بلاد الله". أينما حللت فيها فهي أرضه وبلاده. وهذه نظرة مهمة جداً عن رأي الجاهليين في الله وفي الأرض، إن صح أن هذا للشعر الوارد فيه حقاً من شعر أهل الجاهلية.

و "اللهُ" كما جاء في شعر زهير بن أبي سلمى، عالم يكل شيء، عارف بالخفايا وبالأسرار، وبما ظهر من الأعمال وما بطن.

فلاتكتمنّ الله ما في نفوسكم  ليخفى، ومهما يكتم الله يعلم

وهو عدو للأشقياء شديد عليهم، لا يرحم ظالماً، وأمرهُ بُلغ به تشقى به الأشقياء وهو يثيب على الاحسان، ويجزي المحسن على جميل إحسانه. وهو الذي يعصم من السيئات والعثرات. وهو مقر بوجود يوم حساب يحاسب فيه الناس على ما قاموا به من أعمال، وقد ينتقم الله من الظالم في الدنيا قبل الآخرة، فلا مخلص له.

والله "كربم" لا يكدر نعمة، اذاُ دعي أجاب. وهذا هو رأي الأعشى في الرب، اذ يقول: ربّي كريم لا يكدر نعـمة  واذا يناشد بالمهارق أنشدا

وقد ورد اسم الجلالة في أشعار كثير من الشعراء الجاهليين: ورد في شعر امرىء القيس وغيره، فامرؤ القيس يقول: "من الله" و "لله"، و "تالله"، و "قبح اللّه"، و "والله"، و "يمين الله" " و "يمين إلإلَه"، و "الإله" هي "اللّه"، و "الحمد لله". ونرى العرب عامة تستعمل في كلامها: "لله دره"، و "لا يبعد الله"، و "لحى اللّه"، و "جزى الله"، و "عمر الله"، وأمثال ذلك مما يرد في أشعار الشعراء الجاهليين، يخرجنا تدوينه وحصره في هذا المكان عن حدود الموضوع.

وقد جاءت لفظة الجلالة في ايمان أخرى، في مثل: "لعمر الله"، و "ها لعمر الله" كالذي ورد في شعر زهير: تعلمن ها لعمر الله ذا قـسـمـاً  فاقصد بذرعك وانظر أين تنسلك

وورد "ها اللّه" و "والله" و "الله " و" نعم الله" و "أي والله لأفعلن"، و "ايم الله" و "ايمن الله" و "يعلم الله" و "علم الله" وأمثال ذلك.

ومن ايمانهم الدالة على الاعتقاد بوجود خالق، قولهم: "لا وبارىء الخلق، و "لا والذي يراني من حيث ما نظر" و "لا والذي نادى الحجيج له"، و "لا والذي يراني ولا أراه"، و "لا والذي كل الشعوب تدينه"، و "حرام الله لا آتيك"، و "يمين الله لا آتيك "، و "لا والذي جلد الإبل جلودها"، و "والذي وجهي زمم بيته"، و "لا والذي هو اقرب إليّ من حبل الوريد"، و "لا ومقطع القطر"، و "لا وفالق الإصباح"، و "لا ومهب الرياح" و "لا ومنشر الأرواح"، إلى غير ذلك من ايمان حلفوا بها، تدل على إبمان وعقيدة بوجود خالق، فحلفوا به.

ونجد في معلقة امرئ القيس قسماٌ باللّه حكي على لسان صاحبة صاحب المعلقة: فقالت: يمين الله ما لـك حـيلة  وما إن أرى عنك الغواية تنجلي

وترى في بيت لامرىء القيس وهو يذكر اقدامه على الشرب: فاليوم أسقى غير مستحقب  إثماً من اللـه ولا واغـل

فالرجل مؤمن بالله، وقد وفى بما عاهد الله عليه، وهو لا يخشى بعد ذلك إثماً اذا شرب، لأنه وفى بنذره.

ونراه يذكر الله أيضاً في هذا البيت: للهِ زبدان أمسى قرقراً جلـداً  وكان من جندل أصم منضودا

ثم نراه يشكر اللهَ بجملة: "والحمد لله" في هذا البيت: أرى إبلى والحمد لله أصبحت  ثقالاً إذا ما استقبلتها صعودها

ونراه يحث الناس على التمسك بحبل الله، فبالله يكون النجاح، ويحث الناس على عمل البر، والبر خير حقيبة الرجل: والله أنجح ما طلبت بـه  والبر خير حقيبة الرجل

ونفهم من هذه الأبيات ومن أبيات أخرى، إن امرأ القيس رجل مؤمن يعتقد بالله الواحد، مؤمن بالله الواحد، مؤمن بالثواب وبالعقاب، وأنه كان يخاف الله ويخشى الإثم والفسوق، ولا أدري أينطبق هذا الذي نقوله على امرىء القيس الذي يتحدث عنه أهل الأخبار ويصفونه بأنه رجل عابس مياّل إلى اللهو و الشهوات رمى صنمه بسهم وأنبّه لما جاء الجواب بخلاف ما كان يرغب فيه ويشتهيه. ثم لا أدري اذا كان اسلوب هذا الشعر من أسلوب الشعر الجاهلي وطرازه ? وإذا كان هذا الشعر صحيحاً، فلمَ ادخل رواته شاعره في الجاهليين الوثنيين ولم يدخلوه في عداد المؤمنين بالله من الأحناف ? وإذا اعتقدنا بصحة الأبيات المنسوبة إلى عَبيد ين الأبرص: من يسأل الناس يحرموه  وسائل اللـه لا يخـيب

بالله يدرك كـلء خـير  والقول في بعضه تلغيب

والله لـيس لـه شـريك  علاّم ما أخفت القلـوب

وقلنا مع القائلين إنها من شعر ذلك الشاعر حقاً، وجب عدّه إذن في جملة الموحدين المؤمنين المسلمين، وإن عاش قبل الإسلام. فرجل يقول هذا القول، لا يمكن إلاّ أن يكون مسلماً مؤمناً بالله الواحد الأحد علاّم الغيوب والعارف بما في آلقلوب، ومن الممهدين للتوحيد بين العرب قبل الإسلام.

وقد أهمل بعض رواة هذه المعلقة البيت الآتي: والله ليس لـه شـريك  علام ما أخفت القلوب

وكأنهم فطنوا إلى ان من غير المعقول نسبته إلى رجل وثني، مهما كان رأيه في الأوثان والتوحيد، لا يمكن أن يستعمل هذه الألفاظ التي لم يستعملها العرب بهذا الشكل إلا في الإسلام.

والى عبيد نفسه ينسب الأخباريون قول هذا البيت: حلفت بالله إنً الله ذو نـعـم  لمن يشاء وذو عفوٍ وتصفاح

ورجل يقول هذه الأبيات وأبياتاً أخرى من لونها، لا يمكن إلا ان يكون موحداً مؤمناً، من فصيلة المؤمنين بالله من الأحناف. وقد"أراح "شيخو" نفسه وأراح الناس حين ذهب إلى ان عبيداً وأمثاله من الشعراء الجاهليين كانوا نصارى وان هذا التوحيد هو توحيد نصراني محض، وقف عليه عبيد في زيارته للحيرة مهد النصرانية في ذلك العهد، فاعتنقه، فهو على رأيه اذن شاعر نصراني، وشعره شعر نصراني لا يرد ولا يرفض.

ونجد "طفبل بن عوف" الغنَوَي يقسم ب "الإله" في شعره. غير أن هناك رواية تضع "رضى" موضعَ "الإلَه" فيكون القسم به، ورضى اسم صنم كان لطيء. وقد ذكر "الله" في مواضع أخرى من شعره، وقال إنه هو الذي يصلح الأمور، ويسد العجز والثُغر التي ليس في وسع الإنسان سدّها، وإنه يجزي الناس على أعمالهم.

وفي معلقة "الحارث بن حِلزة" اليشكريّ: "أمر الله بلغ تشقى به الأشقياء"، وأن الله عالم بالأمور.

ونجد "المتلمس"، يُقسم بالله في شعره، ويذكر الله في مثل جملة "أبى الله"، للتعبير عن مشيئة الله واَرادته، وجملة "لله دري" في التعجب وجملة "تقوى الله"، و "عاداك الله" وغيرها مما يدل على أنه كان يعتقد أن الله يعادي الأعداء ويحبّ المحبين.

ولكننا نجده في مواضع أخرى يقسم باللات وبالأنصاب، والمقصود بالأنصاب الأوثان مما يشعر أنه كان يؤمن بها، فكيف نوفق بين اعتقاده بالله واعتقاده باللات والأنصاب ? وهل نعدّ هذا الشعر صادراً من شاعر واحد ? نعم، يجوز أن يكون قاله هو. قاله لأنه كان يعتقد بوجود إلهَ، فهو يؤمن به ويقر بوجوده، غير أن قسمه باللات والأنصاب، هو من باب.عقيدة الجاهليين المؤمنين بوجود إلهَ، ولكنهم كانوا يتقربون اليه بالأصنام والأوثان والأنصاب. ويتوقف هذا التفسير بالطبع على اثبات أن هذا الشعر له حقاً، وليس مفتعلاً، ولا مما أدخل الرواة عليه تغيبرأ أو تبديلاً.

ونجد في شعر النابغة الجعدي، أبو ليلى عبد الله بن قيس، الشاعر المخضوم المتوفى سنة "65" للهجرة، قصيدة مطلعها: الحمد لله لاشريك لـه  من لم يقلهافنفسه ظلما

يلي هذا المطلع قصة نوح والسفينة، وهي سفينة مصنوعة من خشب الجوز والقار. وفي هذه القصيدة اعتراف بالتوحيد، وبوجود إِلَه واحد لا شريك له، لا يحمد إلا هو، وهو شعر لا يمكن أن يكون إلا من شعرشاعر مسلم،إن صح انه من شعره، فيجب أن يكون مما نظمه في الإسلام.

وينسب إلى "لبيد" اعتقاده ان الله يبسط الخير والشر على عباده، وانه منتقم ممن يخالفه، معاقب له، كما عاقب "إرما" و "تبعا"، وقوم "لقمان بن عاد"، و "أبرهة" وذلك في أبيات أولها: من يبسط الله عليه إصبعأ  بالخير والشر بأي أولعا

وهي رجز، يرى بعض العلماء انها ليست من رجزه.

ونجد معود الحكماء، وهو معاوية بن مالك بن جعفر، يذكر الله ويحمد، فيقول: "بحمد الله"، ويقول "عامر": "أردت لكيما يعلم الله انني"، ويقول."خداش بن زهير": "وذكرته بالله بيني وبينه "

وذكر أهل الأخبار ان الجاهليين الوثنيين كانوا يفتتحون كتبهم بجملة "باسمك اللهم". ساروا في ذلك على هدى "أمية بن أبي الصلت" مبتدعها وموجدها، كما في رواية تنسب إلى ابن الكلبي. وذكر بعض آخر ان قريشاً كانت تستعمل هذه الجملة منذ عهد قبل الإسلام، وانها بقيت تستعملها ألى ظهور الإسلام. وقد استعملها الرسول، ثم تركها، وذلك بنزول الوحي باستعمال "بسم اللّه الرحمن الرحيم". ونحن لا يهمنا هنا اسم مبتدع هذه الجملة، وانما الذي يهمنا منها هو ما فيها من عبارة تدل أيضا على التوحيد، فإذا صح ان الجاهليين كانوا يستعملون هذه الجملة، فإن استعمالها هذا يدل على اعتقاد القوم بإلهَ واحد، أي بعقيدة التوحيد، ولا يعقل بالطبع استعمال شخص لهذه الجملة في رسائله، يفتتح بها كتبه، لو لم يكن من أصحاب عقيدة التوحيد، وقد جاء في بعض الأخبار ان هذا الاستعمال متاًخر، وانه حدث بعد ان تغيرت عوائد القوم في افتتاح كتبهم، فقد كانت عوائدهم القديمة افتتاح رسائلهم بأسماء آلهتهم كاللات والعزى، فرفعوا تلك الافتتاحيات القديمة واستبدلوا بها هذه الجملة الجديدة، جملة "باسمك اللهم". وعلى كل، فإن جملة "باسملك اللهم" وأمثالها إن صح انها من ذلك العهد حقاً فإنها تدل على حدوث تطور في الحياة الدينية عند الجاهليين، وإلا،فكيف يتصور استعمال هذه الجملة الموحدة مع وجود الشرك لو لم يكن قد حدث تطور فكري كبير في هذا العهد حملهم على استعمال هذه الجملة وأمثالها من الجمل والألفاظ الدالة على التوحيد ? وقد درس بعض المستشرقين هذا الموضوع، ولا سيما موضوع ورود اسم الجلالة في الشعر الجاهلي، فذهبوا في ذلك مذاهب. منهم من أيد صحة وروده في ذلك الشعر، وآمن أن الشعر الذي ورد فيه هو شعر جاهلي حقاً، ومنهم من أنكر ذلك، وأظهر أنه شعر منحول مصنوع، صنع على الجاهليين فيما بعد، ومنهم من ذهب إلى أنه شعر صحيح، غير أن رواة الشعر أدخلوا اسم الجلالة فيه، ولم يكن هو فيه في الجاهلية، بأن رفعوا أسماء الأصنام وأحلوا اسم اللّهِ محلها.

وبينما نجد أهل الأخبار ينسبون إلى هؤلاء الشعراء وأمثالهم الاعتقاد بالله، نجدهم ينسبون اليهم، الحلف بالأصنام، والاعتقاد بها. فقد نسبوا إلى "خداش بن زهير" شعراً آمن به بالله، ثم نسبوا له قوله: وبالمروة البيضاء يوم تـبـالة  ومحبسة النعمان حيث تنصرا

والمروة البيضاء،هي ذو الخلصة، ثم هو يقسم بمحبسة النعمان، وهو نصراني.أفلا يدل هذا على وجود تنافر أو تناقض في عقيدة أمثال هؤلاء الشعراء ? والذي لا وقوف له على طبائع أهل الجاهلية، يرى هذا الرأي، أو يذهب إلى أن هذا الشعر مصنوع مفتعل. أما الذي يعرف عادة العرب في القسم، فلا يستغرب منه ولا يرى فيه تنافراً، فقد كان الجاهليون يقسمون بكل شيء، يقسمون بالشجر وبالحجر وبالكواكب، وبالليل وبالنهار، وبالأصنام، وبعمر الإنسان وبحياتهم وبلحى الرجال، وبالأصنام وبالمعابد، وبألله، وبالخبز والملح، لا يرون في ذلك بأساً ولا تناقضاً مع عقيدتهم. هذا "عديّ بن زيد" العبادي، يقسم بمكة، وهو نصراني، لا يري للكعبة في دينه حرمة ولا مكانة. أقسم بها على قاعدة العرب في القسم، وقد أقسم بأمور أخرى من أمور أهل الجاهلية الوثنيين، ولم يذكر أحد أنه بدل دينه، وصار وثنياً. وكذلك الأمر مع غيره من شعراء نصارى ويهود وعبّاد أصنام، أقسموا برهبان النصارى وباًمور نصرانية، مع أنهم كانوا عباّد أوثان.

ومن القائلين بالرأي الأخير، "نولدكه". فقد ذهب إلى ان رواة الشعر وحملته في الإسلام هم الذين أدخلوا اسم الجلالة في هذا الشعر، وذلك بأن حذفوا منه أسماء الأصنام، وأحلوّا محلها اسم الله. فما جاء فيه اسم "اللات" حل محله اسم "الله". وقد ذهب أيضا إلى ان رواة الشعر في الإسلام حذفوا من شعر الجاهليين ما لم يتفق مع عقيدتهم، وما وردت فيه أسماء الأصنام. ومن جملة ما استدل به على أثر التغيير والتحريف في الشعر الجاهلي ورود كلمة "الرحمان" في شعر شاعر جاهلي من هذيل، زعم ان ورود هذه الكلمة في هذا الشعر دليل كاف لاثبات أثر التلاعب فيه، لأن هذه اللفظة اسلامية استحدثت في الإسلام، ولا بمكن أن ترد في شعر شاعر جاهلي. وقد فات "نولدكه" صاحب هذا الرأي ان الكلمة بهذا المعنى كلمة جاهلية، وردت في نصوص المسند وفي نصوص جاهلية أخرى، وان من جملة من استعملها "أبرهة" الحبشى في نصه الشهير المعروف بنص سد ماًرب، وان قومأَ من الجاهليين تعبدوا للرحمان، على نحو ما تحدثت عن هذه العبادة في موضع آخر من هذا الكتاب.

وادعاء أن لفظة "الله" لم تكن موجودة في الأصل، وإنما أقحمت فيه من بعد، وذلك بإزالة رواة الشعر لأسماء الأصنام النبي ذكرها أولئك الشعراء، واحلالهم اسم الله في محلها، حتى ظهر ذلك الشعر وكأنه شعر شعراء موحدين يعتقدون بوجود إلَه واحد. هو تعليل فيه شيء من التكلف، فليس كل شعر فيه اسم الأصنام بصالح لقبول الجلالة، فقد لا يستقيم من حيث الوزن أو المعنى بإدخال تلك اللفظة في موضع اسم الصنم. ثم إن من الشعر الجاهلي المروي في الإسلام ما بقي محافظاً على اسم الصنم دون أن يمس ذلك الاسم بسوء. ولو كان من عادة الرواة حذف اسم الأصنام عامة لما تركوا لها بقية في الشعر. ثم ما هي الفائدة التي يجنيها إلرواة من طمس أسماء الأصنام، وهم يعلمون أن أهل الجاهلية كانوا وثنيين، يدينون بالأصنام، وكانوا يقسمون بها، وقد رووا أمثلة من ذلك القسم ! أما "ولهوزن"، فيرى أن عدم ورود أسماء الأصنام في الشعر الجاهلي إلاّ في النادر وإلا في حالة القسم أو في أثناء الإشارة إلى صنم، أو موضع عبادة، ليس بسبب تغيير الرواة الإسلاميين وتبديلهم لأسماء الأصنام. وإنما سببه هو أدب الجاهليين وعادتهم في عدم الإسراف والإسفاف في ذكر أسماء الآلهة الخاصة، وذلك على سببل التأدب تجاه الأرباب، فاستعاضوا عن الصنم يلفظة "الله" التي لم تكن تعني إلهاً معيناً، وإنما تعني ما تعنيه كلمة ربّ وإلَه. ومن هنا كثر استعمالها في القسم وفي التمني أو التشفي وأمثال ذلك من حالات.

ويرى "ولهوزن" أن لفظة "الله" كانت بهذا المعنى في الأصل. كانت تعني إلهاً على وجه التعميم، دون التخصيص، أي أنها لا تشير إلى إله معين. استعملتها كل القبائل بهذا المعنى، فهي صفة تشير إلى الألوهية المجردة، وإن كان أفراد كل قبيلة يقصدون بها صنمهم الخاص بهم. استعاضوا بها عن ذكر اسم الصنم. وان استعمالها جملا مثل: "حاشا لله" و "للهِ درك" و "لاها الله"، و "تا لله"، و "ايم الله"، و "لحا الله"، و "جزى الله"، و "جعلني الله فداك"، و "لك الله"، و "أرض الله"، وأمثالها، هو من هذا القبيل، الله فيها بمعنى الرب والإلهَ، ولما كانت أداة التعريف تفيد التخصيصى، فدخولها في اسم الجلالة أفاد التخصيص والعلمية. وهذا ما حدث، إذ فقدت الكلمة معناها العام، واتجهت نحو التخصص حتى صارت بهذا المعنى الذي صارت عليه في الإسلام.

وقد ذهب مستشرقون آخرون الى صحة ورود لفظة الجلالة في الشعر الجاهلي. كما ذهبوا إلى ان ورودها في القرآن الكريم أو في الحديث، لا يمنع من ورودها في الشعر الجاهلي، ولا يكون سبباً للطعن في ذلك الشعر، لأن من الجاهليين من كان يؤمن بوجود إلهَ هو فوق الآلهة عندهم، فورود اسمه في شعرهم، ليس باًمر غريب.

وورود اسم الجلالة في أشعار الجاهليين يحملنا على البحث في أصله: هل هو اسلامي محدث، أو هو اسم جاهلي قديم ? وبحث مثل هذا يجب ان يستند إلى النصوص. غير اننا ويا للأسف لا نملك نصاً جاهلياً يمكن أن يفيدنا في هذا الباب، فكل النصوص الجاهلية التي وصلت إلينا خُرس لم تنطق بشىء عن اسم الجلالة، فليس أمامنا إلا اللجوء إلى الطريقة المألوفة في مثل هذه الأحوال، وهي الرجوع إلى آراء علماء اللغة، والى المقابلة بين العربية واللهجات السامية الأخرى. أما آراء علماء اللغة، فإنها مثل آرائهم الأخرى في أصول الكلمات الصعبة التي على شاكلتها، كلها حدس وتخمين. ولا يمكن أن بسُتنبط منها شيء تاريخي، يرجعك إلى أول عهد ظهرت فيه هذه اللفظة، والى المراد منها. وأما المستشرقون، فمنهم من يرى ان اللفظة عربية اصيلة، ومنهم من يرى انها من "الاها" Alaha ومعناها "الإلهَ" بلغة "بني إرم". أما الذين قالوا بعربيتها، فيرون انها من "اللات"، اسم الصنم المعروف، تحرف وتولد منه هذا الاسم.

واللفظة "الله" من أصل "إلاه"، أي "رب"، و "بعل"، وهي من الألفاظ السامية القديمة. ويقال "إلهة" "إلاهة" للانثى. لأن من الجاهليين من تعبد للالهة الأناث. وتقابل "ه - اله" "ها الاه" "ه الاه" في النصوص الثمودية، أي "اللَه"، كَما ترد هذه اللفظة في نصوص عربية أخرى مثل النصوص اللحيانية.

ويلاحظ ان لفظة "اللّه" هي من التسميات التي وردت في النصوص الشمالية، ويدل ورودها في هذه النصوص على تاًثر العرب الشماليين بمن اختلطوا بهم من الشعوب التي كانت تقيم في شمال جزيرة العرب، وأخذهم عبادة هذا الإلهَ منهم. ولم تكن هذه اللفظة اسم علم في الأصل، ثم تخصصت على مايظهر من النصوص المتأخرة، فصارت تدل على إلهَ معين ثم على إلهَ واحد أحد هو إلهَ الكون في الإسلام.

وبذكر علماء اللغة ان "لاه" الله الخلق يلوههم خلقهم، واللآهة الحية، منها سميّ الصنم اللات بها، وجوز "سيبويه" اشتقاق اسم الجلالة منها. قال الأعشى: كدعوة من أبي كبار  يسمعها لاهه الكبار

ولاه: علا وارتفع. وسميت الشمس إلاهة لارتفاعها في السماء. وذكروا ان "ال" اسم الله، وكل اسم اخره ال أو ايل، فمضاف إلى اللّه، ومنه جبرائيل وميكائيل، فهو "ايل" اذن، إلهَ جميع الساميين القديم.

وتعداد المواضع التي وردت فيها لفظة الجلالة أو لفظة إله والإله في الشعر الجاهلي، يخرجنا عن صلب الموضوع، ويحعل البحث جافاً مملاً. غير أن في استطاعتنا أن نقول إنها وردت في أكثر ذلك الشعر إن لم نقل فيه كله. وأن ورودها فيه يشير الى اعتقاد أصحاب ذلك الشعر بإله واحد قهار هو إله العالمين.

غير أن هذا القول يتوقف، بالطبع على إثبات أن ذلك الشعر هو شعر جاهلي حقاً، وأن من نسب اليهم قالوه من غير شك، وأنه لم يوضع على ألسنة أولئك الجاهليين.

الاعتقاد بإله واحد

والذي يفهم - وذلك كما سبق أن قلت - من القرآن الكريم ومن الحديث أن قريشاً ومن كان على اتصال بهم، أو غيرهم من قبائل أخرى، لم يكونوا ينكرون عباده اللّه، ولم يكونوا يجحدون اللّه، بل كَانوا يقرون بوجوده، ويدينون له، وإنما الذي أنكره الإسلام عليهم وحاربهم من أجله وسفه أحلامهم عليه، هو تقربهم إلى الأصنام والأوثان، وتقديسهم لها تقديسأَ جعلها في حكم الشركاء والشفعاء ومرتبة الألوهية. والإسلام لا يعترف بهذه الأشياء، وهو ينكرها، ومن هنا حاربته قريش ومن كان على هذه العقيدة من حلفائها ومن القبائل إلتي كانت ترى رأيها. فهنا كان موطن الخلاف " لا عقيدة الإيمان باللّه. وإذا أخذنا بهذا الرأي، رأي اعتقاد الجاهليين أو بعضهم بإله واحد، نكون بذلك قد حللنا عقدة الازدواجية، أي العقيدة الثنائية عند الجاهليين ووجودها في شعرهم، فلا نجد عندئذ فى غرابة إذا وجدنا شاعرا يذكر الله في شعره ويحلف به، ثم نجده يذكر الأصنام في الشعر نفسه، ويقسم بها قسمه بالله.

ويكاد يكون الاجماع على ما تقدم. قال ابن قيم الجوزية في معرض مقارنته بين آراء المجوس وعبدة الأوثان من العرب: "بل كفر المجوس أغلظ. وعبّاد الأوثان كانوا يقرون بتوحيد ااربوبية، وأنه لا خالق إلا الله، وأنهم إنما يعبدون آلهتهم لتقربهم إلى الله سبحانه وتعالى ولم يكونوا يقرون بصانعين للعالم أحدهما خالق للخير والاخر للشر كما تقوله المجوس ". فالوثنية على هذا الرأي، ليست نكراناً لوجود إلهَ، وإنما هي اعتقاد بوجوده، واعتقاد بفائدة التقرب اليه، بتقربهم إلى الأصنام والأوثان، أي الشفعاء، بمافي ذلك المبالغة في تقديس الأشخاص والقبور.

ولا نجد للعرب إلهاً قومياً خاصاً بهم كالذي نجده عند العبرانيين من تعلقهم ب "يهوه"، وعدهم اياه إلهاً خاصاً باسرائيل. فقد صار هذا الإلهَ إله جميع قبائل اسرائيل ويهوذا. أما العرب، فقد كانوا يعبدون جملة آلهة: كل قبيلة لها إلهَ خاص بها وآلهة أخرى، ولم يكن لها إلَه واحد له اسم واحد يعبده جميع العرب. والظاهر ان القبائل الساكنة في الحجاز ونجد والعراق والشأم، صارت قبيل الإسلام تتنكر لأصنامها العديدة، وتأخذ بالتوحيد وبالاعتقاد بإلهَ واحد هو اللّه، وهو الذي نجده في هذا الشعر الجاهلي الذي هو حاصل تغريد شعراء قبائل عديدة مما يدل على ان قبائل اولئك الشعراء دانوا بالاعتقاد بوجود ذلك الإلَه فوق الأصنام والأوثان، وقد توّ جت هذه العقيدة بتاج النصر في الإسلام. غير ان "الله" في الإسلام يختلف عن الله الجاهليين. فالله هو إلهَ العالمين، إلَه جميع البشر على اختلافهم. ليس له شريك من أصنام وأوثان.

أما الله الجاهليين، فهو رب الأرباب، وإلهَ الآلهة، يسمو فوق آلهة القبائل أي آلهة القبيلة الواحدة. ولهذا ذكر في شعر شعراء مختلف القبائل، لأنه لايختص بقبيلة واحدة.

ويقال لما يعبد من دون الله: الأنداد. وفي كتاب النبي لأكيدر: وخلع الأنداد والأصنام. والند: مثل الشيء والنظير " وفي التنزيل: واتخذوا من دون الله أنداداً، أي ما كانوا يتخذونه آلهة من دون الله.

والله إلَه ذكر. وكيف لا يتصور الإنسان إلهه ذكراً، والذكر هو قوي مقتدر بخلاف الأنثى ! وحيث أن الله هو قوي ومصدر القوة والخلق، فلا بد وأن يكون ذكواً في عقلية تلك الأيام، ولا بد من التعبير عنه بصيغ التذكير. كما يلاحظ أن الجاهليبن قد تصوروه واحداً، فلم يخاطبوه بصيغة الجمع، مما يفهم منه التعدد.

ولم يتطرق الشعر الجاهلي إلى موضوع وجود إلهة أي أنثى تكون زوجاً له. ولم يشر القرآن الكريم إلى اعتقاد الجاهليين بوجود زوجة له. فهو في نظرهم إذن إله واحد متفرد لا يشاركه مشارك في حياته. وإذ كان الله واحداً أحداً أعزبَ، فلا يمكن أن يكون له ولد. ولكن القرآن الكريم يشير إلى اعتقاد الجاهليين بنينُ و بنات لله. ففي سورة الانعام: )وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم، سبحانه وتعالى عما يصفون(. وقد ذهب المفسرون إلى ان العرب قالت الملائكة بنات الله، وقالت اليهود والنصارى عزبر والمسيح ابنا الله، وأن النصارى قالت المسيح ابن الله، وقال المشركون الملائكة بنات الله. وفي سورة النحل )ويجعلون للَه البنات سبحانه ولهم ما يشتهون"، وفي سورة الصافات )فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون(، )ألا إنهم من إفكهم ليقولون: ولد الله وانهم لكاذبون. اصطفى البنات على البنين. مالكم كيف تحكمون(، وفي سورة الزخرف )أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين( وفي سورة الطور )أم له البنات و لكم البنون(. وأجمعوا على أن قريشاً وأضرابهم كانوا يزعمون أن الله اصطفى الملائكة بناتاً له. ولم يذكروا كيف صاروا له بناتاً، وقد ورد في بعض الروايات أن كفار قريش قالوا: "الملائكة بنات الله. فسأل أبو بكر من أمهاتهن ? فقالوا: بنات سروات الجن". وورد في بعض أقوال علماء التفسير، ان "أعداء الله" زعموا: ان الله وابليس اخوان. ولم يذكروا من هم "أعداء الله" أهم من العرب أم من غيرهم !

. ويظهر ان الذين آمنوا بوجود إلَه، تصوروا مكانه فوق الإنسان، اي فوق الأرض، في السماء. لذلك كانوا اذا توجهوا اليه بالدعاء رفعوا أيديهم إلى السماء. والسماء، المكان المرتفع اللائق بان يكون مقر الرب أو الأرباب. وهو اعتقاد نجده عند غير الجاهليين أيضاً، ومن هذه النظرة ظهر "بعل سمين" "بعل سمن"، أي "رب السماء" و "إلَه السماء" المذكور في بعض نصوص المسند، وهو إلَه قبيلة "امر" "أمر" من القبائل العربية الجنوبية. الإلَه المرسل للسحاب ومنزل الغيث وباعث الحركة والخصب والخير للناس. وقد تعبد له الصفويون كذلك، وذكر في نصوصهم. وعرف عندهم ب " ه - بعل سمن".

ولهذه النظرة اتخذ زهادهم لهم معابد خلوية على قمم الجبال وعلى الهضاب والمرتفعات وابتنوا الصروح للتعبد فيها ومناجاة الرب، واتخذوا من الكهوف المنقورة في الجبال مآوي يتعبدون فيها ويعتكفون الأيام والشهور والسنين. وكانوا اذا أمسكت السماء قطرها، وأرادوا الاستمطار، أصعدوا البقر في جبل وعر، وقد أضرموا النار في السلع والعشر المعقودين في أذنابها، وهم يتبعون آثارها، يدعون الله ويستسقونه. ولولا اعتقادهم ان الجبل أقرب إلى الله من الأرض، لما اتعبوا أنفسهم، فصعدوا الجبل المرتفع مع بقرهم، فكان أَستسقاءهم من الأرض.

الجبر والاختيار

هذا وأود ان ابين ان اكثر الذين كانوا يدينون يالتوحيد، ويعتقدون بوجود إلَه واحد خلاّق لهذا الكون، كانوا يؤمنون بما نسميه: "القضاء والقدر" أو "الجبر" بتعبير أصح. فالخير والشر من الله، وكل شيء في هذا الكون محتوم مكتوب، وما يصيب الإنسان، لا بد ان يكون قد كتب عليه، ولا راد لما هو مكتوب، بل نجد هذه النظرة حتى عند من لم يأت اسم الله في شعره، فلا ندري أكان من المؤمنين بالله ام لا. وفكرة ان كل شيء في هذا الكون مقدر محتوم، فكرة قديمهّ غلبت على عقلية الشرقيين، بسبب الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والعسكرية التي كانت سائدة اذ ذاك، أوضاع جعلت الغالبية من الناس تشعر انها مسخرة، وانها تدفع في حياتها دفعاً وفي سبيل خدمة النخبة المتحكمة، المسيرة للامور، أضف إلى ذلك تأثير عامل الجو في الإنسان. وقضية الجبر والاختيار، قضية لا نجدها عند المؤمنين بوجود إلهَ هو "الله"، أو آلهة أخرى من الجاهليين فقط، بل نجدها عند غيرهم أيضاً ممن لم يكن يقر بعبادة "الله"، وينكر وجود خالق، نجدها عند ممن كان يتعبد للاصنام، أو للقوى الخفية، أو لا يدري أي شيء عن الآلهة والخلق، أو من الدهربة، القائلين بالدهر. فهؤلاء أيضاً كانوا يعتقدون أن الإنسان، مسير ولا اختيار له في هذه الدنيا، فكل شيء مكتوب عليه. كتب عليه منذ ولد. والسبب، هو ما قلته: وجود عوامل عديدة سيرت الإنسان واستعبدته من أوضاع سياسية واجتماعية وعسكرية واقتصادية ومناخية تحكمت فيه، حتى رسخ في عقل الجاهلي، أن كل شي في هذه الدنيا مقدر مكتوب، وأن ما كتب على الجبين، لا يمكن تغيره ولا تبديل له،ولا اعتراض على ما هو مكتوب، ولا راد لأمر كتب في السماء.

الموت

وفي مطلع قائمة الموضوعات التي أثارت البشريهَ ولا تزال تثيرها قضية الموت الذي هو ضد الحياة والعالم الثاني الذي يصير اليه الإنسان بعد الموت. إن الموت اْمر مخيف راعب يثير مشاعر كل انسان. فما الذي سيكون مصيره بعد الحياة، وإلى أي مكان سيتجه بعد هذه الحياة، وهل الموت انطفاء لشعلة الحياة وانحلال للجسد إلى الأبد ? أو هو مرحلة من حياة إلى حياة أخرى يحيا فيها الإنسان حياة جديدة، ويبعث بعثاً جديداً يبعثه من خلقه ? ثم ما الذي سيكون عليه في العالم الثاني ? هل يعيش عيشة راضية مطمئنة، عيشة تفوق معيشته في عالمه الأول ? أم سيعيش عيشة أخرى ? إما راضية ناعمة، وإما شقيّة تعسة بحسب عمل الإنسان وما قدمه لنفسه من عمل في العالم الأول ? هذه الأسئلة وعشرات من أمثالها شغلت بال الإنسان البدائي والراقي ولا تزال تشغله. كل وجد لها أجوبة، وكل قنع بما أجاب به عنها، ورضى بها. وكانت للجاهليين على اختلافهم آراء في هذه المشكلات لا شك في ذلك.

والموت في كلام العرب: السكون. يقال مات بمعنى سكن. وهذا هو المعنى المفهوم للموت عند الجاهليين. فالمراد من الموت هو سكون الجسد بعد مفارقة الروح له. وقد حار الجاهليون، كما حار غيرهم في تفسير ظاهرة الموت، وكيفية وقوع الموت وحدوثه. وقد اعتبره بعضهم حدثاً طبيعياً، يحدث للانسان كما يحدث لاْي شيء آخر في هذا الكون من التعرض للهلاك والدمار.واعتبره بعض آخر، مفارقة الروح للجسد. وهم الذين أعتقدوا بالثنائية وبالازدواجية في حياة الإنسان، أي بوجود جسد وروح. واعتبره آخرون موت للنفس، وبوفاة النفس يتوفى الجسد ويصيبه السكون. فالموت عندهم مفارقة الروح للجسد، فإذا مات الإنسان خرجت روحه من أنفه، أو من فمه، فينفض الإنسان نفَسًه. واذا مات ميتة طبيعية، يقال عن الميت: مات حتف أنفه، ومات حتف فيه، أي ان روحه خرجت من أنفه أو من فمه، وهو قليل، لأن النفس في نظر اهل الجاهلية تخرج بتنفسه، كما يتنفس من أنفه. ويقال أيضأَ حتف أنفيه.

وكانوا يعتقدون أن المريض تخرج روحه من أنفه، وأما القتيل، والجريح، فتخرج روحه من موضع جرحه.

ويقال: "زهقت نفس فلان"، اي خرجت روحه. فهم يتصورون اذن ان روح الإنسان كائن مستقل اذا فارق الجسد مات. "وفي الحديث: إن النحر في الحلق واللّبة، وأقروا الأنفس حتى تزهق، اي حتى تخرج الروح من الذبيحة ولا يبقى فيها حركة.

و "الرمق" بقيه الحياة، أو بقية الروح، وآخر النفس. فكَأنهم تصوروا ان الشخص المريض أو الجريح،.قد ودع معظم نفسه، ولم تبق كل من روحه إلا بقية لا تزال في جسده، هي الرمق.

البعث

لم يكن كثير من الجاهليين يؤمنون بالبعث كما يتبين ذلك من القرآن الكريم. لقد كانوا يرون أن الموت نهاية، وانهم غير مبعوثين، وأن البعث بعد الموت شيء غير معقول، لذا تعجبوا من قول النبي بوجود البعث والحساب. )وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين(، )وأقسموا بالله جهد ايمانهم لا يبعث اللّه من يموت، بلي وعداً عليه حقاً ولكن أكثر الناس لا يعلمون(، )وقالوا اذا كناّ عظاماً ورفاناً إنّا لمبعوثون خلقاً جديداً. قل: كونوا حجارة أو حديداً أو خلقاً مما يكبر في صدوركم، فسيقولون: من يعيدنا ? قل:الذي فطركم أول مرة: فسينفضون اليك رؤوسهم، ويقولون: متى هو ? قل: عسى أن يكون قريباً (. و )زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا، قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير(، و ) إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب(، و ) لئن قلت إنكم مبعوثون بعد الموت، ليقولن الذين كفروا إن هذا الا سحر مبين(، و ) بل قالوا مثل ما قال الأولون. قالوا أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمبعوثون (، و )ان تعجب فعجب قولهم: أ إذا كنّا تراباً أإنا لفي خلق جديد(، و ) ايعدكم انكم اذا متم وكنتم تراباً وعظاماً إنكم مخرجون. هيهات هيهات لما توعدون. ان هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين(. و )قال الذين كفروا أاذا كنّا تراباً وآباؤنا أانا لمخرجون، لقد وعدنا هذا، نحن وآباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين. قل: سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين. ولا تحزن عليهم ولا تكن في ضيق مما يمكرون. ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين. قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون (، و ) وقالوا: أاذا ضللنا في الأرض أانا لفي خلق جديد، بل هم بلقاء ربهم كافرون. قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم، ثمّ إلى ربكم ترجعون(ا. و)إن هؤلاء ليقولون: إن هي إلا موتتنا الأولى وما نحن بمنشرين. فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين(. والايات المتقدمة وأمثالها كلها حكاية عن رأي كثير من الجاهليين في نفي البعث وفي عدم امكان العودة إلى حياة أخرى بعد موت يهلك الجسم ويفني العظام فيجعلها رميماً وبمحو كل أثر للجسم، لذا كان البعث من أهم ما عارض فيه الجاهليون معارضة قاسية شديدة، وكان من الموضوعات التي تندروا بها وسخروا وآخذوا عليها الرسول. وكانوا يقولون: "إِن هي إلا موتتنا الأولى التي نموتها. وهي الموتة الأولى، وما نحن بمنشربن بعد مماتنا ولا بمبعوثن تكذيباً منهم بالبعث والثواب والعقاب". وقالوا للرسول: "فأتوا بآبائنا الذين قد ماتوا ان كنتم صادقين ان اللّه باعثنا من بعد بلانا في قبورنا،ومحيينا من بعد مماتنا"، وقالوا: ""ذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمبعوثون ? يقولون منكرين بعث الله اياهم بعد بلائهم. أئنا لمبعوثون احياء من قبورنا بعد مماتنا ومصيرنا تراباً وعظاماً قد ذهب عنها اللحوم. أو آباؤنا الاّولون الذين مضوا من قبلنا فبادوا وهلكوا ?".

وكان من محاججة قريش للرسول ومحاولتهم إفحامه وتعجيزه قولهم له يوم اجتمعوا به: "يا محمد ? فإن كنت غير قابل منا شيئ مما عرضناه عليك، فإنك قد علمت انه ليس من الناس احد أضيق بلداً ولا اقل ماءً ولا أشد عيشاً منا. فسل لنا ريك الذي بعثك بما بعثك به فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا، وليبسط لنا بلادنا وليفجر لنا فيها أنهاراً كأنهار الشام والعراق. وليبعث لنا من مضى من آبائنا وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب، فإنه كان شيخ صدق، فنسألهم عما تقول، أحق هو ام باطل، فإن صدقوك وصنعت ما سألناك صدقناك وعرفنا به منزلتك من الله وانه بعثك رسولاً كما تقول ". وسألوه أسئلة اخرى من هذا القبيل، لتعجيزه في اثبات البعث. "جاء عبد الله بن أبيّ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، بعظم حائل فكسره بيده، ثم قال: يا محمد، كيف يبعث الله هذا وهو رميم ? فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، يبعث الله هذا ويميتك ثم يدخلك جهنم"ا. وأتى "أبيّ بن خلف" رسول الله "بعظم حائل ففته ثم ذراه في الريح، ثم قال: يا محمد من يحيي هذا وهو رميم ? قال الله يحييه ثم يميته، ثم يدخلك النار ". و "جاء العاص ابن وائل السهمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعظم حائل ففته بين يديه. فقال يا محمد أيبعث الله هذا حياً بعدما أرم ? قال: نعم يبعث الله هذا، ثم يميتك، ثم يحييك ثم يدخلك نار جهنم ".

وممن أنكر البعث على ما ذكره الأخباريون قوم من قريش كانوا زنادقة أنكروا الآخرة والربوبية، أخذوا زندقنهم هذه من الحيرة. وإذا كان من هؤلاء من كان يقدم القرابين والهدايا لأصنامه، فإن ذلك لا يعني أنه كان يفعل ذلك لترضى عنه في العالم التالي، بل كان يفعل ذلك لترضى عنه في هذه الحياة الدنيا، لتمن عليه بالنعم والخيرات. أما العالم الثاني، فهو عالم لا يهتم به، لأنه لم يكن يتصور وجوده ولا حدوثه بعد الموت.

ويتجلى هذا الانكار للحشر والبعث في أبيات. تنسب إلى "شدّاد بن الأسود ابن عبد شمس بن مالك" يرثي بها قتلى قريش يوم بدر، وهم الذين قتلوا في تلك المعركة وألقوا في القليب: أيوعدني ابن كبشة أن سنحيا  وكيف حياة أصداء وهام ?

أيعجز أن يرد الموت عني  وينشرني إذا بليت عظامي

أراد الشاعر إنكار البعث،وأن يصير الإنسان مرة أخرى انساناٌ بعد أن تتحول روح الإنسان إلى طير.

وذكر ان "الحارث بن عبد العزى" ابو رسول الله من الرضاعة، لما قدم مكة، قالت له قريش:" ألا تسمع يا حار ما يقول ابنك هذا ? فقال: وما يقول: قالوا: يزعم ان الله يبعث بعد الموت، وان لله دارين يعذب فيها من عصاه، ويكرم فيها من أطاعه. فقد شتت أمرنا وفرّق جماعتنا"ا.

فهم ينكرون البعث والحساب، ولا يريدون سماع شيء عنهما، ولا يصدقون عودة الروح إلى الجسد بعد أن فارقته، فذلك عندهم من المستحيلات، ولذلك سخروا من البعث لما سمعوا به. وكيف يكون. بعثاً وقد فنت الأجساد، فلم تبق منها بقية! فرأي من أنكر الحشر والبعث من أهل الجاهلية، ان الحياة حياة واحدة، هي حياتنا التي نحن فيها في دار الدنيا، ولا يكون بعد الموت بعث ولاحساب، نحيا ونموت، يموت بعضنا ويحيا بعضنا، وما يميتنا إلا الأيام والليالي، اي مرور الزمان وطول العمر. فالحياة اذن حياة وموت في هذه الدنيا، وهي استمرار للاثنين على مدى الدهر، يولد انسان ثم يموت ليحل محله انسان آخر، وهكذا بلا انتهاء.

ونجد رأي الناكرين للبعث في قوله تعالى: ) وقالوا: ما هي إلا حياتنا الدنيا، نموت ونحيا، وما يهلكنا الا الدهر (. فهم يقولون: ما هي الا حياتنا الدنيا، نموت نحن ويحيا أبناؤنا بعدنا، فجعلوا حياة ابنائهم بعدهم حياة لهم، لأنهم منهم وبعضهم، فكأنهم بحياتهم أحياء. والدهر الزمان، وهو الذي يهلك ويفنى. فالحياة بهذا المعنى، فعل مستمر، وتطور لا ينتهي، يهلك جيل، ليأخذ محله الجيل الذي نبت منه. وكلّ يأخذ دوره في هذه الحياة، فإذا انتهى دور انسان، قام بدوره نسله، وهكذا، وبهذا المعنى تفسر الحياة، ويفسر الموت.

وقد يسأل سائل اذا كان أغلب أهل الجاهلية لا يؤمنون بثواب ولا بحساب وبعث ونشر، فلمَ تعبّدوا اذن لإلهَ، وتقرّبوا إلى الأصنام، وقدّ موا القرابين والنذور ? وجوابي على هذا السؤال، هو ما ذكره المتقدمون عنه. قالوا:

"كانت العرب في الجاهلية تدعو في مصالح الدنيا فقط، فكانوا يسألون الإبل والغنم والظفر بالعدوّ، ولا يطلبون الآخرة، اذ كانوا لا يعرفونها ولا يؤمنون بها ". فعبادتهم الله وتقربهم إلى الآلهة، هي لمصلحة دنيوية، لنفع ولزيادة في مال، ولدفع شر الأذى والأمراض وعيون الحساد، ومن كل ما هو شر، أما الاخرة، فلا علم لهم بها.

وما خوفهم من الآلهة إلا لاعتقادهم أنها تضرهم وتهلكهم وتنزل بهم الشرّ في هذه الدنيا. فإذا أقسم أحدهم كذباً، انتقمت الآلهه منه وأنزلت به نازلة، لذلك تجنبوا الايمان الكاذبة، وامتنعوا من الحلف جهد إمكانهم، لخوفهم من عاقبة الحلف الكذب. والعاقبة السيئة تكون في هذه الدنيا. وهي عواقب مادية، لأن عقلية اكثر اهل الجاهلية لا تدرك إلا القيم المادية للاشياء. فتصوروا العاقبة السيئة تصورا مادياً، كنزول مرض بإنسان أو نزول كارثة بماله أو بإبله أو بزرعه أو بأهله، وهي أمور يخشاها الجاهلي، تكون معجلة في نظره، اي في هذه الدنيا. لأنهم لا يعرفون أن في الحياة داراً غير هذه الدار، ولا يؤمنون بحشر وبعث.

جاء في الأخبار ان "ضمام بن ثعلبة" السعدي، ويقال التميمي، لما قدم على الرسول، اقبل حتى وقف على رسول الله، وهو في اصحابه، فقال: أيكم ابن عبد المطلب ? فقال رسول الله.: انا ابن عبد المطلب، قال: أمحمد? قال: نعم. قال: يا ابن عبد المطلب إني سائلك ومغلظ عليك في المسئلة فلا تجدنّ في نفسك. قال: لا اجد في نفسي. سل عما بدا لك. قال انشدك باللهِ إلهك وإلهَ من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك الله امرك ان نعبده وحده لا نشرك به شيئاً، وان نخلع هذه الأوثان التي كان آباؤنا يعبدون معه ? قال: اللهم نعم. ثم سأله عن الفرائض، فاسلم. فلما قدم على قومه، فاجتمعوا اليه، "فكان أول ما تكلم به، ان قال: بئست اللات والعزى، قالوا: مه يا ضمام اتق البرص، اتق الجذام، اتق الجنون. قال: ويلكم انهما والله ما يضران وما ينفعان". فالعقاب عقاب مادي في هذه الدنيا، ترسله الالهة على الإنسان.

غير ان فريقاً من الجاهليين كما يقول أهل الأخبار كان يؤمن بالبعث وبالحشر بالأجساد بعد الموت، ويستشهدون على ذلك ب "العقيرة" وتسمى "البلية" أيضاً. والبلية الناقة التي كانت تعقل عند قبر صاحبها اذا مات حتى تموت جوعاً وعطشاً. ويقولون انه يحشر راكباً عليها، ومن لم يفعل معه هذا حشر راجلاً. وهذا مذهب من كان يقول منهم بالبعث، وهم الأقل. ومنهم زهير فإنه قال: يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر  ليوم حساب أو يعجل فينـقـم

ويذكر أيضاً انهم كانوا يعكسون رأس الناقة أو الجمل أيَ يشدونه إلى خلف بعد عقر احدى القوائم أو كلها لكيلا تهرب، ثم يترك الحيوان لا يعلف ولا يسقى حتى يموت عطشاً وجوعاً،ذلك لأنهم كانوا يرون ان الناس يحشرون ركباناً على البلايا ومشاةً اذا لم تعكس مطاياهم عند قبورهم،وفي هذا المعنى قال الشاعر في البلية: والبلايا رؤوسها في الولايا  مانحات السموم حر الخدود

والولايا هي البراذع، وكانوا يثقبون للبرذعة فيجعلونها في عنق البلية وهي معقولة. وأوصى رجل ابنه عند الموت بهذه الوصية: يا سعدُ اما أهلـكـن فـإنـنـي  أوصيك إن أخا للوصاة الأقرب

لا تتركن أباك يمشي خلـفـهـم  تعباً يخرّ على اليدين وينـكـب

احمل أباك على بعير صـالـح  وابقّ الخطيئة إنه هو أصـوب

ولعلّ مالي ما تركـت مـطـيّة  في اليم أركبها إذا قيل اركبـوا

وذكر أنهم كانوا يحفرون البلية حفرة وتشد رأسها إلى خلفها وتبلى، أي تترك هناك لا تعلف ولأ تسقى حتى تموت جوعأَ وعطشاً. وكانت النساء، يقمن حول راحلة الميت فينحن إذا مات أو قتل، وقد عرفن ب "مُبَكيّات ".

وفي رواية أن بعض المشركين كان يضرب راحلة الميت بالنار وهي حية حتى تموت، يعتقدون أنهم إنما يفعلون ذلك، ليستفيد منها الميت بعد الحشر.

وإذا كانت عقيدة الجاهليين فُي عقر الحيوانات المسكينة وإهلاكها قد ماتت وزالت، بسبب تحريم الإسلام لها، فإن فكرة حشر الناس ركباناً لا تزال باقية حية عند بعض الناس. فالذبن يقدمون "العقيقة" في الحياة أو يقدمونها حين الوفاة ومع نقل الجنازة أو على القبر، يختارون أحسن الحيوانات وأقواها لتتمكن من حملهم يوم الحشر، وتنهض بهم، فيسير راكباً، ولا يحشر وهو مترجل يسير في تلك الساعات الرهيبة ماشيأَ على قدميه.

ويقال للموت وللحساب "اللزام ".

ولا أعتقد أن نحر الإبل على القبر وتبليله بدم الإبل المذبوحة، مجرد عادة يراد بها إظهار تقدير أهل الميت له، أو تمثيل كرم الراحل حتى بعد وفاته، بل لا بد أن يكون هذا النحر من الشعائر الدينية والعقائد الجاهلية التي لها علاقة بالموت وباعتقادهم أن موت الإنسان لا يمثل فناءً تاماً وإنما هو انتقال من حال إلى حال.

وذكر "السكري"، أن أكثر العرب كانوا يؤمنون بالبعث. واستشهد على ذلك بشعر للأعشى، ذكر فيه الحساب. كما ذكر أنهم كانوا يؤمنون بالحساب، واستشهد على رأيه هذا بشعر للأخنس بن شهاب التميمي. وقول "السكري" هذا مردود،بما ورد في القرآن الكريم من إنكار أغلبهم للحساب والبعث والكتاب، واما الذين قالوا بالبعث، فهم طائفة لا تصل إلى مستوى الكثرة أو الكلّ حتى نستعمل صيغة التعميم.

وإذا كان ما تصور أهل الجاهلية عن البعث والحشر صحيحاً على نحو ما ذكره أهل الأخبار، فلا يستبعد أن يكون القائلون به أو بعضهم قد تصوروا الحساب على نحو ما يحاسب الإنسان على عمله في دنياه. ويلاحظ أن القيامة والبعث والحشر والجنة والنار هي من الكلمات العربية التي لا يستبعد أن يكون لها مفهوم قريب من مفهومها الإسلامي عند الجاهلين.

أما كيف تصور أولئك الجاهليون حدوث البعث والحشر،هل هو قصاص وثواب وعقاب وحساب وجنةّ ونار، أو هو بعث وحشر لا غير، فأهل الأخبار لم يأتوا عنه بجواب، ولم يذكروا رأي تلك الفئة المقرة بالبعث والحشر في ذلك. ولهذا فليس في استطاعتنا إعطاء صورة واضحة عن الحشر وعما يحدث بعده من تطورات وأمور.

ولم تتحدث الكتابات الجاهلية عما سيحدث للانسان بعد موته. وكل ما ورد فيها هو توسل إلى الآلهة بأن تنزل غضبهأ على كل من يحاول تغيير قبر، أو ازالة معالمه، أو دفن ميت غريب فيه، وان تنزل به الأمراض والآفات والهلاك. ولم تذكر تلك النصوص السبب الذي حمل أهل القبور على التشدد في المحافظة على القبر وعلى ضرورة بقائه ودوامه. فلا ندري اذا كان ذلك عن تفكير بوجود بعث، وبتصور قيام الميت من قبره مرة أخرى، ورجوعه ثانية إلى الحياة، أو إلى عالم ثان، هو عالم ما بعد الموت، ولهذا حرصوا حرصاً شديداً على عدم السماح بدفن أحًد في قبر، إلا اذا كان من أهل صاحب القبر ومن ذوي رحمه، حتى لا يتأذى الميت من وجود الغرباء: وليستأنس بأهله وبذوي قرابته مرة أخرى بعد عودة الحياة اليه، فيرى نفسه محشوراً معهم، ومع من أحبه في حياته،عائشاً معهم، كما كان قد عاش معهم، أو ان حرصهم عاى حرمة القبر، إنما كان عن مراعاتهم لحرمة القبر، وعلى منزلة الموتى، فالمس بحرمة القبر، مسّ بحرمة الميت، وانتهاك لمقامه ولمكانته، ولما كان عليه في هذه الحياة ! وهناك من كان يعتقد ان الميت وان غيب في قبره وانقطعت علاقته بآله وذويه، الا ان روحه لن تموت، وانه يظل وهو في قبره يقظاً، متتبعاً لأخبار أهله. تخبره بها هامته التي تكون عند ولد الميت في محلته بفنائهم، لتعلم ما يكون بعده فتخبره به، حتى قال الصلت بن أمية لبنيه: هامي تخّبرني بما تستشعروا  فتجنبوا الشنعاء والمكروها

واما ما ورد في الشعر الجاهلي من أمر الحشر والنشر والحساب والكتاب والعالم الثاني، فهو مما ورد ودوّن في الإسلام، ولم أجد في رواية من روايات أهل الأخبار ان أحداً من رواة الشعر الجاهلي، ذكر انه نقل ما نقل من هذا الشعر من ديوان جاهلي، أو من كتاب كتب قبل الإسلام. ومع ذلك، فإن هذا المروي عن العالم الثاني قليل، لذلك لا نتمكن لقلته من تكوين صورة واضحة عن ذلك العالم ومن التحدث بطلاقة عن رأي أصحاب هذا الشعر في الحشروالنشر والبعث.

وأما ما ورد في شعر "أمية بن أبي الصلت" عن الحساب والثواب والعقاب والجنة والنار، فهو أوسع ما ورد في الشعر الجاهلي في هذا الموضوع. وأمية، هو الشاعر الجاهلي الوحيد الذي جاء أكثر شعره في نزعات دينية وفكرية، ذلك لأنه كان في شك من عبادة قومه، وكان على شاكلة غيره ممن سئم تلك العبادة، ينهى قومه عنها، ويسفه أحلامها، وقد تاًثر باليهودية وبالنصرانية، وفي شعره اعتقاد بالجنة والنار والبعث. وبصحة المعاد الجسماني، وبوجود الجنة والنار بالمعنى الحقيقي، لا المجازي، وهو يتفق في ذلك مع الإسلام، كما تحدثت عن ذلك في الفصل الخاص بالأحناف.

وكان "الأعشى" ممن يؤمن بالله وبالحساب، وقد استشهد من قال ذلك عنه بأبيات شعر تشعر أنه كان يؤمن بالحساب وبقيام الإنسان بعد الموت لمحاسبته على عمله. من ذلك قوله: يراوح من صلوات المليلـك  طوراً سُجوداً وطوراً جُوَارا

بأعظم منك تُقى في الحساب  إذا النسمات نفضن الغبـارا

وكان "زهير بن أبي سلمى" على مذهب من كان منهم يقول بالبعث، وهم الأقل قال: يؤخر فـيوضـع فـي كـتـاب  فيدخر ليوم الحساب أن يعجل فينقم

وكان "حاتم" طيء من المتألهين، ومن المعتقدين بالحساب. وقد أورد أهل الأخبار له شعراً في ذلك.

البلية والحشر

ولم يذكر أهل الأخبار كيف تصور القائلون بالقيامة وبالحشر من أهل الجاهلية قيام الموتى ومشيهم إلى المحشر: فقد ذكروا ان قوماً من الجاهليين كانوا اذا مات احدهم عقلوا ناقة على قبره وتركوها حتى تبلى، وتسمى لذلك "البلية". وقالوا: "البلية كغنيّة الناقة التي يموت ربها، فتشد عند قبره، فلا تعلف ولا تسقى حتى تموت جوعاً وعطشاً أويحفر لها وتترك فيها إلى ان تموت، لأنهم كانوا يقولون صاحبها يحشر عليها، و "كانوا يزعمون ان الناس يحشرون ركبانأَ على البلايا ومشاة اذا لم تعكس مطاياهم غد قبورهم". وذكر انهم "كانوا في الجاهلية يعقرون عند القبر بقرة أو ناقة أو شاة، ويسمون العقيرة البلية"، "وفي فعلهم هذا دليل على انهم كانوا يرون فيِ الجاهلية البعث والحشر بالأجساد. وهم الأقل. ومنهم زهير". وفي هذا المعنى يقول جريبة بن أشيم: يا سعدُ إما اهلكـنّ فـإنـنـي  أوصيك أن أخا الوصاة الأقربُ

لا أعرفن أباك محشر خلفكـم  تعباً يخرّ على اليدين وينكـب

واحمل أباك على بعير صالـح  وتقى الخطيئة انه هو أصوب

ولقل لي مما جمعت مـطـيّة  في الحشرأركبها اذاقيل:اركبوا

ومن ذلك قول عمرو بن زيد المتمني يوصي ابنه عند موته في البلية: أبني زوّدني اذا فارقتـنـي  في القبر راحلةً برحل فاتر

للبعث أركبها اذا قيل: اظعنوا  مستوثقين معأَ لحشر الحاشر

من لا يوافيه على عثـراتـه  فالخلق بين مدقع أو عاثـر

وقال عويمر النبهاني: أبني لا تنسَ البليةّ إنـهـا  لأبيك يوم نشوره مركوب

وأوصى رجل ابنه عند الموت بهذا: لا تتركنّ أباك يحشـر مـرة  عدواً يخر على اليدين وينكب

وطريقتهم في ذلك أن أحدهم اذا مات، بلوا ناقته، فعكسوا عنقها إلى مؤخرتها مما يلي ظهرها، أو مما يليما كلكلها أو بطنها، ويأخذون ولية فيشدون وسطها، ويقلدونها عنق الناقة، ويتركون الناقة في حفيرة لا تطعم ولا تسقى حتى تموت، وربما أحرقت بعد موتها، وربما سلخت وملىء جلدها ثماماً.

قال شاعر في البليّة: والبلايا رؤوسها في الـولايا  ما نحات السموم حر الخدود

والولايا هي البراذع. وكانوا يثقبون البرذعة، فيجعلونها في عنق البليّة وهي معقولة حتى تموت.

أما كلمة "جهنم"، فيرى العلماء انها من الكلمات المعربة. ويظن المستشرقون أنها من أصل عبراني. ومن أسماء جهنم على رأي علماء اللغة "الهاوية". و" أم الهاوية ".

الفصل الخامس والستون

الروح والنفس والقول بالدهر

ويحملنا قول بعض الجاهليين بوجود البعث، ويالصدى وألهامة، على التحرش بموضوع الروح وماهيتها عندأهل الجاهلية، وعن كيفية تصورهم لها. وقد سأل اهل مكة الرسول عن ماهية الروح، فنزلت الآية: )ويساًلونك عن الروح، قلِ: الروحُ من أمر ربي، وما أوتيتم من العلم الاّ قليلاً ". ويذكر المفسرون أن اليهود حرضوهم على توجيه هذا السؤال إلى الرسول، امتحاناً واحراجاً له. وفي سؤالهم له عن الروح معنى اهتمام القوم بالموضوع، ومحاولة إثارة مشكلة للرسول كانت مهمة في أعين الناس يومئذ، مما يدل على أهمية هذه القضية في ذلك العهد. وورد ان يهود يثرب هم الذين سألوه عن أمر الروح ما هي ? وكيف تعذب الروح التي في الجسد ? فنزل الوحي عليه بالأية المذكورة.

و "الروح" في تعريف علماء اللغة ما به حياة الأنفس، والذي يقوم به الجسد وتكون به الحياة. وذهب بعضهم إلى ان الروح والنفس واحد، غير ان الروح مذكر والنفس مؤنثة. وقال بعض آخر الروح هو الذي به الحياة، والنفس هي التي بها العقل، فإذا نام النائم قبضت نفسه، ولم يقبض روحه، ولا يقبض الروح إلى عند الموت. وذكر بعض العلماء: لكل انسان نفسان: احداهما نفس التمييز، وهي التي تفارقه اذا نام، فلا يعقل بها، والأخرى نفس الحياة، واذا زالت زال معها النفّس، والنائم يتنفس. وقد يراد بالنفس الدم، وفي الحديث: ما ليس له نفس سائلة، فإنه لا ينجس الماء اذا مات فيه. فعبر عن الدم بالنفس السائلة، وكما ورد في قؤل السموأل: تسيل على حد الظبات نفوسنـا  وليست على غير الظبات تسيل

وانما سمي الدم نفساً لأن النفس تخرج بخروجه.

وقد يعبر بها عن الإنسان جميعه، وعن الجسد. وهناك كلمة أخرى ترد في معنى " الروح"، هي "النسيم". و "النسم" نفس الروح كالنسمة، يقال ما بها نسمة، أي نفس، وما بها ذو نسيم، اي ذو روح. والنسم نفس الريح اذا كان ضعيفاً كالنسيم. وقد ربطوا بين النسيم والروح، لما كان قد علق في أذهانهم اذ ذاك من ان الروح نوع من انواع النسيم، وهو النفس الذي يتنفسه الإنسان، ومن ان النفس من النسم كذلك، وان بين التنفس والنفس صلة، والتنفس يكون بالنسيم. ولهذا قالوا لمن يموت موتاً طبيعياً: "مات حتف أنفه"، و "مات حتف فيه"، والحتف الموت، لإن نفسه يخرج بتنفسه من أنفه أو فيه. ولأنهما نهاية الرمق، ومنهما يكون التنفس.

ويظهر من دراسة معاني الكلمات المذكورة، أن لفظة "نفس" هي بمعنى الإنسان والجسد في الشعر الجاهلي القديم، أما "الروح"، فبمعنى النفس، أي التنفس واستنشاق الهواء والريح. وتقابل لفظة "نفس" لفظة "نيفش" Nephesh في العبرانية، وتطلق على نفس كل كائن حي، من إنسان أو حيوان، وبهذا المعنى وردت في العهد القديم. وتقابل لفظة Soul في الانكليزية و Seele في الألمانية. وقد استعملت لفظة" Psyche " اليونانية بمعنى نفس في العهد الجديد. ومن هذه اللفظة اليونانية أخذ العلماء مصطلحهم Psychology Psychologia،أي علم النفس، ثم مصطلحات العلوم الأخرى المتعلقة بموضوع النفس. وهي في الوقت الحاضر علوم عديدة.

أما لفظة "الروح"، فتقابل كلمة "روح" Ruach في العبرانية.، ولفظة Spirit في الانكليزية، و Geist في الألمانية. وتكون في مقابل النفس في علم النفس، وتقابل لفظة Pneuma في اليونانية، ومعناها الهواء والريح والنفس.

ونجد بين المعان التي ذكرها علماء العربية للالفاظ المذكورة، وهي: النفس، والريح، والهواء،.والنسيم، وبين المعاني الواردة في اللغات الأعجمية عنها شبهاً. كبيراً، يرجع إلى وجهة نظر الإنسان في تفسير مظاهر الحياة، وشعوره بوجود شيء في نفسه خارج عن حدود المادة، أي عن الجسم أو الجسد، لا يمكن أن يمسكه ولا أن يلمسه، فسماه "نفساً" تارة وسماه "روحاً" تارة أخرى، وفرق بين الاثنين تارة ثالثة. وقدّ تصور أن النفس والروح، شيئان لهما علاقة بالحياة. فنسب الحياة اليهما أو إلى أحدهما. ونظراً إلى أنهما غير محسوسين، ولا يمكن الامساك بهما أو لمسهما، تصورهما الإنسان تصوراً يختلف باختلاف درجة مداركه ومقدار ثقافته ودرجة ما توصل اليه من علم في ذلك الوقت.

وقد تصور اليونان النفس، على انها هواء ونسيم، وتصوروها على هيأة طائر صغير في شكل الإنسان، أو على شكل طيير، أو فراشة. وهو تصور عرف عند غيرهم ايضاَ، بل يكاد يكون الغالب على الناس. ولا زال الناس يصورون الروح على هيأة طائر، يسبح في الفضاء، فإذا مات الإنسان صعدت روحه إلى خالقها، أو إلى السماء. فالأرواح طيور تكون في الإنسان، اذا انفصلت عن الجسد مات، واخذت هي تطير مرفرفة. في الأعالي، وبهذا الرأي أخذ بعض الجاهليين تفسير النفس. تصوروا "النفس طائراً ينبسط في الجسم، فإذا مات الإنسان أو قتل لم يزل يطيف به مستوحشأً يصدح على قبره". "وكانوا يزعمون ان هذا الطائر يكون صغيراً، ثم يكبر حتى يكون كضرب من البوم، وهو أبدأ مستوحش،ويوجد في الديار المعطلة ومصارع القتلى والقبور، وانها - أي النفس - لم تزل عند ولد الميت ومخلفه لتعلم ما يكون من بعده فتخبره". وزعموا انه أذا قتل قتيل، فلم يدرك به الثار خرج من رأسه طائر كالبومة، وهي الهامة، والذكر الصدى، فيصيح على قبره اسقوني اسقوني، فإن قتل قاتله كفّ عن صياحه. وكان بعضهم يقول ان عظام الموتى تصير هامة وتطير. وذكر ان الصدى حشو الرأس، ويقال لها الهامة أيضاً، أو الدماغ نفسه.

وكان من زعم بعض الجاهليين، ان الإنسان اذا مات أو قتل اجتمع دم الدماغ أو أجزاء منه، فانتصب طيراً هامة، ترجع إلى رأس القبر كل مئة سنة.ويرجع هذا الرأي إلى عقيدة قديمة تعتبر الدم مقراً للنفس، بل تجعل الدم في معنى النفس، والنفس في معنى الدم، وذلك للصلة الوثيقة الكائنة بين الدم والنفس، ولأن الإنسان اذا قتل سال دمه، فتخرج روحه بخروج الدم من الجسم، أي خروج النفس من الدم، بعد ان كانت كامنة فيه. وبمثل هذا الرأي رأي العبرانيين ايضاً في النفس وفي صلتها بالدم، ورأي غيرهم من الشعوب.

وكان اعتقادهم أن مقر الدم ومركز تجمعه في الدماغ، ومن هنا قيل: بنات الهام: مخ الدماغ، فلا غرابة إذا تصوروا ان الروح تنتصب فيه، فتكون هامة تخرج من الرأس، وتطير. ويكون خروجها من الأنف أو الفم، لأن النفس يكون منهما. فتتجمع الأرواح حول القبور، ويكون في وسعها مراقبة أهل الميت وأصدقائه ونقل أخبارهم اليه. ولهذا السبب، تصوروا المقابر مجتمع الأرواح، تطير فيها مرفرفة حول القبور. والى هذه العقيدة أشير في شعر أبي دُواد: سلّط الموت والمنون عليهم  فلهم في صدى المقابر هام

وكذلك في شعر للشاعر لبيد: فليس الناس بعدك في نفيرٍ  وليسوا غير أصداء وهام

ولهذا سموا الدماغ "الطائر" لأنهم تصوروه على صورة طير. قال الشاعر: همُ أنشبوا صم القنا في نحـورهـم  وبيضا ًتقيض البيض من حيث طائر

عنى بالطائر الدماغ. وعبر عنه للسبب المذكور ب "الفرخ" وورد ان "الصدى" ما يبقى من الميت في قبره، وهو جثته، وقيل: حشوة الرأس، أي دماغ الإنسان الهامة والصَّد ىَ. وكانت العرب تقول إن عظام الموتى تصير هامة فتطير. وقال بعض الأخباريين: إن العرب تسمي ذلك الطائر الذي يخرج من هامة الميت اذا بلي، الصدى.

وقد نهى الإسلام عن الاعتقاد بالصدى والهامة. ورد في الحديث: "لا عدوى، ولا هامة، ولا صفر ".

وذكر بعض العلماء ان المراد من "صفر" في الحديث النبوي المذكور دابة يقال إنها أعدى من الجرب عند العرب.، فأبطل النبيّ أنها تعدي. وقال بعض آخر أراد به النسيء الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية، وهو تأخيرهم المحرم إلى صفر في تحريمه وجعل صفر هو الشهر الحرام، فأبطله الرسول.

وقد لخص " المسعودي" آراء أهل الجاهلية في النفس والروح، فقال:

"كانت للعرب مذاهب في الجاهلية في النفوس، آراء ينازعون في كيفياتها، فمنهم من زعم ان النفس هي الدم لا غير، وان الروح الهواء الذي في باطن جسم المرء منه نفسه، ولذلك سموا المرأة منه نفساء، لما يخرج منها من الدم، ومن أجل ذلك تنازع فقهاء الأمصار فيما له نفسً سائلة اذا سقط في الماء: هل ينجسه ام لا ? قال تأبط شراً لخاله الشنفري الاكبر وقد سأله عن قتيل قتله، كيف كانت قصته ? فقال: ألجمته عضباً، فسالت نفسه سكباً. وقالوا ان الميت لا ينبعث منه الدم، ولا يوجد فيه، بدأ في حال الحياة، وطبيعته طبيعة الحياة والنماء مع الحرارة والرطوبة، لأن كل حي فيه حرارة ورطوبة، فإذا مات بقي اليبس والبرد، ونفيت الحرارة".

ثم تطرق "المسعودي" إلى رأي من قال ان النفس طائر ينبسط في جسم الإنسان، فإذا مات أو قتل لم يزل مطيفاً به متصوراً اليه في صورة طائر يصرخ على قبره مستوحشا، يسمونه الهام، والواحدة هامة.

ونظراً إلى قلة ما لدينا من موارد عن الروح والنفس وعلاقتهما بالجسد، عند الجاهلين، فإننا لسنا في وضع نستطبع فيه ان نتحدث عن رأي عموم الجاهليين في تركيب الإنسان. هل هو من "جسد" و "روح"، أو "جسد" و "نفسا أي ثنائي التركيب، أو انه من "جسد" و "روح" و "نفس"، أي ثلاثي التركيب. فقد رأينا انهم يجعلون الروح والجسد شيئاً واحداً أحياناً، ويفرقون بينهما أحياناً اخرى. ولكننا نستطيع ان نقول ان غالبيتهم كانت ترى ان الانسلن من جسد، هو الجسم، أي مادة، ومن شيء لطيف ليس بمادة هو الروح أو النفس، وهما مصدرا القوى المدركة في الإنسان ومصدرا الحياة. وان بأنفصالهما عن الجسد، أو بانفصال الجسد عنهما يقع الموت.

ويظهر من مخاطبات الوثنين للاصنام، كانهم كانوا يتصورون أن لها روحأ وأنها تسمع وتجيب. ومن الجائز حلول الروح في الجماد. وقد ورد عن "ابن الكلبي"" عن "مالك ين حارثة" أن والد مالك هذا كان يعطيه اللبن، ويكلفه بأن يذهب به إلى الصنم ود ليسقيه،فكان مالك يشربة سراً ويبخل به على صنمه. واذا صح خبر ابن الكلبي هذا،فإنه يدل على "حارثة"، وربما غيره أيضاً من عبدة الأصنام، كان يرى ان الصنم يعقل ويدرك،يسمع ويرى، وانه وان كان من حجر، إلا أنه ذو روح كما ورد أن من المشركين من كان يرى أن الشمس،ملك من الملائكة ذات نفس وعقل.

ويتبين من تشديد النبي في تسوية القبور مع الأرض، ومن لعن المتخذين على القبور المساجد والسُرُج، ومن النهي عن الصلاة إلى القبور، ومن حديث: اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، ان المشركين كانوا يقدسون قبور اسلافهم، ويتقربون اليها، لزعمهم انهم أحياء، لهم أرواح،تعي وتسمع وتدرك، وتفرح وتغضب وتجيب، وتنفع وتضر، ولهذا حاربها الرسول، وأمر بتسوية القبور، ابعاداً عن أمر الجاهلية في ذلك، وخشية العودة إلى،ما كانت عليه: )ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى اللّه زلفى(، تعبير عن معنى هذه المشاركة وعن رأيهم في عبادة الأصنام.

الرجعة

واعتقد قوم من العرب في الجاهلية بالرجعة: اي الرجوع إلى الدنيا بعد الموت. فيقولون ان الميت يرجع إلى الدنيا كرة أخرى ويكون فيها حياً، كما كان. ولعل هذه العقيدة هي التي حملت بعض الجاهليين على دفن الطعام وما يحتاج الإنسان في حياته اليه مع الميت في قبره، ظناً منهم، انه سيرجع ثانية إلى هذه الدنيا، فيستفيد منها، فلا يكون معدماً فقيراً. ويفهم من كتب الحديث ان من الناس من سال الرسول عن الرجوع إلى هذه الدنيا، مما يشير إلى معرفة القوم عند ظهور الإسلام بهذا الرأي.

و "لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قام عمر بن الخطاب، فقال:إن رجالاً من المنافقين يزعمون ان رسول الله توفي،وان رسول الله والله ما مات، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فغاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع بعد ان قيل قد مات، والله ليرجعن رسول الله فليقطعن ايدي رجال وأرجلهم يزعمون ان رسول الله مات". ثم جاء "أبو يكر" "وعمر يكلم الناس، فقال: على رسلك يا عمر ? فأنصت، فأبى إلا ان يتكلم، فلما رآه أبو بكر لا ينصت أقبل على الناس، فلما سمع الناس كلامه أقبلوا عليه، وتركوا عمر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ايها الناس، انه من كان يعبد "محمداً فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. ثم تلا هذه الآية: )وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل( إلى آخر الآية "وقال عمر: والله ما هو إلا ان سمعت أبا يكر يتلوها فعقرت حتى وقعت على الأرض، ما تحملني رجلاي، وعرفت ان رسول الله قد مات".

وقد اعتقد بعض الجاهليين ب "المسخ". وهو تحول صورة إلى صورة أخرى أقبح، وتحول انسان إلى صورة أخرى أقبح، أو إلى حيوان. كأن يصير إنسان قرداً، أو حيواناً آخر، أو إلى شيء جماد. من ذلك ما يراه بعض أهل الأخبار عن "اللات"، من انه كان رجلاً يلت السويق عند صخرة بالطائف، فلما مات قال لهم "عمرو بن لحيّ"، إنه لم يمت.، ولكنه دخل الصخرة،ثم أمرهم بعبادتها وبنى بيتاً عليها يسمى اللات. وما رووه ايضاً عن "أساف،" و "نائلة"، من أنهما كانا رجلا وامرأة، عملا عملاً قبيحاً في الكعبة،فمسخا حجرين. وما رووه من أن "سهيلاً" كان عشاراً على طريق اليمن ظلوماً،فمسخه الله كوكباً.

وورد أن بعض الملائكة عصى الله فأهبط إلى الأرض في صورة رجل تزوج أم جرهم فولدت له جرهماً. وأن ما تولد بين الملك والآدمي يقال له "العلبان". وان "النسناس" جنس من الخلق يثب أحدهم على رجل واحدة، أصلهم حيّ من عاد عصوا رسولهم فمسخوا نسناساً، لكل إنسان منهم يد ورجل من شق واحد، ينقزون كما ينفز الطائر ويرعون كما ترعى البهائم.

وقد ذكر "الجاحظ" أمثلة من امثلة المسخ التي وقعت للحيوان على أعتقاد الناس، من ذلك: اعتقادهم ان السمك "الجريّ " والضباب كانتا أمتين من الأمم مسختا، واعتقادهم ان "الإربيانة" كانت خيّاطة تسرق السلوك، وانها مسخت وترك عليها بعض خيوطها لتكون علامة لها ودليلاً على جنس سرقتها، ومن ان "الفأرة" كانت طحانة، والحية كانت في صورة جَمَل، وان الله عاقبها حتى لاطها بالأرض، وقسم عقابها على عشرة اقسام، حين احتملت دخول ابليس في جوفها حتى وسوس إلى آدم من فيها. ومن ان الإبل خلقت من أعناق الشياطين، وأن الكلاب امة من الجن مسخت، وان الوزغة والحكأة من ممسوخ الحيوان.

ومن أمثلة المسخ: جرهم،فقد زعم ان جرهماً كان من نتاج ما بين الملائكة وبنات آدم، وكان بعغى الملائكة قد عصى الله، فأهبط إلى الأرض في صورة رجل، تزوج أم جرهم فولدت له جرهما. وزعموا ان سهيلاً كان عشاراً باليمن، فلما ظلم مسخه الله نجماً. و "الزهرة"، وقد زعموا انها كانت بغياً عرجت إلى السماء فمسخها الله شهاباً. و "البسوس"، وقد زعموا انها كانت امراة مشؤومة اسمها: البسوس، أعطي زوجها ثلاث دعوات مستجابات، وكان له منها ولد، فكانت محبّه له. فقالت اجعل لي منها دعوة واحدة. قال: فلكِ واحدة. فماذا تريدين ? قالت: ادع الله ان يجعلني أجمل امرأة في بني اسرائيل. ففعل فرغبت عنه، لما علمت أن ليس فيهم مثلها، فأرادت سيئاً. فدعا الله تعالى عليها أن يجعلها كلبة نبّاحة، فذهبت فيها دعوتان. فجاء بنوها، فقالوا: ليس لنا على هذا قرار،قد صارت أمنا كلبة يعيرنا بها الناس. فادع الله تعالى، أن يردها إلى حالها التي كانت عليها، ففعل. فعادت كما كانت: فذهبت الدعوات الثلاث بشؤمها، وبها يضرب المثل.

ونجد عقيدة "المسخ" عند غير العرب أيضاً. في التوراة أن الله مسخ امرأة لوط، فصارت عمود ملح. ونجدها عند الهنود وعند غيرهم من الأمم القديمة. وقد تشرب من اليهودية إلى العرب المسلمين كثير من القصص الوارد في المسخ.

وقد أنكر بعض المتكلمين "المسخ"، وأنكره قوم آخرون، لكنه جوّزو "القلب"، وهو أن يقلب ابن أدم قرداً من غير أن ينقص من جسمه طولاً أو عرضاً.

الزندقة

وقد أشار بعض الأخباريين إلى اعتقاد بعض قريش بالنور والظلمة، زاعمين انهم أخذوه من الحيرة، ويسمي الأخباريون اْصحاب هذا الرأي "الثنوية"، وأطلقوا على تلك الفئة المذكورة من قريش: "الزنادقة". ولم يذكروا شيئاً عن زندقة تلك الجماعة من قريش ولا عن رجالها. وأشار بعض أهل الأخبار إلى وجود الزندقة والتعطيل في قريش: "وكانت الزندقة والتعطيل في قريش". وقد وصفوا الزنديق بانه القائل بدوام بقاء الدهر، ولا يؤمن بالاخرة وبوحدانية الخالق. فهو دهري ملحد لا يؤمن بوجود إلَه واحد، وهو من "الثنوية" على رأي بعض العلماء. والى هذا المعنى في تفسير زندقة قريش، ذهب أكثر أهل الأخبار. وقد عدّ "أبو العلاء" المعري "شداد بن الأسود الليثي" المعروف أيضاً ب "ابن شعوب"، وهي أمه، شاعر زنادقة قريش. وذلك لشعره الذي فيه: ألا من مبلغ الرحمن عنـي  باني تارك شهر الـصـيام

اذا ما الرأس زايل منكبـيه  فقد شبع الأنيس من الطعام

أيوعدنا ابن كبشة أن سنحيا ?  وكيف حياة أصـداء وهـام

أتترك ان ترد الموت عني  وتحييني اذا بليت عظامي

والزندقة كلمة معربة، ذكر علماء اللغة انها. أخذت من الفارسية، أريد بها في الأصل الخارجون والمنشقون،على تعاليم دينهم، فهي في معنى "هرطقة" وقد صار لها في العهدين: الأموي والعباسي مدلول خاص، حيث قصد بها "الموالي الحمر"، الذين تجمعوا في الكوفة، وكانوا يظهرون الإسلام ويبطنون تعاليم المجوسية والإلحاد.

وفي كلام أهل الأخبار عن الزندقة ووصفهم لزندقة قريش إيهام وغموض وخلط. وإذا كان الزنديق هو القائل ببقاء الدهر، وبعدم وجود عالم ثان بعد الموت، فتكون الزندقة "الدهرية" ويكون الزنديق هو الدهرىّ لقوله بالدهر وبأبدية الكون والمادة 0 أما القول بالثنوية: بالنور والظلمة، وبالكفر والالحاد، فشيء آخر، يختلف عن القول بالدهر. والظاهر أن الجمع بين القول بالدهر وبالقول بالنور والظلمة وبالكفر و الالحاد، إنما وقع في الإسلام، بسبب الخلط الذي وقع بين المعنى المفهوم للفظة في الفارسية القديمة وفي الفارسية الحديثة، وبالمعنى الذي ظهر للكلمة في الإسلام. والذي تحول إلى زندقة بغيضة تحوي العناصر المذكورة، والتي كانت تؤدي بمن يتهم بها إلى القتل.

وقد أشير في القرآن الكريم إلى وجود القائلين بالدهر: )وقالوا ما هي إلاّ حياتنا الدنيا، نموت ونحيا، وما يهلكنا إلا الدهر(. وهم على حد قول المفسرين والأخباريين، من لا يؤمن بالآخرة وبوحدانية الله. وهو مذهب ودين كان عليه كثير من أهل الجاهلية، يسخر من البعث بعد الموت، ويرى استحالة ذلك. ولم يذكر المفسرون أن من عقيدة هؤلاء القول بالثنوية،أي بالنور والظلمة، وبوجود إِلهين: إلهَ الخير واله الشر.

وقد ذكر "محمد بن حبيب" أسماء "زنادقة قريش"، فجعلهم: "أبو سفيان ابن حرب"، و "عقبة بن أبي معيط"، و "أبى بن خلف الجمحي"،و "النضر بن الحارث بن كلدة"، و "منبه" و "نبيه" ابنا "الحجاج" الهمّيان، و "العاص بن وائل" السهمي، و"الوليد بن المغيرة المخزومي. ودْكر انهم "تعلموا الزندقة من نصارى الحيرة". فربط هنا بين الزندقة وبين "نصارى الحيرة". وقد ذهب "ابن قتيبة" أيضأَ، إلى أخذ قريش الزندقة من الحيرة.

والذي نعرفه عن المذكورين،انهم كانوا من المتمسكين الأشداء بعبادة الأصنام وقد كان " أبو سفيان" يستصرخ "هبل" على المسلمين يوم أحد، ويناديه: "أعلُ هُبَلُ، أُعلُ هُبَلُ"، وقد نص على انه كان من أشد المتحمسين لعبادة الأصنام. ولم يذكر أحد من أهل الأخبار، انهم كانوا ثنويين على رآي المجوس، يقولون بإلهين، بالنور والظلمة، وانهم تعبّدوا للنار، أو تأثروا برأي مزدك أو ماني الذي أضيف اليه الزنادقة، ولا نجد في آرائهم المنسوبة اليهم وفي حججهم في معارضة الرسول ما يشير إلى "زندقة" بمعتى "ثنوية"، لذلك فزندقة من ذكرت لا يمكن أن تكون بهذا المعنى ولا على هذه العقيدة.

وللوقوف على زندقة من ذكرت من رجال قريش، ولتحديد معنى زندقتهم، يجب الرجوع إلى ما نسب اليهم من أراء والى ما عارضوا به الرسول وحاربوه من أجله. ويمكن حصر ذلك في أمرين: التقرب إلى الأصنام والتعبد لها،والدفاع عنها بقولهم:)ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى(، ولا علاقة لهذه العقيدة بالزندقة. والأمر الثاني، هو القول باَلدهر وبالتعطيل، أي بنكران البعث والحشر والنشر. ويتجلى ذلك في قولهم لرسول الله: إن كنت صادقاً فيما تقول، فابعث لنا جدّك: "قصي بن كلاب"، حتى نسأله عما كان ويحدث بعد الموت، وامثال ذلك مما له علاقة بنفي وقوع البعث. وهو الذي له صلة بالزندقة. فالزندقة بهذا المعنى قول بالدهر وبدوامه ونكران للبعث، لا الثنوية بمعنى القول: بالنور والظلمة.

وأما ما يرويه أهل الأخبار من أخذ زنادقة قريش زندقتهم من الحيرة، أو من نصارى الحيرة، فإن فيه تاييداً لما قلته من أن الزندقة لا تعني المجوسية والثنوية، وإنما القول بالدهر، وانكار المعاد الجسماني،وهو قول قريب من قول من أنكر بعث الأجسام، وآمن ببعث الروح فقط من النصارى ومن غيرهم من أهل الأديان.

والزندقة بهذا المعنى قريبة من رأي القائلين بالدهر، وهم "الدهرية" الذين أشير اليهم في القرآن الكريم،في الآية: )وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا، نموت ونحيا، وما يهلكنا إلا الدهر(. وهم من يقول ببقاء الدهر، وبنكران البعث والآخرة، والخالق والرسل والخلق على بعض الاراء، وينسبون كل شيء إلى فعل الدهر، أي الأبدية مع التأثير في حياة الإنسان وفي العالم. ولهذا أضافوا اليه بعض الألفاظ والنعوت التي تشير الى وجود هذا التأثير في الحياة فقالوا: يد الدهر، وريب الدهر، وعُدواء الدهر،و "الدهر لا يبقي على حدثانه"، و "الدهر يحصد رببه ما يزرع"، وأمثال ذلك من تعابير، فنسبوا اليه الفعل في الكون وفي كل ما فيه.

ونسبوا الإماتة إلى الدهر،. فقالوا: )وما يهلكنا إلا الدهر( أي وما يميتنا إلا الأيام والليالي، اي مرور الزمان وطول العمر، انكاراًَ منهم للصانع. قال أحدهم: فاستأثر الدهر الغداة بهـم  والدهر يرميني وما أرمي

يا دهر قد أكثرت فجعتنـا  بسراتنا ووقرت في العظم

فكانوا في الجاهلية يضيفون النوازل إلى الدهر،والنوازل تنزل بهم من موت أو هرم، فيقولون أصابتهم قوارع الدهر وحوادثه، وأبادهم الدهر، فيجعلون الدهر الذي يفعله، فيذمونه ويسبونه. وقد ذكروا ذلك في أشعارهم.

ومن الجمل التي تنسب الفعل إلى الدهر، قولهم: "أصابتهم قوارع الدهر وحوادثه، وأبادهم الدهر"، والدهر يجلب الحوادث، ففي هذه الجمل وأمثالها معنى أن ما ينزل بالإنسان من قوارع، وما يحلّ به من إبادة هو بفعل الدهر، فهو إذن المهيمن على العالم والمسخر له.

وقد كان هذا الاعتقاد راسخاً في نفوس كثير من الجاهليين، وفي نفوس كثير ممن أدرك الإسلام فأسلم، فكانوا إذا أصيبوا بمكروه وبحادث مزعج نسبوا حدوثه إلى الدهر، فسّبوه كما يتضح من حديث: "لا تسّبوا الدهر،فإن الله الدهر"، أو "فإن الدهر هو الله". ومن حديث: "يؤذيني ابن آدم بسبّ الدهر الدهرَ، وإنما أنا الدهر: اًقلب الليل والنهار". وأحاديث أخرىمن هذا القبيل. وقد ذكر "الجاحظ"، أن مّن الصحابة والتابعين والفقهاء من نهى الناس من قول: طلع سهيل وبرد سهيل، وقوس قزح، كأنهم كرهوا ما كانوا عليه من عادات الجاهلية، ومن العود في شىء من أمرتلك الجاهلية، فاحتالوا في أمورهم، ومنعوهم من الكلام الذي فيه ادنى متعلق.

وفي هذين الحديثين.توفيق لفكرة الجاهيين في الدهر، وللعقيدة الإسلامية في التوحيد بأن صير الدهرُ اللّهَ، وصيره بعض العلماء من أسماء الله الحسنى. والذي حملهم علىذلك،على ما أرى، صعوبة ازالة تلك الفكرة التي رسخت في النفوس منذ القدم عن فعل الدهر، وعن اثره في الكون، فراى القائلون بذلك ازالتها الدهر اسماً من أسماء اللهِ، أو هوّ الله تعالى، وهو واحد أحد، والدهر واحد أبدي أزلي كذلك، فلا تصادم في هذا التوفيق بين الرأيين.

وقد وقع هذا التوفيق على ما أعتقد بعد وفاة الرسول في أمور عديدة نسبت إلى الرسول،وقد ثبت عدم إمكان صدورها منه. وللحكم على صحة نسبة الحديثين الى الرسول أحيل القارىء على الطرق التي وردا بها، والى آراء العلماء فيهما، وأعتقد أنه ان فعل ذلك فسيجد في نسبتهما إلى الرسول بعض الشك، إن لم أقل كل الشك.

وتعبر لفظة "الزمان" عن معنى "الدهر" كذلك.وقد ذهب علماء اللغة:إلى ان الزمان، أقصر من الدهر، اذ يقع على الزمان القصيز، أما الدهر، فالزمان الدائم، اي الزمان الذي لا ينتهي بنهاية. وأنا لا يهمني في هذا المكان تفريق العلماء بينهما في الطول والقصر، إنما المهم عندي هو ان الجاهليين استعملوا الزمان استعمالهم للدهر، ونسبوا اليه ما نسبوه للدهر من فعل في الإنسان وفي الحياة والعالم. هذا "زهير بن أبي سلمى" يشتكى منه في قصيدته التي يمدح بها "هرم بن سنان"، فيقول في مطلعها: لمن الديار بقُنة الـحـجـر  أقوين من حجج ومن دهر

لعبَ الزمان بها وغـيّرهـا  بعدي سوافي الُمورِ والقَطر

وتجد اللفظة في أشعار غيره من الشعراء الجاهليين والإسلاميين تعبّر عن "غدر الزمان" وعن "كذبه"وتلوّنه وتلاعبه بمقدرات الإنسان. وفي كل هده المواضع التي استعملت فيها تعبير عن تلك العقيدة التي لا تزال راسخة في نفوس كثير من الناس، وهي ان الحياة قسمة ونصيب وحظ وبخت، وانه ليس لمخلوق على ما يقدره له القدر من سلطان. وان الزمان يلعب "بالانسان وبالكون كيف يشاء، مع ان الإنسان لو فكر في نفسه وتأمّل في عقله، لوجد انه هو الذي خلق الزمان اي الدهر فأوجده على صورته هذه،بأن حدده وعيّنه بسنين وبقرون، وليس الزمان إلا دوام وبقاء لهذا الكون، وليس له اي فعل حقيقي في هذا الكون، والانسلن هو الذي أوجد السنين ليقيس بها طول الزمان، لحاجته إلى معرفته، وان حسابه بالسنين مهما سيطول، فإنه لن يبلغ ولن يكون في مقدوره بلوغ نهاية الكون".

والمعنى الذي نفهمه من "الدهر" في الشعر الجاهلي، هو،الأبدية مع التأثير في حياة الإنسان وفي العالم. ولهذا أضافوا اليه بعض الألفاظ التي تشير إلى وجود هذا التأثير في الحياة، فقالوا: يد الدهر، وريب الدهر، وعدواء الدهر، وأمثال ذلك من تعابير. فنسبوا اليه الفعل في الكون وفي كل ما هو فيه.

ومن نسب اليه القول بالدهر، الحارث بن قيس، المعروف بابن الغيطلة. وتؤدي لفظة "الأيام" هذا المعنى كذلك، بل استعملت أجزاء اليوم مثل "الليالي" للتعبير عن تلك الفكرة أيضاً. فالليالي هي كالأيام، لا يمكن أن يطمأًن اليها، ولا ان يوثق بها، إنها تتلون وتتبدّل ولا تخلص لأحد. وحيث أن الليالي هي أوقات الراحة والاستقرار والهدوء، وأوقات الانس والطرب والإنفراد بالأحبة، وهي اوقات الغدر والاغتيال والغارات والغزو في الوقت نفسه، فيكون ذكرها في الشعر وتفضيلها على النهار وتقديمها عليه، ونسبة الخير أو الشر اليها أكثر من نسبتهما إلى النهار شيئاً طبيعياً. لذلك يجب ألا يستغرب ما نقرأه فيالشعر وما نسمعه من أفواه الناس من نسبة تبدل الحال والتلون إلى الليالي أكثر من النهار.

وقد استعملت لفظة "عَوْ ض" في معنى الدهر والزمان، وردت في شعر شاعر من شعراء بكر بن وائل، فعبر بهذه اللفظة عن زمانه، واستخدام بكري لهذه الكلمة، يشير إلى الصنم "عوض" الذي كانت بكر قبيلة هذا الشاعر تتعبد له. وقد أقسموا بها، فقالوا: "عوض لا يكون ذلك أبدا"، ولا أستبعد وجود صلة بينها وبين الصنم " عوض".

وأما "الحِمام "، فإنه قضاء الموت وقدره، يقال: "حمَّ أجله" أي قضى وقدر. وقد وردت لفظة "حم" ومتعلقاتها في أشعار عديدة بهذا المعنى.

اي القضاء والتقدير. فورد "ماُ حُمّ واقع"، وورد "أحم الله..." و "حمّه الله"، و "حمت لميقاتي"، و "حمتي"، و "حمام الموت"، و "حمام النفس"، و "حمام المنون"، و "حمام". وهي من حيث هذا المعنى كالحتف والأجل والآجال والحتوف والمنون.

القضاء والقدر

ويسوقنا هذا الموضوع إلىالبحث عن فكرة القضاء والقدر عند الجاهليين. فقد كان بن أهل الجاهليه من كان يقول بالجبر، وبأن الإنسان مسيّر لا مخير. وان كل ما يقع له مكتوب عليه،ليس له دخل في حدوثه. ومن هؤلاء القائلون بالدهر والمنون والحمام و ما شاكل ذلك من مصطلحات تشير إلى وجود هذا الرأي عندهم.

ولا يعني القول بالجبر، ان قائله من المتألهين القائلين بوجود خالق أوجد الكون، فقد كان من المجبرة من كان ملحداً، لا يقول بخالق، وكان منهم من كان مشركاً. كما أن بينهم من كان يؤمن بوجود خالق أو جملة آلهة. فليس لمذهب الجبر علاقة بالخالق، وإنما هو مذهب يرى ان الإنسان مسيّر، وأنه يسير وفق ما كتب له، ومنهم من ينسبه إلى علة، هي الله أوالدهر، ومنهم من لا ينسبه إلى أحد وهو مذهب موجود في اليهودية وفي النصرانية وفي الإسلام.

ونجد هذه العقيدة في شعر الشاعر النصراني "عديّ بن زيد العبادي"، وربما نجدها أيضاً عند سائر إخوانه النصارى ومن كان على هذا الدين من غيرهم من العرب. والواقع ان الاعتقاد بوجود إلهَ خلق الكون منفرداً، أو الهة خلقوا الكون مشتركين، يحمل الإنسان على أن يتصور نفسه أنه لا شيء تجاه خالقه أو الهته وانه من صنعهم، فما يقوم به، هو من صنع الله أو من صنع الآلهة وهي عقيدة لا بد أن يكون للأحوال الاجتماعية، والاقتصادية والسياسية إذ ذاك دخل في شيوعها بينهم. ونكاد نجد أكثر الشعوب الشرقية على هذا الرأي. وأما ما ظهر من نظرية حرية الارادة وقدرة الإنسان على خلق أفعاله واختياره، فإنه من تاًثير الفلسفة الاغريقية التي دخلت النصرانية.

ونرى "حاتم الطائي" وهو من النصارى على رأي، مؤمناً بالقضاء وبالقدر وبما يأمر به الله، اذ يقول: اتيح له من ارضه وسمـائه  حِمامُ، وما يأمر به الله يفعل

فأسند الأمر والنهي في هذا البيت إلى الله، وأما الإنسان فأنه مامور مسّير ونجده يكل أمره إلى الله، ويدعو قومه إلى تسليم أمرهم للاله الذي يرزقهم اليوم ويرزقهم غدا ً: كلوا اليوم من رزق الالهَ وأيسروا  وان على الرحمان رزقهم غـدا

ونجد "المثقب العبدي" مؤمناً بالله، وبالقدر. فما يقع للانسان بمشيئة الالهَ وقدره: وايقنت إن شاء الاله بأنـه  سيبلغني أجلادها وقصيدها

و "القدر" و "المقدر" و "المقدور" و "الأقدار" و "القضاء"، من الألفاظ القديمة التي كانت تؤدي هذا المعنى الذي نبحث فيه قبل الإسلام. واستعمال المتكلمين للقضاء والقدر وللقدرية، لا يعني ان تلك الكلمات من الألفاظ التي نبعت في الإسلام. بل ان ظهورها في هذا العهد وأشتهارها فيه، هو لاستخدام العلماء لها في مدلولات معينة وفي مصطلحات وأفكار توسعت واستقرت في هذا العهد.

ونجد الاشارة إلى القدر في شعر الجاهليين والمخضرمين بالمعنى الذي نقصده هنا، اي شيء مقدر مفروض على كل انسان. هذا لبيد الشاعر المخضرم يذكر أن ما يرزقه هو من فضل الله عليه، وما يحرمه فإنه مما يجري به القدر. ونجد فكرة القدر مركزة قوية صريحة في شعره، فهو يعتقد ان القدر خيره وشره من الله، وان ما يصيب الإنسان مكتوب عليه، ولا راد لما هو مكتوب. ولا دخل لامرىء في عمله، فليحمد الله على خيره، وليشكره على شرّه ايضاً، فهو العالم وحده بما هو صالح وضار. وشعره هذا لابد ان يكون مما نظمه في الإسلام، اذ لا يعقل ان يكون من نظم عصر وثني، لما يتجلى عليه من الطابع الإسلامي في الفكر وفْي الأسلوب والعرض.

كذلك نجد هذه العقيدة عقيدة القدر في شعر "زهير بن أبي سُلمى" وفي شعر غيره من الشعراء. هذا زهير يقول: إن المنايا أمر لا مفر منه، وإن من جاءت منيته لا بد أن يموت، ولو حاول الارتقاء إلى السماوات فراراً منه. ثم نجده يقول: وجدت المنايا خبط عشواء من تصب  تمته ومن تخطىء يعمر فـيهـرم

فليس للانسان دخل في عمله، وإنما كل شيء يقع له في حياته هو مكتوب عليه. مكتوب عليه أن يموت في أجله، وأن يعيش إلى أجله، وان يكون غنياً وأن يكون فقيراً، وليس للأنسان عمل على سلطان الحظ.

ومن القائلين بالقدر، "عبيد بن الأبرص"، الشاعر الجاهلي الشهير، المقتول في قصة معروفة مشهورة. نجد في الشعر المنسوب اليه اسم "الله" يتردد في كثير من المواضع، ونراه من المتشائمين المؤمنين بالمنايا وبالمحتم المكتوب، ونراه يتوكل على الله، ويدعو الناس إلى الآعتماد عليه، فيقول: من يساًل الناس يحرموه  وسائل اللـه لا يخـيب

باللـه يدرك كـل "خـير  والقول في بعضه تلغيب

والله لـيس لـه شـريك  علاّم ما أخفت القلـوب

ونراه يقول في المنايا: فأبلغ بني وأعمامـهـم  بان المنايا هي الـوارده

لها مدة فنفوس العـبـاد  اليها وإن كرهت قاصده

فلا تجزعوا الحمام دنـا  فللموت ما تلد الوالـده

وفي كثير من مواضع شعره يذكر المنايا ويذكر الموت، ثم هو يتجلد ويتصبر في ملاقاة الشدائد والأهوال، وينصح الناس بالسير على هذا المنوال. والذي يقرأ شعره، يشعر انه أمام رجل حضري رقيق عاطفي المزاج، ذي نفس ميالة إلى التقشف والتصوف، مؤمن بالعدل، كاره للظلم، فهل كان عبيد على هذه الشاكلة? وهل هذا الشعر وخاصة ما جاء منه في البائية هو نظم من منظومه ? أو هو من نظم من عاش بعد في الإسلام ?.

ونجد "عمرو بن كلثوم" في جملة من آمن بالقضاء والقدر، وبأن الموت مقدر لنا، ونحن مقدرون له، وذلك في قوله: وأنّا سوف تدركنا المنايا  مقدرة لنا ومقـدرينـا

وهو من المؤمنين بالله، الحالفين به.وذلك كما جاء في بيت شعر نسبوه اليه: معاذ الله يدعوني لحنث  ولو أقفرت أياماً قتار

وكما ورد في أشعار أخرى تنسب اليه.

والشاعر "لبيد" من هذه الطبقة التي اعتقدت ان الله خالق كل شيء، يهدي من يشاء ويضل من يشاء، فلا دخل للانسان في عمله. تراه يقول: من هداه سبل الخير اهتدى  ناعم البال ومن شاء أضل

وتؤدي لفظة "منا" معنى القدر، ومنها "الماني" بمعنى القادر، و"المنية" بمعنى الموت، لأن الموت مقدر بوقت مخصوص. وهي من الكلمات السامية المشتركة الواردة في مختلف لهجات هذه المجموعة. ولهذه الكلمهَ صلة باسم الإلهَ الكنعاني "منى"، وهو آلهَ القدر. ولها أيضاً صلة بالصنم "منوات" "منوت "، من أصنام ثمود، وب "مناة" من أصنام الجاهليين.

ومن أصل "منا" "المنايا" الواردة في أشعار الجاهليين. و "الماني" الواردة في شعر منسوب إلى سويد بن عامر المصطلقي، هو: لا تأمن الموت في حلّ ولا حرم  إن المنايا توافي كل إنـسـان

واسلك طريقك فيها غير محتشمً  حتى تلاقي ما يمنى لك الماني

في رواية. و: لا تأمنن وإن أمسيت في حـرم  حتى تلاقي ماُ يُمني لك الماني

فالخيرُ والشر مقرونان في قرن بكل ذلك ياًتيك الجديدان على رواية أخرى.

وفي هذا البيت الذي ينسبه بعض الرواة إلى أبي قلابة اُلُهذلي: فلا تقولن لشىء سوف أفعلـه  حتى تلاقي ما يمني لك الماني

وتؤدي كلمة "المنون" معنى الدهر والموت، وقد تسبق بكلمة "ريب" في بعض الأحيان، فيقال: "ريب المنون " كما يقال "ريب الدهر". ويرى "نولدكه" ان هذه الكلمات هي أسماء آلهة، وليست أسماء أعلام، هي أسماء تعبر عن معان مجردة للألوهية، وهي مما استخدم في لغة الشعر للتعبير عن هذه العقائد الدينية. فالزمان مثلا أو الدهر، لا يعنيان على رأيه هذا إلهاً معيناً، ولا صنما حاصاً، إنما هي تعبير عن فعل الإلهة في الإنسان.

وبعض هذه الكلمات - في رأي " ولهوزن" - مثل قضاء و منيّة، هي بقايا جمل اختصرت، ولم يبق منها غير بقايا، هي هذه الكلمات. فكلمة قضاء هي بقية جملة أصلها "قضاء الله"، سقطت منها الكلمة الأخيرة، وبقيت الأولى. وكذلك الحال في منية، فإنها بقية جملة هي: منية الله، سقط عجزها، وبقي صدرها. وهي تعني ان المنية هي منية الله تصيب الإنسان.

يبدو ان من الغريب ذكر الدهر والزمان والحمام والمنايا وأمثالها في الشعر ونسبة الفعل اليها، بينما يهمل ذكر الأصنام فيه أو نسبة الفعل إلى الله. فهل يعني هذا ان الجاهليين لم يكونوا يعلمون ان لله سلطاناً وحولاً، وان المنايا والحتوف وكل خير أو مكروه هو من فعل الله ? الواقع ان هذا الذي نذكره يذهب اليه أهل الجاهلية ولم يقصدوه. ما ذكر الدهر في الشعر، إلا كتشكي الناس من الزمان أو من الحظ أو النصيب في هذه الأيام. وشكواهم من ذلك لايعني تحديد سلطان الله، أو نكرانه، وانما هو بقية من تصور انساني قديم بنسبة كل فعل وعمل إلى قوة خفية هي القوة العاملة، وهي ما عبرت عنها بالدهر وبالزمان. وذلك لما يتصورونه من مرور الأيام والسنين وبلاء الإنسان فيه، وبقاء الأرض والكون، ومثل هذه النسبة والشكوى عامة عند جميع الشعوب البدائية والمتطورة المتقدمة، فنراها عند القبائل البدائية ونراها عند الغربيين.

ولا يقصر هذا الاستعمال على الشعر وحده، بل نجد ذلك في النثر وفي كلام الناس الاعتيادي. لذلك لا ارى صحيحاً ما ذهب اليه بعض المستشرقين من ان نسبة الفعل إلى الدهر هو من الاستعمالات الخاصة بالشعر.

وهناك كلمات اخرى تشير معانيها إلى هذه الفكرة فكرة القدر، وان الخير والشر وكل ما في يصيب الإنسان" هو مقدر مكتوب. وهي نظرة لا بد أن تكون قد انبعثت من الاّوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ومن أثر المحيط في الإنسان. ومن شعور الإنسان بأن قوى خفية تلعب به وتوجهه حيث يشاء. فنسب كل ذلك إلى غيره، وصير نفسه مسخرأ موجهاً كالريشة في مهب الرياح. وتؤدي عقيدة القدر بصاحبها الى التشاؤم، والى القنوط والاستسلام والتوجع والتألم، والتشكي من عبث الدهربالإنسان، وهو ليس له دخل في رده وصده. وقد تؤدي بمعتنقها إلى الخمول والكسل، والى العجز في هذه الحياة، والى ردّ كل ما يصيبه بسبب كسله وعدم استخدام قابلياته ومواهبه إلى غدر الدهر به وحنق الزمان عليه، وتلاعب الحدثان بأموره. ونجد أكثر شعراء أهل الجاهلية، هم على هذه الشاكلة، يبكون ايامهم، ويتذكرون الماضى، ويتوجعون، لأنهم سائرون نحو مستقبل مؤلم موجع، لا حول فيه لإنسان ولا قوهّ. انه عالم الشيخوخة أو عالم الموت أو عالم الفقر. وأمثال ذلك من العوالم المفزعة. يستوي في ذلك امرؤ القيس والشعراء المخضرمون، فأنت اذا تمفحت دواوينهم قلما تجد فيهم شاعراً متفائلاَ، أو شاعرأَ غير مبال بالأيام، لا يهمه ما يأتي به الدهر، حتى ليخيل إلينا أن هذا طبع. والواقع أننا نجد الشعراء في الجاهلية والإسلام وأكثر الكتاب والخطباء على هذا المنوال، مما يحمل المرء على القول بوجود التشاؤم في طبع العرب.

وموضوع "القدر" من المواضيع التي حيّرت المسلمين أيضاً. فانقسموا في ذلك إلى مذاهب. وقد مرّ الرسول بناس كانوا يتذاكرون في القدر، فقال: انكم قد أخذتم في شعبين بعيدي الغور. أي يبعد أن تدركوا حقيقة علمه، كالماء الغائر الذي لا يقدر عليه.

وقد ذكر علماء التفسير أن قريشاً خاصموا الرسول في القدر، وأن رجلاٌ جاء إلى الرسول فقال: يا رسول الله ففيم العمل ? أفي شيء نستأنفه، أو في شيء قد فرغ منه ? فقال رسول الله: اعملوا فكل ميسر لما خلق له، سنيسره لليسرى، وسنيسره للعسرى. ويظهر من ذلك أن قريشاً أو جمعاً منهم، لم يكونوا يؤمنون بالقدر، بل كانوا يؤمنون بان فعل الإنسان منه، وان لا لأحد من سلطان في تصرفه وفعله.

القدرية

وذكر ان الشاعر "الأعشى" كان قدرياً، يرى ان للانسان دخلاً في فعله، وأن له سلطاناً على نفسه، حيث يقول: استأثر الله بالوفـاء وبـال  عدل وولى الملامة الرجلا

فالانسان مسؤول عن فعله، ملام على ما يرتكبه من قبيح. فالله عادل، لا يجازي الإنسان إلا على فعله، ولو كان قد قدر كل شيء له، وحتمه عليه كان ظالماً. وقد أخذ الأعشى رأيه هذا "من قبل العباديين نصارى الحيرة، كان ياًتيهم يشتري منهم الخمر فلقنوه ذلك ".

فنحن أمام عقيدتين. عقيدة تقول: إن الله خالق كل شيء، وان فعل الإنسان من تقدير الله وأمره، فهو يفعل بفعله وبحسب ما قدره له، ورأي يقول ان الإنسان خالق فعله، فهو حرّ مختار، ولهذا فهو وحده مسؤول عن عمله، من خير- أو شرّ. والرأي الأول أظهر عندهم وأقوى من الرأي الثاني.

الحظ

وحظ الإنسان، اي ما يصيبه في حياته، هو جزء من هذا الموضوع أيضاً. مشتبك به، متصل بأجزائه، والحظ في اللغة النصيب والجد. أو خاص بالنصيب من الخير والفضل. والنصيب، هو ما قدر وما قسم لك، أي حظك. والحظ وهو "البخت". وقيل: البخت من المعربات، وقيل من الألفاظ التي تكلمت العرب بها قديماً. وذكر علماء اللغة أن الجد البخت والحظ في الدنيا-. ويفهم من الأمثلة الواردة في شرح معنى اللفظة، أنها في معنى الحظوة والرزق. أي في معنى الشيء الحسن المفرح مما يصيب الإنسان.

قالوا: والحظ موجود في المرزوق والمحروم، وفي المحارف، وفي القبائل، فربما سعدت بالحظ، وربما حظيت بالجد. وهو كذلك في الشعر وفي النياهة، ورب عاقل فاهم أديب، لا يكون إلا دائم الصبر على الشدة، لسلطان الحظ على الإنسان.

ونظرية "القسمة والنصيب"، معروفة في الإسلام، وقد بحث فيها علماء الكلام. فهي فن الموضوعات التي بحثت في الجاهلية والإسلام. ونجد احد الشعراء يقول: وليس الغنى والفقر من حيلة الفتى  ولكن أحاظ قسـمـت وجـدود

وهو بيت ينسب لسويد بن حذاق العبدي، ويروى للمعلوط بن بدل القريعي و صدره: متى ما يرى الناس الغني وجاره  فقير يقولوا عاجـز وجـلـيد

أي "إنما أتاه الغني لجلادته، وحرم الفقير لعجزه وقلة معرفته، وليس كما ظنوا، بل ذلك من فعل القسّام وهو الله سبحانه وتعالى، لقوله: )نحن قسمنا بينهم معيشتهم (. وفي هذا المعنى قول الشهاب المقري: سبحان من قسم الحظـو  ظ فلا عتاب ولا ملامه

وأهل الجاهلية يرجعون القسمة إلى الدهر والزمان والحظ. فاًبطل الإسلام ذلك، اذ جعلها بأمر الله وقدره. فالله هو مقدر الأقدار، ومقسم القسَمْ، وموزع الحظوظ والأرزاق.

الطبع والطبيعة

ومن الموضوعات التي لها صلة بالقضاء والقدر. موضوع الطبع، أي الخليقة والسجية التي جبل عليها الإنسان. فرأي كثير من الجاهليين، ان الإنسان مجبول على طبيعته التي ولد فيها، وكل انسان على طبيعته، ولا يستطيع تبديل طبعه، ولا تغيير السجايا، لأنها مكتوبة على الإنسان مسنونة، ولاْ تبديل لما طبع المرء عليه. وطبائع الإنسان لا يغيرها إلا الموت. جاء في شعر لبيد: فاقنع بما قسم المليك، فإنما  قسم الخلائق بيننا علاّمها

وهو شعر قد يكون مما قاله في الإسلام.

و "زهير بن أبي سلمى"، ممن يعتقدون بهذه العقيدة، ويأخذون بهذا الرأي،فهو القائل: ومهما تكن عند امرئ من خلـيقة  ولو خالها تخفى على الناس، تعلمْ

الفصل السادس والستون

الالهة والتقرب اليها

لا نملك - ويا للاسف - نصوصاً جاهلية فيها وصف لطبائع الآلهة، ولا أساطير فيها شيء على رأي أهل الجاهلية في أخلاق أربابهم، ولهذا صار مرجعنا وسندنا في تكوين صورة عن طبائع الآلهة وأخلاقها، دراسة وتفسير أسماء الالهة ونعوتها التي نعتت بها، لاستخراج شيء منها يعيننا على تكوين هّذه ا الصورة. وتفسير أسماء الآلهة ومعرفة أصولها وجذورها، عملية ليست سهلة يسيرة،بسبب جهلنا بمعاني بعض تلك الأسماء، وعدم وقوفنا على أصولها التي اشتقت منها، لأن اللهجات التي دوّنت بها، لا تزال بعيدة عن مداركنا، ولأن قواعد نحوها وصرفها مختلف بعض الاختلافات عن قواعد وصرف عربيتنا، و نحن لا نملك اليوم المؤهلات الكافية، للحكم في تلك اللهجات حكمنا في عربيتنا.

واسم الإلهَ هو صفة في الغالب، ألبسها الزمن بمضي الوقت لباس العلمية قعدت اسما علما فإذا استطعنا الرجوع الى اصول وجذور هذه الأسماء الصفات، نكون قد استنبطنا شيئاً عن طبائع تلّك الآلهة من صفاتها المذكورة. ونجحنا بعض النجاح من تكوين رأي عن تلك الديانات الجاهلية.

هنالك أسماء مثل "ال" "ايل"، يجد الباحثون صعوبة في الاتفاق على أصولها، وضبط معانيها، وهناك أسماء واضحة جليّة ظاهرة، تدل على أشياء معروفة محسوسة، مثل "شمس" و "ورخ" بمعنى قمر، و "عثتر" و "الشعرى العبور" و "نجم" ة و "ثريا" وأمثال ذلك من أسماء تشير إلى أشياء مادية، هي كواكب ونجوم، يستدل منها على وجود عبادة الأجرام السماوية عند الجاهليين. وهناك أسماء، هي نعوت في الواقع، لا تدل على ظواهر حسية وانما تعبر عن أمور معنوية، مثل "ود-" بمعنى "حبّ" و "رض"،و"سعد"، و "حكم"، و "نهي"، و "صدق"، و "رحمن"، و "ر حم" "ها - ر حم" "الرحيم"، و "سمع"، "سميع"، و "محرمم" "محرم"، وأمثال ذلك من ألفاظ، هي نعوت، جرت بين الناس مجرى الأسماء. وعلى هذه الصفات الأسماء سيكون جلّ اعتمادنا في استنباط الصورة التي نريد تكوينها عن طبيعة آلهة العرب ا لجنوبيين.

وعلينا ان نضيف على ما تقدم الأعلام المركبة المضافة للاشخاص،.مثل "عبد ود"، و "عبد مناف"، و "عبد شمس"، و "عبد يغوث"، و "امت العزى" "أمة العزى"، فالكلمات الثانية من الاسم، أسماء أصنام. وفي تركيب الاسم على هذا النحو، دلالة على تذلل الإنسان تجاه ربه، واعتبار نفسه عبداً له، وفيه تعبير عن صلة الأشخاص بربهم، أضف اليها الأعلام المركبة تركيباً إخبارياً، مثل "ودم ابم"، أي "ود أبٌ" أو "أبٌ ود"، ففي هذا التركيب دلالة على حنو الإلَه على المؤمنين به، واشفاقه عليهم، إشفاق الأب على أولاده.

ودراسة الأمور المذكورة، هي مصدر مهم، بل هي تكاد في هذا اليوم ان تكون المصدر الوحيد لفهم ذات الآلهة وادراك شخصيتها، ولفهم تطور الدين على مر العصور والأجيال، وكيف تطور الدين عند الجاهليين إلى يوم ظهور الإسلام.

هذا، ونجد في النصوص العربية الجنوبية المتأخرة، أسماء الهة لا نجد لها موضعاً في النصوص العربية الجنوبية المتقدمة، واختفاءً لأسماء الآلهة القديمة التي كانت لامعة ساطعة في سماء الألوهية عند العرب الجنوبيين قبل الميلاد. ونجد أسماء آلهة قبائل تعبد عند قبائل أخرى مع معبوداتها القديمة،وأسماء آلهة كانت لامعة شهيرة، تحولت إلى آلهة صغيرة. وفي كل هذه الملاحظات دلالة على حدوث تطور في الحياة الدينية عند الجاهليين، وعلى تأثر العقائد بمؤثرات داخلية وخارجية،فأًحدثت هذا ا التطور الذي نبحث عنه.

ومن بين أسماء الآلهة، أسماء مركبة،0 استهلت ب "ذ"، أو ب "ذت" و "ذ"، بمعنى "ذو" في عربيتنا و "ذت" بمعنى "ذات". و "ذ" للمذكر، و "ذت" للمؤنث، أما الكلمات التالية، فهي صفات فجملة "عثتر ذ قبضم"، تدل على إله ذكر، اسمه "عثتر ذو القبض" "عثتر ذو قبض"، أو "عثتر القابض" بتعبير أصح. وجملة "ذ شقرن"، و "ذ صهرم" و "ذ عذبتم"، و "ذ يسرم"2، و "ذ امر وشمر"، أي الامر الناهي و "ذ انبى"، هي جمل تشير إلى إله ذكر، لوجود "ذ" علامة التذكير فيه. وجملة " ذت حمم"، و "ذت بعسن"، و "ذت برن"، و "ذت غضرن" و "ذت رحبن"، و "ذت صهرن"، و "ذت صنتم، و "ذت ظهرن"، تشير إلى آلهة إناث، لوجود "ذت" " ذات" في الاسم. ومعنى هذا ان العرب الجنوبيين كانوا قد جعلوا الآلهة كالإنسان اناثاً وذكوراً. وهو ما ورد في القرآن الكريم عن أهل مكة وبعض قبائل الحجاز، من قوله تعالى: ) ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون(، ومن قوله: )فاستفتهم أ لربك البنات ولهم البنون(. وقوله تعالى: )واصطفى البنات على البنين( و ) أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين( و )أم له البنات ولكم البنون(. وقد ذكر علماء التفسير انه "لا ينبغي ان يكون لله ولد ذكر ولا انثى، سبحانه نزه جل جلاله بذلك نفسه عما أضافوا اليه ونسبوه من البنات، فلم يرضوا بجهلهم اذ أضافوا اليه ما لا ينبغي اضافته اليه، ولا ينبغي أن يكون له من الولد ان يضيفوا اليه ما يشتهونه لأنفسهم ويحبونه لها ولكنهم أضافوا اليه ما يكرهونه لأنفسهم ولا يرضونه لها من البنات ما يقتلونها اذا كانت لهم. وذكروا "ان مشركي قريش كانوا يقوِلون: "الملائكة بنات الله، وكانوا يعبدونها". وقد وبخهم القرآن الكريم على قولهم هذا،واستخف بأحلامهم وبما قالوه جهلاً وحماقة.

وذكر علماء التفسير أن كفار قريش قالوا: " الملائكة بنات، الله. فسأل أبو بكر من أمهاتهن ? فقالوا سروات الجن. يحسبون أنهم خلقوا مما خلق منه إبليس. وإنهم قالوا: "ان الله وابليس اخوان "، وان بين الله وبين الجنة نسباً. ولم يذكَر علماء التفسير من قال هذا القول من كفّار قريش.ولا كيف صارت الملائكة بناتاً للّه، أو كيف اصطفى الله. له البنات، و لمَ فضلهن على البنين، إذ لم يذكروا ان أهل الجاهلية نسبوا له ولداً ذكراً، وَلم يذكروا هل اختار الله البنات اختياراً من خلقه، أو من زواج ? وقد رأيت ان رواية نسبت إلى قريش قولهم إن امهات الملائكة سروات الجن، وذلك حين سألهم أبو بكر من أمهاتهن.

ولا نجد في نصوص المسند إشارة إلى زواج الالهة، ولوجود بنات لها. وما قلناه من وجود آلهة ذكور، وآلهة إناث، هو إستنباط من وجود علامة التذكير "ذ" وعلامة التأنيث "ذت" في أسماء الآلهة. أما موضوع زواج القمر بالشمس، وظهور ولد ذكر منه هو "عثتر". فهو من استنباط علماء العربيات الجنوبية ومن آرائهم التي استخلصوها من دراستهم لنصوص. فليس في المسند أي شيء عنه. وليس في المسند، أي شيء عن دين العرب الجنوبيين، وعن أساطيرهم في الآلهة وفي الخلق، ولا عن صلواتهم وأدعيتهم وكل مما يتعلق بالدين من امور.

وكل اسم ورد في المسند استهل بلفظة "ذت"،"ذات"، فيراد به الشمس، وهي إلهة، وكل لفظة بدأت بي "ذ"، "ذي"، فإنها تعني إلهاً، هو القمر أو عثتر. فنحن أمام ثالوث سماوي، يمثل عقيدة الجاهليين في الالوهية، كما يمثل عقيدة الساميين عموماً. والثالوث السماوي هو نواة الألوهية عند جميع الساميين، ومنه انبثقت عقيدة التوحيد فيما بعد.

وعثتر، هو "النجم الثاقب" المذكور في القران الكريم. وقد ذهب المفسرون إلى ان العرب كانت تسمي الثريا النجم. وذكر بعض منهم ان النجم الثاقب هو زحل. والثاقب الذي قد ارتفع على النجوم. وذكر بعض آخر ان النجم الثاقب هو الجدي. واقسم في موضع آخر من القرآن الكريم ب "النجم". وقد ذهب المفسرون إلى ان النجم الثرياْ، ونحن لا يهمنا هنا اختلاف علماء التفسير في تثبيت المراد من النجم، إنما يهمنا ان المراد به نجم من النجوم. فنكون أمام ثالوث معبود: هو الشمس و القمر والنجم الثاقب، الذي هو "عثتر" في نصوص العرب الجنوبيين.

ولهد ذكر ان العرب تعبدت للشمس وللقمر، وان طائفة منها،تعبدت لكواكب أخرى مثل الشعرى، حيث تعبدت لها خزاعة وقيس، ومثل "سهيل"، حيث تعبدت لها "طيء". و "عطارد"، وقد تعبّد له "بنو أسد". و "الأسد"، وقد تعبد له بعض قريش. و "الدبران"، وقد تعبدت له "طسم". و "الزهرة"، وقد تعبد لها اكثر العرب. و "زحل"، وقد تعبد له بعض أهل مكة. حتى إن من الباحثين من زعم " ان "الكعبة" كانت معبداً لزحل في بادئ الأمر. وتعبد للمشتري قوم من لخم وجذام.

ونجد في الكتابات العربية الجنوبية جملة: "ودم ابم"، أي "ود" أب" و "ابم ودم"، أيَ "أبٌ ود". كما نجد جملة: "ولد ود" و "اولد ود" "اولد هو ود"، أي "اولاد ود" بمعنى "شعب معين". وتعبر الجمل الأولى عن معنى ان الإلهَ "ود"، هو إله شفيق رحيم عطوف على الإنسان، هو بالنسبة له بمنزلة الأب من الابن. فهو "أب" للانسان لا بالمعنى التطبيقي بالطبع، أي بمعنى ان الإنسان انحدر من صلبه، بل بالمعنى المجازي الذي أشرت اليه. وبهذا المعنى نفسر جملة: "أولاد ودّ" تعبيراً عن معنى "شعب معين". فالإله "ود" هو أب هذا الشعب يحميه ويدافع عنه ويعطف عليه.

وبهذا المعنى وردت أيضاً جملة "ولد عم" عند القتبانيين و "ولد المقه" عند السبئيين.ف "عم" الذي هو "القمر" في لغة القتبانين هو بمنزلة الأب لشعبه، وكذلك "المقه" الذي هو "القمر" في لهجة سبا.

وقد عبرّ عن الشمس بلفظة "ه الت"،الى "الإلهة." في النصوص العربية الشمالية. وقيل لها "نكرح" في النصوص المعينية، و "ذت حمم" "ذات حمم" "ذات حميم" في النصوص السبئية، كما قيل لها "ذت يعدن" و"ذت غضرن"، و "ذت برن"، و "ذت صهرن" في هذه النصوص كذلك، وقيل لها "ذت ص نتم" و "ذت صهرن" و "ذت رحن" في النصوص القتبانية.

ومن الممكن التعرف على بعض هذه الأسماء التي اريد بها الشمس، ف "ذت حمم"، بمعنى "ذات حمم"، و "ذات تهيم". وقد وردت لفظة "جمتم" و"يحموم " في القرآن الكريم. والحميم الحار الشديد الحرارة، المتقد من شده الحر الساخن الشديد السخونة، وقد ذكر علماء التفسير أن "اليحموم"، دخان حميم، ودخان شديد السواد يخرج من نار جهنم، فمعنى "ذت حمم"، إذن، الإلهة ذات الحرارة الشديدة المتقدة المهلكة، التي تلفح وتحرق. والشمس، نفسها حارة، ملتهبة متقدة. لذلك يكون الناس قد أخذوا صفتها هذه منها فأطلقوها عليها، وصاروا ينعتونها بها، ويخيفون الناس منها، بانتقامها منهم إن خالفوا أمرها وعملوا عملاً يثير غضبها عليهم.

ويقابل هذه الإلهة ذات الحميم، الإله "ال حمون" "حمون" و "بعل حمون لما عند الساميين الشماليين، فهذا الإلهَ الذكر عند الساميين الشماليين، بسبب ان لفظة "الشمس"، نفسها مذكرة عندهم، هو ذو حميم وحما، أي ذو سخونة وحماوة وشدة حرارة، وقد نعت عندهم بالنعت الذيَ نهىّ به عند العرب الجنوبيين. فهو إله ذو حرارة مفزعة، وحمم لا يوصف. وقد استمد هذا الوصف من الطبيعة بالطبع. فالشمس مبعث الحرارة على الارض، يدرك الإنسان حرارته في كل مكان. فهي اذن "ذت حمم" حقاً.

وعرفت للشمس ب "اثرت" في كتابات قتبانية، ومعناها: "اللامعة"، أو الشديدة اللمعان بعبارة اصح والمتوهجة. فهي في معنى "ذت حمم". وعرفت أيضاً ب "ذت اثر"، "ذات اثر"، و ب "ربت اثر"، "ربت أثر".ونجد في النصوص النبطية الإلهة الشمس وقد عرفت ب "ربت الاثر" بمعنى ربة التوهج، مما يدل على ان "اثرت"، و "ذت اثر"، و "ربت أثر"، في القتبانية هذه الالهة للشمس.

وقد يعبر عن "الشمس" ب "الفرس". والفرس من الحيوانات التي قدسها قدماء الساميين. وقد كان العرب الجنوبيون يتقدمون بتماثيل الخيل،تقرباً إلى الآلهة. ومنها الإلهة "ذت بعدن" "ذات البعد" أي البعيدة، وهي الشمس.

واما "عثت"، للذي هو "الزهرة"، فيرد اسمه في نصوص عربية جنوبية كثيرة، ولاسمه هذا صلة باسماء بعض الجاهليين الواردة إلينا، مثل "أوس عثت" بمعنى "عطية عثتر" و "لحيعثت" "لحى عثت".

وفي الكتابات العربية الجنوبية أسماء يظن انها تخص الإله "عثتر". منها: "ذ قبضم"، و "ذ يهرق"، و "ذجفت" و "ذ جرب"، و"جرب"، و "متب نطين"، و "متب قبت"، و "مت مضجب"، و "يهر" و "بر" وغيرها.

وقد عرف "عثتر" ب "الشارق" في الكتابات، فورد "عثتر شرقن" لي "عثتر الشارق" وعرف ب "شرقن" فقط. وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن المراد من "شرقن" بمعنى الطالع من الشرق، أو "عثتر المشرق".

وهو تفسير رده بعض آخر من الباحثين، إذ رأوا أن "شرقن"، بمعنى "الشارق". وهي لفظة ترد في اللهجات العربية الشمالية. وقد سبق لي أن بينت رأي المفسرين في "النجم الثاقب" المذكور في القرآن الكريم، وقلت باجمال المراد به هذا الكوكب،وان ذهبوا إلى انه الثريا أو زحل أو الجدي. و"الشارق" صنم من أصنام الجاهليين تسمى به عدد من أهل الجاهلية تسموا ب "عبد الشارق" قد يكون رمزاً لهذا الإلَه.

وورد في بعض كتابات المسند: "ذ غريم"، و "عثتر ذ غريم" أي "الغارب" و "عثتر الغارب". ومعنى ذلك "نجمة الغروب"، أو "نجمة المساء"، و "كوكب المساء"، في مقابل "نجمة الصباح" و "كوكب الصباح".

وورد "عثتر نورو"، و "نورو"، أي "عثتر نور"، "نور". نور صفة من صفات الله في الإسلام. )الله نور السماوات والأرض. مثل نوره(. ولفظة "نورو"، هي نعت من نعوت "عثتر". وورد "سحرن"، بمعنى السحر. والسحر، قبيل الصبح وآخر الليل، فيراد بذلك "كوكب السحر"، اي الكوكب الذي يطلع عند طلوع السحر. كما ورد "متب مطين"، أي "الحامل للرطوبة"، وورد "عثتر قهحم"، أي "عثتر القدير" و "عثتر " القادر" و "القاهر"، و "سمعم"، اي "السميع"، و "نوبم" و "نبعن" و "يغل" "يغلن" بمعنى المدمر، والمنتقم. وقد ورد هذا النعت في احجار القبور بصورة خاصة. وذلك لتذكر من يحاول تغيير الحجر أو أخذه من موضعه أو تدميره أو إلحاق أذى به، أو الاستفادة منه في أغراض أخرى، بأنه في حماية إله قدير منتقم.

وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن الإله "رضى" "رضو" الذي يرد في

النصوص الثمودية والصفوية، هو الإلَه "عثتر". وهو صنم ذكره أهل الأخبار، لكنهم لم يذكروا شيئاً عن صلته بالكواكب ولا عن المعبود الذي بمثله.

وقد ورد في الأخبار المتعلقة ب "الرها" ان أهل هذه المدينة، كانوا يعبدون الشمس ويعتقدون بوجود إلهَه يطاع قبلها اسمه "أزيزوس" Azizos، وإلَه يظهر بعدها يسمى "مونيموس" Monimos. وذهب الباحثون الى ان "أزيزوس"، هو "عزيز". وهو نجم الصباح، ويطلع قبل طلوع الشمس. وبمثل "رضى" "رضو"، و "عثتر". ويرد اسم "رضى" في الكتابات التدمرية كذلك. و "عزيز" "العزيز" من صفات الله في الإسلام.

وقد ذهب بعض الباحثين الى ان الصنم المنحوت على شكل طفل هو رمز "عثتر"، أي "رضى" "رضو"، و "عزيز". وقد حفر على شكل طفل عاري الجسم في الكتابات التدمرية. أما الشمس والقمر، فقد مثلا إنسانين كاملين. وفي هدا التصور للالهة في الديانات الفطرية، التي استمدت ادراكها لكُنه الالهة عن مظاهر الطبيعة.

ولعل " تصور الجاهليين الإله "رضو" على هيئة طفل، هو الذي يحل " لنا المشكلة الواردة في أخبار "نيلوس" Nilus" " عن تقديم العرب Saracens قرابين أطفالاً لكوكب الصباح. ذكر "نيلوس" أن العرب سرقوا ابنه ألجميل الصغير "ثيودولس" Theodulus، وقرروا تقديمه قرباناً لكوكب الصباح. وقد قضى الطفل ليلة تعسة صعبة، فلما طلع الكوكب، وحان وقت تقريب الطفل قرباناً له، نام مختطفوه، ولم يستيقظوا إلا وقد طلعت الشمس، وفات وقت القربان، وبذلك نجا الطفل من الهلاك. وقد تفسر جملة " إننا نقدم لك قرباً يشبهك " الواردة في دعاء عثر على نصه في "حران" قصة تقديم الأطفال الجميلة قرابين الى هذا الإله.

وقد أشار كتاب يونان إلى تعبد العرب إلى الشمس والقمر وكوكب الصباح، وهي أجرام سماوية تراها العين. ذاكرين أن العرب لا يتعبدون لآلهة روحية لا يبصرونها بأعينهم. ولهذا تعبدوا لهذه الأجرام المادية وللاحجار.

واما "مونيموس" Monimos، فإنه "منعم". و "منعم" من صفات الله في الإسلام. فالله هو "المنعم" المتفضل على عباده العزيز المقتدر.

وذهب بعض الباحثين إلى أن الصنم "ذو الخلصة" المذكور في كتب أهل الأخبار، والدي كان له بيت يدعى: "الكعبة اليمانية"، ويقال له "الكعبة الشامية" أيضاً، والذي هدم في الإسلام، هو تعبير آخر عن الصنم "عثتر"، أي الإلَه المكون مع القمر والشمس الثالوث.

ويظن ان "ملك" اسم آخر من أسماء "عثتر". وقد تسمى به رجل عرف ب "عبد ملك". كما ورد اسم "عبد ملك" في النصوص النبطية والإرمية، بمعنى "عبد الملك". ويرد اسم "ملك ال" "ملك ايل" كثيراً في الكتابات الثمودية. كما ورد في كتابة من الكتابات القتبانية "مختن ملكن". وقد ظن ان لفظة "ملك" تجني ملكاً، أي رئيس حكومة ملكية، فترجمت جملة "مختن ملكن" ب "مختن الملك" أي ملك قتبان. غير أن هذه الترجمة وإن كانت ترجمة مقبولة، إلا انها غير دقيقة. ولو ترجمت لفظة "ملكن" لمعنى "الملك" على انه اسم اِلَه لكانت للترجمة أحق وأصح. فنحن نجد النص القتباني الذي ورد فيه جملة "مختن ملكن " يقول: "بنى الملك ورم معبد ود واثرت ومختن ملكن"، أي "بنى الملك ورم معبد ود واثرت ومختن الملك"، ولو ترجمناها على هذه للصورة: "بنى الملك ورم معبدود واثرت ومعبد الإله الملك" كانت الترجمة أنسب وأقبل، ويجب ان نتذكر ان الله هو: الملك، في الإسلام، وان "عبد الملك"، وهو من أسماء المسلمين كذلك يعني: عبد الله. وان "الملكوت" من الملك مختصة بملك الله. ورد في للقرآن: )وكذلك نري ابراهيم ملكوت السموات والأرض(.

ومن الممكن فهم الصلة من لفظة "ملك" التي تعني اله، ومن لفظة "ملك" المالك على الأرض، أي الملك الدنيوي. فالإلَه مالك، والملك مالك أيضاً، مالك شعبه. ومن هنا فلا غرابة اذا ما رأينا عقيدة تقديس الملوك عند الشعوب القديمة، واعتبار بعضها ملوكها من نسل الآلهة. فالآلهة قوة خارقة، والملوك قوة مسيطرة مهيمنة، تفعل في القديم ما تشاء بغير حساب، وهي ألسنة الآلهة الناطقة على الأرض، فلا بد وان تكون للالهة اذن صلة بالملوك، ولا بد وان يكون لملوك الأرض نسب وان تكون لهم قرابة بالالهة. وقد فسر بعض الباحثين جملة: "ولد ود"،التي نعت بها أحد ملوك قتبان، تفسيراً بهذا المعنى، تفسيراً يعبر عن اعتقاد القوم، بأن ملوكهم هم من نسل الإلهَ "ود". ولكني ارى اننا لو فسرنا لفظة "ولد" بالمعنى المجازي، أي ولد الإله ود على سبيل المجاز، بمعنى ان الإله منه بمنزلة الوالد من الولد، في العطف والود، فإن هذا التفسير يكون مقبولاً أكثر من تفسير الولد المتسلسل من صلب الإلهَ ود.

الآلهة

توصلنا من دراساتنا المتقدمة، إلى أن الآلهة كالبشر ذكوراً وأناثاً. وتوصلنا منها إلى أن القمر، هو مذكر عند جميع العرب على اختلاف لهجاتهم، وأما "الشمس"، فهي أنثى عندهم. واما "النجم"، الذي هو "عثتر"، فهو ولد، عند العرب الجنوبيين. وعلى ذلك فنحن أمام ثالوث سماوي يتألف من إلآهين ذكرين و من إلاهة أنثى.

وقد عجزنا على الاهتداء إلى كيفية ظهور هذا الثالوث. أو العائلة الصغيرة المختارة المكونة من ذكرين وأنثى. لأننا لم نعتثرعلى نص جاهلي أو غير جاهلي يتحدث عن كيفية ظهوره. وعجزنا عن التوصل إلى علاقة أعضاء هذا الثالوث بعضهم ببعض، وذلك لسبب مماثل، هو عدم وجود نص لدينا يشرح لنا هذه العلاقة ولم نتمكن من العثور على أي مورد يشرح لنا كيفية ظهور هذه الالهة، ولا سيما الإلَه "عثتر" الذي يعدّ ابناً للقمر وللشمس.

ولم نعثر ويا للاسف على نصوص جاهلية فيها بعض الشيء عن كيفية التقاء القمر بالشمس، وقي كيفية طلوع "النجم" "عثتر". فبينما تجد في اللغات اليونانية والهندية واللاتينية تعابير عن التقاء الشمس بالقمر، فيها معنى النكاح، نجد أنفسنا قد عجزنا عن الحصول على مثل هذه المصطلحات في النصوص الجاهلية، ولهذا لم نتمكن من تكوين رأي عن تصور الصلة التي كان يراها الجاهليون بين الشمس والقمر. وفي اليونانية والهندية وأساطير الشعوب الأخرى، أن القمر اقترن بالشمس، وتزوج بها، وتغنت بذلك الزواج.

وبالنظر لوجود الإلَه الذكر والإلهة الأنثى في نصوص المسند، لأفي مؤلفات أهل الأخبار، فلا يستبعد احتمال مجيء يوم قد نعثر فيه على نصوص قد تتعرض إلى اسطورة زواج القمر بالشمس. وفي عربيتنا لفظة "اقتران" نطلقها على اقتران الشمس بالقمر وعلى اقترانْ الكواكب بعضها ببعض، وترد في كتب النجوم والأنواء. وفي هذه اللفظة معنى الازدواج.

إن هذه الأسطورة التي جعلت من الأجرام السماوية آلهة، وحصرت الألوهية في ثلاثة أجرام منها في الغالب ثم زوجتها و اولدتها، حولت هذا الزواج إلى زواج حقيقي سماوي يشبه زواج الإنسان على سطح الأرض. زواج تكوّن من ذكر وأنثى، من أب وأم، انتج ولداً عند العرب الجنوبيين، وولدين عند شعوب أخرى غير عربية هما كوكبا الصباح والمساء، أو بناتاً هي الملائكة أو الجن عند فريق من الجاهليين.

ونجد الإلَه "القمر" يلعب دوراً كبيراً في الأساطير الدينية عند الجاهليين. دوراً يتناسب مع مقامه باعتباره رجلاً بعلاً اي زوجاً، والزوج هو البعل، والرب والسيد وصاحب الكلمة على زوجه وأهله عند العرب. وهو القوي ذو الحق، وعلى الزوجة حق الطاعة والخضوع له. وبناءً علي هذه النظرية جعل الإلهَ القمر صاحب الحول و الصول والقوة في عقيدة أهل الجاهلية في الأرباب. ومن هذا الإلهَ القوي الجار، جاء "الله" بعد أن تحول الثالوث عند بعض الجاهليين إلى "واحد"، واستخلصوا منه عبادة "الله".

وقد عرف القمر ب "ثور". ولعل ذلك بسبب قرنيه اللذين يذكران بالهلال. ُدعي بهذه التسمية، أي "ثور" في الكتابات. وقد رمز إلى الإلَه القمر ب "ثور" عند شعوب سامية قديمة أخرى.

ونظراً لأن القمر هو الإلَه الذكر،.صار بمنزلة الأب. فدعي ب "ابم"، اي "أب". ونعت بمحب، فقيل له "ودم" "ود"، لأنه يحب عبيده ويشفق عليهم. وهو "كهلن"، أي القادر والقدير، وهو "حكم"، اي الحاكم والحكيم، وهو "سمعم"، اي السامع والسميع، وهو "علم"، اي العالم والعليم، والبصير المبصر، وهو "نهى"، اي الناهي، وهو "صدق" الصادق الصديق المتعالي المنعم الكريم إلى غير ذلك من نعوت عرف بها ورمز بها اليه في النصوص.

ويجب ان ننتبه إلى ان الكتابات الجاهلية وكذلك أخبار أهل الأخبار، قد نص على اسم الإلهة الشمس، فدعوها باسمها، اي الشمس. أما القمر، فلا نجد لاسمه الخاص ذكراً يتناسب مع مقامه. نعم ذكر ب "شهر" و "سين" في النصوص العربية الجنوبية. و "شهر" القصر في ألعربيات الجنوبية، ولا زال الناس يسمونه بهذه التسمية في جنوبي جزيرة العرب. لكننا نجد أسماءه المأخوذة من النعوت، اي من صفاته تطغى عليه. فهو "ود" في الغالب في النصوص المعينية.ويظن من لا علم عميق له بالعربيات الجنوبية، انه اسم إلهَ خاص، بينما هو اسم من أسماء عديدة للاله القمر عند شعب معين، وهو ".المقه"، اي المنير والنور عند السبئيين اي صفة للشر. وهكذا قل عن باقي أسمائه، فهي صفات له في الغالب، لا اسم علم خاص به، كما في حالة الشمس.

ونحن نجد هذه الظاهرة في روايات أهل الأخبار أيضاً. فبينما تنص أخبار أهل الأخبار على تعبد بعض العرب للشمس، وعلى مخاطبتهم لها ب "الالاهة" وب "لاهة"، وعلى تعبد بعضهم لزحل أو للمشتري أو لغيرهما من الأجرام السماوية كما تحدثت عن ذلك في موضع آخر، لا نجد للقمر ذكراً في أخبار أهل الأخبار. فلم يشيروا إلى اسمه ولا إلى تعبد الجاهليين له، حتى ليذهب الظن بعد تتبع جميع ما ورد في تلك الأخبار واستقصاءها استقصاءً تاماً ان الجاهليين لم يعرفوا عبادة القمر. والظاهر أن أهل الأخبار كانوا في جهل من عبادة الجاهليين للقمر، بسبب ما شاهدوه من تعبد أهل مكة وغيرهم وكذلك القبائل إلى الأصنام وتقربهم اليها، وقولهم انها تقربهم إلى الله، وبسبب نص القرآن الكريم على تعبد الجاهليين وتقربهم للأصنام والأوثان. فذهبوا إلى أنهم كانوا مجرد عبدة أوثان ولم يفطنوا إلى أنهم اتخذوا الأصنام واسطة وشفيعة للالهة التي هي أجرام سماوية في الأصل.

أو لأن أهل الجاهلية القريبين من الإسلام، كانوا قد ابتعدوا عن عبادة الكواكب ولم يعودوا يذكرونها ذكر أجدادهم لها، واختصروا عبادتها، باًن جعلوا من الثالوث إلهاً واحداً، هو "الله". فتقربوا اليه، وعكفوا يتقربون اليه بالتقرب.إلى الأصنام والأوثان. وذلك باتخاذهم إياها رموزاً مشخصة وممثلة الالهَ على الأرض. فكان لكل. قبيلة صنم يقربهم في زعمهم إلى الله.

واذا أردنا تلخيص ما توصلنا اليه عن آلهة العرب الجنوبيين، قلنا انهم تعبدوا كما ذكرنا لثالوث سماوي تألف من القمر والشمس ومن عثتر، وهو الزهرة في رأي معظم الباحثين. وقد عرف القمر ب "ود" عند المعينيين، وب "المقه" عند السبئيين، و ب "عم" عند قتبان، و ب "سن" "سين" عند حضرموت، و ب "ود" عند أوسان " وعرفت الشمس ب "نكرح" عند المعينيين،و ب "شمس" عند السبئيين، وب "اثرت" "اثيرت" عند القتبانيين، وب "شمس" عند أهل حضرموت و أوسان. وعرف "عثتر" ب "عثتر" عند المعينيين والسبئيين وعند قتبان وأهل حضرموت والأوسانييٍن.

وقد رمز الفن العربي الجنوبي إلى هذا الثالوث السماوي المقدس برموز. فرمز إلى القمر بهلال نحت أو نقش على الأحجار والأخشاب والمعادن. والهلال، يشير بالطبع إلى مطلع القمر في أول الشهر القمري. كما اشير اليه برأس ثور ذي قرنين.

أما الشمس، فقد صورت قرصاً أو دائرة، أو كتلة او هالة، والقرص، صورة طبيعية لقرص الشمس، التي تظهر في السماء قرصاً وهاجاً يبعث الحرارة والنور. واما الزهرة، فرمز اليها بصورة نجمة في النقوش العربية الجنوبية وبثمانية خيوط اشعاعية في النصوص البابلية. وهي ذكر وولد عند العرب الجنوبيين.

وقد هدم الإسلام عبادة الكواكب، وحرم السجود للشمس وللقمر، والصلاة لهما، وحاول اجتثاث كل ما له صلة بتلك للعبادة، فلم يبق اليوم من العرب من يتعبد للثالوث السماوي المقدس. ولكننا لا نزال نرى بعض العوام يغضبون إذا مس أحدهم الشمس أو القمر، وبتقرب الأطفال إلى الشمس بأسنانهم التي يخلعونها لتعطيهم أسنان غزال، أي اسناناً جميلة بيضاء، إلى غير ذلك من أوابد يعرفها الأعراب.

وفي القرآن الكريم: )ومن آياته الليل والنهار. والشمس والقمر. لا تسجدوا للشمس ولا للقمر. واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون(. ) فله فاسجدوا وإياه فاعبدوا دونهما، فإنه إن شاء طمس ضوءهما فترككم حيارى في ظلمة لا تهتدون سبيلاً ولا تبصرون شيئاً(. وقد خاطب الله قريشاً وغيرهم بذلك، مما يدل على أنهم كانوا يسجدون للشمس والقمر. ولعلهم كانوا يفعلون ذلك ضد الشروق،وعند الغروب. وقد ذكر "ابن كثير" في تفسيره الآية المذكورة، ما يأتي: "لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون(. أي ولا تشركوا به فما تنفعكم عبادتكم له مع عبادتكم لغيره، فإنه لا يغفر أن يشرك به.

والسجود الخضوع، ومنه سجود الصلاة، وهو وضع الجبهة على الأرض، والانحناء، وسجد طأطأ رأسه. وكان النصارى يسجدون لأحبارهم، اى سادتهم من رجال دينهم. و "المسجد" من الألفاظ المعروفة عند الجاهليين. وهو البيت الذي يسجد فيه، وكل موضع يتعبد فيه، فهو مسجد.

صفات الآلهة

ومعظم أسماء الآلهة هو كما سبق اني ذكرت صفات في الأصل، استعملت استعمال الأسماء الأعلام، وهي كثيرة يتبين من دراستها ان الآلهة كالانسان، تغضب وترض، تحب وتبغض، قوية شديدة، رؤوفة رحيمة شفيقة، اذا رضيت عن انسان اسعدته في هذه للدنيا، وإن غضبت عليه أهلكته، سميعة بصيرة حكيمة حليمة. باقية خالدة خلود الدهر، بينما الإنسان هالك.

ومن النعوت الواردة في نصوص المسند: "رحم"، أي "رحيم"، فالآلهة رحيمة بعبادها، تغفر ذنوبهم وتصفع عن سيئاتهم، وهي "حليمة" "حلم"، سميعة "سمع".، قديمة "كهلن"، تحمي عبادها حماية الأب لأبنائه "ابحمى"، ترضى عنهم رضاء الأب عن أولاده "اب رضو". شفيقة بهم شفقة الأب بأبنائه "اب شفق"، وتهتم بهم "اب شعر". وهي فخورة "ايل فخر" "الفخر"، عالية سيدة العالم "ال تعلى" "ايل - تعلى"، "ايل تعالى"، و"بعل" "بعلت".

ومن الصفات -والنعوت التي أطلقتها النصوص الثمودية على الآلهة: "عم"،. بمعنى رحيم ورؤوف. و "سمع"، بمعنى "سميع".، و "رم بمعنى العظيم، و "الرامي"، والكبير. و "ابتر" "أبتر بالمعنى المفهوم من اللفظة في عربيتنا، اي، ليس له ولد. ولهذه الصفة أهمية كبيرة بالنسبة لدارس الحياة الدينية وتطور فكرة الألوهية عند الجاهليين، لأنها تشير إلى ان صاحب النص الذي خاطب إلهه يقوله: "ه أل ه ابتر"، "ه إله ابتر"، بمعنى " فيا الله الأبتر"، اي الإلهَ الذي لم يلد ولا ولد له، كان يعتقد ان إلهه لم يلد أحداً، فهو فرد واحد أحد. وقد وردت لفظة "ابتر" في نص ختم بهذه الجملة: "ه ال ه ابتر بك سرور لنا "، اي: "فيا إلاه أبتر بك سرور لنا"، أو بتعبير أوضح: "فيا إلهي أو إلاهنا الذي ليس له ولد، بك نسر""، أو "فيا إلهنا أبتر بك سرور لنا" أو "أنت سرور لنا".

والالهة تساعد الناس وتعاونهم وتغيثهم. هذا نص ثموديَ كتبه رجل من قوم ثمود توسل فيه الى إلهه أن يرسل المسرات "ميسر"، إلى من نزلت بهم للدواهي من الناس. وان يعاون العاملين. "ذ اتا يعمل". وهذا نص آخر، كتبه شخص آخر، وجهه إلى الإلهَ "رضو"، يقول فيه: "ه رضو ات عون عمل". أي "يا رضو امنح العون لمن يعمل"، أو "يا إلهي رضو العون للعامل".

والالهة ضياء للناس، تضيء لهم سواء السبيل، تمنحهم نعمة الرؤية وترشدهم إلى النور. هنا نص يقول: "إلى ن ام ت ض ي ل ن". فهو يطلب من الإله أو من المعبد، أن يضيء لكاتبي النص السبيل، وأن ينقذهم من الغفوة التي أصيبوا بها، ليتجلى لهم الحق. وفي نص آخر: "بك ري نور تمت حيت"، ومعناه "بك رأينا النور. وتمت الحياة"، أو "بك نور. ضياء.. حياة،، أو ما شابه ذلك. فالإلهَ هو نور لهذه الحياة، وضياء للناس.

والله عالم بكل شيء، ذو المعرفة والعلم. وقد وردت صفة "ه ع ر ف" "ها عارف" "ها عرف" أي العارف في نص وسم بJSA 568، وفي نص آخر، وسم ب Hu626. وهو العالم المحيط بكل شيء، وقد عبر عن هذه الصفة بلفظة "حصي"، و"أحصى" بمعنى أحاط وأحصى كل شيء عدداً، فالله محيط بكل شيء عالم لا يخفي على علمه شيء.

ووصفت الالهة في النصوص الثمودية بأوصاف أخرى، مثل "عبر" بمعنى"القدير" والقوي والمعتز، و "ذ عبر"، "ذو عبر" بمعنى ذو الحول والطول، وذو القوة والقدرة. و "ذبر"، وهي بهذا المعنى أيضاً. وهو "العوذ"، "عوذ"، والملجأ لكل إنسان. وهو "العلي"، وقد وردت جملة "عل رضو"،بمعنى "أعل رضو"، وهي جملة تذكرنا يقول "أبو سفيان" يوم معركة "أحد":"اعلُ هبل، اعلُ هبل". وإني أرجح أن لفظة "عل" في هذا النص، تعني "على"، أي حرف جر، فيكون المعنى "على رضو الملجأ"، و "على رضو المعولّ".

ولم أعثر في النصوص الجاهلية على نعت يشير إلى استخفاف أو حطة بالآلهة.

فلم أجد إلهاً نعت فيها باللؤم أو بالسرقة،، أو بالاعتداء على الأعراض، أو رمي بالحسد، حسد الناس أو حسد امثاله من الأرباب، كما لم أجد ما تجده في الأساطير اليونانية من وجود فروق بين الآلهة، وتباين بينها في المنزلة والمكانة، بحيث نجد آلهة كبيرة غنية، وآلهة ضعيفة فقيرة تحسد الأولى وتنقم عليها، وآلهة تسرق وتنهب لحاجتها إلى المال ولفقرها، ولم أجد فيها التخصص الذي نجده في الآلهة اليونانية، من وجود آلهة للبحار، وآلهة للهواء، وآلهة للحب، وآلهة للخمر، ونحو ذلك، وكل ما نجده عندهم، هو وجود آلهة شعوب وقبائل، مثل ود إلَه شعب معين، والمقه إلَه شعب سبأ، وهبل إلهَ قريش، وهكذا نشأت من الظروف المحلية التي عاش فيها الجاهليون.

ولا أستبعد وجود "ميثولوجيا" أي أساطير عند الجاهليين، تدور حول آلهتهم، فقد تحدثت عن رأي بعضهم في "الشعرى"، ولكني أستبعد وجود أساطير دينية معقدة عندهم على شاكلة الأساطير اليونانية، أو الأساطير المصرية أو الهندية، لما بين الظروف المحيطة بالجاهليين وبين الشعوب المذكورة من فروق. والأساطير هي من حاصل المجتمع والظروف المتحكمة في الإنسان.

وإذا وجدنا آلهة أهل الجاهلية على هذا النحو من الصفات المذكورة، حساسة ذات حسّ مرهف، تنفعل بسرعة، تغضب وترضى، فيجب أن نعرف أن هذه الصفات، تمثل خلق من اطلقها على أربابه، فأرباب الناس من صنعهم، هو الذي أوجد تلك الأصنام وسوّاها، فما دام هو موجدها، فلن تكون آلهته إلا على شاكلته، إنها صورة صادقة له.

الثواب والعقاب

وما يفعله الإنسان من خير أو شر، سيكون ثوابه وجزاؤه في هذه الدنيا. والآلهة، هي التي تثيب وتعاقب. تثيب المتقي المتعبد لها المتقرب اليها بالنذور وبالبر بمعابدها، فتعطيه مالاً وتبارك له في نفسه وفي أهله، وتعطيه ذرية صالحة ذكوراً. وتنجيه من البلايا والآفات ومن الأوبئة والأمراض، وترجعه سالماً معافى من الحروب، تشفي جروحه اذا جرح، وتغدق عليه بالنعم من غنائم الحرب. فهذا هو الثواب. ثواب في الدنيا وكفى.

اما العقوبة، ففي الدنيا وحدها ايضاً، وتكون بإنزال البلاء بمن يستحقه من الخارجين على أوامر الالهة، المتجاسرين على حرمة المعابد، المارقين على النظام، المخالفين لسلوك المجتمع، المتجاوزين على حقوق غيرهم. ومن البًلاء الأمراض، من عمى وعور، واصابة عضو من اْعضاء الجسم بعطب، والأوبئة. ونجد في النصوص توسلات إلى الآلهة بأن تصيب من يغير النصوص المدونة الموضوعة شواخص على القبور، ومن يتطاول على حرمة المقابر، أو يدفن غريباً فيها بغير اذن، بالعمى والعور، لتجاوزه على حرمة القبور. وكان في روع أهل مكة وما حولها ان من يعرض للسائبة، أو لحرمات ال له، أصابته عقوبة في الدنيا. وعقوبات الدنيا أشد تخويفاً للاعرابي، واكثر وقعاً في نفسه من العقوبات المؤجلة في للعالم الثاني، ثم إن معظم اهل الجاهلية لا يؤمنون باليوم الثاني، ولا بحشر وبعث ونشر. ولولا الثواب والخوف من العقاب في هذه الدنيا، لما تقدم انسان وهو فقير بائس، بأعز ما عنده إلى آلهته، على فقره وجوعه، ليقدَمه قربة اليه، وهو في أشد الحاجة له، ولما بنى الناس المعابد، وتقدموا اليها بالهدايا والنذور، ولما ذكر رجل الهته وتبرك باسمها، ووضع ملكه في حمايتها ورعايتها، ولعمت الفوضى المجتمع، وأكل بعضهم بعضاً، ونهبوا المال. والخوف من العقوبة في هذه الدنيا، ساعد بالطبع كثيراً في ردع الأشرار عن غيهم، وفي منعهم من الاعتداء على الحرمات، كما ان الإثابة في هذه الدنيا حملتم على عمل الخير، وعلى التقرب إلى المعابد والعمل بأوامر رجال الدين، لتحقيق رضى الالهة، وفي نيل رضاها كسب مادي وربح ملموس أكيد في هذه الحياة.

ولولا الأمل في الرضى والثواب، والخوف من الالهة، لما جعل الناس أنفسهم عبيداً إلى الالهة، فسموا أنفسهم "عبد ود" و "امت العزى" "أمة العزى"، و "عبد يغوث"، و "عبدَ مناة"، وما شابه ذلك من أسماءُ دعي أصحابها بها، أملاً في العمر الطويل، وفي التهرب من الموت. فقد كان الآباء والأمهات ينذرون نذراً، انه ان ولد لهم مولود، أخدموه إلهاً من الآلهة، ودعوه عبداً له حتى يعيش. يفعل هذا الفعل من لا يعيش له مولود، ومن يولد له مولود لكنه لا يعمر طويلاً، بل يموت طفلاً أو في مقتبل العمر. فأمل الإنسان في ان يضع الإلَه حمايته ورعايته للمولود، دفعه على ركوب هذا المركب، لاقناع الآلهة بدفع الموت عن أبنائهم وحمايتهم منه.

ولدينا نصوص جاهلية عديدة، تخبر عن تلبية الآلهة توسلات المتعبدين لها، ووفائها لهم بما طلبوه منها. ففي نص ثمودي يخاطب انسان ربه "منف" "مناف" بقوله: "سمعت منف"، أي "سمعت ندائي. يا مناف"، أي استجبت لندائي، فوفيت لى يا إِلهي مناف. وقد دوّنه حمداً له وشكراً واعترافاً بفضله عليه، وفي نص آخر،يخبر صاحبه انه برئ. وان ربه شفاه مما ألم به من مرض. فيقو ل "بر ا ت"، أي "برأت"، و "بر تن"، و "برتتن ". و في نص آخر يشكر انسان ربه "صلم "، ولم يرد في النص السبب الذي حمل صاحب النص على شكر إلهه "صلما"، لكننا نستطيع ان نحزر، فنقول،انه طلب منه شيئاً، فصار على نحو ما اراد فشكر إلهه لذلك وفي نص آخر، توسل من شخص الى إلهه "صلم" لكي يعينه في الفاجعة التي فجع بها. وفي نص آخر، توسل إلى إلهه لأن يمنحه: "خلود"، أي الخلود، بمعنى طول للعمر.

ومن التوسلات الجميلة التي وجهها الثموديون إلى آلهتهم، قول أحدهم: "بالهى امت"، "ب الهى اموت"، "بإلهي اموت"، أو "في حب إلهي أموت "، أو "في إلهي أفنى" فهو يخاطب ربه. وقد ملأ قلبه العشق نحوه، العشق الإلهي الذي نقرأه في كتب اَلمتصوفة، ونسمعه في تغاريدهم يخاطبون بها الله. ونجد هذا الحب الإلهي والهروب إلى الله في نص ثمودي آخر،هذا نصه: "بم مرر. ب ل ه ى جرت، ب ل ه ى ام ت لبب ذ ه غ ث ت". أي "من مرّ". بإلهي استجرتُ " بإلهىِ أموت. اعطني لبك. يا مغيث"، وبعبارة أوضح: "من مر"" و "مر" اسم صاحب النص، فهو يوجه نداءه إلى ربه "استجرتُ بإلهي. وبإلهي اموت. اسمع ندائي يا من يغيث"، أو "يا مغيث".ففي هذه التوسلات وأمثالها رقَة الشعور الديني، والحس المرهف الذي يكون عند كبار المتصوفة في مناجاتهم الله.

?????????????????????????????? ???????التطاول على الأرباب

وفي روع أهل الجاهلية ان من سب الأرباب أو تطاول في كلامه عليها، نزلت به قارعة. فلما أسلم "ضمام بن ثعلبة" السعدي أو التميمي، وقدم على قومه، "فكان أول ما تكلم يه، لن قال: بئست اللات والعزى. قالوا: مه ياضمام اتق البرص، اتق الجذام، اتق الجنونً قال: انهما والله ما يضران ولا ينفعان". ولما تحرش الرسول بالأصنام خوفه المشركون من ان يصاب بسوء، والى تخويفهم هذا أشير في القرآن الكريم: )ويخوفونك بالذين من دونه، ومن يضلل الله، فما له من هاد (. يعني" ويخوفونك "هؤلاء المشركون" يا محمد بالذين من دون الله من الأوثان والالهة أن تصيبك بسوء، ببراءتك منها وعيبك لها، والله كافيك ذلك". و "كانت زنيرة رومية َ، فأسلمت فذهب بصرها، فقال المشركون: أعمتها اللات والعزى"، "وقالت قريش ما أذهب بصرها الا اللات والعزى".

?الفصل السابع والستون

?التقرب الى الآلهة

وكما تقوم الصداقة بين الناس على أساس الود والتقرب والاتصال والتذكر بتقديم الهدايا والألطاف ونفائس الأشياء، كذلك تقوم "الصلة بين الإنسان وآلهته على اساس من الود والصداقة أيضاً. وإذ كانت الآلهة أقدر من الإنسان، كان من اللازم على البشر التودد اليها بشتى الطرق المعبرة عن معاني التقرب والتحبب والتعظيم، لتتذكره، فتمن عليه بالبركه والسعد وبخير ما يشتهيه ويرغب فيه. والبشر عبيد لآلهتهم، فعليهم ان يؤدوا لها ما يجب أن يؤديه العبد لسيده.

إن على العبد واجبات وفروضاً يجب ان يؤديها لصاحبه ومالكه، وعلى الإنسان كائناً ما كان ان يقوم بأداء ما فرض عليه لالهته واربابه في اوقات مكتوبة وفي المناسبات.

ولما كانت عقلية الإنسان القديم وعقلية كل بدائي تقوم على فهم الإدراك الحسي في الدرجة الأولى، كان للهدايا وللنذور والقرابيِن والشعائر العملية المقام الأول في دياناته، لأنها ناحية ملموسة تراها الأعين و تدركها الأبصار، وفيها تضحية تقنع المتدين التقي المتقرب بها إلى آلهته بأنه قد قدم شيئاً ثميناً لها، وانها لذلك سترضى عنه حتماً، لأنه قد آثرها على نفسه فقدم اليها أعز الأشياء وأغلاها. انها سترضى عنه، لأنه لم ينسها، ولم يغفل عنها، ولم يفتر حبه لها.وسترضى عنه كلما تذكرها وقام بأداء هذه الواجبات المفروضة أو المستحبة لها،كما يرضى الصديق عن صديقه أو السيد عن عبده، بإظهار الاخلاص وبالحرص على أداء الأعمال المرضية.

وللدين عقيدة، أي "ايمان Belief وعمل. والعمل أبين وأظهر وأقوى في الديانات القديمة من الايمان، بسبب ان الايمان بالقلب، وهو لا يكون إلا بين المرء وربه، ولا يمكن لأحد الاطلاع على كنهه. أما العمل فهو تجسيد للايمان وتعبير عنه بصورة عملية واقعية. وهو الناحية المحسوسة الظاهرة للتدين. ولا يفهم البدائي من الدين إلا مظاهره، التي ترتكز على تضحية وبذل مادي لارضاء الالهة، فعنده انه متى بذل أعز ما يملكه في سبيل آلهته عدّ مؤمنا ًتقياً، ترضى عنه الآلهة، والسنتها الناطقة بلسانها على الأرض: طبقة رجال الدين. ولهذا رأى بعض العلماء، انه لدراسة دين من الأديان القديمة يجب الاهتمام بشعائره وبالأحكام التي فرضها على أتباعه، لأنها هي أساس ذلك الدين وجوهره.

لقد كانت ديانات الجاهليين ذات حدود ضيقة، آلهتها آلهة محلية، فالإله إما إلَه قبيلة وإما إلهَ موضع. وطبيعي ان تكون صلة الإنسان بإلهه متأثرة بدرجة تفكير ذلك الإنسان وبالشكل العام للمجتمع. والإله في نظرهم هو حامي القبيلة وحامي الموضع، وهو المدافع عنها وعنه في ايام السلم وفي ايام الحرب، ما دام الشعب مطيعاً له منفذاً لأوامره وأحكامه وللشعائر المرسومة التي يعرفها ويقررها ويقوم بتنفيذها رجال الدين.

ويكون ارضاء الآلهة بالتقرب اليها وبتنفيذ أوامرها التي تعينها وتثبتها خاصتها المختصة بين القبيلة أو الشعب، أعني كهَانها ورجال الدين الذين يعرفون اوامرها وأحكامها خير معرفة، وهم الذين يفسرونها ويامرون بتنفيذها بين للناس. وقد يكون هذا التنفيذ في ايام أو أشهر ثابتة معينة تكون لها قدسية وحرمة خاصة، وقد يكون في مواسم. يرى الناس ان آلهتهم تكون في تلك الأوقات حاضرة متهيئة قريبة منهم تسمع شكاواهم وما عندهم من مطالب. ويكون هذا التنفيذ بصور مختلفة أهمها زيارة المعابد والتبرك باصنامها، وتقديم النذور لها، وايقاف الحبوس عليها، والحج اليها في الأوقات المفروضة وفي كل وقت آخر ممكن، وأداء الصدقات والزكاة، تزكية للمال،وتطهيراً للنفس من الذنوب.

ومن اهم ما تقرب به الإنسان إلى آلهته "النذور" و "القرابين" و "المنح"، اي الصدقات والعطايا. وتدخل "الذبائح" في باب النذور والقرابين كذلك.

وبجب ان اضيف "القرى" اي الضيافة عليها أيضاً، لما لها من صبغة أخلاقية دينية، حتى صارت الضيافة من الواجبات المثبتة في نظام "مكة". وهي "الرفادة" أي تقديم الطعام لمن يحتاج اليه.

والمنحة عند العرب ان يعطي الرجل صاحبه المال هبة أو صلة فيكون له، أو ان يمنح الرجل أخاه ناقة أو شاة يحلبها زماناً واياماً ثم يردها. وقد تقع على الأرض،وهي ان يعطي الرجل غيره أرضاً ليزرعهاُ و يستفيد منها،هبة أو عارية. ويظهر من الاشارة اليها في الحديث، انها كانت من أعمال البر المعروفة عند أهل الجاهلية، وكانوا يتقربون بها إلى آلهتهم.

ولم تحدد الوثنية الأشياء التي كان على الإنسان ان يتقدم بها إلى آلهته قربة اليها أو وفاءً لنذر، بل تركت له الأبواب مفتوحة، فله ان يتقرب إلى أربابه بكل ما يختار ويشاء، من امور بسيطة رخيصة إلى أشياء ثمينة غالية، كل حسب مقدوره وقابلياته. فنجد بين النذور مباخر وتماثيل ومصابيح، وأشياء نفيسة من ذهب أو من جواهر. كما كانوا يتبركون بوضع حصونهم وبيوتهم وبساتينهم ومزارعهم في حراسة الالهة ورعايتها، لتحفظها ولتحفظ أصحابها.

ويمكن تقسيم ما تقدم به الجاهليون إلى اربابهم إلى قسمين: قسم إجباري، يجب الوفاء به بسبب "نذر" مثلاً ؛ وقسم تطوعي، أي اختياري مثل "المنح" والذبائح التي تقدم في المواسم وفي سائر الأيام، ويقال لها "ندب" و "ندبت" "ندبة". و "المندوب" في عربيتنا المستحب. وأدخل في القسم الأول ما يقال له "خطَت" "خطاتَ" "خطأة"، ي "الحطيئة". ويراد بها تقديم "فدية" عن عمل مخالف قام به انسان، مثل تقديم ذبيحة بسبب دخول انسان نجس في المعبد.

واذا كنا في شيء من الجهل بالنسبة إلى الزكاة التي كان الناس يدفعونها في نجد أو العربية الشرقية أو في الحجاز إلى المعابد والى رجال الدين، لعدم وجود نصوص جاهلية تكشف النقاب عنها، فإن لنا بعض المعرفة عن الزكاة التي كان يقدمها اهل العربية الجنوبية إلى معابدهم، ظفرنا بها في الكتابات التي عثر عليها هناك، وقد وردت فيها اشارات اليها في نصوص تعرضت لها بالمناسبات.

وهذه الزكاة حصص عينية مقررة تدفع إلى المعبد على شاكلة الحصص التي تدفع إلى أصحاب الأرض والحكومة، تخزن في مخازن المعابد، لتصدّر إلى الخارج، أو لتباع في الأسواق، أو ليصرف منها على المعابد ورجال الدين والمحتاجين. فكان القتبانيون مثلاً يدفعونُ عُشر حاصلهم إلى المعبد، ويعرف ذلك عندهم ب "عصيم"، تدفع هذه الضريبة عن حاصلات الأرض،وذلك في كل سنةً وقد عرفت هذه الضريبة ب "عشر" عند المعينيين، وهي ضريبة تدفع ايضاً عن الحيوان إلى المعبد. وهذه الضريبة هي في الواقع من الضرائب العامة التي كانت تدفعها أمم اخرى عديدة إلى المعابد، وتستند الى تقاليد تأريخية قديمة، والى نظرية ان الأرض هي ملك للالهة، فهي التي تنعم على الإنسان بالحاصل وبالخير وبالبركات، فعلى الإنسان تخصيص جزء من حاصله لتلك الالهة. فإذا قصر انسان في اداء ما عليه إلى الالهة، تعرّض للعقاب ولحرمان الآلهة اياه من البركة والخصب.

ويتبين من نصوص المسند انه كانت في العربية الجنوبية أرضون واسعة مسماة بأسماء الآلهة، أجرّتها المعابد للرؤساء أو سلمّتها إلى ايدي " الكبراء" لاستغلالها في مقابل أجر يدفعونه إلى المعبد يتفق عليه. وهذه الأرضون هي أوقاف حبست على الألهة تعرف ب "وتفم" "وتف"، ومن غلات هذه الأوقاف ومن "العصم" والنذور والهبات الأخرى ينفق على المعابد وعلى رجال الدين.

وقد ظهر في العربية الجنوبية نظام اقطاعي "كهنوتي"، اسياده رجال الدين، تولوا الإشراف على ادارة أملاك المعبد الواسعة وعلى استغلالها وادارة شؤونها، وجباية الأرضين التي يوقفها المؤمنون أصحابها على الآلهة، وعلى استحصال حقوق المعبد من المتمَكنين. وقد أشير في كتابات المسند الى ارضين واسعة كانت اوقافاً للمعابد، أجرّت الى سادات القبائل لاستغلالها في مقابل أجر اتفق عليه. ويظهر ان بعض اولئك السادات كانوا أقوياء وأصحاب نفوذ فاستولوا على "الحبوس" استيلاء في مقابل اجور زهيدة كانوا يدفعونها للمعبد، ولما لم يكن في وسع المعبد فعل شيء تجاههم، اضطر إلى قبول الأجر الزهيد الرمزي الدال على تملك المعبد للارض. اما السادات فكانوا يؤجرون الأرض لأتباعهم باجور عالية، ويربحون من ذلك أرباحاً كبيرة.

وعثر المنقبون على وثائق في خرائب بعض المعابد، تبين منها انها كانت نصوص عقود ايجار واستئجار لأملاك المعبد، أي للاوقاف المحبوسة على أرباب المعبد. وقد ذكر المستأجرون فيها الشروط التي اتفقوا عليها مع المعبد في مقابل استغلال الوقف. واذا كان المستأجر غير متمكن من أداء ما عليه للمعبد في مقابل استغلال الأرض، فإن من حقه الاستدانة من غيره أو الاتفاق معه على المساهمة معه في الاستغلال والاستثمار على شرط اخذ موافقة رجال المعبد على ذلك، وإدخال اسم الشخص الثاني في العقد، كي يكون مسؤولاً شرعاً عن تنفيذ شروط العقد في حالة عدم تمكن زميله من ذلك.

وقد اقتضى تضخم املاك المعابد خلق جهاز خاص لادارة الأملاك والأوقاف والاشراف على استحصال "الأعشار" عن الدخل وتركات الارث والمشتريات إلى جانب النذور والقرابين وتوقيع العقد. جهاز رأسه كبار رجال الدين، الذين يمثلون الالهة على الأرض،وقاعدته صغار رجال الدين ومن عهد اليهم أمر الادارة من غير رجال الدين. فصار للمعبد بذلك نفوذ كبير في اقتصاد العربية الجنوبية في ذلك الوقت.

وفي المعابد مواضع يرمي الزوار فيها ما يجودون به على المعبد، تكون أمام الأصنام في الغالب. وهي خزائن تتجمع فيها النذور والهبات، فياخذها السدنة. وأغلب ما يرمى فيها الحلي والمصوغات المصاغة من الذهب والفضة، والأشياء النفيسة الأخرى. كما كانوا يعلقون السيوف والألبسة الثمينة على الأصنام وعلى الاشجار المقدسة تقرباً اليها، ووفاء بنذور نذروها لها.

ولم يبخل الجاهليون على اصنامهم،فقدموا لها حتى المأكل والمشرب، لاعتقادهم انها تسر بذلك وتفرح. فقد علقوا على "ذي الخلصة"، وهو صنم نصبه "عمرو بن لحي"، القلائد وبيض النعام، والبرد النفيسة، وقدموا له الحنطة والشعير، بل واللبن أيضاً، ليشرب منه، وذبحوا له. فهم يعتقدون أن في الصنم روحاً، وان في مقدوره التلذذ بهذه النذور. وكان في روعهم أنه يشرب من ذلك اللبن.

وقد أشير إلى الهبات التي تقدم إلى المعابد والآلهة بكلمة "وهبم" في النصوص القتبانية. بمعنى "وهبّ" و "هبات". ووردت كلمات أخرى تؤدي هذا المعنى أيضاً. منها: "ودم"، و "شفتم"، و "بنتم". وتقابل هذه ما يقال له: "منحة" و "المنحة" عند العرب الشماليين.

وفي جملة ما يدخل في هذا الباب "بكرت"، أو "الباكورة" أول كل شيء. مثل الثمر وأول مولود بالنسبة للحيوان، حيث يهدى للالهة. وقد كان معروفاً عند العبرانيين وعند غيرهم من الساميين. وذلك أن يجعل صاحب المال ثمرة أول زرعه أو حيوانه نذراً لآلهته. وّقد اشير إلى هذا النذر أو الهبة في نصوص المسند. ومن "الباكورة" العقّيقة التي تحدثت عنها في موضع آخر من هذا الكتاب.

وتلعب النذور دوراً خطيراً في الحياة الدينية عند الجاهليين، حتى صارت عندهم بمثابة المظهر الأول وللوحيد للدين. فالعامة لا تكاد تفهم من الدين إلا تقديم النذور للالهة، لتجيب لها طلباتها وتنعم عليها بنعمائها. والنذور هي وعد على شرط. يتوسل الناذر إلى آلهته بأنها ان أجابت طلباً عينه، وحققت مطلباً نواه، فعليه كذا نذر، يعينه ويذكره. فهنا عقد ووعد بين طرفين في مقابل تنفيذ شرط أو شروط، أحد طرفيه السائل صاحب النذر، أما الطرف الثاني فهو الإله أو الالهة. وأما الشرط، فهو تنفيذ المطالب التي يريدها الناذر. وأما النذر، فهو أشياء مختلفة، قد تكون ذبيحة، وقد تكون جملة ذبائح، وقد تكون نقوداً، وقد تكون فاكهة أو زرعاً، وقد تكون أرضاً،وقد تكون تمثالاً، وقد تكون حبساً لانسان يهب نفسه أو مملوكه أو ابنه لإلهه أو لآلهته، وقد يوهب ما في بطن المرأة أو ما في بطن الحيوان، وقد يكون النذر حيوانات حية. وهكذا نجد مادة النذر كثيرة مختلفة متباينة بتباين النذر والأشخاص.

ولا يشترط في وفاء النذر ان يكون عيناً اي مادة، إذ يجوز ان يكون امرأَ معنوياً، كأن يذكر الناذر في نذره انه إن اجاب الإلهَ الفلاني طلبه وبارك له ومنحه طفلاً، يخدمه له أو يسميه عبده، اي عبد ذلك الإله الذي نذر له. وكثير من الأسماء المبتدأة ب "عبد".يليها اسم "صنم"، هي من هذا القبيل، دُعي اصحابها بها ليحمي من سمّي به صاحب ذلك الاسم في مقابل تلك التسمية. ومن هذا القبيل عبد مناف وعبد مناة.

ومن هذا القبيل ايضاً نذر المواهب، كأن ينذر شخص مواهبه لصنم او لمعبد، باًن يتعهد ان يقوم بترنيم التراتيل الدينية في الأعياد أو في اوقات الصلوات والمناسبات في ذلك المعبد، أو يقوم فيه بأعمال فنية مثل رسم منظر ديني أو تزيين معبد الإله، والنذر بالصيام وبغير ذلك.

ويعبر عن الابن الذي ينذره أبوه أو أمه بأن يجعله خادماً للمعبد أو للصنم أو للكنيسة ذكراً كان أم أنثى "النذيره"، وذلك لأنه حبس على خدمة الإله أو الصنم أو المعبد وتفرغ، فلا يخدم أحداً سواها. وفي التنزيل: )إني نذرت لكَ ما في بطني محرراً".

ويقال للنذر "النَّحْب"، وهو ما ينذره الإنسان على نفسه فيجعله نحباً واجباً، وقيل: إنما قيل للنذر نذراً، لأنه ينذر فيه، أي أوجب على النفس. ووردت لفظة "نذر" "نذرم" "نذرن" في نصوص المسند، بمعنى "نذر" و"نذور".

ومن هذه النذور "الربيط". فقد كان الجاهليون ينذرون أنهم إذا عاش لهم مولود جعلوه خادماَ للبيت، أي لبيت الصنم. ومن هنا لقب "الغوث بن مرّ" بالربيط " لأن أمه كانت لا يعيش لها ولد، فنذرت لئن عاش هذا لتربطن برأسه صوفة، ولتجعلنه ربيط الكعبة، فعاش ففعلت وجعلته خادماً للبيت حتى بلغ الحلم، فنزعته فلقب الربيط".

ويظهر من بعض الروايات انهم كانوا يربطون الربيط بالبيت. فقد ذكروا أن أم "الغوث" لما "ربطته عند البيت اًصابه الحرّ، فمرت به، وقد سقط وذوى واسترخى "، فيظهر أنهم كانوا يربطونه برباط بالموضع المقدس، ليكون على اتصال تام به، كما يفعل الناس اليوم من ربط مرضاهم ومن لا يعيش طويلاً من الأولاد بقبور الأولياء بخيط أو حبل، رجاء الشفاء وطول العمر، وقد يعقدون خيطاً أو شريطاً بالقبر، لهذا الغرض.

وقد كان اصحاب النذور يتنسكون ويكثرون من تعبدهم ومن تقربهم للصنم الذي نذروا له، ليمنّ عليهم ويحقق لهم ما طلبوه. وقد اشار "لبيد" الى الناسكات ينتظرن النذر بقوله: توجس النُبوُحَ شُعٌثا غُبراً  كالناسكات ينتظرن النذرا

ومن نذورهم في الجاهلية، انهم كانوا ينذرون بألا تهب الصبا حتى يذبحوا أو ينحروا، ويظهر ان هذه عادة كانت لها صلة بطقوس دينية جاهلية قديمة،نجدها عند اهل مكة وعند الأعراب.

وتكون النذور في حالات الشدة والضيق في الغالب. فإذا أصيب انسان بمكروه أو أصيب عزيز له بذلك، نذر إلى آلهته نذراً، يقدمه لها حالة تحقق الشرط، فإن صادف ان تحقق ما طلبه، وجب على الناذر الوفاء بنذوره. ونظراً لظروف ذلك الوقت، فقد كانت النذور كثيرة ومتنوعة. منها نذور مادية، ومنها نذور معنوية، مثل التعبد والتبتل وخدمة بيوت الأصنام وما شاكل ذلك من نذور. وقد كانوا لا يحلون لأنفسهم التملص والتخلص من الوفاء بالنذور، لاعتقادهم

انهم إن أكلوها ولم يوفوا بها، غضبت عليهم الالهة، ولاسيما الإلَه الذي جعلوا نذرهم له، فيصابون بغضب منها، و ينالهم مكروه، فهم لذلك يوفون نذورهم ولا يقصرون في الأداء، إلا لحاجة أو لاستهتار. أو لتغلب الشح على النفس، ومع ذلك، فقد كاّنوا يلجأون الى الحيل الشرعية في هذا التهرب، بإيجاد الحلول و الأعذار.

ونجد في نصوص المسند عدداً كبيراً من الكتابات تفيد ان صاحب الكتابة قد قدّم إلى الإلهَ الفلاني كذا وكذا، لأنه أجاب طلبه وأعطاه ما أراد ووفاه بحسب طلبه، فقدم اليه كذا وكذا وفاء لنذره. وتذكر في النص أحياناً جملة لتنزل اللعنة أو لينزل الهلاك والدمار أو ما شابه ذلك على من يحاول ازالة النذر والأثر عن موضعه أو إلحاق الأذى به أو ما شابه ذلك من عبارات. وقد ورد مثل ذلك في النصوص الثمودية والليانية والنصوص الأخرى. وتفهم فكرة النذر والغاية منه صراحة من هذه الكتابات، فالناذر قدّم نذره، لأن الإلهَ المذكور أو الآلهة المذكورة أجابت طلبه ووفت له ما أراد، فوفى هو له أو لها ما أشترط على نفسه تقديمه عند عقده صيغة النذر. فالإلهَ أو الالهة طرف يسمع ويتعاقد ويجيب ويفعل أو تفعل تماماً كما يفعل الإنسان، وهي تشترط على الطرف الثاني اي على السائل الوفاء بالنذر، لأنه دين يجب عليه دفعه في مقابل تنفيذ الآلهة الشروط المذكورة، وإلا فإن الآلهة تغضب عليه وتوقع القصاص عليه، وقد تسحب ما قدمت له حينما عقدت النذر معه.

وكانت القرابين البشرية في جملة الأشياء التي قدمها الإنسان نذراً إلى آلهته. وكان "عبد المطلب"، كما يذكر أهل الأخبار قد نذر إن توافى له عشرة رهط أن ينحر أحدهم. فلما اكمل العدد، قرر الوفاء بنذره، وذلك بذبح أحدهم. وإِذ لم يكن قد عين الولد الذي سيذبحه، ذهب كعادة أهل مكة إلى هُبل يستقسم عنده. فلما أصاب النصيب "عبد الله"، ذهب إلى "إساف" ونائلة وثَني قريش الذين تنحر عندهما، ليذبحه، "فقامت اليه قريش من أنديتها: فقالوا: ماذا تريد يا عبد المطلب ? قال: أذبحه. فقالت له قريش وبنوه: والله لا تذبحه أبداً حتى تعذر فيه، لئن فعلت هذا لا يزال الرجل يأتي بابنه حتى يذبحه، فما بقاء الناس على هذا ?". ثم سألوه أن يذهب إلى عرّافة كانت بالمدينة لها "تابع"، لترى رأيها في الموضوع وتفتي فيه، فلما ذهب اليها،وجدها بخيبر، فأشارت عليه أن يعود الى مكة، ثم يضرب بالقداح على ابنه وعلى عشر من الإبل وهو مقدار الدية عندهم، فإن خرجت القداح على عبد الله ضربوا القداح مرة أخرى، فإن خرجت القداح على عبد الله مرة أخرى، أعادوا الضرب حتى يقع على الإبل، فيكون الرب قد رضي عنه، فتنحر الإبل عندئذ، فسمع نصيحتها وفعل، ونحرت الإبل فدية عن ابنه "عبد الله". والظاهر أن عادة نحر الأبناء عند الكعبة قد بقيت حتى بعد دخول العرب في الإسلام، بدليل ما ورد عن نذر امرأة أن تنحر ابنها عند الكعبة في أمر إن فعلته، ففعلت ذلك الأمر، فجاءت إلى المدينة تستفتي علماءها في الأمر. فأشار عليها من استفتتهم بوجوب الوفاء بالنذر، ولكنهم ذكروا لها أن الله قد نهى عن قتل أنفسكم، وذكروا لها قصة عبد المطلب المذكورة، ومعنى ذلك تقديم الفداء.

كذلك كان من عادة الجاهليين النذر في ساعات الشدة والخطر، فكان بعض النساء ينذرن أن يجعلن ولدهن "حمساً" إن شفي الرب ابنها من مرض ألم به، كما كانوا ينذرون بحلق شعر الرأس أو جز شعر الناصية أو الاعتكاف والانزواء بعيداً عن الناس. وهي عادات نجدها عند غير العرب أيضاً.

وقد أشار المفسرون وأصحاب الحديث والأخبار الى نذور كانت معروفة في الجاهلية، فمنعها الإسلام وفي بعضها نوع من التحايل والتلاعب، حيث كانوا يتصرفون بحسب أهوائهم وشهواتهم ومنافعهم وقت استحقاق النذر. ومن ذلك ما أشير اليه في القرآن الكريم: )وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً، فقالوا: هذا لله بزعمهم، وهذا لشركائنا، فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله، وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون(. وقد ذكر المفسرون ان من الجاهليين من كان يزرع لله زرعاً وللأصنام زرعاً، فكان اذا زكا الزرع الذي زرعوه لله ولم يزك الزرع الذي زرعوه للأصنام، جعلوا بعضه للأصنام وصرفوه عليها، ويقولون ان الله غني والأصنام أحوج، وان زكا الزرع الذي زرعوه للاصنام، ولم يزك الزرع الذي زرعوه لله لم يجعلوا منه شيئاً لله. وقالوا هو غني.

وكانوا يقسمون الغنم، فيجعلون بعضه لله، وبعضه للاصنام، فما كان لله أطعموه الضيفان، وما كان للصنم أنفقوه على الصنم. فكانوا اذا اختلط ما جعل للاصنام بما جعل لله تعالى ردوه، واذا اختلط ما جعل لله بما جعل للأصنام تركوه. وقالوا الله أغنى. واذا هلك ما جعل للاصنام، بدّ لوه مما جعل للّه، واذا هلك ما جعل لله لم يبدلوه بما جعل للأصنام.

فهم يتطاولون على ما خصصوه لله من نصيب، ويتصرفون به كما يشاؤون، و يحافظون على ما خصصوه للاصنام، بزعمهم أنها شركاء لله، ويقدمونه لها. ولعل ذلك بسبب أن ما كان يخصصونه للاصنام كان يجد له معقباً وسائلاً،يراجع أصحاب الحرث أي الزرع وأصحاب الأنعام لاستحصال حق الأصنام منهم. وهو حق مفروض، وهم السدنة ورجال الأصنام، فكانوا يستحصلون حقوق الأصنام منهم، على حين كان ما يخصصونه لله نذراً لا يعرف به غير الناذر، فكان يتلاعب به، ويعطيه أو يعطي جزءاً منه إلى جامعي حق الأصنام، على اعتبار أنها شريكة لله، وبذلك يتهرب من أداء النذر كاملاً بهذه الحيلة الشرعية، فلا يستخرج من ماله الذي خصصه لنفسه شيئاً عن الوفاء بالنذر وفاءً تاماً، أو لاعتقادهم أن الله بعيد عنهم، وهو غفور رحيم، أما الأصنام، فقريبة منهم، وهي منتقمة أشد الانتقام.

ويتبين من دراسات النذور عند الشعوب القديمة أنها كانت نتيجة حاجة،وتصور الإنسان أن بإمكانه التأثير على آلهته بهذه النذور، فيجعلها تميل إلى اجابة طلبه وحل مشكلاته، وذلك بتقديم مطالب مغرية تطمعها، وهدايا سارة تفرح بها، كما يفرح الإنسان عند تقديم أمثالها اليه، فيهش لصاحب الهدية ويرتاح له ويتقرب اليه، ويعد الهدية نوعاً من التقرب والتودد والتحبب، فمن واجب من أهديت اليه الهدية مقابلة المتودد بالمثل. وأما الحاجات التي كان يرجو الناذرون تحقيقها، فهي في الغالب الحصول على ثروة، أو صحة وعافية أو ذرية أو نصر وتوفيق. والناذر على يقين بالطبع من أن الإلهَ الذي نذر له النذر قادر على تحقيق ذلك، وإلا لم يتقدم اليه بهذا النذر.

ويدخل في باب النذور ما يأخذه المرء عهداً على نفسه بتجنب الطيبات واللذيذ من العيش، أو بالابتعاد عن الناس، واعتزالهم على نحو ما يفعله الرهبان والناسكون لأمد معين أو لأجل غير معلوم. ونجد أمثلة عديدة من هذا العهد في أخبار الجاهليين، كالذي ذكروه عن "امرىء القيس" من أنه قال حينما بلغه مصرع والده: " الخمر عليّ والنساء حرام حتى أقتل من بني أسد مئة وأجز نواصي مئة "، وكالذي رووه عن غيره من الجاهليين. وهي كلها من هذا الطراز. أخذ الشخص عهداً على نفسه بألا يقرب امرأة أو يشرب خمراً أو يضع طيباً أو يقرب اللذائذ حتى يأخذ بثأره أو يتحقق ما نوى عليه، وقد يحدد ذلك بوقت بأن يعين أجل العهد.

وإذ كان النذر عهداً، كان من اللازم تنفيذ العهد ? فإذا مات من أخذ عهداً على نفسه بأن يفعل شيئاً لم يفعله، فعلى ورثته وقبيلته الوفاء بعهده. فإذا مات شخص كان قد نذر على نفسه الأخذ في بثأر قتيل ولم يوف بعهده، بسبب موته، فعلى اهله وذوي قرابته وأفراد قبيلته الأخذ بالثأر. ولذلك كانت أحقاد الثأر تنتقل من الآباء إلى الأبناء فالأحفاد، وتستغرق أحياناً زمناً طويلا حنى يؤخذ بالثأر. وقد نشأت عن هذه العهود مشكلات خطيرة في المجتمع الإسلامي في موضوع العهود التي يمكن تنفيذها والعهود التي لا يجوز تنفيذها، أو التي يسمح بعدم تنفيذها وفي مبلغ التبعة التي تترتب على الورثة في تنفيذ العهود.

القرابين

وتؤلف القرابين جزءاً مهماً من عبادة الأمم القديمة، بل تكاد تكون العلامة الفارقة عندهم للدين. والرجل المتدين في عرفهم هو الرجل الذي يتذكر آلهته ويضعها دائماً نصب عينيه، وذلك بتقديم القرابين لها، ولست أخطئ اذا قلت انها كانت عندهم أبرز من العبادات العملية كالصلوات، لأن الإنسان القديم لم يكن يفهم آنئذ من الحياة إلا مفهومها المادي،وهو يرى بعينيه ويدرك ان ما يقدم اليه من هدايا يؤثر في نفسه كثيراً، ولذلك كان من الطبيعي ان يتصور بعقله ان القرابين هي أوقع في نفوس آلهته من اي شيء كان، فقدمها على كل شيء، وجعلها عبادة يتقرب بها إلى الآلهة كما يتقرب اهل الأديان السماوية إلى الإلَه بالدعاء والصلوات، فهي في نظره عبادة تقربه إلى الأرباب.

وقد كان الجاهليون، يعظمون البيت بالدم، ويتقربون إلى أصنامهم بالذبائح، يرون ان تعظيم البيت أو الصنم لا يكون إلا بالذبح، وان الذبائح من تقوى القلوب. والذبح هو الشعار الدال على الاخلاص في الدين عندهم،وعلامة التعظيم. "قال المسلمون: يا رسول الله، كان اهل الجاهلية يعظمون البيت بالدم،فنحن أحق ان نعظمه".

ويظهر من قول أحد الشعراء الجاهليين: فلا لعمر الذي مسحت كعـبـتـه  وما هرُيق على الأنصاب من جسدِ

أن الجاهليين كانوا يريقون دم الضحية على الأنصاب،وهي موضوعة في الكعبة، ويمسحون الكعبة.

وكلمة "قربان" وجمعها "قرابين"، هي من أصل "ق ر ب"، وقد استعملت وخصصت بهذا المعنى لأنها تقرب إلى الآلهة. والقربان هو كل ما يتقرب به إلى الله. فليس القربان خاصاً بالذبائح، وان صار ذلك مدلوله في الغالب.

ومن القرابين ما يقدّم في أوقات معينة موقوتة، ومنها ما ليس له وقت محدد ثابت بل يقدم في كل وقت. ومن أمثلة النوع الأول ما يقدم في الأعياد أو في المواسم أو في الأشهر أو في أوقات معينة من اليوم وفي ساعات العبادات، ومن أمثلة النوع الثاني ما يقدم عند ميلاد مولود، أو انشاء بناء أو القيام بحملة عسكرية أو لنصر وما شابه ذلك من احوال. ويدخل في النوع الأول الأحتفاء بأعياد الآلهة، حيث تكسى أصنامها أحسن الحلل، وتزين باجمل زينة، ثم يوضع أمامها ما لنَّ من الطعام وما حسن من الهدايا، وتذبح لها الذبائح، تذبح على الأنصاب. ويأتي الكهاّن ليقوموا بتأدية الشعائر الدينية المقررة في هذه الأحوال. ومعظم نصوص المسند كتابات دونت عند تقديم قربان أو نذر إلى الآلهة في ميلاد مولود، أو شفاء مريض، أو بناء معبد أو بيت، أو حفر خندق أو تشييد برج أو سور، أو حفر بئر أو زواج وما شاكل ذلك. ويظهر منها ان الناس في ذلك العهد كانوا يقدمون القرابين إلى آلهتهم في مناسبات كثيرة، تقرباً اليها وارضاء لها، ولكي تمنّ على أصحابها بالخير والبركة.

وقد استعملت نصوص المسند لفظة "ذبح" و "ذبجم" بمعنى "ذبحوا" و "ذبح" و "ذبيحة" و "ذبائح". وقد تسبق بكلمة "يوم"، فتكون "يوم ذبح"، اي "يوم ذبحوا"، ثم يذكر بعدها عدد ما ذبح ونوعه، ثم كلمة "اذبح" بمعنى "ذبائح" في بعض الأحيان. والذبائح التي تقدم إلى الآلهة هي الإبل والبقر والثيران والغنم والمعز، وهي اكثر الحيوانات شيوعاً في الذبح عند الشعوب السامية الأخرى. ولم نجد في نصوص المسند ذكراً لحيوانات اخرى كالأسماك أو الدجاج مثلاً، ولعل ذلك بسبب ضآلة قيمتها وتفاهتها بالقياس إلى أثمان الحيوانات الأخرى، مما جعل الناس يأنفون من الاشارة اليها في النصوص. وفي بعض الأديان حرق الذبائح وسكب دمائها على النار كما يفعل العبرانيون،إذ اتخذوا مذبحاً للمحروقات، ويسمى أيضاً بمذبح النحاس. وكانت ناره لا تطفأ، وتقدم اليه الذبائح على الدوام، ويعرف ذلك عندهم ب "عولاه" Olah، وتفسير الكلمة الشيء الذي يعلو.

وينفي "ولهوزن" وجود المحارق عند الجاهليين، وعنده أن العرب لم يكونوا يحرقون الذبائح للارباب، بل كانوا يكتفون بالذبح وبسكب دم الذبيحة على النصب كله أو بعضه، أو انهم يتركونه يسيل إلى "الغبغب"، وليس في الذي بين أيدينا من نصوص ما يدل على ان الجاهليين كانوا يحرقون ذبائحهم لأربابهم على نحو ما كان يفعله العبرانيون،غير أن ذلك لا يمكن أن يكون مع ذلك دليلا قاطعاً وحجة كافية في اثبات أن هذه العادة لم تكن عند جميع الجاهليين.

وهناك ذبائح من نوع آخر قدمها الإنسان إلى آلهته، من نوع لا تشمله كلمة خروف أو شاة أو بقرة أو ثور أو جمل، من نوع آخر لا تشمله اية تسمية من هذه التسميات التي تطلق على هذه الحيوانات التي يأكلها الإنسان في العادة، هي ذبائح يعاقب القانون كل من يمارسها في الوقت الحاضر بأشد العقوبات، هي ذبائح بشرية قدمها الإنسان إلى الهته لاعتقاده انها زلفى محببة الى نفوسها، وانها ستفيد المجموع وتنقذه من كثير من الأوبئة والأمراض وأنواع الشر والضر، إن كان الإنسان الحديث يتبرأ منها في الزمن الحاضر ويتنكر لها ويحاول تبرئة أجداد أجداده من ممارستها قبل مئات من السنين، فالتأريخ لا يستطيع ان يجد دليلاً يثبت تبرئة أكثر أديان شعوب العالم القديمة من تقديم هذا النوع مهن القرابين، وفي التوراة أمثلة عديدة تتحدث عن تقديم العبرانيين لهذا النوع من القرابين إلى "يهوه"، ليرضى عن شعبه، ويعفو عنه، ويتقرب منه. كذلك نجد هذه العادة عند اليونان والرومان والهنود والفراعنة والصينيين واليابانيين وغيرهم.

أما عند الجاهليين، فذكر "فورفيريوس" Forphyrius أن أهل "دومة" Duma كانوا يذبحون في كل سنة إنساناً عند قدم الصنم تقرباً اليه. وذكر "نيلوس" Nilus أن من عادة بعض القبائل تقديم أجمل من يقع أسيراً في أيديهم إلى "الزُهرة"،ضحية لها تذبح وقت طلوعها، وقد وقع ابنه "تيودولس" Theodolus أسيراً حوالي سنة 400 م في أيدي الأعراب Saracenes، و هيىء ليذبح قرباناً إلى الزُهرة غير ان أحوالاً وقعت أفاتت عليهم الوقت المخصص لتقديم الذبائح، أنقذته من الذبح، فاكتفى آسروه ببيعه في أسواق الرقيق ب "ألوسة" Elusa، فاستقر هناك إلى أن صار أسقفاً على المدينة. وذكر أيضاً أن الملك "المنذر" ملك الحيرة قدم احد ابناء الحارث الذي وقع أسيراً في يديه ونحو من أربع مئة راهبة قرابين إلى العُزّى. غير أننا يجب أن نكون في حذر شديد من قراءة أمثال هذه الروايات، لأن مصدرها في الغالب هو الخيال. كذلك يجب ان نمر برواية الاخباريين عن قصة عبد المطلب وعبد الله بشيء من الاحتراس والحذر، بل والشك والريبة، ويخيل اليّ إن الاخباريين استفادوا في هذه القصة من حكاية ابراهيم واسحاق.

وليس في الذي بين أيدينا من نصوص المسند نصّ ما فيه خبر يشير إلى تقديم شخصً ما ملك أو كاهن أو اي انسان آخر ذبيحة بشرية إلى الآلهة، كذلك لا نجد في النصوص الأخرى مثل النصوص الثمودية أو اللحيانية أو الصفوية مثل هذه الاشارات.

وتلعب "المذابح" التي سبق ان تحدثت عنها، دوراً خطيراً في العبادة عند الساميين، بل تكاد تكون المظهر الأساس للدين والتعبد عندهم في ذلك العهد..ولهذا كان المتدين يكثر من ذبح الذبائح لأنها تقربه إلى الآلهة في نظره.

الترجيب

وقد عرف شهر "رجب" بكثرة ما كان ينحر فيه من عتائر للاصنام، فلا بد ان يكون لذلك أصل وسبب، كأن يكون هذا الشهر من الأشهر التي كان لها حرمة خاصة في الجاهلية القديمة. وشهر رجب هو من الأشهر الحرم المعظمة التي لم يكن يحلّ فيها القتال. وقد سمى الذبح في هذا الشهر ب "الترجيب"، وقيل للذبائح التي تقدم فيه "العتائر" جمع "عتيرة". وقد عدّت العتائر من شعائر الجاهلية. وأطلق بعض علماء اللغة كلمة "العتائر" على ذبح الحيوانات الأليفة، وأطلق لفظة "النافرة" على ذبح الحيوانات الوحشية. "وفي الحديث: هل تدرون ما العتيرة، وهي التي يسمونها الرجبية ? كانوا يذبحون في شهر رجب ذبيحة، وينسبونها اليه. يقال هذه ايام ترجيب وتعتار. وكانت العرب ترجب، وكان ذلك لهم نسكاً".

وذكر بعض أهل الأخبار ان أول من عتر العتائر وسن العتيرة للعرب، هو "بورا"، وهو "بوز"، وهو ابن شوحا، وهو سعد رجب، وهو أول من سن الرجبية للعرب. وهو ابن يعمانا، وهو قموال، و كان في عمر سليمان ابن داود. والظاهر ان أحد أهل الكتاب قص على الاخباريين هذه القصة، فنسبوا هذه السنّة الجاهلية إلى هؤلاء الأشخاص.

وكان بعض السادة ينحرون إذا أهلّ "الشهر الأصم"، اي "شهر رجب". روي: ان "حاتماً الطائي" كان ينحر اذا أهلّ الشهر، ينحر عشراً من الإبل ويطعم الناس لحومها، وذلك لحرمته ومنزلته عنده، ولتعظيم "مضر". فهو من شهود مضر الخاصة.

وعرفت "العتيرة" ب "الرجبية" عند الجاهليين كذلك، لأنها كانت تذبح في شهر رجب، فنسبوها اليه. وعرفت ايام رجب ب "ايام الترجيب". وورد "ايام ترجيب وتعتار". وقيل للذبائح التي تقدم فيه "النسائك" كذلك.

وأصل "النُسك": الدم، وبهذا المعنى ورد من فعل كذا وكذا فعليه نسك، اي دم يهريقه. و "النسيكة": الذبيحة. و "منسك": الموضع الذي تذبح فيه النسيكة، وهذا هو المعنى القديم الأصلي للكلمة. وقد صار من معانيها في العربية الشمالية، العبادة والطاعة، وكل ما يتقرب به إلى الله تعالى، لما كان للذبح من شأن في الديانات القديمة بحيث كان يعدّ عبادة أساسية عندها، ولذلك قيل لمن انصرف إلى التعبد: الناسك.

وقد فسر علماء التفسير لفظة "نسك" الواردة في الآية: "ففدية من صيام أو صدقة أو نسك"، بذبح ذبيحة شاة أو ما فوق ذلك.

والعرف في الذبح عندهم، انهم كانوا يسوقون ما يريدون تعتاره اي ذبحه إلى النصب الخاص بالصنم أو إلى الصنم نفسه، ثم يذبحونه بعد التسمية باسم ذلك الصنم، وبيان السبب في ذبح هذه العتيرة، ثم يلطخ رأس الصنم بشيء من دم تلك العتيرة،وقد منع المسلمون من أكل ذبائح المشركين، لأنها مما أهل لغير الله، ولأن المشركين لم يكونوا يذكرون اسم الله عليها، بل كانوا يذكرون اسم الصنم الذي يذبحون له عليها. فحرم ذبائح المشركين لذلك على المسلمين.

وقد أبطل الإسلام "الرجبية" وهي العتيرة، كما أبطل "الفرع"، وهو ذبح أول نتاج الإبل والغنم لأصنامهم، فكانوا يأكلونه ويلقون جلده على الشجر. ويذكر انهم كانوا اذا أرادوا ذبح الفرع زيتوه والبسوه، ليكون ذلك أوكد في نفوس الآلهة، وتعريفاً للناس. وكانوا يفعلون ذلك تبركاً. وفي الحديث: لا فرع ولا عتيرة.

وذكر انهم كانوا اذا بلغت الإبل ما يتمناه صاحبها ذبحوا، أو اذا تمت إبل احدهم مائة عتر عنها بعيراً كل عام فأطعمه الناس ولا يذوقه هو ولا أهله، قيل بل قدم بكره فنحره لصنمه.وقد كان المسلمون يفعلونه في صدر الإسلام ثم نسخ. وذكروا ان العتيرة الذبيحة التي كانت تذبح للاصنام ويصب دمها على رأسها. و "العتر" الصنم الذي يصاب رأسه من دم العتر. قال زهير: فزلّ عنها واوفى رأس مـرقـبة  كناصب العتر دمى رأسه النسك.

وكانوا يؤكدون على تلطيخ الصنم الذي يعتر له، أو "النصب" بشيء من دم العتيرة. يفعلون ذلك على ما يظهر،ليحس الصنم بالدم فوقه. فيتقبله ويرضى به عنهم: ويتقبل عتيرتهم.

ويظهر من غربلة ما جاء في روايات علماء اللغة والأخبار عن العتيرة والرجبية،أن العتيرة بمعنى الذبيحة، وأن "العتر" الذبح عامة، في رجب وفي غير رجب. و "العتائر" الذبائح التي كانوا يذبحونها عند أصنامهم وأنصابهم في رجب وفي غير رجب، والتي كانوا يلطخون بدمائها.الصنم الذي كانوا يعترون له. وأما "الرجبية" فهي العتائر التي تعتر في رجب خاصة، وقد كانت كثيرة. ولذلك نسبت إلى هذا الشهر. ونظراً إلى كون الرجبية عتيرة، ذهب البعض إلى أن العتيرة الرجبية. فظن أنهم قصدوا بذلك أن العتيرة هي الرجبية، مع ان الرجبية من العتائر، أي بعض من كل، وليست مساوية لها.

وقد كان بعض أهل الجاهلية إذا طلب أحدهم أمراً نذر لئن ظفر به ليذبحن من غنمه في رجب كذا وكذا، أو أن يقول: إن بلغت ابلي مائة عترت عنها عتيرة، فإذا ظفر به، أو بلغت مائة، فربما ضاقت نفسه عن ذلك، وضن بغنمه، فصاد ظبياً فذبحه، أو ياخذ عددها ظباء، فيذبحها مكان تلك الغنم، وهي "الربيض". والى ذلك أشير في شعر للحارث بن حلزة اليشكري: عنتاً باطلا وظلماً، كـمـاتـع  تر عن هجرة الربيض الظباء

فذلك نوع من أنواع التحايل للتخلص من الوفاء بالنذور.

وكان أهل الجاهلية لا يأكلون من هديهم، وانما ياكل لحومها غيرهم. كما كانوا يضرجون البيت بدماء ألبدن،، ويضرجون أصنامهم بها. وورد في رواية أخرى، انهم ينحرون هديهم عند الأصنام، فإذا نحروا هدياً قسموه فيمن حضرهم.

من ذبائح اهل الجاهلية "الشريطة". كانوا يقطعون يسيراً من حلق الشاة ويتركونها حتى تموت ويجعلونه ذكاة لها. وقد نهي عن ذلك في الإسلام. وقيل ذبيحة الشريطة، هي انهم كانوا يشرطونها من العلة، فإذا ماتت قالوا قد ذبحناها.

ومما يلاحظ في تقديم الذبائح، ان النافر يراعي الجنس في اختيار الذبيحة،فإذا كان مقرب القربان ذكراً، اختار قربانه حيواناً ذكراً، وان كان المقرب أنثى، اختيرت الذبيحة أنثى. ولا زال الناس يراعون ذلك حتى اليوم. وفي هذه العادة عند غير العرب أيضاً، فقد كان أهل العراق يقسمون كتف حيوان، في مقابل شفاء كتف انسان، ورأس ذبيحة في مقابل رأس ناذر، وهكذا وكانوا يجعلون الرأس رمزاً أحياناً، فينذرون تقديم رأس المريض أو الصبي إلى الإلَه،إن منّ عليه بالعافية وبالصحة. ويقصدون بذلك بدلاً، رأس حيوان أو رمزاً يرمز اليه من ذهب أو فضة.

البحيرة والسائبة والوصيلة والحام

ومن النذور والقرابين ما يكون حيوانات حية، تسمى كلها أو بعضها باسم الأرباب، فتحبس عليها، وتكون حرة طليقة لا يجوز مسها بسوء. وقد أشير في القرآن الكريم إلى "البحيرة"، و "السائبة"، و "الوصيلة"، و "الحام"،، وللعلماء في هذه المصطلحات كلام، مهما تضارب واختلف، فإنه يوصلنا إلى نتيجة هي ان الجاهليين كانوا يراعون هذه الأمور مراعاة شديدة،ولهم فيها قواعد وأحكام ترجع إلى تقاليد موروثة قديمة، حافظوا عليها، وظلوا يحافظون عليها إلى ان منعها الإسلام.

فاما البحيرة، فالناقة او الشاة تترك فلا ينتفع من لبنها ولا تحمل ولاتركب، وترعى وترد الماء فلا ترد، فاذا ماتت حرموا لحمها على النساء وأباحوه على الرجال، ذلك بعد ان تنتج خمسة أبطن أو عشرة أو ما بين ذلك. وقيل ايضاً الناقة اذا نتجت خمسة أبطن نظروا في البطن الخامس فان كان ذكرا نحروه،فأكله الرجال والنساء جميعاً، وان كانت أنثى شقوا أذنها، فتلك البحيرة، فلا يجز وبرها ولا يحمل عليها، وحرم على النساء ان يذقن من لبنها شيئاً وان ينتفعن بها، وكان منافعها للرجال دون النساء. وقيل للشاة التي تشق أذنها،وذلك شيء كان لأهل الجاهلية. تشق أذنها أو أذن الناقة بنصفين، وقيل بنصفين طولا، ليكون التبحير علامة لها.

وقيل: البحيرة هي التي يمنع درّها للطواغيت، فلا يحتلبها أحد من الناس. قيل لها البحيرة، لأنهم بحروا اذنها، أي شقوها، وكان البحر علامة التخلية. وقال بعض العلماء: البحيرة هي ابنة السائبة. وقال بعض آخر: البحيرة من الإبل يحرم أهل الجاهلية وبرها وظهرها ولحمها ولبنها إلاّ على الرجال، فما ولدت من ذكر وأنثى، فهو على هيئتها، وان ماتت اشترك الرجال والنساء في أكل لحمها، وورد أن البحيرة من الإبل، كانت الناقة اذا نتجت خمسة أبطن نحروا الخامس ان كان سقباً، وان كان ربعة شقوا أذنها واستحيوها وهي بحيرة. وأما السقب فلا يأكل نساؤهم منه، وهو خالص لرجالهم، فإن ماتت الناقة أو نتجوها ميتا فرجالهم ونساؤهم فيه سواء يأكلون منه. والمرار من "السقب" الذكر من ولد الناقة.

وورد في الأخبار أن أول من بحر البحائر رجل من "بني مدلج"، كانت له ناقتان فجدع آذانها وحرم البانهما وظهورهما، وقال هاتان لله، ثم احتاج اليهما، فشرب ألبانهما وركب ظهورهما. كما نسب التبحير إلى "عمرو بن لحيّ"، إذ قيل إنه كان أول من بحر البحيرة وسيب السائبة.

وأما السائبة، فهي الناقة أو البعير أو الدابة تترك لنذر، أو بعد بلوغ نتاجها حدا معلوماً، فلا تركب ولا يحمل عليها ولا يمنع من ماء وكلأ، وتترك سائبة لا يحل لأحد كائناً من كان مخالفة ذلك. "وكان الرجل في الجاهلية اذا قدم من سفر بعيد، أو بريء من علة، أو نجَته دابة من مشقة أو حرب، قال ناقتي سائبة، أي تسيب، فلا ينتفع بظهرها، ولا تحلا عن ماء، ولا تمنع من كلا، ولا تركب، وقيل: بل كان ينزع من ظهرها فقارة، أو عظما، فتعرف بذلك.فاغير على رجل من العرب، فلم يجد دابة يركبها،فركب سائبة، فقيل: أتركَب حراماً ? فقال: يركب الحرام من لا حلال له، فذهبت مثلاً"، و " قيل: هي أم البحيرة، كانت الناقة اذا ولدت عشرة أبطن، كلهن اناث: سيبت فلم تركب، ولم يشرب لبنها إلا ولدها أو الضيف حتى تموت. فإذا ماتت أكلها الرجال والنساء جميعاً، وبحرت اذن بنتها الأخيرة، فتسمى البحيرة، وهي بمنزلة أمها في أنها سائبة".. وقيل السائبة: كان الرجل من أهل الجاهلية يسيب من ماله من الأنعام، فلا يمنع حوضاً أن يشرع فيه، ولا مرعى أن يرتع فيه، فيهمل في الحمى، فلا ينتفع بظهره، و لا بولده ولا بلبنه ولا بشعره ولا بصوفه، فهو مخلاة لا قيد عليه، ولا راعي له. وكان في روعهم ان من تعرض للسوائب أصابته عقوبة في الدنيا.

ويذكر اهل الأخبار ان أول من سيب السوائب "عمرو بن عامر الخزاعي"، أي "عمرو بن لحيّ بن قمعة بن خندف"، أخا بني كعب، وهو أول من غير دين ابراهيم. وقد رجعوا خبرهم هذا الى رسول الله. وقيل ان أول من ابتدع ذلك "جنادة بن عوف"، وهو من النسأة، كما سيأتي الكلام عنه فيما بعد.

وأما الوصيلة، فالناقة التي وصلت بين عشرة أبطن، أو الشاة التي وصلت سبعة أبطن. وفي رواية: ان الشاة اذا ولدت ستة أبطن نظروا، فإن كان السابع ذكراً ذبح وأكل منه الرجال والنساء، وان كان أنثى تركت في الغنم، وان كان ذكراً وأنثى قالوا: وصلت أخاها، ولم يذبح، وكان لحمه حراماً على النساء. وفي رواية: ان لبن أم الوصيلة حلال على الرجال دون النساء. وقالوا: الوصيلة الشاة اذا أتامت عشر اناث متتابعات في خمسة أبطن، ليس بينهن ذكر. فكان ما ولدت بعد ذلك للذكور دون الاناث، إلا ان يموت شيء منها فيشترك في اكله ذكورهم واناثهم.

وأما الحام، فالبعير اذا نتج عشرة أبطن من صلبه، قالوا: قد حمى ظهره،فلا يركب ولا يحمل عليه، ولا يمنع من ماء ولا مرعى. وقالوا: الحام من الإبل، كان الفحل اذا انقضى ضرابه جعلوا عليه من ريش الطواويس وسيبوه. وقالوا بل الحام ان الفحل اذا نتج له عشر اناث متتابعات ليس بينهن ذكر حمى ظهره ولم يركب ولم يجز وبره ويخلى في إبله يضرب فيها لا ينتفع به بغير ذلك. وذكر ان الحام، الفحل يضرب في الإبل عشر سنين، ويقال: اذا ضرب ولد ولده قيل قد حمى ظهره، فيتركونه لا يمس ولا ينحر أبدا ولا يمنع من كلا يريده. وهو من الأنعام التي حرمت ظهورها.

وذكروا ان أول من حمى الحامي هو "عمرو بن لحي ""، وذلك في سنن أخرى سنها لأهل الجاهلية.

وقد أشير في سورة "الأنعام" إلى أشياء كان يفعلها أهل الجاهلية، يتقربون بها إلى آلهتهم، كانوا يحرمون من انعامهم أشياء لا يأكلونها ويعزلون من حرثهم شيئاً معلوماً لالهتهم ويقولون لا يحل، لنا ما سمينا لالهتنا. فورد: )وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصباً. فقالوا: هذا لله بزعمهم، وهذا لشركائنا، فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله، وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم. ساء ما يحكمون" وورد )وقالوا هذه أنعام وحرث، حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم، وأنعام حرمت ظهورها، وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراءَ عليه سيجزيهم.بما كانوا يفترون. وقالوا: ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا. ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء. سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم ".

وذكر المفسرون أن من المشركين من حرم ظهور بعض أنعامهم، فلا يركبون ظهورها، وهم ينتفعون برسلها ونتاجها وسائر الأشياء منها غير ظهورها للركوب. وحرموا من أنعامهم أنعاماً أخر فلا يحجون عليها. وقد ذكروا أن المراد بذلك: البحيرة والسائبة والحام. وأنهم كانوا قد جعلوا ألبان البحائر للذكور دون الإناث. وان كانت ميتة اشترك فيها ذكورهم وإناثهم. وكانت الشاة إذا ولدت ذكراً ذبحوه، وكان للرجال دون النساء، فان كانت أنثى تترك فلم تذبح، وان كانت ميتة فهم فيه شركاء. فالمراد بهذه الآيات مما ذكرته عن الأمور المتقدمة. وقد كان بعض أصحاب النذر ينذر، فإذا تم النذر وصار وبلغت ابلهم أو غنمهم ذلك العدد، بخل بإبله أو شاته وضاقت نفسه عن الوفاء وضن بإبله وبغنمه فاستعمل التأويل، وقال: إنما قلت إني أذبح كذا وكذا شاة والظباء شاء، كما ان الغنم شاء.: فيجعل ذلك القربان شاءً كله مما يصيده من الظباء فلَذلك يقول الحارث بن حلزة اليشكري: عنناً باطلاً وظلماً كمـا تـع  ترعن حجرة الربيض،الظِباءُ

وكان الرجل من العرب في الجاهلية اذا بلغ إبله ألفاً عار عين بعير منها، وسرحه لا ينتفع به. وكان من عادتهم اذا بلغ إبلهم المئة، ترك ركوب ظهر بعير منها، فلا يركب ولا ينتفع به، ويقولون لذلك: الأخلاق.

وكانوا يتصدقون بمائة من الإبل على الفقراء والمحتاجين والمعابد، وما شاكل ذلك. روي ان "حنيفة" النعم، وهو من أثرياء الجاهلية، لما شعر بدنو أجله، جمع بنيه، ثم أوصى بمائة من إبله على يتيمه صدقهّ. وكانوا يسمونها "المطيبة"، وقد عرف ما كان يحبسه أهل الجاهلية على أصنامهم من السوائب والبحائر والحوامي وغيرها.ب "الحبس". وقد أطلق الإسلام ما حبسوا وحلل ما حرموا،. وهو جمع حبيس.

وكانت لهم مكرمات، فعلوها في الجاهلية عن خلق ودين ورغبة في شهرة وسمعة. منها انهم كانوا يتصدقَون بأموالهم على أبناء السببل وعلى الفقراء والمحتاجين، ذكر ان "الأسود بن ربيِعة بن أبي الأسود" لليشكري، قال لرسول الله: "يا رسول الله إن أبي كان تصدق بمال من ماله على ابن السبيل في الجاهلية، فإن تكن لي مكرمة تركها، وإن لا تكنً لي مكرمة، فأنا أحق بها. فقال: بل هي لك مكرمة فتقبلها". وذكر ان رسول الله قال: "ألا ان كل مكرمة كانت في الجاهلية، فقد جعلتها تحت قدمي، إلا للسقاية والسدانة". وهذه المكرمات هي من مآثر العرب في الجاهلية، مكارمها وتفاخرها للتي تؤثر عنها. وتحريم أكل لحوم الحيوانات في مثل هذه الحالات على النساء وتخصيصه بالرجال، وجوازه في حالات أخرى،ثم تحريم الانتفاع من لبنها على النساء في بعض الحالات وعلى الرجال والنساء في حالات أخرى إلا للضيوف وعلى جواز ركَوبها: كل هذه تشير إلى أنها من شريعة قديمة. وقد رجع بعض العلماء ذلك إلى الطوطمية، غير أن من للعسير قبول هذا التفسير.

وقد كان الجزارون المجازون شرعاً يقومون بذبح الذيائح عند العبرانيين، وهم الذين يقررون صلاح الذبيحة أو عدم موافقتها لأحكام الشرع. أما عند الجاهليين فلا نعرف شيئاً عمن كان يقوم بذبح الضحايا التي تقدم إلى الأصنام، كما أننا لا نستطيع أن نبحث عن الشروط التي كانوا يثسترطونها في الذبيحة ليكون لحمها صالحاً للأكل.

والطيب والبخور من أهم المواد النبي كان يتقرب الجاهليون إلى آلهتهم بإهدائها إلى المعابد. ولم تكن هذه عادة خاصة بالجاهليين وحدهم، بل هي عادة معروفة في جميع الأديان، ولا تزال باقية مستعملة. يحرق البخور في المباخر والمجامر، لتنبعث روائحه الزكية في أبهاء المعبد. أما الخلوق وأنواع الطيب، فتلطخ بها الأصنام وجدران المعبد، وطالما يقدم المؤمنون إلى آلهتهم بمبخره ليحرق البخور فيها. ومن بين نصوص المسند، نصً كتبه مؤمن اسمه "عبد أصدق" وأبناؤه إلى الإلَه "ود"، ذكروا فيه أنهم قدموا اليه مبخرة تعويظ عن المبخرة التي سرقها اللصوص من معبده.وقد عثر في اليمن على مباخر كبيرة نحتت من الصخر، أهديت إلى المعابد، ليحرق فيها البخور.

وبين ما قدم إلى الآلهة، الملابس والأقمشة وأنواع الأطعمة، حتى اللبن قدّم إلى الصنم "ود" على رواية الأخباريين.

ووردت لفظة "الهدي" في القرآن الكريم. ويراد بها ما أهدي إلى مكة من النعم وغيره من مال أو متاع. والعرب تسمي الإبل هَدْياً، لأنها تهدى إلى البيت لتنحر، فأطلقت على جميع الإبل،وإن لم تكن هدياً تسمية للشيء ببعضه. وذكر ان الهدي ما أهدي إلى بيت الله من ناقة أو بقرة أو شاة أو ثياب وكل ما يهدى. فهو عام في جميع ما يتقرب به من الذبائح والصدقات. إلا ان الاطلاق إنما ينصرف إلى احد الأصناف الثلاثة من الإبل والبقر والغنم، وسوقها إلى الحرم وذبحها فيه. وقد ذكر "الهدي" في شعر لزهير بن أبي سلمى: فلم أر معشراً أسروا هدياً  ولم أر جار بيت يستبـاء

يذكر رجلاً أسر يشبهه في حرمته بالبدنة التي تهدى.

وعرف الهدي المقلد بقلائد، تشعر انه مما أهدى إلى بيت الله ب "القلائد".فلا يجوز لأحد ان يتحرش به، أو ان يفك قلائده، لأن ذلك تجاوز على مال الله، وهو مال معلم عليه معروف بقلادته انه من الهدي المخصص بالبيت. فماذا فكت قلادته سرق وحسب من أموال الناس،الخاصة. والظاهر ان من الجاهليين من كان يتطاول على أموال البيت، يستولي على الهدي، ويفك القلائد، ويسطو بذلك على الإبل المقلدة والبقر المقلد، وذلك كما يظهر من الآية: )لا تحلوا شعائر الله، ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد (. ومنهم من كان يسطو على الهدي قبل وصوله موضعه من البيت.

وكانوا يهدون الإبل والبقر إلى بيوت أصنامهم. وقيل الناقة أو البقرة أو البعير تهدى إلى مكة "البدنة". وقد أشير إلى البدن في القرآن، فورد: )والبدن جعلناها لكم من شعائر الله (. تهدى إلى بيت الله فلا تركب. وذكر ان البدن السمان من الإبل والبقر. ويظهر من غربلة ما ورد في روايات علماء التفسير عن البدن، انها الهدايا التي تقدم إلى الكعبة، تحبس فتبقى حية، لا يجوز لأحد التطاول عليها، وكانوا ينحرونها أيضاً. والإبل تنحر قياماً معقولة. فكانوا اذا ا أرادوا نحر البعير، عقلوا احدى يديه،فيقوم على ثلاث قوائم. ولم يكونوا يركبون البدن إلا عن ضرورة. فالبدن إذن ما يهدى إلى مكة، ليحبس على اسمها، أو ليذبح تقرباً إلى رب البيت.

حمى الآلهة

ولحماية الحبوس من أرض ومن حيوان، شددت شرائع الجاهليين في وجوب المحافظة على حرمتها وعدم الاعتداء عليها. وهددت من يتجاسر على مال الأرباب بعقوبة تنزل عليه منها وبغضب الآلهة عليه، وبمصير سيئ يلحق به، فضلاً عن العقوبة التي تنزلها المعابد به، قد تصل حد القتل. فصار من المحظور اعتضاد نبات الحرم وصيد الحيوان فيه، ومن يفعل. ذلك يكون آثماً، وقد يعرض نفسه لغضب الناس عليه. فصار الحرم مرتعاً آمناً للطيور، ولا زال الناس لا يتحرشون بطيور المعابد ولا يمسونها بأي سوء، بل يقدمون لها ما تحبه من المأكول، لتعيش عليه.

وجعلت المعابد لحيواناتها وللهدي وللقلائد مواضع خاصة، اختارتها لترعى فيها جعلت "حمى" للارباب. لا يجوز لأحد رعي سوائمه بها ولا التطاول على دواب تلك الأحمية، لأنها مما حبس للاصنام. وتكون هذه المواضع مخصبة معشبة ذات حياة، وقد تزرع. وتكون غلتها للمعبد.

الفصل الثامن والستون

رجال الدين

أقصد برجال الدين، أولئك الذين خدموا الأصنام، أو زعموا أنهم ألسنة الأرباب الناطقة على سطح الأرض، والذين كانوا يوجهون الناس توجيها روحياً دينيا، ويرعون حرمة المعابد والأماكن المقدسة وشعائر الدين ويحافظون عليها، ويضون قواعدها للناس.

ومعارفنا عن هذا الموضوع قليلة ضئيلة، لعدم وجود نصوص جاهلية نتحدث عن ذلك، ولعدم ورود شيء مهم عنه في روايات أهل الأخبار. وليس لنا من أمل في زيادة علمنا بهذه الناحية، إلا في المستقبل، فلعله يكشف عن نصوص جاهلة جديدة، قد يرد فيها شيء جديد عن رجال الدين عند الجاهليين، أو في موارد أخرى عربية أو غير عربية قديمة، قد تكون مختبئة مطمورة، يأمر الزمن باخراجها، ليقف عليها الباحث عن هذا الموضوع.

ومن الألفاظ الخاصة برجال الدين، لفظة "رشو"، الواردة في النصوص المعينية والقتبانية، أطلقت على من كان يقوم بخدمة الإلَه "ود" إله معين الرئيس و "عم" إله شعب قتبان الرئيس. فهي في معنى سادن في لغة أهل الحجاز. ووردت لفظة "شوع" في المعينية أيضاً في المعنى نفسه. و "رشوت" "رشوة".بمعنى سادنة وكاهنة. مما يدل على وجود سادنات وكاهنات بين رجال الدين الجاهليين.

ووردت في إلمعينية وفي ألليحانية لفظة "افكل" "أفكل" بمعنى رشو وسادن، أي القائم بأمر الصنم، و السادن له، فورد: "افكل ود"، أي سادن ود. وتقابل هذه اللفظة لفظة "ابكلو" Apkalu في الأكادية. وعرفت السادنة ب افكلت وأفكلة.

والسدنة، قومة الاصنام ومتولو امرها وكان امر فتح البيت بمكة وغلقه وتولي امره الى السادن وهو من بني عبد الدار وفد اقر الرسول السدانة فيهم عام الفتح ويعرف السادن ب الحاجب كذلك فالسدان والحجابة هما بمعنى واحد غير ان الحجابة تخصصت بحجابة الملوك والحكام فصارت وظيفة ادارية ذات مدلول خاص فالحاجب هو الذي يتولى تقديم الناس الى الملوك او منعهم من الوصول اليهم وذلك في الجاهلية وفي الإسلام اما السدانة فأنها ظلت محافظة على معناها هذا الخاص بالمعابد والمواضع المقدسة ولهذه المنزلة وصلتها بالآلهة وبالاصنام عدت السدانة من درجات الشرف والجاه وكانت لاصحابها حرمة ومكانة في النفوس.

والسدانة تنتقل بالارث من الاباء الى اكابر الابناء وتنحصر في الاسرة فتكون من حقها ومن نصيبها لا يمكن انتزاعها منها الا بقوةَ لا يمكن التغلب عليها ومن واجب العشيرة التي تنتمي اليها هذه الاسرة الدفاع عنها ان حاول غريب انتزاع هذا الشرف منها لقد كانت سدانة الكعبة في بني عبد الدار وكانت حجابة ود في دومة الجندل الى بني عامر الاجدار بنو الفرافصة بن الاحوج من كلب وكانت سدنة العزى من بني صرمة بن مرة"، وكان سدنة "جهار" من "آل عوف" من "بني نصر"، وكان سدنة "سواع" "بنو صاهلة"،من هذيل. وكان سدنة بيت "الربة" أي الشمس، من "بني أوس بن مخاشن بن معاوية بن شريف بن جروة بن أسيّد بن عمرو بن تميم"، وكان سدنة "الفلس"، "بنو بولان"، وكان سدنة "مناة" "الغطاريف" من الأزد. وسدنة "السعيدة "" "بنو العجلان"، وسدنة "ذو الخلصة"، "بنو هلال بن عامر"، وكان سدنة "ذو اللبا"، "بنو عامر"، وسدنة "المحرق"، "آ ل الأسود" العجليوّن. وسدنة "مرحب" "ذو مرحب"، أي من يتولى أمر الصنم.

وكان "مسعود" الثقفي، زوج "سبيعة"، وقائد ثقيف في الفجار، من من سدنة اللات. وهو من سادات ثقيف. ومن أبناء" "عروة بن مسعود"،وأمه "سبيعة" بنت "عبد شمس". وذكر انه الذي ذكر اللّه عزّ وجل في التنزيل من القريتين عظيم. وأحد أربعة اتصل سؤددهم في الجاهلية والإسلام.

، وكان لهذه الأسر التي تولت السدانة، مكانة كبيرة في قومها، فعدّت من الأسر الشريفة ذات النفوذ عند الجاهليين. وقد استفادت من النذور والقرابين التي ّتقدم إلى بيوت الأصنام، إذ تكون من حقها ونصيبها. وقد ظهر من "بني مخاشن بن معاوية بن شرُيف بن جروة بن أسيد بن عمرو بن تميم"، حكام حكموا بعكاظ. والحكومة من امارات الشرف والجاه والتقدير، كما ظهر منها أئمة تولوا الإجازة بالمواسم، وهي من علائم التعظيم والتفخيم عندهم.

غير ان هذا الحق لا يستوجب ولا يشترط أن تكون السدانة في أسرة من القبيلة أو الموضع الذي فيه بيت الصنم أو الأصنام، فقد كان دَير من سدنة الأصنام من قبيلة لا تنتمي اليها من يقع بيت الصنم في أرضها. فكانت السدانة مثلاً لبني أنعم في جرش، ولبني الغطريف في قديد، ولبني شيبان في نخلة، ولآل أمامة في تبالة وهكذا. ويظهر ان هؤلاء توارثوا هذا الحق من عهد سابق، إما لأنهم استوردوا الصنم أو تلك الأصنام إلى هذه المواضع فأقاموا فيها وإما لأنهم كانوا يسكنون مع قبيلتهم في تلك الأماكن، ثمَ حدث لسبب من الأسباب أن جلت قبيلتهم عن الموضع. أما السدنة، ففضلوا البقاء في الموضع الذي كانوا فيه حيث أصنامهم والبيت. ونجد مثل ذلك أيضاً عند العبرانيين.

ويظهر من تفسير لفظة "صوفة" و "صوفان"، على رأي بعض العلماء، أن هذه الكلمة كانت تقال لكل من ولي البيت شيئاً من غير اهله. أو قام بشيء من خدمة البيت أو بشيء من أمر المناسك. ومعنى هذا أن خدمة البيت: بيت مكة أو غيره، لم تكن خاصة بأهل الموضع الذي يكون فيه هذا البيت، بل كان من ا لجائز أن في يتولاها أناس من أهل ذلك الموضع، واناس من غيرهم أيضاً كأن يقيم أشخاص في ذلك المكان فتطول اقامتهم به وتظهر منهم زعامة او من اولادهم تؤدي بهم الى الاستحواذ على رئاسة البيت ورئاسة ذلك المكان كالذي كان من امر قصي ولا بد من ادخال "النسأة"، في رجال الدين. فقد كان الناسئ هو الذي ينسئ النسيء يعين موسم الحج ويثبته للناس فهو اذن فقيه القوم وعالمهم ومفتيهم في أمر الحج.

وقد كان من أهم واجبات "النسأة". تثبيت وتعيين الأشهر. فقد كانت لدى الجاهليين أشهر حرم " لها حرمة ومنزلة خاصة في نفوسهم، لما كان لها من علاقة بآلهتهم وبتعبدهم لها، وبالحج فيها إلى معابد الآلهة. مثل شهر "ذ الالت" "ورخن ذ الالت"، وهو شهر خصص بالآلهة، كما يظهر من تسميته بها. يظهر أنه كان شهر تقرب وعبادة الأرباب، ومثل شهر "ذ عم"، "ذو عم"، و "عم" هو إله قتبان الرئيس،فيظهر أنه شهر مقدس خصص بعبادة هذا الإلهَ، أو أن يوماً أو عيداً خاصاً به، كان يقع فيه، فدعي لذلك. بأسمه ومثل شهر "ذ حجن"، أي شهر "ذو الحجة"، وهو شهر خصص بالحج. ومثل الأشهر الاربعة الحرم التي تتحدث عنها الموارد الإسلامية. والإجازة بعرفة م ن الأعمال التي لها تماس بالدين،فهي من شعائر الجج ومناسكه.

ولا بد وان نعد "المجيز"، وهو الذي يجيز الناس من المزدلفة إلى منى من رجال الدين. وممن كانت له منزلة وحرمة في قومه، لما لمركزه من أهمية في الحج. وقد أشار - "السكري " الى"أئمة العرب"، فذكر انهم الذين تولوا أمر ألمواسم وأمر القضاء بعكاظ، والذين كانوا سدنتهم على دينهم وامناؤهم على قبلتهم، وكانوا م قريش، والذين تولوا الإفتاء في دينهم. وهم من "بني مالك بن كنانة". ولما تحدث عن "النسأة"، قال: "نسأة الشهور من كنانة وهم "القلامسة، واحدهم قلمّس ؛ وكانوا فقهاء العرب والمفتين لهم في دينهم". والفقيه العالم وفقيه العرب عالمهم ". والفقه العلم، "وقد جعلته العرب خاصاً بعلم الشريعة". وفقهه تفقيهاً علمه. "ومنه الحديث: اللهم علمهم الدين وفقهه في التأويل، أي علمه تأويله.

وفي القران الكريم )فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين(. والفقه العلم بالشيء والفهم له والفطنة.وقد خصصت اللفظة بعلم الفقه في الإسلام. مما يدل على أن لها صلة منذ أيام الجاهلية باعلم وبالدين. وأن "الفقهاء"، العلماء بأمور إلدين عند الجاهليين كذلك. وفيه ألفاظ يستدل منها على وجود مفهوم العلم وا لعلماء والتعلم والدين وفهمه والشريعة " والأحكام عند الجاهليين، ولا تكون هذه عنداقوم ليس لهم علماء ورجال دين يعلمون منهم دونهم أحكام الدين،ليتفقهوا فيه وليتعلموا ما هو واجب عليهم وما هو غير واجب ومفروض عليهم. والإفتاء الاجابة عن مسألة ومنه قوله تعالى ) قل الله يفتيكم في الكلالة ( والفتيا والفتوى ما افتى به الفقيه في مسألة وقد استفتى اصحابه رسول الله الرسولَ في أمر النساء وإرثهن فنزل الوحي: ) ويستفتونك في النساء. قل: الله يفتيكم فيهن(. فقد كان أهل الجاهلية يستفتون فقهاءهم وأهل الفتيا منهم فيما يشكل عليهم من أمور الدين، فيفتون لهم ما يرونه من رأي واجتهاد. فنحن، اذن أمام فقه في الدين واجتهاد فيه عند أهل الجاهلية.

والإمام ما ائتم به قوم من رئيس أو غيره،كانوا على دين أو كانوا مشركين. فهو الذي يقتدى به. وقد وردت الكلمة في سبمعة مواضع من القرآن ا لكريم في حالة الإفراد، ووردت خمس مرات في حالة الجمع،، أي "أئمة"، اًطلقت على أئمة الكفر وعلى الغواة كما أطلقت فيه على المؤمنين الهادين إلى الحق. وأئمة الكفر في قوله تعالى :) فقاتلوا أئمة الكفر( "، أبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وأبو سفيان، وهم الذين كانوا يؤذون الرسول، وهموّا بإخراجه وعادوه. فالإمام إمام دين وإمام دنيا: رجل دين يقتدى به، ورئيس قبيلة وشريف قوم وسيدهم. ونظراً لقلة استعمال اللفظة في الرئاسة الدينية ولاستعمالها في معنى الرئاسة الدينية في الغالب، ولا سيما في الإسلام حيث خصصت برئاسة دينية، من إمامة للمسلمين، وإمامة في الفقه، وإمامة في الصلاة، ولعدم اطلاق الجاهليين لها على سادات القبيلة أو سادة القوم، إلا في القليل. فإن في استطاعتنا القول انها كانت عندهم في معنى الرئاسة الدينية كما هو الحال في الإسلام.

ونجد في أخبار أهل الأخبار ما يفيد بوجود رجال دين كان لهم رأي في الخلق وفي الخالق وفي الحياة، منهم من بشر برأيه وحاول نشره: ومنهم من تبتل واعتكفْ وقنع بإيمانه برأيه وبصحة عقيدته. حتى ان منهم من كان قد تبتل وتنسك وسلك طريق الزهاد في اجتناب الطيبات ولذات الحياة، ومن ذلك أكل اللحم. فقد عرف "عبد الله بن عبد الملك بن عبد الله" الغفاري، ب "أبي اللحم" "آبي اللحم"، لأنه كان يأبى أن يأكل اللحم. وكان شريفاً شاعراً، ينزل "الصفراء"، وشهد "حنين" وقتل بها.

وعرف "عثمان بن مظعون" بتبتله، حتى انه ابتعد عن زوجه، فلم يقربها، وكاد ان يختصى، حتى نهاه عن ذلك رسول اللهَ. وكان على هذا الرأي في جاهليته من شدة التمسك بالزهد عن الدنيا والابتعاد عن ملذاتها،وقد كان نصرانياً متأثراً بالرهبانية، أخذ آراءه هذه من زهاد النصارى، الذين غلب التصوف علهم، وابتعدوا عن الدنيا، ورأوا ان الخلاص من الخطيئة والإثم،هو بالتقشف وبالابتعاد عن كل حلو محبوب في هذه الدنيا.

وقد عرفت الجاهلية رجالاً آخرين كانوا مثل عثمان بن مظعون والرهبان في التأمل والتفكر والابتعاد عن الناس. وهي رهبانية حاربها الإسلام، إذ نهى عن الرهبنة. رأى "عمر" رجلاً مطأطئاً رأسه، فقال: ارفع رأسك، فإن الإسلام ليس بمريض. ورأى رجلاً متماوتا، فقال: لا تمت علينا ديننا، أماتك الله. ونظرت عائشة إلى رجل كاد يموت تخافتاً، فقالت: ما لهذا ? قيل: انه من القراء، فقالت: كان عمر سيد القراء، وكان اذا مشى أسرع،واذا قال أسمع، واذا ضرب أوجع. وذكر ان عشرة من الصحابة اجتمعوا في بيت "عثمان بن مظعون"، واتفقوا على ان يصوموا النهار َويقوموا الليل ولا يناموا على الفراش، ولا يأكلون اللحم والودك، ويلبسوا المسوح، فسمع، رسول الله بهم، فنهاهم عن ذلك، و " الصارورة" والصرار الذين تبتلوا وتركوا النكاح. وهذا من فعل الرهبان.

وهو معروف عند العرب. والصرورة الرجل في الجاهلية يحدث حدثا فيلجأ الى الكعب، فلا يهج. فكان إذا لقيه ولي الدم في الحرم، قيل إله هو صرورة ولا تهجه، تعظيماً للبيت واحتراما له،ومثل "صرمة" إلى المعروف ب "أبي قيس "، وكان الترهب في الجاهلية واغتسل من الجنابة وهم بالنصرانية ثم امسك وكان قوّالا بالحق لا يدخل بيتا فيه جنب او حائض الى ان ادرك الإسلام فأسلم ويظهر من ذلك أن الاغتسال من الجنابهَ والابتعاد عن الحائض من الشعائر التي راعاها المتدينون من اهل الجاهلية، من الموحدين الذين تأثروا باليهودية، لكنهم لم يدخلوا فيها ولا في النصرانية، بل أمسكوا عن الديانتين، ودعوا إلى عبادة واحد أحد، وماتوا على هذا الدين.

ومثل "وكيع بن سلمة" الإيادي، صاحب الصرح بحزورة مكة " فقد كان كاهنا ورجل دين، وقالوا كان صديقاً من الصديقين. اتخذ صرحاً يصعد اليه بسلالم، فكان يدعي أنه يناجي ربّه من ذلك الموضع. وكان يعظ الناس وينصحهم التدين بدينه وبالابتعاد عن عبادة الأوثان، على شاكلة الأحناف. وهو في الواقع واحد منهم، ويجب اعتباره أحدهم، لأن ما ينسب اليه ينسب أيضاً إلى الحنفاء. والصديق الكثير الصدق، ومن صدق بقوله واعتقاده وحقق صدقه بفعله."قال الله تعالى )واذكر في الكتاب ابراهيم.انه كان صديقاً نبياً. وقال تعالى )وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام(، أي مبالغة في الصدق و التصديق". وهم من آمن بالله وصدق به وبشر بعبادته بين الناس، وكان باراً بنفسه وبغيره. وهي بمعنى " بار" في لغة بني إرم.

وقد نسب أهل الأخبار إلى رجال من الجاهليين فتاوى وأحكام صارت سنناً في قومهم. من ذلك ما نسبوه إلى "قصي" من أمور، زعموا انها صارت سنةّ احدثت بها قريش، وان بعضاً من أحكامه بقيت إلى الإسلام، فأقرها، وما نسبوه إلى "عامر بن الظرب" العدواني من حكم في "الخنى" جرى حكم الإسلام به. وما ذكروه من افتاء "عامر بن جشم بن غنم"، المعروف ب "ذي المجاسد" في التوريث على قاعدة: ان للذكر مثل حظ الانثيين، وهو حكم حكم به الإسلام. ومن أمور أخرى، يرد ذكرها في المواضع المناسبة من هذا الكتاب، مما يدل على ان الحياة الدينية عند الجاهليين، هي آراء وفتاوى، أفتى بها رجي الدين أهل الدين والمروؤة والعقل والعلم من أهل الجاهلية، فأخذ بها قوم من أتباعهم، وساروا بموجبها. وبقي بعض منها إلى الإسلام. غير ان تلك الفتاوى لم تكن عامة، شملت كل العرب، بل حتى كل قوم ذلك المفتي أو الإمام، إذ لم تكن عند إلى العرب سنة واحدة ملزمة، لسبب انهم كَانوا شيعاً وقبائل، ولكراهتهم الخضوع للقيود العامة، إلا كرها، وذلك في الأمور التي لا بد لهم من الخضوع ولحكمها لأنها من أصول الأعراف ا لتي يقوم عليها وجودهم مثل عرف الاخذ بالثأر.

ومن الصعب تصور وجود طبقة خاصة كبيرة لرجال الدين على نحو ما كان عند المصريين مثلاً أو الآشوريين أو البابليين أو اليونان أو الرومان،أو في الكنيسة، بسبب النظام القبلي الذي كان غالباً على جزيرة العرب. وصغر المجتمعات الحضرية. فالأصنام هي أصنام محلية. " أصنام قبيلة، لذلك كان عبدتها هم عبدة القبيلة أو القبائل المتعبدة لها. وفي محيط اجتماعي ضيق مثل هذا المحيط، لا يمكن ظهور طبقة خاصة برجال الدين ذات نفوذ واسع، إنما تكون قدرتها بقدرة المحيط الذي تعيش بها. ولما كانت حياة البداوة حياة بسيطة غير معقدة، تعذر علينا أن نتصور حياة دينية معقدة عند أبناء البادية. وكل ما يمكن وجوده عندهم، هو ما كان له علاقة بمحيطهم وبمعيشتهم البسيطة " مثل السدانة و الكهانة وأمثال ذلك مما يحتاج اليه البدوي لحل مشكلات حياته ولجلب السعادة له، ولم أجد في نصوص الجاهليين ولا في اخبار أهل الأخبار، ما يفيد قيام رجال الدين من أهل الجاهلية، بتلقين الناس أصول الدين وتعاليمه، أو شرح نصوص دينية لهم. أو تعليمهم الناس مبادئ القراءة والكتابة في المعابد على نحو ما كان يفعله اليهود والنصارى في ذلك الوقت. ولكن هذا لا يكون دليلاَ على نفي وجود شيء من ذلك عندهم. فقد يجوز أن يعثر في المستقبل على نصوص تفيد بوجود ذلك عندهم. ذكر أن رجلاً من "خثعم" قال: " كانت العرب لا تحرم حلالاً ولا تحلل حراماَ. وكانوا يعبدون الأوثان ويتحاكمون اليها.

وفي القرآن الكريم آيات مثل: ) وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا، فقالوا: هذا لله بزعمهم. وهذا لشركائنا، فما كان لشركائهم، فلا يصل إلى الله، وما كان لله، فهو يصل إلى شركائهم. ساء ما يحكمون ( وكذلك زين لكثير. من الناس قتل أولادهم،شركاؤهم ليردوهم، وليلبسوا عليهم دينهم. ولو شاء الله ما فعلوه،فذرهم وما يفترون. وقالوا: هذه أنعام وحرث حجرً لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم،وأنعام حرمت ظهورها، وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها، افتراء عليهم، سيجزيهم بما كانوا يفترون"، وآيات أخرى وكلمات تفيد وجود تسريع ومشرعين لدى الجاهليين، أي رجال دين يبينون لهم الحلال والحرام وأوامر الأصنام، ويشرعون لهم من تشريع كالذي نراه في هذه الآيات وغيرها من أحكام وضعوها للناس باسم آلهتهم، فوبخهم الله في القرآن.على افترائهم هذا على الله وعلى الأصنام التي لا تنطق ولا تعقل.

وكان من أهم واجبات رجال الدين والزهاد والمتنسكين، الاشراف على المعابد وصيانة أموالها، وخدمة الأصنام وتنفيذ الأحكام، وتلبية طلبات الناس في التوسط لدى الآلهة برفع الضر والكرب عنهم، أيام الشدة وساعات العسر. من ذلك التوسل إلى الآلهة. بحفظ القوافل، وانزال الرحمة بالناس سني القحط. ومن ذلك ما يسمونه بالاستسقاء. فقد كانوا يستسقون إذا أجدبوا، فإذا أرادوا ذلك أخذوا من ثلاثة أشجار وهي: سلع وعشر وشبرق، من كل شجرة شيئاً من عيدانها وجعلوا ذلك حزمة، وربطوا بها ظهر ثور وأضرموا فيها النار، ويرسلون ذلك الثور، فإذا أحس بالنار عدا حتى يحترق ما على ظهره ويتساقط. وقد يهلك ذلك الثور فيسقون.

وذكر انهم كانوا اذا أرادوا الاستمطار في الجاهلية اجتمعوا وجمعوا ما قدروا عليه من البقر ثم عقدوا في أذنابها وبين عراقيبها السلع والعشر، ثم صعدوا بها في جبل وعر، وأشعلوا فيها النيران، وضجوا بالدعاء والتضرع، فكانواّ يرون ان ذلك من أسباب السقيا. ولأمية بن أبي الصلت شعر في ذلك.

وكان من عادة أهل مكة في الاستسقاء، انهم كانوا اذا أجدبوا وقحطوا،واشتدت بهم الحاجة، خرج من كل بطن منهم رجل، ثم يغتسلون بالماء، ويتطيبون، ثم يلتمسون الركن ويطوفون بالبيت العتق سبعاً،تم يرقون أبا قبيس،فيتقدم رجل منهم، يكون من خيارهم، ومن رجال الدين فيهم، ممن يتبركون به،فيدعو الله ويستغيث،طالباً الرحمة والغوث بالمتوسلين اليه، ويذكرون ان "عبد المطلب"، كان ممن استسقى لأهل مكة ولغيرهم مراراً.

التبرك برجال الدين

ويظهر من أخبار أهل الأخبار، ان رجال الدين من أهل الجاهلية كانوا يباركون أتباعهم ويقدسونهم ويلمسون رؤوسهم. لمنحهم البركة والشفاء من الأمراض. فكان أحدهم يضع يده على رأس مريض، أو يلمس جبهته، ليمنحه بركة تشفيه،أو عافية تصيبه، أو تبركاً وتقرباً بذلك إلى الالهة. وكانوا يتفلون في فم الصبيان، لتكون التفلة بركة لهم،وعافية، وشفاء من مرض، أو علماً يصيب الصبي، حينما يكون رجلاً.

ويظهر من القرآن ومن الحديث النبوي، ان أهل الكتاب من الجاهليين كانوا يبالغون في التقرب من رجال دينهم وفي التبرك بهم، حتى انهم كانوا يتسابقون في الحصول على قطعة من ملابس أوليائهم ورجال دينهم ورهبانهم ونسّاكهم للتبرك بها. وفي شعر امرىء القيس،وشعر غيره إشارة إلى هذا التبجيل والتعظيم.

تنفيذ الأحكام

ولم يكن تنفيذ الأحكام الدينية إلزامياً، إنما كان عن طاعة وموافقة. ثم إن العرب لم يكونوا على دين واحد يرجع إلى شرائعه، حتى يلزم المرء بتنفيذ ما جاء في حكمه.فكان أمر إطاعة أحكام. رجال الدين رهناً بمكانة رجل الدين وبما له من هيبة ونفوذ بين قومه.

وقد رأينا أن من الناس من كان يثور حتى على آلهته، إذا وجد أنها لم تلبّ طلباته. وأنه كان يتوسل اليها ويلوذ بها لمساعدته عند الشدة، ثم يهددها ويتوعدها بالابتعاد عنها وبترك زيارتها وبنبذها، إن هي صمت آذانها عنه، ولم تجب ما طلبه منها. وقد قصصنا حكاية امرئ القيس مع صنمه، اذ رمي السهام في وجهه وعنفه وشتمه، لأن جواب الاستقسام لم يكن على نحو ما كان يريد. ولم يكن ذلك من عمل أهل الجاهلية م وحدهم، بل في وقوع مثل هذه الحوادث في الإسلام أيضاً.

وقد رأينا أن في الجاهليين - كما في كل قوم - أناس كانوا لا يقيمون وزناً لحلال أو حرام، فكانوا يستحلون المظالم، ولا يجعلون للحرمات حرمة،ويعتدون في الأًشهر الحرم. كانوا إذا حضروا الأسواق، أباحوا لأنفسهم الاعتداء فيها على أموال الناس فسمّوا: "المحلون". ومنهم قبائل من أسد و طىء وبني بكر ابن عبد مناة بن كنانة، وقوم من بني عامر بن صعصعة. فهؤلاء لا يعرفون الحلال ولا الحرام، والشهور والأيام عندهم سواء بسواء، يغزون فيها متى شاؤوا،حتى في الأشهر الحرم، اذا لا حرمة عندهم لشهر.

وكان فيهم من ينكر ذلك وينصب نفسه لنصرة المظلوم والمنع من سفك الدماء وارتكاب المنكر، فيسمون الذادة المحرمون. وهم من بني عمرو بن تميم،وبني حنظلة بن زيد مناة،وقوم من هذيل،وقوم من بني شيبان،وقوم من بني كلب بن وبرة. فكانوا يلبسون السلاح لدفعهم عن الناس. وكان العرب جميعاً بين هؤلاء تضع أسلحتهم في الأشهر الحرم.

ولم تكن للجاهليين أحكام في الحلال والحرام بالنسبة إلى المأكول على ما يظهر، بل كان مرجع الحرمة والإباحة عندهم إلى عرف القبائل. فلما نزل الأمر في الإسلام بتحريم أكل الميتة، أي الحيوان الميت، عجبت قريش من ذلك، واحتجوا قائلين: كيف تعبدون في شيئاً لا تأكلون مما قتل،وتأكلون أنتم مما قتلتم ? وكانوا يقولون ما الذي يموت، وما الذي تذبحون إلا سواء. وذكر " ان ناساً من المشركين دخلوا على رسول الله،صلى الله عليه وسلم، فقالوا: أخبرنا عن الشاة اذا ماتت من قتلها ? فقال الله قتلها. قالوا: فتزعم ان ما قتلت أنت وأصحابك حلال، وما قتله الله حرام ! ". وذكر ان فارس أوحت إلى أوليائها من مشركي قريش ان خاصموا محمداً وقولوا له: ان ما ذبحت فهو حلال وما ذبح الله بشمشار من ذهب،فهو حرام. فوقع في أنفس ناس من المسلمين من ذلك شيء ". فقد كانت قريش تأكل كل شيء،من ميتة ومختنقة ومن نطيحة وما أكل السبع وما أهل للصنم، فنزل تحريم ذلك في الإسلام.

وذكر انهم كانوا يقطعون يسيراً من حلق الشاة ويتركونها حتى تموت،يجعلون عملهم هذا ذكاة لها. وقيل: ذبيحة الشريطة، هي انهم كانوا يشرطونها من العلة، فإذا ماتت، قالوا: قد ذبحناها. وذكر ان الشريطة الشاة أثر في حلقها أثر يسير كشرط المحاجم،لا يستقصي في ذبحها،والشريطة أيضاً المشقوقة الأذن من الإبل، لأنها شرطت آذانها، واذا كان التعريف الأول صحيحاً،فإن معنى هذا انهم كانوا يراعون بعض، الأحكام في الذبح، أي ان لهم أحكاماً دينية في كيفية الذبح. وقد نهى الإسلام عن أكل الشريطة.

واستباح الجاهليون أكل "النطيحة"،وهي المنطوحة التي ماتت من النطح.واستباحوا أيضاً أكل الفريسة والأكيلة والرمية.

وقد كان رجال الدين وسادات القبيلة، يحرمون بعض الاشياء على أنفسهم اذا شعروا بوجود ضرر بها، وبأن في فعلها الحاق أذىَ في الإنسان وخدشا في الاسم فحرم لعض رجال الجاهلية الخمر على انفسهم تكرما وصيانة لانفسهم.،منهم عامر بن الظرب العدواني، وقيس بن عاصم، وِصفوان بن أمية بن محرث الكناني " وعفيف بن معد يكرب، وسويد بن عدي بن عمرو بن سلسلة الطائي. وغيرهم لما وجدوا فيها من ضرر على الابدان واثر في العقل واضاعة للمال وورد في بعض الموارد ان اول من خرم الخمر في الجاهلية الوليد بن المغيرة وقيل قيس بن عاصم ثم جاء الإسلام بتقريره.

ليأمنوا به على أنفسهم، لأنهما قد خالفا بذلك العهود وما اتفق عليه من وجوب مراعاة الحرمات.

وقد كان من عرفهم: انهم كانوا يتقلدون من لحاء شجر مكة،فيقيم الرجل بمكانه، حتى اذا انقضت الأشهر الحرم فأراد ان يرجع إلى أهله قلّد نفسه وناقته من لحاء الشجر فيأمن حتى يأتي أهله. وكان من عرفهم في رواية من روايات أهل الأخبار، انهم اذا خرجوا من بيوتهم يريدون الحج، تقلدوا من لحاء السمر واذا أرادوا العودة إلى ديارهم تقلدوا قلادة شعر، فلم يعرض لهم أحد بسوء. وذكر أيضا، ان الرجل منهم كان يتقلد قلادة من لحاء شجرة من شجر الحرم، ثم يذهب حيث يشاء، فيأمن بذلك. وان اهل مكة كانوا يفعلون ذلك في تجارتهم أ فيضعون القلائد في أعناقهم وفي أعناق بهائمهم، فلا يعرض لهم أحد بسوء. إذ كانوا يرون الوفاء بالميثاق عهداً في أعناقهم وديناً يلزمهم بالوفاء في أحكامه.

كسوة رجال الدين

يقول أهل الأخبار في معرض كلامهم على كسوة العرب: وأما أهل الحضر وسكنة المدن منهم، فكانوا يتفننون في لبوسهم، ويختلفون في كسوتهم، فكان الكَاهن لا يلبس المصبغ والعراف لا يدع تذييل قميصه وسحب ردائه، والحكم لا يفارق الوبر و الشاعر منهم كان اذا أراد الهجاء دهن أحد شقي رأسه، وأرخى إزاره، و انتعل نعلاً واحدة، وكان لحرائر النساء زيّ " ولكل مملوك زي، ولذوات الرايات زي. لا يظهر من قولهم هذا انه قد كان لرجال الدين أو لبعض منهم زي، يميزون أنفسهم به عن بقية الناس، وهو شيء معروف عند البشر من قديم الأيام الى اليوم فلا نستبعد وجود زي خاص لرجال الدين عند الوثنيين الجاهليين. أما رجال الدين من أهل الكتاب فقد كانوا يتزيون بزي خاص يميزهم عن بقية اتباعهم وقد نص على ذلك اهل الكتاب.

الفصل التاسع والستون

الاصنام

نجد في كتاب الأصنام لابن الكلبي في المؤلفات الإسلامية الأخرى، أسماء عدد من الأصنام كان الجاهليون يعبدونها، وهي على الأكثر أصنام كان يتعبدها أهل الحجاز ونجد والعربية الشمالية،وذلك قبيل الإسلام. ومن هذه الموارد الإسلامية استقينا علمنا عن هذه الأصنام. وقد ذكر أهل الأخبار ان بعض هذه الأصنام اناث. وهن اللات، والعزى، و مناة. وهي أصنام ذكرت في القرآن الكريم: ) أ فرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى(. ويجب ان نضيف اليها الشمس.

اللات

و اللات من الأصنام القديمة المشهورة عند العرب. ذكر ابن الكلبي أنه كان صخرة مربعة بيضاء، بنت ثقيف عليها بيتاً صاروا يسمرون اليه، يضاهون به ما كان في مكة وفي بيوت الآلهة الأخرى.

ويرى ابن الكلبي ان الصنم "اللات" هو أحدث عهداً من مناة. أما نحن فلا نستطيع ان نجرؤ فنقول بهذا القول، لأن الصنمين هما من الاصنام القديمة التي ورد ذكرها في كتابات النبط والصفويين ثم ان هيرودوتس اشار الى اللات كما ساذكر بذلك وليس من السهل حتى بالنسبة الى ابن الكلبي او غيره ممن تقدم عليه بالزمن الحكم على زمن دخول عبادة الصنمين الى جزيرة العرب لان ذلك يعود الى زمن سابق لا تصل ذاكرة الرواة اليه.

ومكان بيت اللات في موضع مسجد الطائف،أو تحت منارة مسجد الطائف. وقد عرف البيت الذي بني على اللات بيت الربة، ويقصدون بالربة اللات، لأنه أنثى في نظر عابديه. ولا ندري أكان انشاء مسجد الطائف على موضع معبد اللات رمزاً لحلول بيت الله محل بيت الربة،وبيت الأصنام، وتعبيراً عن حلول الإسلام محل عبادة اللات والأصنام، أم كان ذلك "لسبب آخر، هو وجود أسس، سابقة وحجارة قديمة موجودة، واسهل لذلك إقامة بناء المسجد في هذا المكان ? وقد فسر بعض المستشرقين إقامة المسجد في هذا المكان، بأته تخليد لذكرى الوثنية في نفوس بعض من أسلم لسانه وكفر قلبه، فسرهم قيام المسجد في هذا المكان ليبقى أثراً يذكرهم بذكرى صنمهم القديم اللات.

وللاخباريين روايات عن صخرة اللات، منها أنها في الأصل، حجرة كان يجلس عليها رجل، يبيع السمن واللبن للحجاج في الزمن الأول، وقالوا: إنها سميت باللات لأن عمرو بن لحي كان يلت عندها السويق للحجاج على تلك الصخرة، وقالوا: بل كانت اللات في الأصل رجلاً من ثقيف. فلما مات، قال لهم عمرو بن لحي: لم يمت، ولكن دخل في الصخرة، ثم أمر بعبادتها، وأن يبنوا بنياناً يسمى اللات. وقالوا: "قام عمرو بن لحي، فقال لهم: إن ربكم كان قد دخل في هذا الحجر، يعني تلك الصخرة،نصبها لهم صنماً يعبدونها. وكان فيه وفي العزى شيطانان يكلمّان الناس، فاتخذتها ثقيف طاغوتاً، وبنت لها الطبرى ان "اللات، هي من الله، ألحقت فيه. التاء، واللات، كما قيل عمرو للذكر وللأنثى عمرة، وكما قيل للذكر عباس ثم قيل الأنثى عباسة".

وورد في بعض روايات اْهل الأخبار ان الثقفي الذي كان يلت السويق بالزيت ويقدمه للناس، لما توفي قبر في موضع أللات، فعكفوا على قبره،فعبدوه وجعلوه وثناً، وزعم بعض آخر انه قبر عامر بن الظرب العدواني. فترى هذه الروايات ان "بيت الربة"، هو قبر رجل، دفن، فيه فعبد وصير الهاً. وزعم قوم انه كان رجلا من ثقيف، يقال له "صرمة بن غنم"، وكان يسلأ السمن، فيضعه على صخرة، فتْأتيه العرب، فلما مات، عبدته ثقيف.

وتفسير أهل الأخبار لاسم "اللات"، هو بالطبع من تفسيراتهم المألوفة الكثيرة التي لا يمكن أن نثق بها، ولا يمكن أن نحملها على محمل الصدق والعلم. فالاسم هو من الأسماء القديمة التي عرفت قبل الميلاد. ويرى بعض المستشرقين أنه ادغام وسط بين "الالاهت"،"ال سال هت"ِ Al Alahat والإدغام التام "اللات" "ال لت" Allat، على نحو ما حدث للفظ الجلالة: "الا لاه "ال ال ه" الذي صار "ا لله".

وفي قول أهل الأخبار أن صخرة اللات كانت ليهودي، يلتّ عندها السويق أو لرجل من ثقيف، غمز وطعن في ثقيف، وقد غمز بها في أمور أخرى أشرت اليها في مواضع أخرى. ويعود سبب هذا الغمز ان المنافسة التي كانت بين أهل الطائف وأهل مكة، ثم إلى الكراهية الشديدة التي حملها اهل العراق وأهل الحجاز وغيرهم للحجاج لأعماله القاسية، وعدم مبالاته ومراعاته للحرمات حتى بالنسبة إلى الكعبة، مما حمل الناس على كرهه وكره قومه ثقيف، وعلى وضع قصص عن ثقيف.

ولا يستبعد أن تكون صخرة اللات صخرة من هذه الصخور المقدسة التي كان يقدسها الجاهليون ومن بينها "الحجر الأسود" الذي كان يقدسه اهل مكة ومن كان يأتي إلى مكة للص ج وفي غير م وسم الحج، لذلك كانوا يلمسونه ويتبركون به. وإذا أخذنا برأي ابن الكلبي من أن عمرو بن لحي قال للناس: "إن ربكم كان قد دخل في هذا الحجر "، أو أن الرجل الذي كان عند الصخرة لم يمت، ولكن دخل فيها أو أن روح ميت حلت فيها ونظرنا إلى رأيه هذا بشيء من الجد، فلا يستبعد أن يشير هذا الرأي إلى ما يعني ب "الفتيشزم"fetichism" أي عبادة الأحجر في اصطلاح علماء الأديان. ويعنون بها عبادة الأرواح التي يزعم المتعبدون لها أنها حالة في تلك الأحجار، وخاصة الأحجار الغريبة التي لم تصقلها الأيدي، بل عبدت على هيأتها وخلقتها في الطبيعة، وهي من العبادات المنحطة بالنسبة الي عبادة الصور والتماثيل والأصنام.

وذكر ان قريشاً تعبدت للصنم اللات بموضع نخلة عند سوق عكاظ، وقيل انه كان بالكعبة. وذكر ان "اللات بيت كان بنخلةّ تعبده قريش" ويلاحظ ان من أهل الأخبار من جعل العزى بيت كان بنخلة أي هذا البيت المذكور. ويظهر من روايات أهل الأخبار ان منهم من رأى ان اللات بيت للصنم، الذي كان بالطائف، وان منهم من رأى انه كان بنخلة تعبده قريش. وأما عباد البيت الأول، فهم ثقيف. ولا أستبعد وجود بيوت عبادة اخرى. في غير هذين المكانين فيّ الحجاز وفي غير الحجاز.

واللات من الآ لهة المعبودة عند النبط أيضاً، وقد ورد اسمها في نصوص "الحجر" و "صلخد" و "تدمر"، وهي من مواضع النبطْ. وهو "ه ل ت" "ه لت" "ها لت" في النصوص الصفوية، و منها "اللات"، لأن "الهاء" حرف تعريف في اللهجة الصفوية. وقد ذكر أكثر من ستين مرة في الكتابات الصفوية. وهو أكثر آلهة الصفويين وروداً في نصوصهم، و يدل ذلك على شيوع عبادته بينهم.

ويذكر الباحثون ان النبط عدّوا اللات أماً للالهة، وهي في نظر "روبرتسن سمث" الإلهة الأم لمدينة "بطر"، وتقابل الإلهة Artemis عند أهل قرطاجة. وقد عبدت اللات في تدمر، وفي أرض "مدين" عند اللحيانين. وقد وصف "أفيفانيوس" Epiphanius معبد الإلهة اللات في مدينة "بطرا"، فذكر انه معبد "الأم العذراء Virgin mother. كما انها كانت معبودة عند أهل "الوسة" "الوس" Elusa كذلك. و يظهر ان عبادتها كانت قد انتقلت من النبط ومن القبائل العربية الشمالية إلى أهل الحجاز.

وصنم اللات، هو "أليلات" "أللات" Alilat=Alelat المذكور في تاريخ "هيرودوتس". ذكر انه من آلهة العرب الشهيرة، والتسمية عربية النجار، وقد غيرت تغيراً طفيفاَ، اقتضته طبيعة اللغة اليونانية، فذكره "هيرودوتس" على النحو المذكور. فهذا الصنم إذن هو أول صنم عربي يرد اسمه في نص مؤرخ يوناني. وهو يقابل الإله Minerva أي "أثينة" Atheneعند اليونان.

وقد ذهب بعض المستشرقين إلى أن "اللات" تمثل "الشمس"، وهي أنثى أي إلهة اًما "رينه ديسو"، فيرى أنها لا تمثل الشمس، وانما تمثل كَوكب الزهرة، وخطأ رأي من يقول إن اللات الشمس.

وقد انتهت إلينا أسماء رجال أضيفت إلى اللات، مثل: "تيم اللات"، و "زيد اللات"، و "عائذ اللات"، و "شيع اللات". و "شكم اللات"، و "وهب اللات" وما شاكل ذلك من أسماء. ومما يلفت النظر أننا لم نلاحظ ورود اسم "عبد اللات" بين أسماء الجاهليين.

وقد أقسموا باللات. كما أقسموا بالأصنام الأخرى، ونسب إلى أوس بن حجر قوله: وباللات والعزى ومن دان دينها  وباللهِ، ان اللهَ منهـن أكـبـر

وهدم اللات في جملة ما هدم من الأصنام،وأحرق البيت وقوضت حجارته، هدمه بأمر الرسول المغيرة بن شعبة في أغلب الروايات. وكان الناس ينظرون إلى هدمه في خوف وفزع وهلع خشية أن ينالهم شيء من أذى انتقاما منهم، لانهم لم يدافعوا عن بيت ربتم، وكانت نساء ثقيف حسراً يبكين عليه. فلما انتهى الهدم، ولم يحدث لهن شيء، أخذ المغيرة مالها وحليها من الذهب والجزع وأعطاه أبا سفيان، وكان الرسول قد أرسله مع المغيرة في وفد ثقيف الذي جاء اليه عارضاً عليه الإسلام، فأخذه منه أبو سفيان، ليقضي نت مال اللات دين عروة والأسود ابني مسعود.

ولما أصيبت ثفيف بهزيمة، واحتمت بالطائف قال الشاعر: وفرّت ثقيف الى لاتها  بمنقلب الخائب الخاسر

ويظهر من هذا الشعر الذي ينسب الى "شداد بن عارض الجشمي". وقد قاله حين هدمت وحرقت اللات: لا تنصروا اللات ان الله مهلكها  وكيف نصركم من ليس ينتصر?

ان التي حرقت بالنار فاشتعلـت،  ولم تقاتل لدى احجارهـا هـدر

ان الرسول متى ينزل بساحتكـم  يظعن، وليس بها من اهلها بشر

ان ثقيفا بقيت مخلصة لصنمها مؤمنة به،حتى بعد هدمه وتحريقه، فقال الشاعر شعره، ينهى ثقيفاً عن العود اليها والغضب لها.

ويظهر من بيت ينسب الى كعب بن مالك الأنصاري، هو قوله: وننسى اللات والعزى وودا  ونسلبها القلائد والسـيوفـا

ان الناس كانوا يعلقون القلائد والسيوف على تلك الأصنام. وروايات الأخباريين تؤيد هذه الدعوى، إذ نذكر ان الجاهليين كانوا يقدمون الحلي والثياب والنفائس وما حسن وطاب في أعين الناس هدية ونذوراً إلى الأصنام، فكانوا يعلقون ما يمكن تعليقه عليها، ويسلمون الأشياء الأخرى إلى سدنة الأصنام.

وقد ذكر الرحالة الانكليزي "جيمس هاملتون" ان صخرة اللات كانت لا تزال في ايامه بالطائف. وقد شاهدها فوصفها بأنها صخرة من الغرانيت ذات شكل خماسي، وان طولها زهاء اثنتي عشرة قدماً.

ويظهر انه كان للات بيت وقبة يحملها الناس معهم حين يخرجون إلى قتال، فينصبان في ساحة الجيش، ليشجع المحاربون فيستميتوا في القتال، وينادي المنادون بنداء تلك الأصنام مثل: يا للات، وقد كانت لبقية الأصنام بيوت وقباب أيضاً. وعادة حمل الأصنام إلى المعارك والحروب واشتراكها مع الناس في القتال بإحضارها ساحة المعارك عادة قديمة،معروفة عند العرب وعند غيرهم. وقد سبق أن قلت إن الآشوريين ذكروا أنهم أسروا أصنام "أريبي" العرب في أثناء قتالهم معهم، أسروها مراراً، وكانوا يثبتون عليها خبر الأسر. كان أن الفلسطينيين والعبرانيين وغيرهم كانوا يحملون معهم اصنامهم في القتال.

العُزى

والعزُى صنم أنثى كذلك، وهي أحدث عهداً في نظر ابن الكلبي من اللات ومناة. وأما الذي اتخذ العُرى على رواية ابن الكلبي،فهو ظالم بن أسعد. وضعت "بواد من نخلة الشامية، يقال له حراض، بازاء الغمير،عن يمين المصعد إلى العراق من مكة، وذلك فوق ذات عرق إلى البستان بتسعة أميال، فبنى عليها بيسا "يريد بيتاً"، وكانوا يسمعون فيه الصوت" وينسب اليه بيت العزى كذلك.

وقد زعم بعض اهل الأخبار ان "العزى" كان بيتاً بالطائف تعبده ثقيف. ويظهر ان هذا اشتباه قد وقع لهم، وأنهم خلطوا بين اللات والعزى، فتوهموا أن بيت اللات هو العزى فقالوا ما قالوه. ونجد في تفسير الطبري تأييداً لهذا الرأي.

وورد في بيت شعر ينسب إلى "حسان بن ثابت" ان بيت العزى كان "بالجزع من بطن نخلة".

ويظهر أن العزى كانت "سمرات"، لها حمى، وكان الناس يتقربون اليها بالنذور. وهي بالطبع عبادة من العبادات المعروفة للشجر. وقد ذكر الطبري روايات عديدة تفيد أن "العزُى" شجيرات، ولكنه أورد روايات أخرى تفيد انها حجر أبيض. فنحن إذن أمام رأيين: رأي يقول إن العزى شجيرات،ورأي يرى أنها حجر. وذكر "ابن حبيب" ان العزُى شجرة بنخلة عندها وثن تعبدها غطفان، سدنتها من بني صرمة بن مرة. وذكر غيره انها سمرة لغطفان.

وقد تسمى العرب وقريش بالعزى، فقالوا: "عبد العزى". وقد أقسموا بها، ولها يقول درهم بن زيد الأوسي: إني ورب العزى السعيدة  والله الذي دون بيته سرف

وأقدم من سمي باسم "عبد العزى" في رأي ابن الكلبي هو عبد العزى بن كعب. وقد ذكر ابن دريد أسماء عدد من أهل مكة عرفوا ب "عبدالعزى"، منهم ب "عبد العزى بن قصي"، و "عبد العزى بن عبد مناف"،و "عبد العزى بن عبد المطلب".

ويظهر من هذا الشعر المنسوب إلى "زيد بن عمرو بن نفيل": تركت اللات والعزى جميعا  كذلك يفعل الجلد الصبـور

فلا العزى أدين ولا ابنتيهـا  ولا صنمي بني غنم أزور

ان عباد العزى كانوا يتصورونها أماً، ولها ابنتان، ولعله أراد ب "ابنتيها" اللات ومناة. وقد نسب بعض أهل الأخبار عبادة العزى إلى عمرو بن لحي جرياً على عادتهم في نسبة عبادة الأوثان اليه، فقالوا انه قال لعمرو بن ربيعة والحارث ابن كعب: إن ربكم يتصيف باللات لبرد الطائف، ويشتو بالعزى لحر تهامة. وفي رواية لابن اسحاق: ان عمرو بن لحي اتخذ العزى بنخلة، فكانوا اذا فرغوا من حجهم وطوافهم بالكعبة، لم يحلوا حتى ياتوا العزى، فيطوفون بها، ويحلون عندها، ويعكفون عندها يوماً. وكانت لخزاعة. وكانت قريش وبنو كنانة كلها تعظم العزى مع خزاعة وجميع مضر. وكان سدنتها الذين يحجبونها بنو شيبان من بني سليم، حلفاء بني هاشم.

وتشير رواية من زعم ان عمرو بن لحي قال لقومه: "إن ربكم يتصيف باللات لبرد الطائف، ويشتو بالعُزى لحر تهامة"، صحت أو لم تصح، إلى وجود صلة بين اللات والعُزى. وقد ذكرت العُزى بعد اللات في القرآن الكريم.

و كذلك ترد بعد اللات في جميع روايات الاخباريين. مما يشير إلى وجود صلة بين اللات والعزى. ولا يستبعد ان تكون هذه الصلة بين الصنمين قد جاءت ان أهل الحجاز من بلاد الشام من اهل تدمر وبادية الشام والصفويين، إذ وردا وكأنهما إلهان متقابلان، فحمل ذلك بعض المستشرقين على تصور أنهما يمثلان كوكبين: كوكب الصباح وكوكب المساء.

والعزُى مثل اللات ومناة من الآلهة المعبودة عند عرب العراق وعرب بلاد الشام، وعند النبط والصفويين. وقد ذكر اسم العزى مرتين في المصادر المؤلفة. بعد الميلاد، وأشار اسحاق الأنطاكي Isaac of Antioch من رجال القرن الخامس للميلاد، إلى اسم العُزى في، حديثه عن مدينة "بيت حور" Beth-Hur ودعاها ب Beltis، وسماها "كوكبتا". ويظن ان "كوكبتا" Kawkabta، أي "كوكبة" المذكورة في المصادر السريانية، هي أنثى كوكب، تعني الكوكب الذي يظهر عند الصباح، وهو العُزى عند الجاهليين: ويراد بها "الزهرة" Venus، عند النبط. حيث اتخذوا لها معبداً في مدينة "بصرى" في منطقة "رم" عرف ب "بيت ايل،" وقد نص "بروكوبيوس"، Procopiusعلى انها "أفروديت". وهي كناية عن القمر على رأي بعض المستشرقين. ولعل العزى هي "ملكة السماء Melekheth Hash-Shamaالمذكورة في سفر "ارميا"، وقد جاء فيه: ان أهل "اورشليم" كانوا يصنعون كعكاً، يتقربون به إلى تلك الإلهة: إلهة السماء. وقد كان الجاهليون يتقربون بالخبز والكعك إلى "كوكب السماء".

ويظهر من ورود اسم امرأة هو: "امت عزى"، "أمة العزى"، في نص عربي جنوبي، ان عبادة العزى كانت معروفة هناك. وقد قدم أحد العرب تمثالا من ذهب إلى هذه الإلهة.

وقد كان آل لخم، ملوك الحيرة، ينحرون الأسرى قرباناً للعزى. وقد زعم بعض المؤرخين السريان ان "المنذر بن ماء السماء" ضحى بأربع مئة راهبة للعزى.

وذكر "إسحاق الأنطاكي" ان العرب كانوا يقدمون الأولاد والبنات قرابين للكوكبة "كوكبتا"، فينحرون لها، ويقصد ب "كوكبتا" العزى.

وكانت قريش تتعبد للعزى، وتزورها وتهدي اليها، وتتقرب اليها بالذبائح. وذكر ابن الكلبي انها كانت أعظم الأصنام عند قريش، وان قريشا كانت تطوف بالكعبة وتقول:"واللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى. فإنهن الغرانيق العلا،وإِن شفاعتهن لترتجى". و كَانوا يقولون: هن بنات الله، وهن يشفعن اليه. وكانت قريش قد حمت لها شعباً من وادي حراض، يقال له سقام يضاهون به حرم الكعبة.وكان لها منحر ينحرون فيه هداياهم، يقال له الغبغب، فكانوا يقسمون لحوم هداياهم فيمن حضرها وكان عندها.

وكانت قرِيش تستعين بأصنامها حين تحارب، تستجير بها وتستمد منها العون في الحرب، لتبعث الهمة والنشاط في النفوس بذكرها. فلما كان يوم أحد نادى "أبو سفيان: "اعلُ هبل، اعلُ هبل" فقال المسلمون:" الله أعلى وأجل". فقال "أبو سفيان": " لنا العزى ولا عزى لكم". فقال المسلمون: " الله مولانا ولا مولى لكم ".

ويقول ابن الكلبي أيضاً: " ولم تكن قريش بمكة ومن أقام بها من العرب يعظمون شيئاً من الأصنام إعظامهم العزى، ثم اللات، ثم مناة.. فأما العزى، فكانت قريش تخصها دون غيرها بالزيارة والهدية. وكانت ثقيف تخص اللات كخاصة قريش للعزى وكانت الأوس والخزرج تخص مناة كخاصة هؤلاء الآخرين، وكلهم كان معظماً لها"، أي للعزى.

ولابن الكلبي رأي في اقبال قريش على العزى، إذ يقول: " فأما العزى،فكانت قريش تخصها دون غيرها بالزيارة والهدية. وذلك فيما أظن لقربها منها ". فجعل قرب بيت العزى من قريش،هو السبب في إقبال قريش عليها.

وهو يرى هذا الرأي نفسه حين تكلم على الأصنام: ود، وسواع، ويعوق، ونسر، وقارن بينها وبين الأصنام اللات والعزُى ومناة، إذ قال: "ولم يكونوا يرون في الخمسة الأصنام التي دفعها عمرو بن لحي.. كرأيهم في هذه ولا قريباً من ذلك. فظننت أن ذلك كان لبعدهم منهم ".

وقال ابن الكلبي في كتابه الأصنام " وقد بلغنا أن رسول الله، صلى الله عليه و سلم. ذكرها يوماً، فقال: لقد أهديت للعزى شاة عفراء، وأنا على دين قومي".

وكان فيمن يتقدم إلى العُزى بالنذور والهدايا، والد خالد بن الوليد. ذكر خالد أن والده كان يأتي العزى بخير ما له من الإبل والغنم، فيذبحها للعزى، ويقيم عندها ثلاثة ايام، و ممن تعبد للعزُى بنو سليم وغطفان وجشم ونصر وسعد بن بكر. وغني وباهلة وخزاعة وجميع مضر وبنو كنانة. وقد ارتبطت قبائل غطفان بعبادة العزُى وتقديمها بصورة خاصة،حتى لقد ذكر "ياقوت الحموي" ان "العزُى سمرة كانت لغطفان يعبدونها،وكانوا بنوا عليها بيتا، وأقاموا لها سدنة". وقد عرف البيت ب "كعبة غطفان". وذكر "الطبري" أن العُزى "صنم لبني شيبان"، بطن بن سليم حلفاء بني هاشم، وبنو أسد بن عبد العزى، يقولون: هذا صنمنا، وانها "كَانت بيتاً يعظمه هذا الحي من قريش وكنانة ومضر كلها". وقد تعبدت لها ثقيف كذلك، بأن اتخذت صنماً. والظاهر ان قريشاً كانت تعدّ العزى حامية وشفيعة لها.

وكان لحرم العزى شعب حمته قريش للصنم، يقال له سقام في وادي حراض.على طريقة قريش في اتخاذ حرم للكعبة. وقد صار هذا الحمى موضعاً آمناً لا يجوز التعدي فيه على أحد، ولا قطع شجره، ولا القيام بعمل يخل حرمة المكان. فذاك قول أبي جندب الهذلي تم القردي في امرأة كان يهواها، فذكر حلفها له بها: لقد حلفت جهداً يميناً غلـيظة  بفرع التي أحمت فروع سقام

وينسب "ابن الكلبي" بناء "بيت العزى" إلى "ظالم بن أسعد"، إذ يقول: "بس: بيت لغطفان بن سعد بن قيس عيلان كانت تعبده. بناه ظالم بن أسعد بن ربيعة بن مالك،بن مرة بن عوف، لما رأى قريشاً يطوفون بالكعبة ويسعون بين الصفا و المروة، فذرع البيت. ونص العباب: وأخذ حجراً من الصفا وحجراً من المروة، فرجع إلى قومه، وقال: يا معشر غطفان، لقريش بيت يطوفون حوله والصفا والمروة، وليس لكم شيء، نبنى بيتاً على قدر البيت، ووضع الحجرين فقال: هذان الصفا والمروة فاجتزئوا به عن الحج. فأغار زهير بن جناب بن هبل بن عبد الله بن كنانة الكلبي،فقتل ظالماً، وهدم بناءه".

وجاء في رواية أخرى ان "بني صداء" قالوا: أما والله لنتخذن حرماً مثل حرم مكة، لا يقتل صيده، ولا يعضد شجره، ولا يهاج عائذه، فوليت ذلك بنو مرة بن عوف. ثم كان القائم على أمر الحرم وبناء حائطه رباح بن ظالم ففعلوا ذلك، وهم على ماء لهم يقال له بس، فلما بلغ فعلهم هذا وما أجمعوا عليه زهير بن جناب، قال: والله لا يكون ذلك وأنا حي، ولا أخليّ غطفان تتخذ حرماً أبدا، ثم سار في قومه حتى غزا غطفان، وتمكن منها، واستولى على الحرم، وقطع رقبة أسير من غطفان به، وعطل الحرم وهدمه.

وذكر بعض أهل الأخبار، ان العزى صنم كان لقريش وبني كنانة، أو سمرة عبدتها غطفان بن سعد بن قيس عيلان. أول من اتخذها منهم: "ظالم بن أسعد" فوق ذات عرق الى البستان بتسعة أميال، بالنخلة الشامية بقرب مكة، وقيل بالطائف، بنى عليها بيتاً وسمّاهُ بهاً، وقيل بساء، وأقاموا لها سدنة مضاهاة للكعبة، وكانوا يسمعون فيها الصوت، فبعث اليها رسول الله خالد بن الوليد، عام الفتح، فهدم البيت، وقتل السادن وأحرق السمرة.

ويظهر مما تقدم أن البيت هدم مرتين: مرة في الجاهلية، على يد زهير بن جناب،وقتل إذ ذاك بانيه ظالم، والمرة الثانية عام الفتح على يد خالد بن الوليد. وأما سدنة العزى، فكانوا من بني صرمة بن مرة، أو من بني شيبان بن جابر بن مرة بن عبس بن رفاعة بن الحارث بن عتبة بن سليم بن منصور.فهم من بي شيبان، من بني سليم حلفاء بني هاشم.

وكان آخر سادن للعزُى "دبية بن حرمي السلمي ثم الشيباني"، قتله خالد بن الوليد بعد هدمه الوثن والبيت وقطعه الشجرة او الشجرات الثلاث وفي رواية ان هدم العزى كان لخمس ليال لقين من شهر رمضان سنة ثمان وكان سادنها افلح بن النضر السلمي من بني سليم فلما حضرته الوفاة دخل عليه ابو لهب يعوده وهو حزين فقال له مالي اراك ? حزينا قال اخاف ان تضيع العزى من بعدي قال ابو لهب فلا تحزن فانا اقوم عليها بعدك فجعل ابو لهب يقول لكل من لقي ان نظهر العزى كنت قد اتخذت عندها يدا بقيامي عليها وان يظهر محمد على العزى وما اراه يظهر فألن اخي فأنزل الله تبارك وتعالى ) تبت يدا ابي لهب وتب( وتدل هذه الرواية ان صحت على ان افلح بن النضر لم يكن آخر سادن للعزى وان الهدم لم يكن في حياته وانما كان بعد وفاته.

وتشبه هذه القصة قصة اخرى وردت في الموضوع نفسه عن ابي احيحة وأبي لهب. فلما مرض أبو أحيحة، وهو سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس ابن عبد مناف، مرضه الذي مات فيه، كان اهم ما شغل باله عبادة العزُى وخشيته ان لا تعبد من بعده، فلما اجابه ابو لهب مهوناً عليه الأمر: رد والله ما عبدت حياتك "لأجلك"،ولا تترك عبادتها بعدك لموتك سره هذا الجواب، وأفرج عنه. فقال: الآن علمت ان لي خليفة.

ويروي ابن الكلبي ان الرسول أمر بالقضاء على العزُى، وذلك عام الفتح، فلما افتتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة بعث خالد بن الوليد فقال له: ايت بطن نخلة، فإنك تجد ثلاث سمرات، فاعضد الأولى، فأتاها فعضدها، فلما جاء اليه عليه السلام: هل رأيت شيئاً ? قال لا، قال: فاعضد الثانية ? فأتاها فعضدها. ثم أتى النبي عليه السلام، فقال: هل رأيت شيئا قال: لا. قال: فاعضد الثالثة. فأتاها. فإذا هو بحبشية نافشة شعرها، واضعة يديها على عاتقها، تصرف بأنيابها، وخلفها دبية بن حرمي الشيباني ثم السلمي، وكان سادنها. فلما نظر إلى خالد، قال: أعـزّ شـدي شـدة لا تـكـذبــي  على خالد القي ألقي الخمار وشمري

فإنك الا تقـتـلـي الـيوم خـالـدا  تبوئي بذل عـاجـلاً وتـنـصـري

فقال خالد: يا عز كفرانك، لاسبحانك  إني رأيت اللّه قد أهانك

ثم ضربها ففلق رأسها، فإذا هي حممة. ثم عضد الشجرة، وقتل دبية السادن.

ثم أتى النبي، صلى الله عليه وسلم، فأخبره فقال: تلك العزى، ولا عزى بعدها للعرب. أما انها لن تعبد بعد اليوم.

ويظهر من شعر ل "أبي خراش الهذلي" أن "دبية" كان كريماً، يطعم الناس، عظيم القدر،له جفنة حين الشتاء، وقد مدحه، إذ حذاه نعلين جيدين، كما رثاه يوم قتل بأبيات ذكرها "ابن الكلبي" في كتابه الأصنام.

وذكر بعض أهل الأخبار أن "خالد بن الوليد" هدم بيت العزى عام الفتح، وقتل إذ ذاك سادنه "ربيعة بن جرير السلمي"وروايات الأخبارين عن العزُى يكتنفها شيء من الغموض واللبس، ويدل ذلك على أنهم لم يكونوا على علم تام بالعُزى. فبينما هم يذكرون أن العزى شجرة أو سمرة. تراهم يذكرون في روايات أخرى أنها شيطانة تأتي ثلاث سمرات، أي ان العزى هي تلك الشيطانة، لا السمرة أو السمرات الثلاث. ثم تراهم يذكرون في روايات أخرى أن العزى صنم، وان الرسول حينما أمر خالد بن الوليد بهدمه، قال له لما هدم العزى، وعاد: " أرأيت شيئاً قال: لا، قال: فارجع فاهدمه، فرجع خالد إلى الصنم، فهدم بيته، وكسر الصنم، فجعل السادن يقول: أعزى اغضبي بعض غضباتك. فخرجت عليه امرأة حبشية عريانة مولولة، فقتلها وأخذ ما فيها من حلية، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره بذلك، فقال: تلك العزى، ولا تعبد العزى أبداً. ومعنى هذا أن العزى صنم، كان في داخل بيت العُزى، وأن خالد بن الوليد كسره، وهدم بيته. ولم يكن شجرة. أما تلك السمرة أو السمرات الثلاث، فلم تكن إلا أشجاراً نبتت في حرم البيت. لذلك صارت محرمة لا يجوز مسها بأي سوء كان.

وقد سمىّ بعض أهل الأخبار اسم اخر سدنة العزى "دُبيَة" و "دبية بن حرمس السلمي" وسمّاه بعض آخر "ربية السلمي"، و "ربية بن جرمي"، و "ربيعة بن جرير السلمي".

والرأي المعقول المقبول، هو ان العزى صنم، له بيت، وأمامه غبغب، أي خزانة يضع فيها العباد المؤمنون بالعزى هداياهم ونذورهم لها، كما كانوا ينحرون لها، إذ لا يعقل ان يقال إن خالداً كسر الصنم وهدم بيته ثم لا يكون العزى، صنماً بل يكون شجرة، أو شجرات. وأما الشجيرات، فإنها شجيرات مقدسة أيضاً، لأنها في حرم العزى، وشجر الحرم هو شجر مقدس لا يجوز قطعه، ولذلك كان أهل مكة يجتنبون مس شجر الحرم بسوء، فلما أراد "قصي" اعتضاده، هابت قريش عمله وخافت سوء العاقبة، ونهته عن مسه بسوء، ولكنه أقدم على قطعه، لم يبال برأيهم، ولم يحفل بنصائحهم، فقطعه. وكان بيت العزى يسمع فيه الصوت. وقد ذكر الأخباريون انه كان في كل من اللات والعزى ومناة شيطانة تكلمهم، وتظهر للسدنة وقد نسبوا ذلك إلى صنع ابليس. والظاهر ان الحبشية المذكورة التي قتلها خالد،وزعم انها شيطانة ان صح ما ذكره الرواة عن وجودها، كانت امرأة كان السادن يخفيها في موضع سري، وهي التي تجيب عن أسئلة السائلين فينسب السادن كلامها الى العزى.

ومما يؤيد رأيي في ان "العزى" صنم، ما ورد في تفسير "الطبري" من قوله: "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، خالد بن الوليد إلى شعب بسقام ليكسر العزى، فقال سادنها، وهو قيمها: يا خالد أنا أحذركها إن لها شدة لا يقوم اليها شيء. فمشى اليها خالد بالفأس فهشم أنفها. مما يدل على انها كانت صنماً أنثى، أي تمثالاً لامرأة، لأنها أنثى.

ويظهر من هذا البيت: أما ودماء مائرات تـخـالـهـا  على قنة العزى وبالنسر، عندما

ان عبّاد العزى كانوا قد لطخوا قنة الصنم، أي أعلاه ورأسه بدم الأضاحي. وكذلك فعل عباد الصنم نسر بقة صنمهم.

مناة

ويعد الصنم مناة أقدم الأصنام عند الأخباريين. وهو من الأصنام المذكورة في القرآن الكريم: ) أ فرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى (. وهذه الأصنام الثلاثة هي إناث في نظر الجاهليين.

وموضع مناة بالمشلل على سبعة أميال من المدينة، وبقديد بين مكة والمدينة، وقيل أيضاً انه بموضع "ودان" أو في موضع قريب منه. وذكر اليعقوبي ان مناة كان منصوباً بفدك مما يلي ساحل البحرْ. والرأي الغالب بين أهل الأخبار انه كان على ساحل البحر من ناحية المشلل بقديد. وذكر "محمد بن حبيب" أنه كان بسيف البحر وكانت الأنصار وأزد شنؤة وغيرهم من الأزد تتعبد له. واًما سدنته، فهم "الغطاريف" من الأزد. وذكر أن تلبيته كانت على هذه الصورة: "لبيك اللهم لبيك،.لولا ان بكراً دونك، يبرك الناس ويهجرونك، و ما زال حج عثج يأتونك. أنا على عدوائهم من دونك".

وتسكت أكثر روايات أهل الأخبار عن معبد "مناة" فلم تذكر شيئاً عنه، ولكن "الطبري" يشير في تفسيره إلى أنه كان بيتاً بالمشلل، وهو كلام منطقي معقول، إذ لا يعقل أن يكون هذا الصنم، مجرد صخرة أو صنم قائم في العراء تعبث به الرياح والشمس،.ثم ان له سدنة، ولا يعقل أن تكون لصنم سدنة، ثم لا يكون له بيت يؤويه. ولست أستبعد أن يكون له، "جب" يلقي المؤمنون فيه هداياهم ونذورهم. وذكر "الطبري" أيضاً أن معبده كان في "قديد". وأما عبدته، فخزاعة، وبنو كعب.

والأخباريون على خلاف فيما بينهم على هيأة "مناة" وشكله، منهم من يقول إن مناة صخرة، سميت بذلك لأن دماء النسائك كانت تمنى عندها، أي تراق. ومنهم من يقول إنه صنم كان منصوباً على ساحل البحر، فهو على هيأة تمثال، وقد نحت من حجارة، وجعله بعض الرواة في الكعبة مع بقية الأصنامْ.

و الذين يذكرون أن مناة صخرة، يرون أن اناس كانوا يذبحون عندها فتمنى دماء النسائك عندها، أي تراق، فهي إذن، وبهذا الوصف مذبح تراق عنده الذبائح الذي تقدم نسيكة للالهة. ويذكرون أنهم إنما كانوا يفعلون ذلك " كأنهم كانوا يستمطرون عندها الأنواء تبركاً بها. ويتبين من ذلك ان هذا الموضع كان مكاناً مقدساً، وقد خصص بإلهه ينشر السحب ويرسل الرياح فتأتي بالأمطار لتغيث الناس، وان لهذا الإلهَ صلة بالبحر وبالماء، ولذلك أقيم معبده على ساحل البحر قد تكون هذه الصخرة مذبحاً أقيم عند الصنم، أو عند معبده لتذبح عليه ما يهل للصنم، فسمي باسمه، ولذاك يمكن التوفيق بن الرأيين: كونه صخرة، وكونه صنماً.

ويظهر من أقوال ابن الكلبي ان هذا الصنم كان معظماً، خاصة عند الأوس والخزرج، أي أهل يثرب ومن كان يأخذ مأخذهم من عرب المدينة والأزد وغسان "فكانوا يحجون ويقفون مع الناس.المواقف كلها، ولا يحلقون رؤوسهم، فإذا نفروا أتوا منآة وحلقوا رؤوسهم عنده وأقاموا عنده لا يرون لحجهم تماماً إلا بذلك. ولكن القبائل العربية الأخرى كانت تعظمه كذلك، وفي جملتها قريش وهذيل وخزاعة. وأزد شنؤة، وغيرهم من الأزد. وقيل ثقيف أيضاَ، وذكرت رواية أخرى ان العرب جميعاً كانت تعظمه وتذبح حوله. أما سدنته، فالغطاريف من الأزدْ.

وكانت خزاعة والأوس والخزرج يعظمون مناة، ويهلون منها للحج إلى الكعبة.

فمناة اذن من الأصنام المعظمة المقدسة عند "الخزرج". وكانوا يحلفون بها ويقفون عندها. وفي ذلك ورد شعر ينسب إلى عبد العزى بن وديعة المُزني أو غيره من العرب: إني حلفت يمين صدق برة  بمناة عند محل آل ألخزرج

فالمحل الذي يقف فيه "آل الخزرج"، هو المحل الذي يحلف به أمام مناة. وكان العرب في الجاهلية يسمون الأوس والخزرج جميعاً: الخزرج، ولذلك يقول الشاعر في بيته: "عند محل آل الخزرج".

وترجع بعض الروايات تاريخ مناة إلى "عمرو بن لحي" فتزعم أنه هو الذي نصبه على ساحل البحر مما يلي قديداً. وقد أخذت من الرواية التي ترجع أساس عبادة الأصنام وانتشارها بين العرب إلى ذلك الرجل.

وكان المتعبدون لهذا الصنم يقصدونه، فيذبحون حوله، ويهدون له. ويظهر من روايات ابن الكلبي عن هذا الصنم، أنه.كان من الأصنام المعظمة المحترمة عند جميع العرب. وقد قصد ابن الكلبي بعبارة: "وكانت العرب جميعا ًتعظمه وتذبح حوله" عرب الحجاز على ما اعتقد. وكان سدنته يجنون من سدانتهم له أرباحاً حسنة من هذه الهدايا التي تقدم إلى معبده باسمه.

وقد بقي سدنة هذا الصنم يرتزقَون باسمه، إلى أن كان عام الفتح، فانقطع رزقهم بهدمه وبانقطاع سدانته. فلما سار الرسول في سنة ثمان للهجرة، وهي عام للفتح اربع أو خمس ليال من المدينة، بعث عليا اليه، فهدمه وأخذ ما كان له، فأقبل به إلى النبي، "فكان فيما أخذ سيفان كان الحارث بن أبي شمر الغساني ملك غسان أهداهما له، أحدهما: يسمى مخذماً، والآخر رسوباً. وهما سيفا الحارث اللذان ذكرهما علقمة في بيته: مظاهر سربالي حديد عليهما  عقيلاً سيوف: منخم ورسوب

فوهبهما النبي لعليّ، فيقال: إن ذا الفقار، سيف علي أحدهما. ويقال: إن علياً وجد هذين السيفين في الفلس" وهو صنم طيء، حيث بعثه النبي فهدمه.

وفي رواية للواقدي أن الذي هدم الصنم هو سعد بن زيد الأشهلي، هدمه سنة ثمان للهجرة. وفي رواية أخرى ان الذي هدم الصنم هو أبو سفيان.

وقد كانت القبائل تتجنب ان تجعل ظهورها على "مناة" إعظاماً للصنم، ولذلك كانت تنحرف في سيرها، حيث لا يكون الصنم إلى ظهرهاْ. وفي ذلك قال الكميت بن زيد الشاعر، أحد بني أسد بن خزيمة بن مدركة وقد آلت قبائل لا تولي  مناة ظهورها متحرِّفينا

ويظهر من ورود اسم هذا الصنم في القران الكريم ومن انتشار التسمية به في مثل عبد مناة وعبدة مناةوزيد مناة وعوذ مناة وسعد مناة و اوس مناة بين القبائل المختلفة مثل طيء وكنانة. ان عبادة مناة كانت منتشرة انتشارا واسعا بين القبائل ولهذه الكلمات المتقدمة على كلمة مناة شأن كبير في وصف الصورة التي كانت مخيلة عبدة مناة عنه اذ تمثله الهاً كريما يسعد عباده ويساعدهم في المكاره والملمات ويعطيهم ما يحتاجون اليه.

والصنم مناة هو منوتن ومنوت Manavat عند النبط ويظن ان لاسمه صلة بمناة Menata في لهجة بني ارم ومنا 'Mana في العبرانية وجميعها مانوت منوت Manot وباسم الالهة منى Meni بكلمة منية وجمعها منايا في عربية القرآن الكريم وهي لذلك تمثل الحظوظ والاماني وخاصة الموت ولهذا ذهب بعض الباحثين الى ان هذه الالهة هي الهة المنية والمنايا عند الجاهليين.

وقد ذكر منى Meni مع جد Gad في العهد القديم والظاهر ان كلمة جد كانت مصدرا ثم صارت اسم علم لصنم وذكر منى مع جد له شأن كبير من حيث معرفة الصنمين فالاول هو معرفة المستقبل وما يكتبه القدر للانسان من مناية ومخبآت لا تكون في مصلحة الإنسان والثاني وهو جد لمعرفة المستقبل الطيب والحظ السعيد t yche fortune في اليونانية فهما يمثلان اذا جهنين متضادتين.

هبل

يقول ابن الكلبي:" وكانت لقريش اصنام في جوف الكعبة وكان اعظمها هبل وكان فيما بلغني من عقيق اخمر على صورة انسان مكسور اليد اليمنى. أدركته قريش فجعلت له يداً من ذهب. وكان أول من نصبه خزيمة ابن مدركة بن الياس بن مضر. وكان يقال له هبل خزيمة.

وكان في جوف الكعبة قدامه سبعة أقّداح، مكتوب في أولها: صريح والاخر ملصق. فإذا شكوا في مولود أهدوا اليه هدية، ثم ضربوا بالقداح، فإن خرج صريح ألحقوه، وإن خرج ملصق دفعوه. وقدح على الميت،وقدح على النكاح، وثلاثة لم تفسر لي على ما كانت. فإذا اختصموا في أمر، أو أرادوا سفراً أو عملاً، أتوه فاستقوا بالأزلام عندّه. فما خرج، عملوا به وانتهوا اليه. وعنده ضرب عبد المطلب بالقداح على ابنه عبد الله.

وتذكر رواية أخرى أن خزيمة بن مدركة كان أول من نزل مكة من مضر فوضع هبل في موضعه، فكان يقال له صنم خزيمة، وهبل خزيمة. وورث أولاده سدانته من بعده. وقد ذهب "ابن الكلبي" هذا المذهب أيضاً، إذ قال: "وكان أول من نصبه خزبمة بن مدركة ".

ولا خلاف بين أهل الأخبار في أن "هبل"، كان على هيأة انسان رجل. وهناك روايات تنسب هبل إلى عمرو بن لحي، تقول إنه جاء به إلى مكة من العراق من موضع هيت، فنصبه على البئر وهي الأخسف والجب الذي حفره إبراهيم في بطن الكعبة، ليكون خزانة للبيت، يلقى فيه ما يهدى إلى ااكعبة.، و أنه هو الذي أمر الناس بعبادته، فكان الرجل إذا قدم من سفر بدأ به على أهله بعد طوافه بالبيت، وحلق رأسه عنده، وكان على هذه الروايات من خرز العقيق على صورة إنسان، وكانت يده اليمنى مكسورة، فأدركته قريش فجعلت له يداً من ذهب. وكانت له خزانة للقربان وكان قربانه" مائة بعير. وله حاجب يقوم بخدمته.

وجاء في رواية ان عمرو بن لحي خرج من مكة إلى الشام. في بعض أموره، فلما قدم مآب من أرض البلقاء، وبها يومئذ العماليق، وهم ولد عملاق، ويقال عمليق، وجدهم يتعبدون للاصنام، فقال لهم: ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون ? قالوا له: هذه الأصنام نعبدها، فنستمطرها فتمطرنا، ونستنصرها فتنصرنا. فقال لهم: أفلا تعطونني منها صنماً، فأسير به إلى أرض العرب، فيعبدوه ? فأعطوه صنماَ يقال له هبل، وأخذه، فتقدم به إلى مكة فنصبه، وأمر الناس بعبادته.

ولسنا نجد في كتب أهل اللغة أو الأخبار تفسيراً مقبولاً لمعنى "هبل". وقد ذهب بعضهم إلى انه من "الهبلة"، و معناها القبلة. وذكر بعض آخر انه من "الهبيلي"، بمعنى الراهب، وذكر ان "بني هبل" كانت تتعبد له. و ذكر انه من "هُبل" بوزن "زُ فَر"، ومعناها كثرة اللحم والشحم، أو من "هبل" بمعنى غنم، وما شاكل ذلك من آراء. ويكمن.سبب اضطراب العلماء في تسميته في انه من الأصنام المستوردة من الخارج التي حافظت على تسميتها الأصلية، فوقع لديهم من ثم هذا الاضطراب.

وكانت تلبية من نسك هبل: "لبيك اللهم لبيك. اننا لقاح، حرمتنا على أسنة الرماح، يحسدنا الناس على النجاح.

ويذكر أهل الأخبار ان "هبل" كان أعظم أصنام قريش، وكانت تلوذ به وتتوسل اليه، ليمن " عليها بالخير والبركة، وليدفع عنها الأذى وكل شر. وكانت لقريش أصنام أخّرى في جوف الكعبة وحولها، ولكن هبل هو المقدم والمعظم عندها على الجميع. وقد نصب على الجب الذي يقال له "الأخسف"، وهو بئر، وكانت العرب تسميها "الأخشف.

وذهب بعض المستشرقين إلى ان "هبل"، هو رمز إلى الإلهَ القمر، وهو إلهَ الكعبة، وهو الله عند الجاهليين. وكان من شدة تعظيم قريش له انهم وضعوه في جوف الكعبة. وانه كان الصنم الأكبر في البيت.

ويرى بعض الباحثين ان صورة الحية أو تمثالها يشيران إلى هبل، أو إلى هبل وود. وقد عثر على صورة لحيّة في "رم"، يظهر انها رمز إلى "هبل" أو ود.

وذكر "ياقوت الحموي" أن هبل "صنم" لبتن كنانة: بكر ومالك وملكان، و كَانت كنانة تعبد ما تعبد قريش، وهو اللات والعزى. وكانت العرب تعظم هذا المجمع عليه، فتجتمع عليه كل عام مرة. وقال غيره: " وكان هبل لبني بكر ومالك وملكان وسائر بني كنانة. وكانت قريش تعبد صاحب بني كنانة، وبنو كنانة يعبدون صاحب قريش. وقد ورد اسم هبل في الكتابات النبطية النبي عثر عليها في الحجر، ورد مع اسم الصنمين: دوشرا "ذي الشرى"، و "منوتو" "مناة". وقد تسمى به أشخاص وبطون من قبيلة كلب، مما يدل على أن هذه القبيلة كانت تتعبد له، وأنه كان من معبودات العرب الشماليين. وباسم هذا الصنم سمي "هبل بن عبد اللّه بن كنانة الكلبي جدَ زهير بن جناب.

ولما أراد النبي الانصراف عن أحد، علا صوت أبي سفيان: أعل هُبل، أعل هبلْ. فقال النبي لعمر: أجبه، قال: ما أقول له ? قال: الله أعلى وأجل. فقال: لنا العزى ولا عزى لكم. فقال النبي لعمر قل: الله مولانا ولا مولى لكم.

أصنام قوم نوح

وزعم ابن الكلبي أن خمسة أصنام من أصنام العرب، من زمن نوح، وهي: ودّ، و سواع، و يغوث، ويعوق، ونسر. وقد ذكرت في القرآن الكريم: "قال نوح: رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خساراً، ومكروا مكراً كباراً، وقالوا: لا تذرون آلهتكم، ولا تذرن وداً ولا سواعاً ولا يغوث ولا يعوق ونسراً، وقد أضلوا كثيراً". ويظهر ان ورود اسمها على هذا النحو في القرآن، هو الذي حمله على رجع هذه الأصنام إلى أيام نوح. وزعم "ابن الكلبي" ان الأصنام المذكورة كانت في الأصل قوماً صالحين، ماتوا، في شهر، وذلك في أيام "قابيل"، فجزع عليهم بنو قابيل، و ذوو أقاربهم، وقام رجل من قومهم، فنحت لهم خمسة أصنام على صورهم ونصبها لهم، فصار الناس يعظمونها ويسعون حولها، ثم جاء من بعدهم من عبدها، وعظم أمرها، ولم يزل أمرها يشتد، حتى أدرك "نوح" فدعاهم إلى الله، والى نبذ هذه الأصنام، فكذبوه، فكان الطوفان، فأهبط ماء الطوفان هذه الأصنام من جبل "نوذ" إلى الأرض، وجعل الماء يشتد جريه وعبابه من أرض إلى أرض حتى قذفها إلى أرض جدة، ثم نضب الماءْ وبقيت على الشط، فسفت الريح عليها حتى وارتها. وبقيت مطمورة هناك أمداً، حتى جاء "رئي" "عمرو ابن لحي " وكان يكنى أبا ثمامة، فقال له: عجل بالمسير والظعن من تهامة بالسعد والسلامة. قال عمر: جير ولا إقامة فقال الرئي ايت ضف جدة تجد فيها أصناماً معدة، فأوردها ولا تهاب، ثم ادع العرب إلى عبادتها تجاب. فأتى شط جدة فاستثارها، ثم حملها حتى ورد تهامة. وحضر الحج، فدعا العرب إلى عبادتها قاطبة. فأجابه سادات القبائل، ووزع تلك الأصنام عليهم، وأشاعوا عبادتها بين الناس، ومن ثم عبد العرب هذه الأصنام.

وذكر أيضاً ان الأصنام المذكورة هي أصنام نحتها الشيطان على صورة. خمسة بنين من أبناء "آدم"، ماتوا فجزع الناس عليهم، لأنهم كانوا عباداً صالحين.

فسول لهم الشيطان ان يصنع لهم تماثيل على هيأتهم وصورهم، لتذكرهم بهم فسرّوا برأيه، وصنعها لهم، فما لبث الناس ان عبدوها، حتى تركوا عبادة ال له، وكان "ود" أكبرهم وأبرهم، فصار أول معبود عبد من دون الله.

ود

وكان الصنم ود من نصيب "عوف بنُ عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحلف بن قضاعة"، أعطاه اياه "عمرو بن لحي" فحمله إلى وادي القرى، فأقره بدومة الجندل. وسمىّ ابنه عبد ود، فهو أول من سمي به، وهو أول من سمىّ عبد ود، ثم سمّت العرب به بعد. وقد تعبّد له بنو كلب.

ومنهم من يهمز فيقول أدٌّ. ومنه سمي "عبد ودّ" و "أد بن طابخة"، و "أدد" جد معد بن عدنان.

وجعل عوف ابنه عامراً الذي يقال له عامر الأجدار سادناً له، فلم يزل بنوه يسندونه حتى جاء الله بالإسلام.

وقد استنتج "ياقوت الحموي" من هذه الرواية التي يرويها "ابن الكلبي" أن الصنم اللات أقدم عهداً من ودّ لأن وداً على هذه الرواية قد سلم إلى عوف وعوف هو حفيد زيد اللات الذي سمي ب "زيد اللات"،نسبة الى الصنم اللات، فوّد على هذا أحدث عهداً من اللاتْ.

وفي رواية لمحمد بن حبيب أن وداً كان لبني وبرة، وكانت سدنته من بني الفرافصة بن الأحوص من كلب. ويشك "ولهوزن" Wellhausen في صحة هذه الرواية، فقد كان الفرافصة بن الأحوص على رأيه نصرانياً، وهو والد نائلة زوج الخليفة عثمان. ثم ان "الفرافصة" لم يكن من بني عمرو بن ود، ولا من بني عوف بن عذرة، فهل يعقل ان تكون السدانة اليه وفي نسله.

وود على وصف "ابن الكلبي" له في كتابه الأصنام "تمثال رجل كأعظم ما يكون من الرجال قد ذبر عليه حلتان، متزر بحلة، مرتد بأخرى، عليه سيف قد تقلده، وقد تنكب قوساً، وبين يديه حربة فيها.لواء، و وفضة فيها نبل". وقد أخذ ابن الكلبي وصفه هذا لود من أبيه عن مالك بن حارثة الأجداري.

ومالك بن حارثة الأجداري، هو من بني عامر الأجدار، وهم سدنة ود. وزعم ابن الكلبي ان أباه محمد بن السائب الكلبي حدثه عن مالك بن حارثه أنه قال له: إنه رأى وداً، وأن اباه كان يبعثه،وهو صغير، باللبن اليه، فيقول: اسقه إلهك فيشربه مالك، فيعود وقد شرب اللبن. أما أبوه فيظن انه قد أعطى وداً إياه.

وذكر "جارية بن أصرم الأجداري"،من بني عامر بن عوف، المعروف بعامر الأجدار،انه رأى وداً بدومة الجندل في صورة رجل. وورد أن من عبدة "ودّ" بعض تميم،و طيء،والخزرج، وهذيل، ولخمْ.

ويظهر انه "أدد" عند ثمود. وأدد من الأسماء المعروفة.وقبيلة "مرة" نسبة إلى "مرة بن أدد". وقد عرف ب "كهلن"،أي "الكاهل" "هكهل" "ها - كهل". ويظن أن الإلهَ "قوس" "قيسو" "قوسو"،هو" ود"، أي اسم نعت له. وذهب بعض الباحثين الى أن "نسراً" و "ذا غابة" "ذ غبت" يرمزان اليه.

وقد بقي ود قائماً في موضعه إلى ان بعث رسول الله خالدَ بن الوليد من غزوة تبوك لهدمه. فلما أراد خالد هدمه، اعترضه بنو عبد ود وبنو عامر الأجدار،وأرادوا الحيلولة بينه وبين هدمه، فقاتلهم وأوجعهم، وقتل منهم، فهدمه وكسره. وذكر ابن الكلبي انه كان فيمن قتل رجل من بني عبد ود يقال له قطن بن شريح،ورجل آخر هو حسان بن مصاد ابن عم الأكيدر صاحب دومة الجندل.

ويرى بعض المستشرقين استناداً إلى معنى كلمة "ود" بأن هذا الصنم يرمز إلى الود، اي الحب، وانه صنو للالهين "جيل" Gel و "بحد" Pahad عند الساميين. ويستندون في رأيهم هذا إلى بيت للنابغة مطلعه: "حياّك ود"، غير ان من العسير علينا تكوين رأي صحيح عن هذا الصنم.ولا أستبعد أن تكون كلمة "ود" صفة من صفات الله لا اسم علم له.

وهناك من يرى وجود صلة بين "ود" و "ايروس" Eros الصنم اليوناني، ويرى انه صنم يوناني في الأصل استورد من هناك، وعبدته العرب. وهو رأي يعارضه "نولدكه"، لانتفاء التشابه في الهيأة بين الصنمين. و "ود" هو الإلَه الأكبر لأهل معين. وسوف أتحدث عنه فيما بعد.

سواع

أما سواع فكان موضعه برهاط، من أرض ينبع. وذكر انه كان ضخماً على صورة امرأة، وهو صنم هذيل. وينسب ابن الكلبي انتشار عبادته - كعادته - الى عمرو بن لحي، فذكر ان مضر بن نزار أجابت عمرو بن لحي، فدفع إلى رجل من هذيل "يقال له الحارث. بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن الياس بن مضر" سواعاً،فكان بأرض يقال لها رهاط من بطن نخلة، يعبده من يليه من مضر. وذكر "ابن حبيب" انه كان ب "نعمان"، وأن عبدته: بنو كنانة، وهذيل،ومزينة، وعمرو ين قيس بن عيلان. وكان سدنته بنو صاهلة من هذيل. وفي رواية اًن عبدة سواع هم آل ذي الكلاع. وذكر "اليعقوبي" أنه كان لكنانة.

وفي رواية أخرى يرجع سندها إلى "ابن الكلبي" كذلك، تزعم أن سواعاً صنم كان برهاط من أرض ينبع، وينبع عرض من أعراض المدينة. وكانت سدنته بنو لحيان. ثم تقول إنه لم يسمع بورود اسم هذا الصنم في شعر هذيل، إنما بورود اسمه في شعر رجل من اليمن وورد في رواية أخرى ان "سواعاً" صنم من أصنام همدان.

ويرى "نولدكه" أن سواعاً لم يكن من الأصنام الكبرى عند ظهور الإسلام، وهو في نظره من الأصنام التي لم ترد أسماؤها في الأعلام المركبة، ويدل عدم ورود اسمه في هذا ا الإعلام على خمول عبادته بين الجاهليين.

وفي السنة الثامنة من الهجرة هدم سواع،وكان الذي هدمه عمرو بن العاص، فلما انتهى الى الصنم، قال له السادن: ما تريد: قال: هدم سواع،قال: لا تطيق تهدمه، قال له عمرو بن العاص: أنت على الباطل بعد. فهدمه عمرو، ولم يجد في خزانته شيئاً، ثم قال للسادن: كيف رأيت، قال: أسلمت والله. و "سواع" من الأصنام التي ورد اسمها في القران الكريم )وقالوا: لا تذرن آلهتكم ولا تذرن وداً ولا سواعاً ولا يغوث ويعوق ونسراً (. وقد ذكر بعض العلماء، انه صنم عبد في زمن نوح، فدفنه الطوفان، فأشار "ابليس" على الجاهليين بالتعبد له، فعبدته همدان،ثم صار لهذيل، وكان برهاط وحجّ اليه. وقال "ابن الكلبي" انه لم يسمع بذكره في أشعإر هذيل. وقد قال رجل من العرب.: تراهم حول قيلهم عكـوفـا  كما عكفت هذيل على سواع

يظل جنابه برهاط صرعـى  عتائر من ذخائر كـل راع

وذكر بعض أهل الأخبار ان سواعاً وبقية الأصنام التي ذكرت معه في سورة نوح، كانوا قوماً صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم لو صوّرناهم كان أشوق لنا الى العبادة إذا ذكرناهم، فصوّروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دبّ اليهم ابليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم. ورهاط من بلاد بني هذيل، ويقال وادي رهاط ببلاد هذيل، ذكر انه على ثلاثة أميال أو ثلاث ليال من مكة.

ونسب بعض أهل الأخبار هدم الصنم "سواع" إلى "غاوي بن ظالم السلمي" "غاوي بن عبد العزى". ذكروا أن هذا ا!صنم كان "لبني سليم بن منصور"، فبينما هو عند الصنم، اذ أقبل ثعلبان يشتدان حئ تسنّماه، فبالا عليه فقال: أربّ يبول الثعلبان بـرأسـه  لقد ذل من بالت عليه الثعالب

ثم قال: يا معشر سليم ? لا والله هذا الصنم لا يضر ولا ينفع ولا يعطي ولا يمنع ! فكسره ولحق بالنبيّ عام الفتح. فقال النبي صلى الله عليه وسلم، ما اسمك ? فقال: غاوي بن عبد العزى. فقال: بل أنت راشد بن عبد ربه. وعقد له على قومه. وقيل إن هذه الحادثة إنما وقعت لعباس بن مرادس السلمي،.وقيل لأبي ذر الغفاري.

يغوث

وأما يغوث، فكان أيضاً على رواية ابن الكلبي، في جملة الأصنام التي فرقها عمرو بن لحي على من استجاب إلى دعوته من القبائل، دفعه إلى أنعم بن عمرو المرادي، فوضعه باًكمة مذَحج باليمن، فعبدته مذحج ومن والاها وأهل جرش. وقد بقي في أنعم إلى ان قاتلتهم عليه بنو غطيف من مراد، فهربوا به إلى نجران، فاًقروه عند بني النار من الضباب، من بني الحارث بن كعب. واجتمعوا عليه جميعاً. وفي رواية أن عبدة يغوث هم بنو غطيف من مراد.

وفي رواية أن يغوث بقي في أنعم وأعلى من مراد. إلى ان اجتمع أشراف مراد وتشاوروا بينهم في أمر الصنم، فقر رأيهم أن يكون فيهم، لما فيهم من العدد والشرف. فبلغ ذلك. من أمرهم إلى أعلى وأنعم، فحملوا يغوث وهربوا به حتى وضعوه في بني الحارث بن كعب، في وقت كان النزاع فيه قائماً بين مراد وبني الحارث بن كعب. فلما أبت بنو الحارث تسليم الصنم إلى مراد،وتسوية أمر الديات، أرسلت عليها مراد جيشاً فاستنجدت بنو الحارث بهمدان، فنشبت بينهما معركة عرفت بيوم الرزم،. انهزمت فيها مراد ومنيت بخسارة كبيرة قبيحة، وبقي الصنم في بني الحارث. وقد وافق يوم الرزم يوم بدر.

وذكر "الطبرسي" أن بطنين من طيء أخذا يغوث، فذهبا به إلى مراد،فعبدوه زماناً ثم اْن بني ناجية أرادوا أن ينزعوه منهم " ففروا به إلى بني الحارث بن كعب.

ويظهر من غربلة هذه الروايات أن الصنم يغوث كان في جرش أو على مرتفع قريب من هذه المدينة. أما سدنته، فكانوا من بني أنعم بن أعلى من طيء، وكانوا في جرش. وفي حوالي سنة 623، أي السنة التي وقعت فيها معركة بدر، حدث نزاع على الصنم: أراد بنو مراد ان يكون الصنم فيهم وسدنته لهم، وأراد بنو أنعم الأحتفاظ بحقهم فيه. فهرب بنو أنعم بصنمهم إلى بني الحارث،واحتفظوا به بعد أن وقعت الهزيمة في مراد.

وفي الحرب التي وقعت بين بني أنعم" و "غظيف" حمل عبدة "يغوث" صنمهم معهم وحاربوا، مستمدين منه العون والمدد. وفي. ذلك يقول الشاعر: وسار بنا يغوث إلى مراد  فناجوناهم قبل الصبـاح

ويظهر ان "بني أنعم"، وسائر عبدة هذا الصنم، كانوا يحملون صنمهم معهم في غالب الأحوال عند قتالهم القبائل الأخرى.

ولا يستبعد ان تكون لاسم هذا الصنم علاقة بفكرة المتعبدين له عنه، بمعنى ان المتعبدين له كانوا يرون انه يغيثهم ويساعدهم. وقد ظن بعض الباحثين انه يمثل الإلَه الأسد. وانه كان "طوطم" قبيلة مذحج، يدافع عنها ويذب عن القبيلة التي تستغيث به، على نحو ما فعله الاسرائيليون من استغاثتهم ب "حية النحاس" المسماة "نحشتان" Nahushtan، التي كانت "طوطماًَ" في الأصل على رأي "سمث".

ونجد بين أسماء الجاهليين عدداً من الرجال سموا ب "عبد يغوث"، منهم من كان فيِ مذحج، ومنهم من كان في قريش، ومنهم من كان في هوازن. وقد كان قائد بني الحارث بن كعب على تميم في معركة "الكلاب" عبد يغوث، كما كان لدريد بن الصمة أخ اسمه "عبد يغوث". ومن مذحج: "عبد يغوث" ابن وقاص بن صلاءة الحارثي الذي قتلته "التيم" يوم الكلاب الثاني. ومن بني زهرة : عبد يغوث بن وهب، وعبيد يغوث، وامهما صفية بنت هشام بن عبد مناف. ويدل ذلك على ان عبادته كانت معروفة بين مذحج واًهل جرش وقربش وهوازن. وقبائل أخرى مثل تغلب.

ولم يرد اسم هذا الصنم في الكتابات. وقد ذهب "روبرتسن سمث" إلى انه "يعوش" Ye,ush المذكور في سفر التكوين، وهو أحد أجداد أدوم. وبمثله الأسد في نظر "روبرتسن سمث".

يعوق

ويعوق أيضا في جملة هذه الأصنام التي فرقها عمرو بن لحي على القبائل. لقد سلمه عمرو الى مالك بن مرثد بن جشم بن حاشد بن جشم بن خيبوان بن نوف ابن همدان فوضعه في كل موضع خيوان، حيث عبدته همدان وخولان ومن والاها من قبائل. وكان في أرحب.

وذكر "ياقوت الحموي" ان ابن الكلبي قال: "واتخذت خيوان يعوق،وكان بقرية لهم يقال لها خيوان من صنعاء على ليلتين مما يلي مكة، ولم أسمع لها ولا لغيرها شعراً. فيه. وأظن ذلك لأنهم قربوا من صنعاء واختلطوا بحمير، فدانوا معهم باليهودية أيام تهود ذي نواس، فتهودوا معه". ونسب "الطبرسي" عبادة يعوق إلى كهلان، وذكر انهم توارثوه كابراً عن كابر،حتى صار إلى همدان. وذكر في رواية أخرى ان يعوق اسم صنم كان لكنانة.

وذكر بعض أهل الأخبار: " يعوق" صنم كان لكنانة، "وقيل كان لقوم نوح عليه السلام، كما في الصحاح. أو كان رجلا من صالحي أهل زمانه. فلما مات جزعوا عليه فاًتاهم الشيطان في صورة إنسان. فقال: أمثله لكم في محرابكم حتى تروه كلما صليتم، ففعلوا ذلك به وبسبعة من بعده من صالحيهم، ثم تمادى بهم الأمر إلى أن اتخذوا تلك الأمثلة أصناماً يعبدونها".

وتشير ملاحظة " ابن الكلبي" من أنه لم يسمع بأن همدان أو غير همدان سمت "عبد يعوق" إلى أن يعوق لم يكن من الأصنام المهمة بين العرب عند ظهور الإسلام، وان عبادته كانت قد تضاءلت. وانحصرت في قبائل معينة. وهناك بيت ينسب إلى مالك بن نبط الهمداني الملقب بذي المعشار، وهو من بني خارف أو من يام بن أصى، هذا نصه: يربش الله في الدنيا ويبري  ولا يبرى يعوق ولا يريش

النسر

وأما نسر فكان من نصيب حمير، أعطاه عمرو بن لحي قيلَ ذي رعين "معديكرب" فوضعه في موضع بلخع من أرض سبأ، فتعبدت له حمير إلى أيام ذي نواس، فتهودت معه، وتركت هذا الصنم. وكان عباد نسر آل ذي الكلاح من حمير على رواية من الروايات. وذكر "محمد بن حبيب"، أن حمير تنسكت لنسر، وعظمته ودانت له، وكان في همدان قصر ملك لليمن. وذكر اليعقوبي أنه كان لحمير وهمدان منصوباً بصنعاء.

ونسر هو "نشر" Nesher في العبرانيةْ. وهو صنم من اصنام اللحيانيين كذلك، ويجب ان يكون من أصنام العرب الشماليين لورود اسمه في الموارد العبرانية والسريانية على انه اسم إله عريي.

وأشير في التلمود إلى صنم ذكر ان العرب كانوا يعبدونه اسمه "نشرا" Neshra و "نشرا" هو "نسر". وقد ورد اسم الصنم "نسر" عند السبئين كذلك، وكان من الآلهة المعبودة عند كثير من الساميين، وقد عبد خاصة في جزيرة العرب.

ولم يشر ابن الكلبي إلى صورة الصنم نسر، ولكننا نستطيع ان نقول استناداً إلى هذه التسمية انه كان على هياًة الطائر المسمى باسمه، وقد وجدت أصنام على صورة نسر منحوتة على الصخور خاصة في أعالي الحجاز. ويؤيد هذا الرأي رواية ذكرها الطبرسي في أشكال الأصنام، أسندها إلى الواقدي، قال فيها: "كان ود على صورة رجل، وسواع على صورة امرأة، ويغوث على صورة أسد، ويعوق على صورة فرس، ونسر على صورة نسر من الطير".

عميأنس

وعميأنس "عم أنس"، هو صنم خولان، وموضعه في أرض خولان. وكان يقدم له في كل عام نصيبه المقرر من الأنعام والحروث. وذكر ابن الكلبي ان الذين تعبدوا له من خولان هم بطن منهم يقال لهم "الادوم" وهم الأسوم. وفيهم نزلت الآية: )وجعلوا الله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً، فقالوا: هذا لله، بزعمهم،وهذا لشركائنا، فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله، وما كان لله فهو يصل إلى،شركائهم، ساء ما محكمون". وكانوا "يقسمون له من أنعامهم وحروثهم قسماً بينه وبين الله بزعمهم. وما دخل في حق الله من حق عميأنس، ردوه عليه، وما دخل في حق الصنم من حق الله الذي سموه له، تركوه له(.

وقد ورد ذكر هذا الصنم في خبر "وفد خولان" الذي قدم على رسول الله في شعبان سنة عشر، إذ ذكر أن رسول الله. قال لهم: "ما فعل عم أنس"، فقالوا: بشرّّ وعرّ، أبدلنا اللّه به، ولو قد رجعنا اليه هدمناه. "وقد بقيت منا بعد بقايا من شيخ كبير وعجوز كبيرة متمسكون به".

وقد كانوا يقدمون له القرابين حتى في أيام الضيق وأوقات المحنة، تقرباً اليه. لقد قالوا للرسول حين سألهم: "ما أعظم ما رأيتم من فتنته" "لقد رأيتنا وأسنتنا حتى أكلنا الرمة، فجمعنا ما قدرنا عليه، وابتعنا مئة ثور، ونحرناها لعم أنس قرباناً في غداة واحدة، وتركناها تردها السباع، ونحن أحوج اليها من السباع، فجاءنا الغيث من ساعتنا. لقد رأينا العشب، يوارى الرجال، ويقول قائلنا: أنعم علينا عم أنس ". وذكروا له أنهم كانوا يقتسمون لصنمهم هذا من أنعامهم وحروثهم، وأنهم كانوا يجعلون من ذلك جزءاً له.

اساف ونائلة

وللأخبارين قصص في اساف ونائلة، وهما في زعم بعضهم إنسانان عملا عملاً قبيحاً في الكعبة، فمسخا حجرين، ووضعا عند الكعبة ليتعظ الناس بهما. فلما طال مكثهما، وعبدت الأصنام، عبدا معها. وكان أحدهما بلصق الكعبة، والآخر في موضع زمزم. فنقلت قريش الذي كان بلصق الكعبة إلى الآخر، فكانوا ينحرون ويذبحون عندهما. وفي رواية أن اسافاً كان حيال الحجر الأسود. وأما نائلة، فكان حيال الركن اليماني. وفي أخرى أنهما "أخرجا إلى الصفا والمروة فنصبا عليهما ليكونا عبرة وموعظة، فلما كان عمرو بن لحي، نقلهما إلى الكعبة ونصبهما على زمزم: فطاف الناس بالكعبة وبهما حتى عبدا من دون الله".وذكر "اليعقوبي"، أن "عمرو بن لحي" وضع "هبل" عند الكعبة، فكان أول صنم وضع بمكة. ثم وضعوا به اساف ونائلة كل واحد منهما على ركن من اركان البيت. فكان الطائف إذا طاف بدأ بأساف فقبله وختم به. ونصبوا على الصفا صنماً يقال له مجاور الريح وعلى المروة صنماً. يقال له مطعم الطير". فاليعقوبي ممن يرون إن اسافاً ونائلة كانا عند الكعبة، لا على الصفا والمروة.

وتذكر رواية أخرى ان أساف صنم وضعه عمرو بن لحي الخزاعي على الصفا، ونائلة على المروة. وكانا لقريش. وكان يذبح عليهما تجاه الكعبة. أو هما رجلان من جرهم، أساف بن عمرو ونائلة بنت سهل فجرا في الكعبة، وقيل أحدثا فيها، فمسخا حجرين، فعبدتهما قريش. وورد ان موضع أساف ونائلة عند الحطيم. وورد ان اسافاً رجل من جرهم، يقال له اساف بن يعلى، ونائلة امرأة من جرهم يقال لها نائلة بنت زيد، وكان اساف يتعشقها في أرض اليمن، فأقبلا حجاجاٌ، فدخلا الكعبة، فوجدا غفلة من الناس وخلوة في البيت، ففجر بها في الكعبة، فمسخا حجرين، فأصبحوا فوجدوهما ممسوخين،فوضعوهما موضعهما. فعبدتهما خزاعة وقريش، ومن حج البيت بعد من العرب.

وذكر "محمد بن حبيب" ان اسافاً كان على الصفا. وأما نائلة، فكان على المروة. "وهما صنمان وكانا من جرهم. ففجر اساف بنائلة في الكعبة، فمسخا حجربن، فوضعا على الصفا والمروة ليعتبر بهما.، ثم عبدا بعد". وكان نسك قريش لأساف: "لبيلك اللهم لبيلك، لبيلك، لاشريك لك إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك ".

وورد اسم اساف في بيت شعر ينسب إلى بشر بن أبي خازم الأسدي، هو: عليه الطير ما يدنون منـه  مقامات العوارك من اساف

وورد ان نائلة حين كسرها الرسول عام الفتح، خرجت منها سوداء شمطاء تخمش وجهها وتنادي بالويل والثبور.

ويظهر أن مردّ هذا القصص الذي يقصه علينا أهل الأخبار عن الصنمين، إنما هو إلى شكل الصنمين. كان "اساف" تمثال رجل على ما يظهر من روايات الأخباريين، وكان "نائلة" تمثال إمرأة. يظهر أنهما استوردا من بلاد الشام، فنصبا في مكة، فتولد من كونهما صنمين لرجل وامرأة، هذا القصص المذكور ولعله من صنع القبائل الكارهة لقريش، التي لم تكن ترى حرمة للصنمين.

وكانت قريش خاصة تعظم ذينك الصنمين وتتقرب اليهما، وتذبح عندهما وتسعى بينهما. أما القبائل الأخرى، فلم تكن تقدسهما، لهذا لم تكن تتقرب اليهما، ومن هنا لم يكن الطواف بهما من مناسك حج تلك القبائل.

وكانت قريش تحلف عند هذين الصنمين. ولهما يقول "أبو طالب"، وهو يحلف بهما حين تحالفت قريش على بني هاشم: أحضرت عند البيت رهطي ومعشري  وأمسكت من أثوابـه بـالـوصـائل

وحيث ينخ الأشعـرون ركـابـهـم  بمغضي السيول من أسـاف ونـائل

فكانا على ذلك الى أن كسرهما الرسول يوم الفتح فيما كسر من الأصنام. ويظهر من الشعر المتقدم، أن أسافاً ونائلة كانا في موضعين مكشوفين،وعندهما كان. ينيخ الأشعرون. ويؤيد ذلك هذا الشعر المنسوب إلى بشر بن أبي خازم الأسدي: عليه الطير ما يدنون منـه  مقامات العوارك من أساف

حيث يظهر أن الطير كانت تقف مكتظة،عليه، لا تخاف من أحد، ولا تفزع من قادم، لأنها في حرمة صنم.

رضى

ورضى، ويكتب رضاء في بعض الأحيان، هو صنم آخر. وذكر ابن الكلبي انه كان لبني ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، فهدمه المستوغر،وهو عمرو بن ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم. هدمه فيَ الإسلام. وتعبدت لهذا الصنم قبيلة تميم. وقد ورد اسم "عبد رى" بين أسماء الجاهليين. ويظهر ان قبيلة طيء كانت قد تعبدت له كذلك.

و "رضى" من الأصنام المعروفة عند قوم ثمود. وقد ورد اسمه في كتابات ثمودية عديدة. وكانت عبادته منتشرة بين العرب الشماليين. وورد في نصوص تدمر وبين أسماء بني ارم، كما ورد في كتابات الصفويين. وورد على هذا الشكل: "رضو" و "رضى"، و "هر ضو" "ها - رضو". ويظن انه يرمز إلى كوكب.

ويظهر من بيت شعر ينسب الى المستوغر في كسره رضى في الإسلام، هو: ولقد شددت على رضاء شدة  فتركتها تلا تنازع أسحمـا

ان الصنم "رضى" "رضاء"، هو انثى، بدليل استعمال ضمير التأنيث في لفظة " فتركتها". فهو إلهة. ويرى بعض الباحثين، انه إلهةّ أيضاً عند العرب الصفويين.

مناف

و "مناف": صنم من أصنام الجاهلية، قال عنه ابن الكلبي: "وكان لهم مناف، فيه كانت تسمى قريش "عبد مناف". ولا ادري اين كان، ولا من نصبه ?". وسمي به أيضاً رجال من هذيل. و "به سمي عبد مناف. وكانت أمه اخدمته هذا الصنم".

وفيه يقول بلعاء بن قيس: وقرن وقد تركت الطير منه  كمعتبر العوارك من مناف

ويتبين من ورود اسم" مناف" بين عرب الشام أنه كان إلهاً معبوداً عندهم كذلك. وقد عثرعلى اسمه في كتابة دوَّنها شخص اسمه: "أبو معن" على حجر توجه بها إلى الإلهة مناف، ليمن عليه بالسعد والبركة، وحفرت على الحجر صورة الإلَه "مناف" على هيأة "رجل لا لحية له" يتحدر على عارضيه شعر رأسه الصناعي المرموز به إلى الإلهة الشمس، وحول جفنيه وحدقتيه خطّان ناعمان: ويزين جيده قلادة، كما ترى غالباً في تصاوير الآلهة السوريين، وعلى صدره طيات ردائه، ويرى طرف طيلسانه الإلهي الذي ينعطف من كتفه الأيسر فيتصل إلى الأيمن ويعقد به. وقد ذهب المتخصصون الذين فحصوا هذه الكتابة إلى أنها من حوران.

وقد عثر على كتابة وجدت في حوران، ورد فيها اسم"مناف " مع إلَه اخر، ورد اسم مناف فيها على هذا الشكل."MN,PHA " وقد عثرعلى كتابة أخرى وجد فيها الاسم على هذه الصورة: "منافيوس" Manaphius مما يدل على أن المراد بالإسمين شيء واحد، هو الإلَه مناف.

ذو الخلصة

أما ذو الخلصة، فكان صنم خثعم وبجيلة ودوس وأزد السراة ومن قاربهم من بطون العرب من هوازن، ومن كان ببلادهم من العرب بتبالة، والحارث بن كعب وجرم وزبيد والغوث بن مر بن أد وبنو هلال بن عامر،.وكانوا سدنته. وذكر ابن الكلبي ان سدنته بنو أمامة من باهلة بن أعصر.

وصفته انه "كان مروة بيضاء منقوشة، عليها كهيأة التاج". وكان بتبالة بين مكة واليمن على مسيرة سبع ليال من مكة. وله بيت يحج إليه. وجعل "ابن حبيب" موضع البيت في العبلاء على أربع مراحل من مكة.

وفي رواية لابن اسحاق ان عمرو بن لحي نصب ذا الخلصة بأسفل مكة، فكانوا يلبسونه القلائد، ويهدون إليه الشعير والخطة، ويصبون عليه اللبن، ويذبحون له، ويعلقون عليه بيض النعام.

وهناك روايات جعلت ذا الخلصة "الكعبة اليمانية" لخثعم، ومنهم من سماه كعبة اليمامة. وأظن ان هاتين الروايتين هما رواية واحدة في الأصل، صارت روايتين من تحريف النساخ. ومنهم من جعل ذا الخلصة بيتاً في ديار دوس. ويستنتج من كل هذه الروايات ان ذا الخلصة بيت كان يدعى كعبة أيضاً، وكان فيه صنم يدعى الخلصة، لدوس وخثعم وبجيلة وغيرهم.

ويظهر من حديث: "لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة، والمعنى انهم يرشدون ويعولون إلى جاهليتهم في عبادة الأوثان، فتسعى نساء بني دوس طائفات حول ذي الخلصة، فترتج أعجازهن". ويستنتج من ذلك ان بي دوس وغيرهم كانوا يطوفون حول كعبة ذي الخلصة التي في جوفها صنم الخلصة.

وكان "بيت ذي الخلصة" من البيوت التي يقصدها الناس للاستقسام عندها بالأزلام. وكانت له ثلاثة أقدح: الآمر، والناهي، والمتربص.

وفي ذي الخلصة قال الرجّاز:

لو كنت يا ذا الخلصة الموتورا مثلي، وكان شيخك المقبورا لم تنه عن قتل العداة زورا وكان سبب قوله أنه قُتل أبوه، فأراد الطلب بثأره، فأتى ذا الخلصة، فاستقم عنه بالأزلام، فخرج السهم ينهاه عن ذلك، فقال تلك الأبيات. ومن الناس من ينحلها امرأ القيس. وذكر "ابن الكلبي" ايضاً أنه لما أقبل امرؤ القيس بن حجر، يريد الغارة على بني أسد، مرَ، بذي الخلصة، فاستقسم عنده ثلاث مرات. فخرج الناهي. فكسر القداح وضرب بها وجه الصنم، ثم غزا بني أسد، فظفر بهم.

وقد هدم البيت في الإسلام، "فلما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، وأسلمت العرب ووفدت عليه وفودها، قدم عليه جرير بن عبد الله مسلماً. فقال له: يا جرير: ألأ تكفيني ذا الخلصة ? فقال: بلى.. فوجهه اليه. فخرج حتى أُتي بني أحمس من بجيلة، فسار بهم اليه. فقاتلته خثعم وياهلة دونه. فقتل من سدنته من باهلة يومئذ مئة رجل، وأكثر في خثعم، وقتل ستين من بني قحافة بن عامر بن خثعم. فظفر بهم وهزمهم، وهدم بنيان ذي الخلصة، وأضرم فيه النار فاحترق. وورد في رواية أن هدمه كان قبل وفاة الرسول بشهرين أو نحوهما.

ويذكر "ابن الكلبي" أن موضع بيت ذي الخلصة عند عتبة باب مسجد تبالة أما "أبن حبيب"، فذكر أنه صار بيت قصار في العبلاء. وذكر أن موضعه مسجد جامع لبلدة.يقال لها العبلات من أرض خثعم.

ويظهر من رثاء امرأة من خثعم لذي الخلصة حين هدمه جرير بن عبد الله،وأحرق بيته، وهو قولها: وبنو أمامة بالوليّة صرعوا  ثملا يعالج كلهم انبـوبـا

ان "الخلصة" كان صنماً أنثى، أي إلهة، ولذلك قيل له "الولية"،كما ترى ذلك في البيت المذكور. ونجد في مواضع أخرى من روايات أهل الأخبار ما يؤيد هذا الرأي، فقد استعملوا ضميرالتأنيث للتعبير عنها، كما قالوا فيه "المروة البيضاء". وأما تعبيرهم عنه بضمير التذكير، مثل قولهم "وكان"،فإنهم أرادوا بذلك لفظ "صنم" فذكروه.

سعد

وكان لمالك وملكان، ابني كنانة، بساحل جدة وتلك الناحية صنم يقال له سعد. وكان صخرة طويلة. وذكر "اليعقوبي" انه كان لبني بكر بن كنانة. وذهب "ابن اسحاق" إلى انه في موضع قفر، وقيل انه قرب اليمامة. وقد أورد الأخباريون عنه هذه القصة: "أقبل رجل منهم بإبل له ليقفها عليه،يتبرك بذلك فيها. فلما أدناها منه نفرت منه، وكان يهراق عليه الدماء، فذهبت في كل وجه وتفرقت عليه، وأسف فتناول حجراً فرماه به، وقال: لا بارك الله فيك إلهاً. أنفرت عليّ إبلي"ا. ثم خرج في طلبها حتى جمعها، وانصرف عنه،وهو يقول: أتينا إلى سعد ليجمع شـمـلـنـا  فشتتنا سعد،فلانحن من سـعـد

وهل سعد إلا صخرة بـتـنـوفة  من الأرض لايدعي لغيّ ولارشد

وذكر "ابن قتيبة" أن سعداً صنم على ساحل البحر بتهامة، تعبده عك ومن يليها، ويقال كانت تعبده هذيل.

وقد ورد اسم "سعد" في أسماء الأشخاص المركبة المضافة، مثل "عبد سعد"، وهو مما يدل على أن الناس كانوا يتبركون به بتسمية أبنائهم باسمه.

وقد ورد اسم هذا الصنم في كتابات النبط، فدعي ب "سعدو". كما ورد في كتابات الصفويين، مما يدل على أنه كان بين الأصنام التي تعبد لها أولئك القوم. ويظن انه يرمز إلى كوكب.

ذو الكفين

وهناك صنم عرف عند الأخبارين ب" ذي الكفين" وكان لدوس، ثم لبني منهب بن دوس. فلما أسلموا، بعث النبي صلى الله عليه وسلم،الطفيل بن عمرو الدوسي، فحرقه وهو يقول: يا ذا الكفين لست من عبادكـا  ميلادنا أكبر من مـيلادكـا

اني حشوت النار في فؤادكا

ويظهر من هذا الرجز أنه أحرقه بالنار. ومعنى هذا أنه لم يكن صنماً من حجر، وإِنما كان من خشب،أو أنه أراد بيت الصنم. وذكز أن هذا الصنم كان صنم "عمرو بن حممة الدوسي" أحد حكام العرب.

ذو الشرى

وكان لبني الحارث بن يشكر بن مبشر من الأزد، صنم يقال له ذو الشرى. وورد في رواية للاخباربين أن "ذا الشرى" صنم لدوس كان بالسراة. وقد ورد اسم هذا الصنم في الحديث النبوي، وورد بين أسماء الجاهليين اسم "عبد ذي الشرى".

ويرى بعض اللغويين ان الشرى ما كان حول الحرم، وهو إشراء الحرم،فإذا كان هذا التعريف صحيحاً،فإنه يكون في معنى "ذات حمى" عند السبئيين. وكان له حمى، به ماء يهبط من جبل حمته دوس له.

و "ذو الشرى" إله ورد اسمه في كتابات "بطرا" و "بصرى"، كما سأتحدث عن ذلك فيما بعد.

الأقيصر

أما الأقيصر، فكان صنم قضاعة ولخم وجذام وعاملة وغطفان، وكان في مشارف الشام. وقد ذكر اسمه في شعر لزهير بن أبي سلمى، ولربيع بن ضبع الفزاري، وللشنفرى الأزدي. وكانوا يحجون اليه ويحلقون رؤوسهم عنده، ويلقون مع الشعر قرة من دقيق. وهي عادة كانت متبعة عند بعض قبائل اليمن كذلك.

ويذكر "ابن الكلبي" أن هوازن كانت تنتاب حجاج الأقيصر، فإن أدركت الموسم، قبل أن يلقي القرة، أي قبضات من دقيق، قال أحدهم لمن يلقي: "أعطنيه. فإني من هوازن ضارع، وإن فاته، أخذ ذلك الشعر بما فية من القمل والدقيق، فخبزه وأكله. وقد عبرت هوازن في ذلك، فقال معاوية بن عبد العُزى بن ذراع. الجرمي، في "بني جعدة" وكانوا قد اختصموا مع بني جرم في ماء لهم إلى النبي يقال له العقيق، فقضى به رسول الله لجرم،شعراً منه: ألم تر جرمـاً أبـحـدت وأبـوكـم  مع القمل في جفر الأقيصر شارع ?

إذا قرة جاءت بقـول:أصـب بـهـا  سوى القمل? إني من هوازن ضارع

ويظهر من بيت شعر رواه "ابن الأعرابي"، هو: وأنصاب الأقيصر حين أضحت  تسيل على مناكبها الـدمـاء

ومن بيت لزهير بن أبي سلمى، هو: حلفت بأنصاب الأقيصر جاهداً  وما سحقت فيه المقاديم والقمل

انه كان عند الصنم الأقيصر أنصاب ينحر الناس عليها ذبائحهم التي يتقربون بها إلى هذا الإلَه. وكانت أكثر من نصب واحد، وقد تلطخت بالدماء من كثرة ما ذبح عليها.

وأشير إلى "أثواب الأقيصر" في بيت للشنفرى الأزدي. ويظهر ان عباده كانوا يطوفون حوله، وهم يلبون ويغنون.

نهم

وكان لمزينة صنم يقال له: نهم، كسره سادنه خزاعي بن عبد نهم، وهو من مزينة من بني عداء، وأعلن إسلامه. ويظهر من ابيات لأمية بن الأسكر ان أتباع الصنم كانوا يقدمون. الذبائح له، ويقسمون به. وقد سمى منهم جملة رجال عرفوا ب "عبد نهم" من بني هوازن وبجيلة وخزاعة. وهذا مما يدل على انتشار عبادة هذا الصنم بين هذه القبائل أيضاً.

عائم

وكان لأزد السراة صنم يقال له عائم.ورد اسمه في شعر لزيد الخير،المعروف أيضاً بزيد الخيل

سعير

أما سعير، فهو صنم عنزة. وكان الناس يحجون اليه ويطوفون حوله، ويعترون العتائر له، وقد ورد في شعر لجعفر بن خلاس، الكلبي، وكان راكباً ناقة له، فمرت به، وقد عترت عنزة عنده، فنفرت ناقته منه، فأنشأ يقول؛ نفرت قلوصي من عتائر صرعا  حول السعير تزوره ابنا يقـدم

وجموع يذكر مهطعين جنـابـه  ما ان يحير اليهم بـتـكـلـم

وبين أسماء الرجال أناس عرفوا ب "سعير". والسعير النار واللهب، ولا استبعد وجود صلة بين هذا المعنى وبين هذا الصنم. بان يكون هذا الصنم ممثلاً للشمس.

الفلس

وكان لطيء صنم يقال له الفلس، وكان أنفاً أحمر في وسط جبلهم الذي يقال له أجأ، أسود، كأنه تمثال إنسان. وكانوا يعبدونه، ويهدون اليه، ويعترون عنده عتائرهم، ولا يأتيه خائف إلاّ أمن عنده، ولا يطرد أحد طريدة فيلجأ بها اليه إلاّ تركت له ولم تخفر حويته أي حوزته و حرمه. ذكر "ابن حبيب" انه كان بنجد، وكان قريباً من فيد وسدنته بنو بولان.

وبولان جد بني بولان هو الذي بدأ بعبادته على رواية ابن الكلبي. وكان آخر من سدنه منهم رجل يقال له صيفي " فاًطرد ناقة خلية لامرأة من كلب من بني عُليَم، كانت جارة لمالك بن كلثوم الشمجي، وكان شريفاً، فانطلق بها حتى وقفها بفناء الفلس. وخرجت جارة مالك، فأخبرته بذهابه بناقها، فركب فرساً عُرياً وأخذ رحمه، وخرج في أثره،. فادركه وهو عند الفلس، والناقة موقوفة عند الفلس، فقال له: خل سبيل ناقة جارتي. فقال: انها لربك. قال: خل سبيلها. قال: أتخفر إلهك ه ?فبوأ له الرمح، فحل عقالها،وانصرف بها مالك، وأقبل السادن على الفلس، ونظر إلى مالك، ورفع يده وقال، وهو يشير بيده اليه:

يا ربّ إن مالك بن كلـثـوم  أخفرك اليوم بنابٍ علـكـوم

وكنت قبل اليوم غير مغشوم

يحرضه عليه. وعدي بن حاتم يومئذ قد عثر عنده وجلس هو ونفر معه يتحدثون بما صنع مالك. وفزع لذلك عدي بن حاتم وقال، انظروا ما يصيبه في يومه هذا. فمضت له أيام لم يصبه شيء. فرفض عدي عبادته وعبادة الأصنام وتنصر. فلم يزل متنصراً حتى جاء الله بالإسلام، فأسلم.

فكان مالك أول من أخفره. فكان بعد ذلك السادن إذا أطرد طريدة، أخذت منه. فلم يزل الفلس يعبد حتى ظهرت دعوة النبي عليه السلام، فبعث اليه علي بن ابي طالب، فهدمه، وأخذ سيفين كان الحارث بن أبي شمر الغساني، ملك غسان قلده اياهما، يقال لهما مخذم ورسوب، فقدم بهما علي بن أبي طالب على النبي، فتقلد أحدهما، ثم دفعه إلى علي بن أبي طالب، فهو سيفه الذي كان يتقلده". وجاء في بعض الروايات ذكر ثلاثة سيوف، هي: مخذم، و رسوب، واليماني.

وقد عرف "مالك بن كلثوم بن ربيعة" الشمجي المذكور، ب "مخفر الفلس"، لأنه أخفر ذمته، وكان لا تخفر ذمته.

و "الفلس"، هو "هفلس" "ها - فلس"، عند لحيان. وقد تعبدوا له مع أصنام أخرى، وردت أسماؤها في نصوصهم.

ويلاحظ أن "ابن الكلبي" الذي يروي هذا الخبر، كان نفسه قد روى قبل ذلك أن السيفين مخذماً ورسوباً،كانا على الصنم مناة، صنم الأوس والخزرج، وان الذي أهداهما،له هو الحارث بن أبي شمر الغساني، وأن علي بن أبي طالب لما هدم مناة، أخذ السيفين معه، فجاء بهما إلى الرسول. فيظهر من ذكره للخبر مع صنمين انه وقع في هفوة أو نسي، فجعل من القصة الواحدة قصتين.

أصنام اخرى

وكانت لطيء اصنام أخرى، منها اليعبوب، وهو صنم لجديلة طيء، وكان لهم صنم أخذته منه بنو أسد، فتبدلوا اليعبوب بعده. وقد ورد ذكره في شعر لعبيد: فتبدلوا اليعبوب بعـد إلـهـهـم  صنماً، فقروا، يا جديل، وأعذبوا

أي: لا تأكلوا على ذلك، ولا تشربوا.

وأما باجر، فكان صنماًً للازد ومن جاورهم من طيء وقضاعة.

ولم يذكر ابن الكلبي في كتابه الأصنام اسم الصنم الجلسد. وهو صنم كانت كندة تتعبد له، وكذلك تعبد له أهل حضرموت. وكان سدنته بنو شكامة من السكون، وهم من كندة. وكان للصنم حمى،ترعاه سوامه وغنمه، فإذا دخلته هوافي الغنم، حرمت على أربابها، وصارت ملكاً للصنم.

وقد وصف بأنه كان كجثة الرجل العظيم، من صخرة بيضاء، لها كالرأس أسود، إذا تأمله الناظر رأى فيه كصورة وجه الإنسان. وكانوا يكلمون منه، وتخرج منه همهمة، ويقربون القرابين اليه، ويلطخون بدمه، ويكترون ثياب السدنة يلبسونها حينما يقربون قرباناً اليه ويريدون مكانه.ويلاحظ أن تغيير الملابس، وابدالها للتطهر، له مثيل عند العبرانيين.

المحرق

وكان المحرق "محرق" صنماً لبكر بن وائل وبقية ربيعة في موضع سلمان. وأما سدنته، فكانوا أولاد الأسود العجلي. وقد نسب اليه بعض الرجال فورد "عبد محرق". ويظن بعض المستشرقين انه عرف ب "محرق" لأن عبدته كانوا يقدمون اليه بعض القرابين البشرية محروقة. وكان بنو بكر بن وائل وسائر ربيعة، قد جعلوا في كل حي من ربيعة له ولداً. "وكان في عنزة بلج بن المحرق. فكان في عميرة وغفيلة عمرو بن المحرق. وكان سدنته آل الأسود العجليون".

الشمس

والشمس صنم كان لبني تميم، وله بيت. وكانت تعبده بنو أد كلها: ضبة: وتميم، وعدي، وعكل، وثور. وأما سدنته، فكانوا من بني أوس بن مخاشن ابن معاوية بن شريف بن جروة بن أسيد بن عمرو بن تميم. فكسره هند بن أبي هالة وصفوان بن أسيد بن الحلاحل بن أوس بن مخاشن. وقد قيل لها: الإلاهة. وذكر "اليعقوبي" ان قوماً من "عذرة" تعبدوا لصنم يقال له: شمس.

وقد ذكر بعض أهل الأخبار، ان الشمس صنم قديم. وأول من تسمى به سبأ بن يشجب. وذكر"اليعقوبي"، انه صنم قوم من عذرة.

وقد وردت جملة أسماء منسوبة إلى الشمس،عرف أصحابها بعبد شمس،منهم من قبائل أخرى من غير تميم. ويدل ذلك على ان عبادتها كانت معروفة في مواضع مختلفة من جزيرة العرب. وعرف بعض الأشخاص ب "عمرو شمس" عند العرب الشماليين.

وفي جملة أصنام تميم الأخرى، الصنم تيم، وبه سمي رجال من تميم ومن غيرهم، مثل "عبدتيم" و "تيم الله".

وهناك أسماء أصنام أخرى لم ترد في كتاب الأصنام، إنما وردت في كتب أخرى. وقد ذكرها "ابن الكلبي" نفسه في بعض مؤلفاته. ومن هذه الأصنام: الأسحم، و الأشهل، وأوال، و البجة، و بلج، والجهة، وجريش، و جهار،و الذار، وذو الرجل، والشارق، وصدا، وصمودا، والضمار، و الضيزن،و العبعب، و عوض، و عوف، و كثرى، و الكسعة، والمدان، و مرحب، ومنهب، و الهبا، و ذات الودع و يا ليل، وذريح، و باجر، و الجد، وحلال، والحمائم، وذو اللبا، والسعيدة، وغنم، وفراض، وقز ح، وقيس،والمنطبق، و نهيك.

أما أوال، فإنه ايال، وهو صنم بكر وتغلب.

وأما جهار، فقد كان من أصنام هوازن، وموضعه بعكاظ، وسدنته آلعوف النصريون، ومعهم محارب فيه. وكان في أسفل أفطح. وكانت تلبية من نسك لجهار: " لبيلك، اللهم لبيلك، لبيلك، اجعل ذنوبا جبار، وأهدنا لأوضح المنار. ومتعنا وملنا بجهار ".

وأما الدار، فصنم سمي به عبد الدار بن قصي بن كلاب.

وأما الدوار، فصنم كانت العرب تنصبه، يجعلون موضعاً حوله،يدورون به، واسم ذلك الصنم والموضع الدوار، ومنه قول امرىء القيس: فعنّ لنا سرب كأن نعـاجـه  عذارى دوار في ملاءٍ مذيل

وقد ذكر "ابن الكلبي" ان العرب تسمي الطواف حول الأصنام والأوثان الدوار. وعرف بعض أهل الأخبار الدّ وار بأنه "نسك للجاهلية يدورون فيه لصنم أو غيره".

ويظهر من دراسة ما ورد في كتب أهل الأخبار وفي كتب اللغة عن "الدوار" ان الدوار لم يكن صنماً، وانما هو طواف حول صنم من الأصنام، أي عبادة من العبادات لا تختص بصنم معين. وقد كان من عادة الجاهليين الطواف حول الأصنام. فظن بعض أهل الأخبار ان الدوار صنم معين، أو انه صنم ينصب، فيدور الناس حوله.

وأما ذو الرجل، فهو صنم من أصنام أهل الحجاز،. ويظهر ان هذا الصنم، وكذلك الصنم "ذو الكفين"، هما من الأصنام التي تغلبت صفاتها على أسمائها.، فنعتت بهذه النعوت، كأن تكون لرجل أحد الصنمين، ولكفي الصنم الآخر ميزة خاصة وعلامة فارقة مثل كسر أو دقة صنعة، جعلت الناس يدعون الصنمين بالنعتين البارزين. ويرى "نولدكه" احتمال كون هذين الصنمين حجرين في الأصل من الأحجار المقدسة Fetish التي كان يعبدها الناس في القديم، ثم تحولت إلى صنمين بعد ان رسمت عليها بعض التصاوير صيرتهما على شكل انسانين.

وسمي بالصنم "الشارق" جملة رجال عرفوا بعبد الشارق. ولكلمة الشارق علاقة بالشروق. وقد ذهب "ولهوزن" إلى ان المراد به الشمس لشروقها. و "الشريق"اسم صنم أيضاً. وعندي ان الشارق وشريقاً نعتان للالهة، وليسا اسمين لصنمين، وانهما في معنى "شرقن" الواردة في نصوص المسند، وتعني "آلشارق "، أي اللفظة المذكورة تماماً. وقد وردت نعتاً في نصوص عربية جنوبية كثيرة، مثل جملة: "عثتر شرقن"، أي "عثترالشارق".

فالشارق إذن نعت من نعوت الآلهة، أو اسم من أسماء الله الحسنى، بالتعبير الإسلامي. وقد يقابل لفظة "نور" الذي هو نعت من نعوت الله في الإسلام، كما ورد في القرآن الكريم: ) الله نور السماوات والأرض(.

وأما صدا وصمودا والهبا، فإنها من أصنام قوم عاد على رواية الأخباريين. وأما الضمار، فكان صنماً عبده العباس بن مرداس السلمي، وبنو سليم."ولما حضرت مرداس الوفاة، أوصى به إلى ابنه العباس، وطلب منه العناية به، لأنه يضر وينفع. فلما ظهر الإسلام، أحرق العباس ضماراً، واتى النبي فأسلم.

والعبعب، هو صنم كان لقضاعة ومن داناهم. وقد يقال بالغين المعجمة، فيخلط بينه وبين الغبغب. ورأيي ان الكلمتين أصلهما كلمة واحدة، حرفها النساخ فصارت كلمتين.

وأما "عوض" فهو صنم كان من أصنام بكر بل وائل. وقد ذكر مع الصنم سعير في بيت شعر نسب الى الأعشى، أو الى رشيد بن رميض العزى.

وكان "جد" "الجد" صنماً معروفاً عند عدد من الشعوب السامية، وليس من المستبعد أن يكون لاسم القبيلة الإسرائيلية "جد" "جاد" علاقة باسم هذا الصنم. وقد ورد في النبطية "جدا". وورد في الأسماء العربية "عبد جد" و "عبد الجد".

و "كثرى" من الأصنام المنسوبة إلى طسم وجديس، ظل باقياً معروفاً إلى أيام للرسول، فكسره نهشل بن عرعرة ولحق بالنبي. وقد ورد بين أسماء الجاهليين منُ دُعي ب " عبد كثرى". ويرى "نولدكه" في عدم ورود اداة التعريف "ال" مع "كثرى" في "عبد كثرى"، دلالة على ان هذا الصنم هو من الأصنام القديمة. ويرى ايضاً ان كلمة "كثرى" هي مجرد لقب من ألقاب "العزُى"، نسي فظن أنه اسم صنم مستقل.

وأما المدّان، فصنم يظهر انه كان من أصنام أهل الحجاز. وقد سمي به جملة رجال عرفوا ب "عبد المدان"، وكان له بيت.

وأما "مرحب"، فصنم من أصنام حضرموت، وبه سمي "ذو مرحب" سادن هذا الصنم. وكانت تلبية من نسك له: " لبيك. لبيك، اننا لديك. لبيك، حببنا اليك ".

وللأخباريين جملة آراء في معنى ذات الودع، وهي أنثى. وقد ورد اسمها في الشعر، وكانت العرب تقسم بها. قيل انها وثن بعينه، وقيل هي مكة لأنه كان يعلق الودع في ستورها. وقيل سفينة نوح، كانت العرب تقسم بها، فتقول بذات الودع، قال عدي بن زيد العبادي: كلا يميناً بذات الودع لو حدثت  فيكم وقابل قبر الماجد الزارا

و ياليل، اسم صنم كذلك، أضيف اليه فقيل "عبد ياليل "، كما قيل " عبد يغوث " و " عبد مناة " و " عبد ودّ".

وأما "ذريح" "ذرح"، فكان لكندة بالنجير من اليمن ناحية حضرموت، يظهر أنها كانت تحج اليه، وأن له بيتاً يقصد، بدليل ورود تلبية من نسك اليه، وهي: "لبيك اللهم لبيك، لبيك، كلنا كنود، وكلنا لنعمة جحود. فأكفنا كل حية رصود ". ويظن "ولهوزن" أنه يمثل الشمس. "وذرح" اسم من الأسماء، ويرد في الأعلام العربية الجنوبية المركبة، مثل "ذرح ايل".

وذهب "نو.لدكه" إلى ان "ذرح" هو مثل الشارق و "محرق" صنم يمثل الشمس. والظاهر ان عبادة هذا الصنم لم تكن منتشرة خارج حدود العربية الجنوبية.

وأما باجر، فإنه من أصنام الأزد ومن داناهم من طيء. وقد سمي به رجال عرفوا ب "عيد باجر".

وحلال، هو صنم فزارة، أما الحمام، فإنه صنم بنو هند من بني عذرة. وكان في المشقر صنم لبني عبد القيس يسمى ذا اللبا، سدنته بنو عمرو. وكانت تلبية من نسك له: " لبيك اللهم لبيك. لبيك، رب فاصرفن عنا مضر. وسلمن لنا هذا السفر. أن عما فيهم لمزدجر. واكفنا اللهم أرباب حجر ".

وكان المنطبق صنماً، للسلف وعك والأشعريين، وهو من نحاس، يكلمون من جوفه كلاماً لم يسمع بمثله. فلما كسرت الأصنام، وجدوا فيه سيفاً،فاصطفاه الرسول، وسمّاه "مخدماً ". وذكر "ابن حبيب" ان تلبية من نسك لمنطبق: لبيك اللهم لبيك. لبيك ". ويلاحظ ان الأخباريين ذكروا ان السيف "محدم" "مخذم" كان سيفاً على الصنم مناة أو "الفلس" صنم طيء، كما ذكروا ان السيف "رسوب" كان على الصنم "مناة"، أو الفلس كذلك.

وأما الصنم نهيك، فقد كان من الأصنام الموضوعة في مكة. وذكر "الأزرقي" ان عمرو بن لحي نصب هذا الصنم عند الصفا، وانه كان يعرف ب "مجاود الريح " "مجاور الربح"، وانه نصب الصنم: مطعم الطير عند المروة، فكان الناس في موسم الحج يحجون إلى الصنمين.

ولعل هذين الصنمين كانا من الأصنام التي خصصت بالسماء،وان الناس كانوا يضعون الحبوب عندهما لتأكلها الطيور. ولذلك قيل لنهيك "مجاود الريح"، ولصنم المروة "مطعم الطير".

وغنم، ذكر أنه كان في جملة الأصنام الموضوعة بمكة. وقد ورد اسم رجال، واسم أسر.

وفراض، صنم كان بأرض سعد العشيرة. وقد حطمه رجل منهم اسمه "ذُباب"، وهو من "بني أنس الله بن سعد العشيرة". حطمه، ثم وفد إلى النبي فأسلم، وقال شعراً في ذلك، أشار فيه إلى هدمه ذلك الصنم. وكانوا يذبحون له ويلطخونه بالدم.

أما قزح "قزاح"، فالظاهر أنه صنم، كان الناس يتصورون أنه يبعث الرعد والعواصف. وقد نسي على ما يظن. ولا بد أن يكون لقوس قزح علاقة ما بهذا ا!صنم القديم. وقد يكون لاسم قزح، وهو من مواضع الحرم بمكة، علاقة باسم هذا الوثن العتيق، وقد تعبد بنو أدوم لصنم اسمه "قزح" Koze مما يدل على أنه هو الصنم العربي الذي نتحدث عنه. والظاهر أنه كان من الأصنام القديمة المعروفة، غير أنه فقد منزلته وقلَّت أهميته، فلم يكن من الأصنام الكبرى عند ظهور الإسلام. ويخالف "نولدكه" رأي بعض المستشرقين الذين ذهبوا الى أن المراد بقزح الشيطان، لا صنم من الأصنام.

و "قيس" اسم صنم قديم. نسيت عبادته، وصار السم أشخاص. ودليل كونه صنم قديم وروده في الأعلام المركبة، مثل "عبد القيس"، فإن في هذه التسمية دلالة على أن قيساً اسم إلَه. ولقيس علاقة ب "قوس" Quas، وهو إله من آلهة أدوم.

وقد ورد اسم "قيس" "قس" و "قوس" في الكتابات. وهما اسم إلهَ واحد. عثر على معبد له في مدائن صالح.

وأما "عوف"، فقد استدل من التسمية ب "عبد عوف" على انه اسم صنم، غير اننا لا نعرف من أمر عبادته شيئاً، فلعله من الأصنام التي ذهب ذكرها قبل الإسلام بزمن طويل. وقد ذكر أهل الأخبار انه "صنم"، ولم يذكروا اسم عبدته.

و ذكر "اليعقوبي " ان للأزد صنم، يقال له "رئام".

وَالسعيدة، صنم أنثى وعلامة تأنيثه وجود تاء التأنيث بآخره. وكان لسعد هذيم وسائر قضاعة إلا "بني وبرة"، وعبدته الأزد أيضاً.وكان سدنته "بنو عجلان" وموضعه بأحد "وورود ان "السعيدة" بيت كان يحجه ربيعة في الجاهلية".

وورد في جملة أسماء أهل الجاهلية اسم "سعد العشيرة". وقد ذهب أهل الأخبار إلى ان "مذحجًاً كان يعرف بذلك الاسم. و "العشيرة" اسم صنم من الأصنام القديمة، وله علاقة بعبادة الساميين. فقد كان الكنعانيون يضعون وثناً في محلات العبادة يسمونه "العشيرة"، كما كانوا يتعبدون له لأنه من آلهتهم القديمة. وهو إلهة، أي أنثى عند الكنعانيين. ويظهر ان "العشيرة" من الآلهة السامية القديمة التي كانت تعبد بصورة خاصة عند الساميين الغربيين،كما عبر بلفظة "العشيرة" عن "المذبح" "المزبح. واسم "عبد عشيرة" مرتبط بالطبع باسم هذا الإلَه.

ومن دلائل عبادة "الأشهل"، ورود الأشهل في الأعلام المركبة، مثل "عبد الأشهل". وقد ذكر "ابن دريد" ان الأشهل صنم.

وأشار "محمد بن حبيب" إلى صنم قال له: "زائدة"، لم يذكر من كان يتعبد له.

وذكر علماء اللغة اسم صنم قالوا له: "الضيزن". وقال بعضهم: "والضيزنان صنمان للمنذر الأكبر، كان اتخذهما بباب الحيرة ليسجد لهما من دخل الحيرة امتحاناً للطاعة".

وأدخل بعض علماء اللغة "ألغري" في عداد الأصنام. فقال: "والغريّ: صنم كان طلي بدمٍ". وذكر بعض آخر أن الغري: نصب كان يذبح عليه النسك. وذكروا أن الغريين بناءان طويلان، يقال هما قبر مالك وعقيل نديمي جذيمة الأبرش، وسميا الغريين لأن النعمان بن المنذر كان يغريهما بدم من يقتله في يوم بؤسه.

ومن الأصنام صنم اسمه "عير"، قيل إنه كان لعبد عمرو المعروف ب "بكرابن جبلة الكلبي"، كان قومه يعضمونه. وصنم اسمه "جريش"، اليه نسب:"عبد جريش".

وذكر بعض أهل الأخبار أن "كعباً" و "كعيباً" المذكورين في قصة "القليس" التي أقامها "أبرهة" بصنعاء، هما صنمان.

الفصل السبعون

أَصنام الكتابات

أقصد ب "أصنام الكتابات" الأصنام التي عرفنا خبرها وأمرها من الكتابات الجاهلية ومن الكتابات الاشوربة ومن كتب الكتبة "الكلاسيكيين"، وذلك تمييزاً لها عن الأصنام التي أخذنا علمنا بها من روايات الأخباريين في الغالب.

وقد سبق لنا أن وقفنا على أسماء بعض آلهة الأعراب، وذلك أثناء حديثنا عن الآشوربين والعرب. وقد ذكرت تلك الأسماء في الكتابات الآشورية لمناسبة سقوط أصنامها أسيرة في أيدي الاشوريين. وكان الأعراب الذين حاربوا الآشوريين قد حملوها معهم، اما تبركاً وتيمناً بها، وتفاؤلاً من وجودها معها بالنصر والغنائم، واما لأنها كانت معهم في خيمتها المتخذة معبداً لها فسقطت في أيدي الاشوريين باكتساح الآشوريين لمنازل أولئك الأعراب. فأخذها الآشوريون معهم، وحملوها الى عاصمتهم أسيرة كما يؤسر البشر، وسجنوها عندهم، إذلالاً لعبادها وإهانة لهم، وازدراءً بشأن تلك الآلهة المغلوبة السيئة الحظ التي لم تتمكن من مساعدة عبادها في القتال والتي لم تتمكن حتى من تخليص نفسها من الأسر، فوقعت هي نفسها أسيرة ذليلة في أيدي عبدة آلهة أخرى. وبقيت في أسرها هذا، حتى وجد الأعراب الا مناص لهم من استردادها من الاشوريين إلا باسترضائهم وبإعلان خضوعهم لهم. فذهبوا إلى نينوى، وقدموا طاعتهم لملك اشور، وأمر عندئذ بإعادة أصنامهم اليهم، وكتب الآشوريون فوقها كتابة تشير إلى سقوطها في أسرهم، والى تغلب آلهة الآشوريين على آلهة الأعراب،وتفوق إلهَ آشور على تلك الأصنام، وبعد أن نقش عليها اسم الملك. ثم أعيدت وهي على هذه الصورة اليهم.

ومن هذه الأصنام دلبت "دلبات"، و "عتر سماين" "عشتر السماء" Atarsamain "A-tar-sa-ma-a-in" و "عتر قرمية" "عتر قرمي" "Atar Kurumiaa"، و "ديه" "دايا" "Dija"="Diya"، و "نوهيا" " نخيا" "نهيا ""Nuhaia"، و "اببريلو" "Ebirillu". و هي الأصنام التي عليها أن تسجن فأعيدت إلى أصحابها، ووضعت في أماكنها وسرّ أتباعها ولا شك بهذه العودة.

وقد حرفت أسماء هذه الأصنام،حتى صار من الصعب علينا تشخيصها. ولعل اسم الصنم "دلبت" أو تحريف "ذات بعل"، أيَ "الشمس". والشمس، إلهة عند العرب، تعبدت لها قبائل عديدة، كما تكلمت عنها في موضع آخر، وقد عرفت به الإلهة عندها. وأما "عتر سمين"، فهو "عثتر السماء"، و "عثتر" من الالهة المعبودة عند العرب، وقد ورد اسمه في نصوص المسند. ويرى بعض الباحثين انه إلهة، أي أنثى. ويرمز إلى "الزهرة" في رأي غالب العلماء. وقد أشير في النصوص القتبانية إلى قبيلة عرفت ب "عتر.سمين"، أي باسم هذا الصنم، لعلها من عبدته، فنسبوا اليه.

وأما "نوهيا" "نخيا" "نهى" "نهيا"، فهو الإله "نهى ". وقد ورد في الكتابات الثمودية، اسم صنم بهذا الاسم. فلعل له صلة بالصنم المذكور.

وحدثنا "هيرودوتس" - في أثناء كلامه على حملة "قمبيز" على مصر -عن إلهين من آلهة العرب، هما: "باخوس" Bacchus و "اوزانيا ""Urania ". و ذكر ان العرب تسمي "باغوس" "اوراتل" Oratal، وتسمي "اورانيا" "أليلات"،Alilat. و "اليلات"، هو الصنم "اللات"، الذي يرمز إلى "الشمس"، فهو إلهة، أي أنثى. ويقابل "اثينة" Athene التي ظهرت عبادتها متأخرة بعض التأخر بالنسبة إلى الآلهة الأخرى. و "اللات" من الأصنام العربية المعروفة النبي ذكرت في القرآن، وفي النصوص النبطية والصفوية، كما سأتحدث عن ذلك في المواضع المناسبة. وأما Oratal، فهو تحريف.عل ما يظهر لاسم صنم من الأصنام العربية، صار من الصعب ارجاعه إلى صنم من الأصنام النبي نعرفها الآن.

وقد حفظت النصوص الجاهلية أسماء عدد لا بأس به من الأصنام، كان الناس يقضون الليالي سهراً في عبادتها والتودد اليها، لتنفعهم ولتدفع الأذى وكل سوء عنهم، وكانوا يتقربون اليها بالنذور والقرابين. ثم ذهب الناس وذهبت آلهتهم معهم. وبقيت أسماء بعض منها مكتوبة في هذه النصوص، وبفضل هذه الكتابات عرفنا أسماءها، ولولاها لكانت أسماؤها في عداد المنسيات، كأسماء الالهة التي نسيت لعدم ورود أسمائها في النصوص.

وبين هذه الأسماء أسماء يجب اعتبارها من "الأسماء الحسنى"، أي "اسماء الله الحسنى" في المصطلح الإسلامي لأنها نعوت وصفات للالهة، التصقت بها حتى صات في منزلة الأسماء العلمية. وهي تفيد المؤرخ كثيراً، إذ انها تعينه في فهم طبيعة تلك الالهة، وهي فهم رأي المؤمنين بها، في ذلك الوقت.

وفي طليعة أسماء الآلهة المدونة في نصوص المسند، اسم الإله "ود"، إلهَ معين ا!كبير، وإلَه قبائل عربية أخرى، منها "ثمود"، حيث ورد اسمه في كتاباتهم " و "لحيان"، حيث ذكر في كتاباتهم أيضاً. كما كان من الأصنام الكبرى في الحجاز عند ظهور لاسلام. وقد ذكَر في القرآن الكريم مع أسماء أصنام أخرى عبدت في عهد نوح. وقد ظن بعض المستشرقين ان هذا الصنم لم يكن معبوداً في الجاهلية القريبة من الإسلام وعند ظهور الإسلام، وهو رأي غير صحيح، إذ ورد ذكره في شعر للنابغة، وكان له معبد في دومة الجندل، وسدنة وأتباع. ولدينا أسماء جملة رجال جاهليين عرفوا ب " عبد ود". وقد ذكر ان قريشاً كانت تتعبد لصنم اسمه ود، ويقولون له أدّ أيضاً.

ونعت "ود" بالإله " ال هن" "الهن" في بعض، الكتابات، جاء في أحد النصوص "ودم الهن"، أي "ود الإلَه". و "كهلن"، أي "الكاهل" بمعنى القدير والمقتدر. وهما من صفات هذا الإلَه التي كان يراها المعينيون فيه.

ويرمز "ود" إلى القمر، عند المعينيين، وهو الإله الرئيس عندهم. وقد وردت لفظة "شهرن"، أي "الشهر" بعد كلمة "ود" في بعض الكتابات. فورد: "ودم شهرن"، أي "ود الشهر". وتعني لفظة "شهر" القمر في عربية القرآن الكريم. و "ود"، هو الإلهَ "القمر" عند بقية العرب الجنوبيين. ومتى ورد اسمه في نص، قصد به القمر.

وقد نعت "ود" ب "الأب"، تعبيراً عن عطفه على المتعبدين له وعن رحمته بهم. فورد في النصوص المعينية: "ودم ابم"، و "ابم ودم" أي "ود أب"، و "أب ود"، فهو بمثابة الأب للانسان. والأب من كان سبباً في ايجاد شيء أو اصلاحه أو ظهوره. وقد عثر على أخشاب وأحجار حفرت عليها أسماء ود أو جمل "ودم ابم" أو "ايم ودم"، وذلك فوق أبواب المباني، لتكون في حمايته ورعايته، وللتبرك باسمه وللتيمن به، كما وجدت كلمة "ود" محفورة على اشياء ذات ثقوب، تعلق على عنق الأطفال لتكون تميمة وتعويذة يتبرك بها. فعلوا ذلك كما يفعل الناس في الزمن الحاضر في التبرك بأسماء الالهة والتيمن بها لمنحها الحب والبركة والخيرات.

ويظن ان لفظة "ود"، ليست اسم علم للقمر، بل هي صفة من صفاته، تعبر عن الود والمودة. فهي من الأسماء الحسنى للقمر اذن.

وقد ورد اسم "ودّ" في كتابة ثمودية دوّنها أحد المؤمنين الفانين في حب "ودّ"، جاء فيها: " أموت على دين ودّ"، "بدين ودّ أمت "، وجاء في كتابة أخرى: " يا إلهي احفظ لي ديني، يا ودّ أيده".

وورد اسم "ودّ" في النصوص االحيانية. فتكون عبادة هذا الإلهَ قد انتشرت في العربية الغربية من أعالي الحجاز إلى العربية الجنوبية. وذلك منذ ما قبل الميلاد إلى ظهور الإسلام.

وقد اقترن اسم "ود" مع "ال" "ايل" في بعض الكتابات العربية الجنوبية، و "ايل" هو الإله السامي القديم. ولعلّ في "ود ال" "ودّ ايل " معنى "حب ايل"، فتكون "ودّ" هنا صفة من صفات الإله. واما "ايل"، فإنها قد تعني ما تعنيه كلمة "إلهَه" في عربيتنا، وقد تعني إلهاً خاصاً في الأصل هو إلهَ الساميين المشترك القديم.

وقد وردت في نص قتباني جملة: "بت ودم" أي "بيت ود"، ومعناها معبد خصص بعبادة الإلهَ "ودّ". ولا بد أن تكون هناك جملة معابد خصصت بعبادة هذا الالَه.

ويرى بعض المستشرقين استناداً إلى معنى كلمة "ودّ" أن هذا الصنم يرمز إلى الودّ، أي الحبّ وانه صنو للالهين "جيل" Gil، و "بحد" Pahad عند الساميين. ويستندون في رأيهم هذا إلى بيت للنابغة هو: حياك ودّ وأنـى لا يحـل لـه  لهو النساء وان الدين قد عزما

وهناك من يرى وجود صلة بين "ود" و Eros الصنم اليوناني، ويرى أنه صنم يوناني في الأصل استورد من هناك، وعبد عند العرب. وهو رأي يعارضه "نولدكه" لعدم وجود تشابه في الهيأة بين الصنمين.

ومن آلهة المعينيين الإله: "كهلن"، أي "الكهل" و "الكاهل". وقد ورد اسمه في النصوص التي عثر عليها في الأقسام الشمالية من العربية الغربية كذلك. وهو يرمز مثل "ودّ" إلى "القمر".

وعرف "ود" ب "نحس طب" "نحسطب". "ونحس" بمعنى "نحش"، أي الحيّة، و "طب" طيب، فيكون المعنى "الحية الطيبة". والحيّة رمز لود. فيكون المراد من "نحس طب" الإلَه ودّ.

ومن بين أسماء الالهة التي ورد اسمها في النصوص المعينية،اسم الإله "نكرح". ويري بعض الباحثين انه إلهَ البغض والحر ب. وان "نكرح" في معنى "كره" فيَ عربيتنا. وانه "نكرو" أو "مكرو" Makru=Nakru عند البابليين. وهو "العدو" فهو على طرفي نقيض مع الإلَه "ود". ويرون انه يرمز إلى الشمس، وانه في منزلة "ذت حمم" "ذات الحميم" عند السبئيين.

وقد وجد من دراسة الكتابات المعينية ان آلهة المعينيين ترد مرتبة على هذه الصورة في بعض الأحيان: "عثتر" يليه "ود" ثم "نكرح"، وتذكر بعدها جملة "ال ل ات معن"، بمعنى "آلهة معين".

وهناك آلهة أخرى وردت أسماؤها في كتابات المعينيين، لا نعرف من أمرها شيئاً يذكر منها: "بلو" إلهَ البلاء والنوازل والموت، و "حلفن" "حلفان"، وهو خاص بالقسم، و "ورفو"، وهو حارس الحدود، و "منضح" "منضحت" "منفحة"، إله الماء? والري والحدود، و "متبقبط"، إله الحصاد. غير ان من الجائز في رأيي ألا تكون هذه الأسماء أسماء آلهة، وانما هي مجرد مصطلحات يراد بها أمور أخرى.

وتعبد السبئيون للاله "المقه"، إلههم الكبير. ويعد في منزلة "ود" عند المعينيين، ويرمز إلى "القمر". وهو المقدم عندهم على سائر الآلهة. اليه تقرب "المكربون" والملوك بالأدعية والهدايا، واليه توسل الشعب في كل ملمة تنزل به. ونجد اسمه مدوناً في كثير من النصوص السبئية. بل تعبّد له أهل الحبشة كذلك، فنجد له معبداً عند "بحا" "يها". انتقلت عبادته اليهم من السبئيين الذين كان لهم نفوذ سياسي وثقافي على الساحل الافريقي المقابل لليمن، ويظهر أثر ذلك في الخط الحبشي حتى اليوم.

وليس للعلماء رأي واضح صحيح في معنى"المقه"، ويرى "ايوالد" Ewald ان الكلمة من أصل "لمق"، وهي بمعنى "لمع"، فيكون للاسم - على ذلك -معنى اللمعان، ويمكن أن تكون كلمة "المقه" اذن، بمعنى "الثاقب" و "اللامع". وقد كان الجاهليون يقسمون بالنجوم الثاقبة، أي النجوم التي يتوقد ضياؤها ويتوهج. ورد في القران الكريم: ) والسماء والطارق، وما أدراك ما الطارق. النجم الثاقب (. وقال المفسرون: " النجم الثاقب، يعني يتوقد ضياؤه ويتوهج ". وذكروا أن العرب كانت " تسمي الثريا: ا انجم. ويقال إن الثاقب: النجم الذي يقال له زحل. والثاقب أيضاً الذي قد ارتفع على النجوم ". وقد ذهب " هومل" إلى ان "المقه"، إنما تعني "سيده". وذهب بعض الباحثين إلى إن اللفظة من "ال" "ايل"، اسم الإلهَ " "ايل" ا لشهير، المعروف عند جميع الساميين.ومن "مقهو" بمعنى"قوي، فيكون الاسم "ايل قوى"، " ال مقهو".

وتدل روايات الأخباريين عن "المقه" على عدم وقوفهم على حقيقة هذه التسمية. فقد حاروا فيها، واضطربوا في أمرها، ولم يظهر أحد من بينهم من عرف حقيقتها. فصيرها بعضهم اسماً كل ت أسماء الملكة "بلقيس"، وصيرها بعض آخر مصنعة من مصانع الجن التي بنتها على عهد "سليمان"، وجعلها "الهمداني" الزهرة ؛ "لأن اسم الزهرة في لغة حمير: يلمقه والمق". ذكروا أن بناء "يلمقه" ظل قائماً باقياً إلى أيام غزو الحبشة لليمن، فهدموه. وإذا صحت رواية الهدم هذه، فلا يستبعد حينئذ أن يكون ذلك بسبب كونه معبداً وثنياً خصص بعبادة الأوثان،والأحباش نصارى سعوا لطمس الوثنية ونشر النصرانية في البلاد. ولعلّه أراد به معبد "المقه." بمأرب، فهدمه الحبش للاستفادة من أحجاره لبناء كنيستهم التي بنوها بهذه المدينة. وقد كان ذلك المعبد قد خصص بعبادة "المقه" إلهَ سبأ الكبير، فعرف ب ".المقه"، و "يلمقه" عند سواد الناس.

وقد حفظت لنا نصوص المسند أسماء جملة معابد خصصت بعبادة المقه، وللتمييز بينها ذكرت أسماء المواضع التي شيدت عليها تلك المعابد. ومن أشهرها معبد "المقه" الكبير بمدينة "مأرب"، المعروف بمعبد "المقه بعل اوم" "المقه بعل أوام"، وهو معبد لا تزال آثاره باقية، زارته ونقبت فيه بعثة "وندل فيلبس" الامريكية إلى اليمن. وتعرف بقايا هذا المعبد عند اًهل اليمن باسم "حرم بلقيس" و "محرم بلقيس". فأحل الدهر اسم امرأة محل اسم إلَه قديم كبير.

ووردت في بعض النصوص هذه الجملة: "المقه ثور بعل..." " ومعناها:"المقه ثور ربّ". أي "المقه الثور هو رب..." كما وردت جمل مثل: "المقه ثهون"، بمعنى: "المقه المتكلم". ومثل "المقه ثهون بعل اوم."، أي "المقه المتكلم ربّ أوم"،"أوام". ويظن أن المراد بذلك الكاهن المتكلم.باسم الرب "المقه". فقد كان لبعض المعابد كهنة، يزعمون أن الآلهة تتكلم فيها، ويقومون أنفسهم بدور الوساطة والترجمة. فإذا أراد شخص سؤال إلهه عن مشكلة يريد حلاً لها، أو عن قضية عويصهَ، أو عن سرقة وما شاكل ذلك، يذهب إلى المعابد المختصة، التي يزعم أن الالهة تجيب فيها، فيتقدم إلى الكاهن بنذر وبهدايا مناسبة، ثم يلقي سؤاله، فيظهر عندئذ صوت مسموع، يزعم أنه صوت الإلهَ اللي لا يرى،يجيب على للسؤال أو على الأسئلة، بما ينسب السؤال. وقد كنيّ عن "المقه" ب "ثور" في بعض الكتابات. ومما يؤيد أن المراد "بثور" هذا الإلَه، هو صورة رأس ثور في كثير من الكتابات، وهي ترمز اليه، كذلك رمز اليه بنسر وبصور الحيات. وهذه الصور من الرموز للدالة على الإلَه القمر عند قدماء الساميين. وقد صور العبرانيون "يهوه" على هيأة عجل. ويلاحظ أن أكثر الأوثان والصور "صلمن" التي كان الناس يقدمونها إلى معابد "المقه" وفاء لنذور نشإوها لها، اشتملت على صور ثبران، ويلاحظ كذلك أن الثيران، كانت من أكثر الحيوانات التي كان المتعبدون يقدمونها ذبائح لهذا الإلَه. وقد استنتج "دتلف نلسن" من هاتين الملاحظتين ومن تسمي أشخاص وأسر وعشائر وقبائل باسم "ثور"، أن الثور رمز يراد به هذا الإلهَ "المقه"، أي القمر.

وورد في النصوص السبئية اسم إلَه هو "هوبس" "هبس"، ورد منفرداً، وورد مع الإلَه "المقه". وقد قصد به الإله القمر. ومعنى "هوبس" على رأي "فرسنل" Fresnel اليابسة والجاف، وهو وصف للقمر. ويعلل ذلك بفعل القمر البارز في احداث الجزر حيث تنسحب المياه من الساحل مسافة إلى اابحر. وقد أشار "الهمداني" إلى أن اسم القمر "هيبس"، والظاهر ان هذه التسمية للقمر ظلت معروفة فيَ اليمن بعد الإسلام.

ووردت جملة "المقه ذ قِلم" في بعض النصوص ووردت "هوبس"، و "المقه ذ هوبس". بمعنى اليابس. وذكر بعض العلماء ان معنى ذلك "المقه" الذي يؤثر في المد والجزر، وذلك لما لاحظه المتعبدون له من وجود أثر له في احداث المد والجزر.

وقد أشير اليه ب "هلل" بمعنى هلال، وب "ربع"، أي الربع الأول من الشهر، وب "حول"، بمعنى تمام الشهر، أي القمر كاملاً. ومن صفاته "سمع"، أي سميع.

و "عم" هو إلَه شعب قتيان الرئيس. وقد ورد اسمه مقروناً مع الإله "أنبي" في نصوص قتبانية عديدة. وهو يقابل الإلهَ ود عند المعينيين، والإله "المقه" عند السبئيين، والإله "سن" "سين" عند أهل حضرموت. فهو الإله القمر اذن عند القتبانيين.

وكلمة "عم" من الكلمات السامية القديمة الواسعة الانتشار عند الساميين. وقد ذكرت في نص يقدر انه كتب حوالي سنة "4500" قبل الميلاد وهي من كلمات عهد الأمومة، ثم صارت من المصطلحات الدينية مثل "ال" "ايل" E l و "بعل" Baal، و "ادون" " Adon، و "ملك" Malke وما شابهها من أسماء الألوهية: كانت نعتاً في الأصل من جملة النعوت التي كان يطلقها الساميون على آلهتهم، ثم جعلت علماً لإله.

وترد لفظة "أنبي" في الكتابات القتبانية علماً على إله ذكر هو القمر. وقد وردت بعد اسمه كلمة "شيمن"، ومعناها "الحامي" والحافظ، فورد "انبي شيمن"، أي "أنبي المحامي" و "أنبى الحافظ"، والمدافع عن المؤمنين به. فهو اذن في معنى "عم". ولا بد أن يكون لهذا النعت صفات بصفات هذا الإلهَ، أي انه اسم من أسماء الله الحسنى.

ومن آلهة قتبان التي ذكرت مع "عم" الإلهَ "حوكم" و "اثرت" و "نسور" و "ال فخر". ويرى "هومل" ان الإله "اثرت" هو إلهة أنثى. هي في نظره زوج الإلهَ "عم". ويظن ان "اثرت" هي الشمس، ويظن أيضاً أن هذه الكلمة قريبة في المعنى من كلمة "عشيرة" "عشيرات" العبرانية، و "عشرتو" الآشورية البابلية، وأنها تعني في القتبانية الشروق أو الشارقة والشرقة الشديدة.

من "عثر" بمعنى شرق وإشراق، أضيف الى نهاية الكَلمة حرف للتأنيث، لأن الشمس مؤنثة، كما فعل في عتثر إذ عد مؤنثاً عند الساميين الشماليين. فصار "عتثرت" "عشترت" "عشتروت". أي أنثى. وكما فعل في "كوكب" و ""ملك"، فى "ذي الخلصى"، و "ذي الشرى"، حيث أضيفت اليها التاء، فصارت "كوكبت" "كوكبة"، و"ملكت" "ملكة"، و "الخلصت " و"شربت".

ويحتمل على رأي "هومل"، أنْ يكون "حوكم" "حوك" إله السماء، ويظهر أنه من الالهة الخاصة بشعب قتبان. أما "دتلف نلسن" فيرى احتمال كون الكَلمة من "حكم".

وقد عبر عن الإلهة "الشمس" ب"ذت حمم"، أي "ذات حميم"، "ذات حمم" ، "ذات الحميم"، أي ذات الحرارة الشديدة والأشعة المتوهجة التي تشبه الحميم من شدة الحر. وهذا المعنى قريب من "الحمون" " El-Hamon و "بعل حمون" Ba'al Hammon في العبرانية، ويراد بها الشمس. و"حمت" "حمه" Hammaفي العبرانية هي الشمس. وورد في بعض النصوص التدمرية اسم الإلهَة "حمن" Hamman وورد هذا الاسم في بعض النصوص النبطية التي عثر عليها في حوران. وهذا الإله هو الشمس. وقد كنيّ عنها بالأشعة الحارة المحرقة التي ترسلها خاصة في أيام الصيف.

وهناك من فسر "ذت حمم" ب "ذاتَ حمى" "ذات الحمى"، والحمى الموضع الذي يحمي، ويخصص بالإله أو المعبد أو الملك أو سيد قبيلة، والمكان الذي يحيط بالمعبد، فيكون حرماً آمناً لا يجوز لأحد انتهاك حرمته. وفي جزيرة العرب جملة مواضع يقال لها "حمى" ذكر أسماءها الأخباريون.

وعبر عن الشمس ب "ذت بعدن" "ذات بعدان" كذلك، أي ذات البعد. وهي كنية قصد بها الشمس حينما تكون بعيدة عن الأرض أي في أيام الشتاء. وقد استدل على ذلك بجملة وردت في نصوص المسند، هي: "بعلمن بعدن وقرين"، أي "بالعالم البعيد والقريب"، بمعنى في الماضي والحاضر. وقصد بذلك الشي، في هذا الوقت من السنة حيث تكون أشعتها غير محرقة ولا شديدة مؤذية للناس. وأنا لا استبعد أن يكون المراد من ذات البعد،الإلهة التي تشمل برحمتها وبركتها الأبعاد، أي المسافات الواسعة والأماكن البعيدة فضلاً عن القريبة أو الإلهة البعيدة عن الناس التي لا يمكن أن يصل، اليها أحد.

وكنيّ عن الشمس في النصوص القتبانية بكنى أخرى، منها: "ذت صنتم"، "ذات صنتم"، "ذات صنت"، و "ذت رحبن"، "ذات رحبان" "ذات الرحاب"، و "ذات صهرن" "ذات الصهر"، و "ذت غدرن" أي "ذات الغدر" و "ذاتَ الغدران"، و "ذت برن"، "ذات بران"، "ذات البر"، و "ذت ضهرن"، "ذات ضهران"، و "ذ محرضو ومشرقتن"، أي ذات اللون الذهبي المشرق و "مشرقتن"، بمعنى الغروب والشروق، و "تدن" "تدان" "تدون"، و "تنف"، وذلك في الكتابات السبئية، و "ذت حسولم" "ذات حسول"، أي شمس الشتاء، وذلك في النصوص المعينية.

وقد عرف إلَه حضرموت الرئيس ب "سن" "سين"، وهو القمر. وهو إلَه شعب حضرموت الخاص. وقد نعت بنعوت، مثل "ذ علم"، أي "ذو العلم"، بمعنى العالم، وبنعوت أخرى. وورد اسمه في كتابات عثر عليها في "يحا"بالحبشة.

و "عثتر" من الالهة التي ورد اسمها في نصوص، كثيرة من نصوص المسند. ورد في نصوص معينية وسبئية وحضرمية وقتبانية. ويقابله Atargatis المدون اسمه في كتب "الكلاسيكيين". و "عتر" Atar عند السريان، و "عشثر" "عشتار". وقد ذكر في نصوص الأشوريين والبابليين والكنعانيين والعبرانيين والحبش وغيرهم، مما يدل على انه كان من الآلهة التي كانت عبادتها شائعة في منطقة واسعة، وانه كان من الالهة الكبرى قبل الميلاد.

وقد ورد "ام عثتر"، و "ابم عثتر" في بعض النصوص. وقصد بالجملة الأولى: "أم عثتر"، وبالجملة الثانية "أب عثتر" "عثتر أب". وقد استنتج "دتلف نلسن" من ذلك ان "ءثتر" هنا هو بمثابة الإلهَ الرئيس، فهو أب وأم للالهة يليه القمر في الترتيب ثم الشمس. وذهب في بحث آخر له عن ديانة العرب إلى ان المراد ب "ام عثتر" الشمس، باعتدادها انثى إلهة أماً. أما ولدها فهو "عثتر". وليس بمستبعد ان يكون المراد من "ام عثتر"، ان "عثتر" بمنزلة الأم للمتعبدين لها، تريد لهم الخير والبركة وتعطف عليهم وتحبهم عطف الأم على ولدها وأن المراد من "عثتر ابم" "عثتر أب"، ان "عثتر" هو بمنزلة الأب للمتعبدين، يشفق عليهم ويحبهم، ويمنحهم الخير والصحة والبركة. وذهب بعض الباحثين إلى ان المراد من عبارة "ام عثتر"، الإلهة الشمس، لأنها أم "عثتر"، وان المقصود من "ابم عثتر" "أب عثتر" لاله القمر، الذي هو زوج الشمس، ومن زواجهما ولد الابن "عثتر".

وقد جاء في نص سبئي وجد في مدينة "صرواح" ان صاحبة النص قدمت إلى الإلهة "ام عثتر" "ام عثتر" أربعة تماثيل من ذهب،لأنها وهبت اليها أربعة أطفال، هم ولد واحد وثلاث بنات، كلهم أحياء يرزقون. ولأنها سرت قلبها بهذه الذرية. وهي لذلك قدمت هذه التماثيل، ولترجو منها ان تستمر في الإنعام عليها وعلى ابنها وبناتها بالصحة وقد قصد ب "ام عثتر" هنا الإلهة الشمس. ويتبين من هذا النص أن السبئيين كانوا ينظرون إلى "ام عثتر"، نظرة البابليين إلى "عشتار." على أنها إلهة الخصب.

وقد عثر في النصوص النبطبة، على اسم الهة هي "ربة العثر" "ربت عثر"، أي الشمس.

وورد اسم "عثتر" في عدد كبير من نصوص المسند على هذا النحو: "عثتر شرقن"، و "عثتر ذ قبضم"، و "عثتر ذ يهرق"، و "عثتر ذ يهر"، وهكذا. وتعني جملة "عثتر شرقن"، عثتر الشارق. وقد ذكر أهل الأخبار أن "الشارق" صنم كان في الجاهلية وبه سموّا عبد الشارق. مثل "عبد الشارق بن عبد العُزّى" الجهني شاعر من شعراء الحماسة. فلفظة "شرقن" إذن، نعت ل"عثتر"، معناه "الشارق".

ويرى بعض الباحثين ان "عثتر شرقن"، هو الاله الحارس للمعابد والمقابر اليه يصلي ويدعى ان تصل الهبات الى المعابد. واليه توسل المتوسلون لحفظ قبورهم من عبث العابثين بها الُمعَيرين لاحجارها الطامعين في كنوزها، ولهذا نعت ب "عثتر يغل"، أي "عثتر المنتقم".

واما جملة "عثتر ذ قبضم"، فقصد ب " قبضم" معنى القابض او "الجالس"، او اسم موضع يقال له "قبض". فيكون المعنى: عثتر رب موضع قبض. واما "يهرق" و "يهرق" "يهريق"، فهو اسم مدينة من مدن معين، كان بها معبد لعبادة "عثتر".

وورد ايضاً "عثتر غربن"، أي "عثتر الغارب"، كناية عن غروبه، او عن طلوعه عند الغروب، فهو اذن نجم الشروق ونجم الغروب، او النجم الشارق والنجم الغارب. كما ورد "عثتر نورو" "عثتر نورن"، أي " عثتر نور" و "عثتر المنير"، تعبيراً عن لمعانه وعن النور الظاهر عليه. وجاء "عثتر سحرن"، اًي "عثتر السحر"، بمعنى عثتر الذي يظهر عند السحر، وعبر عنه ب "متب نطين"، أي الحامل للرطوبة، تعبيراً عن الرطوبة التي تكون عند ظهوره، فنسبوها اليه.

وقد تكرر ذكر اسم "عثتر" في بعض النصوص، على سبيل التوكيد والتشديد في القسم وفي الدعاء، كما نفعل نحن أيضاً من اعادة اسم الله في الايمان المغلظة وفي التوسلات عند ساعات المحنة والشدة. ورد: "بعثتر شرقن، ويعثتر ذ قبضن، وود ونكرحم، وبعثتر ذ يهرق، وبكل ال ل ات معن". أي: "بعثتر الشارق وبعثتر ذو قبض وبودّ، ونكرح، وبعثتر ذو يهرق، وبكل - آلهة معين"، أو "وبحق عثتر الشارق، وبحق عثتر القابض أو رب موضع قبض، وبحق ودّ، ونكرح وعثتر رب يهرق، وبحق كل آلهة معين".

ولدينا جملة أسماء مركبة ورد فيها اسم "عثتر"، مثل "أوس عثتر" "أو سعثت" و "هوف عثت" "هو فعثت"،و "لحي عثت" "لحيعثت". و "عثب" هنا هو اختصار "عثتر".

ومن آلهة العرب الجنوبيين الإله "قينن" "قينان"، وهو إله قبيلة "سخيم"، النازلة ب "شبام"، "شبام سخيم".

ومن بين اسماء آلهة العرب الجنوبيين اسم الإله، ج "ال" "ايل"، ذكر اسمه مستقلاً كما ورد مقروناً باسم الإله "عثتر" كما في الكتابتين الموسومتين ب Halevy 144، وب150 Halevy، و قد قدم ذكره فيها على اسم الإله "عثتر". وقد ورد بكثرة في الأعلام المركبة.

ومن بين أسماء الآلهة التي ورد اسمها في النصوص العربية الجنوبية. اسم الإله "تلب ريم" "تالب ريام". وهو إله خاص بقبيلة "همدان". كما أن "المقه" هو إلهَ "سبأ" و "سين" "سن" اله حضرموت، و "عم" إله قتبان، و "ود" إلهَ معين. وقد ظهر بظهور نجم "بني بتع" واشتهر بهم. وكان ظهوره حوالى الميلاد بصورة خاصة. ففي ذلك العهد اشتد أمر أقيال همدان، فاستأثروا بالحكم، ودعوا أنفسهم ملوكاً، ورفعوا إله قبيلتهم فوق الآلهة الأخرى، فنحروا له الذبائح، وقدموا له النذور، وتنافسوا في بناء معبده. ودام عزيزاً مكرماً ما دام نفوذ ملوك همدان.

وقد كانت لهذا الإله مثل سائر الآلهة الأخرى جملة معابد، غير أن معبده الأكبر هو المعبد المعروف بمعبد "تلب ريم بعل ترعت" أي: "تاًلب ريام رب ترعت". ويظهر أن كلمة "ترعت" هي اسم موضع، أقيم المعبد عليه. وهو معبد كانت تقدم اليه أقيال "سمعى" وقبائل همدان الأخرى النذور والقرابين و الهد ايا، وتحبس له الأرضين.

ومن الآلهة التي ورد اسموا في الكتابات العربية الجنوبية، الإلَه "حول" "حويل"، والإله "جلسد" "الجلسد". وتدل لفظة "حول" على الحول والقوة. فلعلّ معنى اسم هذا الإله هو "الحويل"، أي صاحب الحول والقوة. بمعنى القوي. وهو من آلهة حضرموت.

وورد اسم الإلهَ "حلفن" في جملة أسماء الآلهة المذكورة في الكتابات العربية الجنوبية. وقد ورد في جملة نصوص تتعلق بحبس أموال وبعقد عقود. ويلاحظ ان أصحابها استعانوا بهذا الإلهَ لانزال النقمة والعذاب وأشد الجزاء بكل من يحاول أن يغير أو يبدل تلك العقود والنصوص، أو يتجرأ فيستولي على الأموال والحبوس المقررة، كما رجوا منه أن يشملهم هم وجماعتهم برحمته وبلطفه وكرمه لاخلاصهم له ولفنائهم في حبه.

ومن بين الآلهة إله عرف ب "ذ سموي"، أي "رب السماء"،وهو إله ظهر اسمه قبل الميلاد بقليل. وقد بقي اسمه متألقاً في سماء اليمن، يقدم اليه الناس النذور والقرابين إلى ما بعد الميلاد. ويرى بعض الباحثين، ان عبادته تدل على ظهور عقيدة التوحيد عند العرب الجنوبين، إذ تدعو إلى عبادة إله واحد، هو "رب السماء".

ولدينا كتابة مخرومة أسطراً، لكنها لا تزال مع ذلك مفهومة، تفيد ان جماعة من الأشرار المارقين تطاولوا على حرم "اوثن ذ سموي" أي "الوثن رب السماء"، فسرقوه، ونهبوا ما كان فيه، واستولوا على ما كان حبس له. ولكن عبدته عادوا، فجمعوا ما سرق، وأصلحوا ما أفسد، وتقربوا إلى الإله "رب السماء" بطلب التوبة والغفران، وختموا نصهم بهذ ه الجملة: "و ذ سموى ليزامتعن شعبهو"، أي "وليمتع رب السماء شعبه". ويقصد النص بشعبه أتباع هذا الإلَه وعبدته.

وإلى هذا الإله، الإلهَ: "ذ سمي" "ذ سموي"، إلَه السماء تعبدت قبيلة "امر" "أمر". ويعد "بعل سمن" "بعل سمين" " بعل السماوات" إلهاً للبركة والخصب، إذ يرسل المطر فينشر الخير للناس.

ونقرأ في النصوص العربية الجنوبية اسم إله جديد، هو الإله "رحمنن"، أي "الرحمن". وهو إله يرجع بعض المستشرقين أصله إلى دخول اليهودية إلى اليمن وانتشارها هناك. وهذا الإله هو الإله "رحمنه" Rahman-a "رحمنا" في نصوص تدمر.

وورد في نص: "رحمنن بعل سمين" "رحمنن بعل سمن"، أي "الرحمن رب السماء"، أي انه إله السماء. فصار في منزلة الإله "ذ سموى". ثم لقب ب "رحمنن بعل سمين وارضن"، أي "الرحمن رب السماء والأرض" في نصوص أخرى. فصار إله السماوات والأرضين.

وقد نشر نص بالمسند، وردت فيه جملة: "الرحمن الذي في السماء واسرائيل رب يهود". وهو نص، إن صح نقله عن الأصل بدقة وعناية، وإن صح انه نص صحيح غير مزيف، يشير إلى تأثر صاحبه باليهودية وبعبارة الرحمن. وقد استشهد به من قرأه على تهود صاحبه.

ويرد اسم الإله "بعل سمن" "بعل السماء" "بعل السماوات" في الكتابات الصفوية، وفي كتابات تدمر، حيث ورد "بعل شمن" "بعل شمين"، وفي كتابات بعلبك، وفي كتابات اللحيانيين. وقد ظهرت عبادته قبل الميلاد. ويظهر لذلك انه من الآلهة المعروفة عند الساميين وعند العرب الشماليين قبل الميلاد، ومن الجائز ان يكون قد انتقل إلى العرب الجنوبيين من العرب الشماليين.

ووردت في الكتابة الموسومة. ب SE48 أسماء. آلهة هي: "م ح ر ض و" "محرضو"، و "م ش ر ق ي ت ن" "مشرقيتين" و "نسور" و "ال فخر". وقد ذهب "رودوكناكس" إلى ان المراد من محرضو ومشرقيتين الشمس. وذهب آخرون إلى ان المراد بهما القمر والزهرة. وذهب فريق آخر إلى ان المراد بذلك غروب الشمس وشروقها. أما "نسور"، فاسم إلَه، لعل له صلة ب "نسر". وقد وردت في نصم، سبئي هذه الجملة: "بت نسور وبت ال" "بيت نسور وبيت ال"، ويقصد ب "بت" "بيت" معبد لعبادة هذين الإلهين: "نسور" و "ال". و "ال" هو "ايل" "ايلو" إلهَ الساميين القديم.

ورد في أحد النصوص السبئية هذا التعبير: "أهل نسور" مؤدياً معنى "قوم نسور" و "ملة نسور"، ويراد بهم جماعة هذا الإلهَ التي كانت نتعبد له. وعرف أحد أشهر السنة في النصوص السبئية المتأخرة ب "ذ نسور"، ولعله أريد بذلك نسبة الشهر المذكور إلى هذا الإلَهْ.

و "نسور" هو "نسر" على رأي بعض الباحثين. ويرمز إلى "القمر". وقد حصل المنقبون على أحجار حفرت عليها صورة النسر، فعلوا ذلك على سبيل التيمن والتبرك بهذا الإلَه.

وورد اسم إله دعي ب "نسر"، يظن أنه إله "ذ قلع"، "ذو قلاع"، اسم موضع أو قبيلة. ويرى الباحثون أنه الإلهَ "نسور" الذي نتحدث عنه.

و "نسر" هو اسم صنم من الأصنام التي عرفها أهل الأخبار. فقد زعموا أنه أحد أصنام نوح الخمسة، وأن "عمرو بن لحي" جاء به إلى حمير، فأشاع عبادته بينهم.

وأما اسم الإله "ال فخر"، فيظهر أنه مؤلف من كلمتين، هما: "ال" اسم الإله "ايل" المعروف عند الساميين، و "فخر"، وهي نعت من نعوت الآلهة. كَما في كلمة "ال تعلي" في النصوص القتبانية، وهي بمعنى "الله تعالى" في لهجتنا. و "فخر" ا لعربية، هى مثل "بخرو" في الآشورية، ومنها العلم المركب: "نبخر بلو".

وورد اسم الإله: "يعوق" أي الصنم يعوق المعروف، في نص متأخر، يعود عهده الى ما بعد الميلاد، وورد معه اسم: "رحمنن بعل سمن"، أي "الرحمن رب السماء ". وقد أرخ النص بشهر "ذ دون" "ذ داون" "ذي دوأن" لسنة "574" من التأريخ الحميري. المقابلة لسنة "9 5 4" للميلاد.

وهناك أسماء آلهة لانعرف من أمرها في الوقت الحاضر شيئاً كثيراً، من بينها الإله "بلو"، وقد عبر عنه بأنه إله البلاء والموت والمنون. وإله يقال له "حلفن" "حلفان"، ويقال إنه إله القسم والحف واليمين، والإله "ورفو"، وهو إله الحدود، أيَ الإله المختص بالمحافظة على الحدود، و "منضح" "منضحت"، وهو إله الماء والري، و "متبقبط"، وهو إله الحصاد عند المعينيين ثم الإله "يهرهم"، وهو إله المطر.

ولا بد من الاشارة الى إله ورد في كتابات عثر عليها في "شبام سخيم" وهو الإله "قينن" "قينان". وهو إله "بني سخيم".

لقد تجمع لدى علماء العربية الجنوبية من أسماء آلهة العرب الجنوبيين ما ينيف على مئة اسم إلهَ، غير أن اكثر هذه الأسماء ليست في الواقع أعلاماً، وإنما هي صفات ونعوت للالهة ذكرت بدلاً من ذكر اسم الإله الخاص. أو كناية تشير إلى أسماء المواضع التي كانت فيها معابد تلك الآلهة ؛ فقد كان لبعض المدن معابد خصصت بعبادة إلهَ، ربما كان إله المدينة أو جملة آلهة لها بالطبع صلة بالمدينة وبالشعب الذي تنتمي المدينة اليه. غير أن هذه الآلهة جميعها يمكن رجعها إلى ثلاثة، هي القمر والشمس والزهرة. أي الى ثالوث يرمز الى هذه الكواكب الثلاثة.

وهناك أسماء مثل "يثعم" في السبئية، و"ككون" في المعينية، و "ارن يدع"، و "سميهت"، و "ذ اينت"، و "نقين"، و "نو شم" و "هروم"، يظن أن لها صلة بالآلهة.

وكما حفظت نصوص المسند أسماء بعض آلهة العرب الجنوييين،حفظت النصوص الثمودية واللحيانية والصفوبة والنبطية كذلك أسماء بعض آلهة تلك الشعوب. وهي كما يظهر من دراستها وتحليلها خليط من آلهة ترد أسماؤها في روايات الأخباريين، ومن آلهة ترد أسماؤها في النصوص العربية الجنوبية، كما ان بينها أسماء آلهة لم ترد لا في أخبار الأخباريين ولا في نصوص المسند. ولاتصال مواطن هذه الشعوب بمواطن الساميبن الغربيين وبمواطن الساميبن الشرقيين ومتاخمتها لعرب العراق ونجد والقبائل العربية في الحجاز ولصلاتها التأريخية القديمة بالعرب الجنوبيين،كان لدراسة الناحية الدينية عند هذه الأقوام أهمية كبيرة في معرفة التطورات الدينية قبل الإسلام، وهذا الخليط الذي أشرت اليه هو في حد ذاته دراسة قيمة تشير إلى التقاء التيارات الدينية واتصالها بهذه البقاع.

وحفظت النصوص الثمودية أسماء جملة آلهة، تعبدوا لها وتقربوا اليها بالقرابين والنذور. منها الإله: "ود" و "جد هدد" و "شمس" و "عزيز" و "نعرجد" و "عمى شجا" و "رضو" و "منت" و "كهل" و "نهي" و "ايل" "ال" و "ات" "اللات "و "عتر سم" "عتر سمن" و "صلم" و "منف" "مناف".

و "جد" هو إله عرف عند بني إرم وعند العرب الشماليين وفي المقاطعات السورية، وهو إله "السعد" في اليونانية، يسعد الأشخاص والبيوت. وقد سمي به موضع "بعل جد" وموضع "مجدل جد"، وأسماء مواضع أخرى فيها كلمة "جد".

وقد وجدت جملة "الإله ازيزوس الفتى الطيب" مدونة على جدران أحد المعابد باللغة اللاتينية،ووجدت جملة أخرى فيها: "الإله الطيب الفتى فوسفورس"، وفي وصف الإلهين ب "الفتى" وب "الطيب" دلالة على ان المتعبدين لهما كانا يتصوران انهما كانا فتيين طيبين خيرين يمثلان ااطيب والمودة. ونجد في نص تدمري و صفاً للالهين: "ارصو" و "ازيزو"، أي "رصو" و "عز يز"، يشبه الوصف المتقدم، إذ ورد: "لارصو ولازيزو: الإلهان الخيران المجزيان"، و "ازيزو: الإله الطيب والرحيم". فوصف الإلهان بانهما خيران، ويجزيان الناس خيراً. وهي نعوت تمثل وجهة نظر القوم إلى هذين الإلهين.

وقد عثر في "تدمر" على نص ورد فيه: " لا رصو ولا زيزو. الإلهان الخيران المجزيان. قد عمله بعكي "بعلي ?" بن ير حيبولا. أفكل ازيزو الإلَه الطيب والرحيم. لسلامته ولسلامة إخوته. في شهر اكتوبر من سنة25. فليذكر الناس يرحى النحات ".. فنحن أمام إلهين: "ارصو" و "ازبزو"، من آلهة تدمر.

وورد اسم الإله "ازيزوس" والإله "مونيموس" في كتابات عثر عليها في "الرها" وفي حوران وتدمر. وقد ظهر الإلهان في نقش، حفر عليه موكب عربة الشمس. نقش "أزيزوس"، وهو يتقدم العربة، و "مونيموس"، وهو يتبعها.

و "ارصو" "أرصو"، هو الإلهَ "ر ضو" على ما يظن. وأما "ازيزوس" "أزيزو"، فهو اسم إلهَ لعلّه "عزيز"، تحرف فصار على النحو المذكور في الكتابات اللاتينية: والإرمية. وأما "مونيموس"، فهم "منعم". وأرى أن عزيزاً ورضياً ومنعماً هي من الأسماء الحسنى، أي نعوت من نعوت الآلهة لا أسماء علم. وذلك على نحو ما نسميّ اليوم ب: "عبد الرضا "، وب "عبد العزيز"، وب "عبد المنعم".

و "هدد" هو اسم إله تعبدت له شعوب عديدة من شعوب الساميين، منهم بنو إرم والعرب الجنوبيون والشماليون، كما تعبد له الاشوريون. وقد اقترن اسمه عند الآشوريين والبابليين ب "رمان"،ودخلت عبادته اليهم من بني إرم الغربيين. و يمثل "هدد" مثل "رمان" "رمون" Rimmon=Rammon=Ramman إلهَ الهواء والرعد والعواصف، ويظهر أنه من أصل عربي هو "هد". ومن اسم هذا الصنم الاسم "بنهدد" "بن هدد" " بنحدد" المذكور في التوراة.

ولا بد ان تكون لهذا الإله صلة بالإله "جد"، ومن هذا الاقتران ظهر "جد هدد" في كتابات قوم ثمود.

و "رضو" هو الصنم "رضى" عند الأخباريين، وهو صنم بقي حياً تتعبد له القبائل العربية حتى الإسلام، فكسر. ويرى "دتلف نيلسن"، انه يمثل الزهرة عند قوم ثمود والصفويين، وانه في منزلة "عثتر" عند العرب الجنوبيين. وقد تعبدت له "بنو ربيعة بن كعب"، كما تعبّد له أهل تدمر والنبط وأهل الصفاة، وعرف ب " ه- رضو" "هارضو"، أي بادخال "ه" "ها" أداة التعريف على الاسم. وقد انتشرت عبادته بين قبائل نجد والحجاز.

ويرى "رينه ديسو" ان "رضى" إلهة عند الصفويين، وانها كانت إلهة كذلك عند بقية العرب. أما "ارصو"، فإنه مذكر عند أهل تدمر.

أما "عزيز"، فإنه الإله "عزيزو"Azizo المعروف عند أهل "الرها"، الذي تحدثت عنه. وقد ذهب بعض الباحثين إلى انه يمثل كوكب الصباح، أي الزهرة. وقد وصف في كتابة مدونة باليونانية انه: Deus bonus puer phosphorus أي الإله الجميل اللماع ذو الأشعة البراقة التي تشبه في لمعانها لمعان الفوسفور.

و "كهل" أو "كاهل"، هو "كهان" المذكور في كتابة معينية. وقد ورد الاسم مقروناً في نص ثمودي بأداة التعريف "ه" "ها"، أي " ه ك ه ل" "ها - كهل" "هكهل". وتعني لفظة "كهل" المعنى المفهوم منها في عربيتنا، كما تعني "القدير".

وتعني كلمة "نهي" في الثمودية ما تعنيه لفظة "حكم" في العربية الجنوبية، أي "حكم" وحاكم و "حكيم" في بعض الآراء،.ولعلها تعني "الناهي" وتكون بذلك صفة للاله َ.وقد ورد اسم هذا الإله في مواضع عديدة من الكتابات الثمودية.

وأما "منف"، فإنه الصنم "مناف" المذكور عند أهل الأخبار. وقد تعبدت له قريش ولحيان، كما تحدثت عنه في موضعه.

وقد ورد اسم "صلم" في عدد من الكتابات الثمودية. ويظهر أن الثموديين كانوا قد أخذوا عبادة هذا الإلهَ من أهل "تيماء". فقد كانت تيماء من أهم الأماكن المتعلقة بعبادة هذا الصنم في حوالي السنة "600" قبل الميلاد. وقد جاءت عبادته اليهم من "ني إرم". ومنهم انتقلت عبادته إلى العرب. وتدل بعض الأسماء المركبة الواردة في الكتابات اللحيانية مثل اسم "صلم يهب" "صلميهب" على أنه كان معبوداً عند اللحيانيين كذلك. ومن لفظة "صلم" جاءت كلمة "صنم" على رأي بعض المستشرقين.

وقد ورد اسم "عترسم" "ه - عترسم" في عدد من الكتابات الثمودية.

وقد توسل فيها أصحابها منه أن يمن عليهم بالبركة والخير والصحة والسلامة.

وقد جاء اسم هذا الصنم من "عثتر سمن" "عتر سماء"،أي "عثتر السماء".

والإله "ود" هو إله معروف عند الثموديين كماِ سبق أن ذكرت. وقد تودد اليه عباده والمؤمنون به، فذكروه في كتاباتهم، ورمزوا اليه بصورة حية، كما رمز اليه العرب الجنوبيون بصورة رأس ثور. وقد تعبر صورة الحية عن الروح التي في بدن الإنسان.

وذهب "دتلف نلسن" إلى أن من بين آلهة ثمود إلهَ اسمه "ملك"، وهو يرى أن الإسم المركب "عبد ملكن"، أي "عبد الملك"، لا تعني كلمة "ملك" الواردة فيه بالمعنى السياسي الذي نفهمه منها، وإنما المراد: المراد بها اسم إله. وذهب أيضاً إلى أن لفظة " ملكن" الواردة في النص القتباني الموسوم ب Glaser 1600 لم يقصد بها ملكاً من ملوك قتبان، بل أربد بها إله اسمه ملكن، أي "الملك". وذكر أيضاً ان اسم " عبد الملك" من الأسماء المعروفة في الجاهلية " ورد في نصوص الثموديين وااصفويين.

وفي الكتابات الثمودية أسماء مركبة مثل "يعذر ال" "يعذر ايل"، و"صلم ال" " صلم ايل"، و "عزر ال" "عزر ايل"، و "سعد ال" "سعد ايل"، و "ود ال" "ود ايل"، اختتمت باسم الإله "ال" "ايل"، مما يدل على ان "ال" "ايل" كان من الآلهة التي تعبّد لها قوم ثمود.

ومن الأسماء الثمودية المركبة الأخرى "بعثتر" وفيه اسم الإله "عثتر" الذي عرفناه في المسند، و "يثع امر" "يثع أمر". وفيه اسم الإله "يثع"، وهو من الأسماء المستعملة بكثرة في العربية الجنوبية. و "صلم دع" و "صلمن دعم"، ف "صلمن" اسم الإله "صلم" من آلهة قوم ثمود المعروفة، و " تيم يغث" "تيم يغوث"، وهو اسم مركب من اسمي إلهين هما: "تيم" و "يغوث".

ووردت في الكتابات اللحيانية، اسماء جملة الهة. منها: "ذ غابت" "ذو غابة" و "عوض"، و "ود"، و "بعل سمن"، و "سلمان" "سلمن"، و "العزى"، و "منف" "منا ف"، و "جدت"، و "ال" "ايل"، و "إلهَ"، و "لت" "الت"، و "سمع"، و "نصر"، و "منت"، و "هفلس"، و "عجلبون" "عجلبن"، وأكثر هذه الالهة كما نرى معروفة، وردت أسماؤها في الكتابات وفي مؤلفات أهل الأخبار.

والإله "ذ غبت" "ذو غابة"، هو من أشهر آلهة اللحيانيين. ولعله إلههم الأول والأكبر. ومع ذلك، فإننا لا نعرف عنه شيئاً كثيراً، وقد كان له معبد في "الديدان". وخوطب بكلمة "قدست"، أي القدس أو المقدس في كتابة من كتاباتهم، وقيل انه في جملة ما قدم اليه من قرابين، قرابين من البشر.

وليست كلمة "ذ غبت" "ذو غابة"، اسم علم للاله، بل هي صفة له، تعني: "صاحب الغابة"، أو "صاحب غابة". وقد وردت لفظة "ذ غبت" في الأعلام المركبة، مثل: "عبد ذ غبت" "عبد ذوغابة"، و "فلح ذ غبت" "فالح ذو غابة"، و "خرح ذغبت" "خرح ذو غابة"، و "مر ذ غبت"، أي "مرأ ذو غابة"، و "زيد ذ غبت"، أيَ "زيد ذو غابة". وورد "عرر ذ غبت"، أي "عرر ذو غابة". والعرو والعر، الجرب، وهو مرض جلدي معروف. فكأن صاحب الكتابة أراد بها، ان الإله "ذو غابة" يرسل هذا المرض إلى مخالفيه ومن يعارض أحكامه أو يعتدي على غيره.

وأما "عوض"، فقد ورد اسمه " في الأعلام المركبة مثل: "عبد عوض"، و "جد عوض"، وقد تعبّد له الصفويون كذلك.

وأما ودّ، فهو إله عام له شهرة عند العرب، وقد عمت عبادته كل جزيرة العرب. والظاهر انه كان من الالهة العربية القديمة،وقد بقي معبوداً حتى الإسلام: وهو من الأصنام المذكورة في القرآن. وقد نعت ب "افكل"، وورد اسمه في الأعلام اللحيانية المركبة. وتعبدت له تميم، وطيء، والخزرج، وهذيل، ولخم، وقريش. وأقيم له صنم في دومة الجندل، صنع على هيأة انسان. ويرى البعض انه الإله "أدد" ءند ثمود. ويظن أن الصنم "قوس" يرمز اليه، ويرى بعض الباحثين أن "نسراً" والصنم "ذو غابت" يرمزان اليه كذلك.

وقد نعت "ود " في بعض النصوص العربية ب "نحسطب" "نحس طب"، ومعناه "الحية الطيب " "الحية الطيبة"، لأن الحية رمز للالَه "ود". ويظن أن اللحيانيين كانوا يتعبدون لهذا الإلهَ منذ كَانوا في مواطنهم الأولى، فلما هاجروا إلى "ديدان" لم ينسوه، ولكنهم بقوا يتعبدون له ويتقربون اليه، لأنه إله الآباء والأجداد وإلهَ لحيان الأكبر، كما تفعل بقية القبائل في اتخاذ إلهَ الآباء والأجداد الإلهَ الأول للقبيلة، والصنم الأكبر بين الأصنام.

وأما "بعل سمن" أي "رب السماء"،فقد تحدثت عنه، ووجدنا أنه كان معبوداً عند العرب الجنوبيين، والغالب أنهم أخذوا عبادته من العرب الشماليين. وقد كان له معبد في "ديدان". وقد نعت معبده ب "احرم" "احرام"، بمعنى "الحرم"، أي حرم الإلهَ "بعل سمين" "رب السماء". وتعبد له "النبط" وكانوا قد أقاموا له معبداً في "سيع"، وذلك فيما بين السنة 33 32 - 2 11 1 قبل الميلاد.

والظاهر أن اللحيانيين قد أخذوا هذا الإله من النبط. وقد تشرف أحدهم بتسمية نفسه ب "عبد سمن" أي "عبد السماء". وقصد ب "سمن" الإله "بعل سمن"، أي "رب السماء". وقد اختصر الاسم، فصار "سمن" "سمين"، والعزى من الأصنام المعروفة عند أهل الأخبار. وقد بقيت عبادته معروفة إلى الإسلام. وقد أشير اليه في القرآن. وقد ذكر اسمه في كتابات عثر عليها في "العلا". وتعبد له النبط كذلك، وصنعت له معبداً في "بصرى" دعي "بيت ايل". وعبر عنه ب "كوكبتا"، أي "الكواكب"، وهو أنثى، أي إلهة.

وقد ورد اسم "العزى" على هذه الصورة: "هنعزى" في كتابة لحيانية، دوّنها رجل اسمه "أوس بن حجر". ويظن بعض الباحثين، أن العزى تمثل كوكب الصباح. ويظهر أن اللحيانيين قد أخذوا عبادتها من نبط بلاد الشام. وأنها لم تكن من آلهة اللحْيانيين في الأصل، بدليل عدم ورود اسمها كورود "ذو غابة" أو الالهة اللحيانية الأخرى فيَ النصوص اللحيانية.

وورد اسم العزُى في الأعلام المركبة، مثل: "بل عزيني" "بال عزيني" و "ب ايل عزينى "، أي ب "العزينى"، وذلك في الكتابات الثمودية. و "تيم العزى" و "عبد العزى" و "امت العزى"، وفي كتابات أخرى تعود إلى ما بين القرن الخامس قبل الميلاد، والقرن الرابع بعد الميلاد.

ويظهر من بعض الأعلام اللحيانية المركبة، مثل "اوس يه" "اوس يهو"، و "عزريه" "عزر يهو"، أن القسم الثاني من الاسم، وهو "يه" "يهو"، قريب من "يهوه"، وهو الإله الكبير المعروف عند العبرانيين. ف "يه" "يهو" هو اسم إِلهَ من آلهة اللحيانيين.

وأما الإله "جدت"، فالغالب أنه إلهة، أي إلهاً أنثى بدليل وجود تاء التأنيث في آخر الاسم. والأصل هو "جد"، وهو اسم إله تكلمت عنه.

وأما "هفلس" "ها - فلس "، فإنه "الفلس"، عند أهل الأخبار. وقد ذكروا أنه كان على هيأة حجر أسود تعبدت له "سليم"، أو على صورة إنسان قدّ من حجر عند "طيء".

و "قيس" و "قيسو" من أسماء الآلهة المذكورة في الكتابات اللحيانية. وقد كان له معبد عرف ب "بت قس" "بيت قيس" في مدائن صالح. ويدل وجود اسمه في الأعلام العربية المركبة، مثل "عبد قيس" و "عبد القيس"، انه كان من الأصنام المعروفة المعبودة عند بقية العرب في مختلف أنحاء جزيرة العرب.

وورد في كتابة لحياني اسْم إله هو: "محر" "ه- محر" "همحر" وبعده اسم إله آخر، هو ""هنا كتب". ويظهر انه من الآلهة التي كانت تعبد في العربية الجنوبية وعند المعينيين الشمالبن، وتعني لفظة "محر" شريعة، أو قانون أو أمر، أو سنة. وهو من الآلهة التي آختفى اسمها في الكتابات اللحيانية المتأخرة.

وأما "هنا كتب" "هانىء كاتب" "هني" "هاني"، و "هنى كتب" "هاني كتب" المذكور مع "ه - محر" "همحر" "هامحر"، فيرى "كاسكل" W.Caskel انه الإله "توت"،Thot. و " توت" هو إله مصري، ويرمز اليه بصورة قرد. ويمثله الإلَه "نبو" عند البابليين. ويمثل "توت" "هرمس" و "المريخ" Merkur. فهو الإله الكاتب. ولعل اللحيانيين أخذوا إلههم هذا من المصريين. ولكننا لا نستطيع أن نجزم ان اللحيانيين قد تصوروا إلههم هذا على صورة " قرد" محاكاة للمصريين لأنهم أخذوه منهم، إذ لا دليل لدينا نستدل به على انهم تصوروا ذلك الإله بصورة قرد.

ووردت في بعض الكتابات اللحيانية أعلام مركبة، جاء فيها اسم هذا اإله،مثل " جرم هنا كتب"، و "زيد هنا كتب". ومعنى "جرم" و "زيد" خادم أوعبد، فيكون الاسم "عبد هنا كتب"، "عبد هنا كاتب".

وأما "سلمن" "سلمان"، فإنه من الآلهة التي ظهرت عبادتها عند اللحيانيين المتأخرين. ويرى بعض الباحثين انه والإله "اب الف" "أبو ايلاف" من الآلهة التي كان واجبها حماية القبور. وقد رمزعن "ابي ايلاف" بصورة أسد يوضع عند جانب القبر ليحميه.

وقد ورد اسم الإله "ابا لف" "ابو ايلاف" اسم علم لشخص كان كبيرا على قومه، وذلك في ايام الملك "عبدان بن ها نواس".

وقد ورد اسم إله هو "شمس"، وقد عبد عند أهل تدمر أيضاً، كما تعبدت له تميم. ونجد بين أسماء رجال قريش وقبائل أخرى أسماء تدل على تعبد الناس للشمس، ومن هذه الأسماء: "عبد شمس".

وأما الإله "عجلبن" "عجلبون" "عجل بن"، فإنه من الآلهة اللحيانية المتأخرة. ويظهر ان اسمه الأصلي هو "عجل بل" "عجل بول" "عجلى بل" أي "عجل" و "بول". ونجد اسمه مع "يرحى بول" "يرح بل" "يرحبل"، و "بل" في الكتابات التدمرية. وبظهر ان تاجراً جاء به إلى اللحيانيين، وأدخل عبادته عندهم. ويظهر انه جاء به من العراق.

ولدينا أسماء ونعوت آلهة تعبد لها أللحيانيون من غير شك، وإن لم نعثر عليها في كتاباتهم، توصلنا إلى معرفتها والوقوف عليها من دراستنا للاسماء اللحيانية المركبة، مثل "كبر ال" "كبر ايل"، و "متع ال" "متع ايل"، و "ذرح ال" "ذرح أيل" "ذر حال"، و "عذر ال" "عذر ايل،"، وأمثال ذلك، فإن اللفظة الثانية وهي "ال":ايل"، هي الإله "ايل" "ايلو"، وهو من الآلهة السامية القديمة.

ومن الأسماء التي وصلت إلينا، اسم رجل عرف ب "عبد قني" "عبد قاني"، مما يدل على ان لفظة "قني"، هي اسم إله أو نعت من نعوت الآلهة.

وورد في الكتابات اللحيانية المتأخرة اسم رجل عرف ب "عبد غث بن زد له سمم"، أي "عبد غوث بن زيد لاه بن سمم" "سموم"، كما ورد "زد غث"، أي "زيد غوث"، وذلك يدل على ان لفظة "غوث" اسم إله. وعندي ان " غوثاً" نعت من نعوت الآلهة، أي اسم من أسماء الله الحسنى لا اسم علم لإلهَ خاص.

و "خرج" من الآلهة التي تعبدها اللحيانيون، بدليل ورود اسمه في أسماء الأعلام المركبة مثل: "زيد خرج" و "عبد خرج".

ويعد "رعن" من آلهة اللحيانيين كذلك، إذ ورد في الأعلام المركبة، مثل: "ر عنا مر"، أي "رعن أمر"، وهو اسم رجل من "ديدان". ف "رعن" من آلهة اللحيانيين أيضاً، ومثل: "رعنا مد" "رعن امد"، ومعنى "امد" أغضب، و "رعنلثع"، "رعن لثع"، أي "رعز احاط" و "رعن ادرك ". ف "رعن" اذن اسم إله من آلهة اللحيانيين والديدانيين.

والإله "يثع" و "يثعن"، من الآلهة التي تعبد لها اللحيانيون، فقد ورد في النص الذي وسمه الباحثون برقم "73" وب J S 73 و M26، اسم امرأة عرفت ب "امتيثعن بنت دد"، أي "أمة يثعن بنت داد"، "أمة اليثع بنت داد"، وورد في الكتابات اسم رجل عرف ب "يثع حيو"، واسم رجل آخر هو "يثعحن"، مما يدل على ان "يثع" كان إلهاً معبوداً ومعروفاً عند "بني لحيان". وقد ورد في كتابة من كتابات "ديدان" اسم رجل عرف ب "يثع امر" "يثع أمر"، فقد ورد في النص الموسوم ب "2" من الكتابات القبورية: "كهف: يثعامر"، أي "قبر: يثعامر" "قبر يثع أمر". واسم "يثع أمر" هو من الأسماء الشعائعة المعروفة عند العرب الجنوبيين، وقد تسمى به ملوك من ملوك "سبأ". فالظاهر انه من الأسماء التي أخذها الديدانيون واللحيانيون عن العرب الجنوبيين، ومن الجاليات العربية الجنوبيهَ التي كانت قد استقرت في أيام عز الحكومات العربية الجنوبية في هذه الأماكن، ف "يثع" اذن، هو إلَه من آلهة العرب الجنوبيين في الأصل، انتقلت عبادته منهم إلى أهل ديدان واللحيانيين.

ومن الالهة التي نجد لها أثراً في عبادة اللحيانيين من دراستنا لأسمائهم، الاله: "حمد" "حميد". فقد ورد في اسم امرأة عرفت ب "امتحمد بنت عصم". وأرى ان "حمد" أو "حميد" ليس اسم إلهَ، أي اسم علم، وانما هو نعت من نعوت الالهة، أي اسم من الأسماء الحسنى، التي يسم الإنسان بها آلهته، على سبيل التأدب والاحترام.

ونرى أثر عبادة الإلهَ "مناة" عند اللحيانيين من دراستنا للأعلام المركبة أيضاً، مثل: "عبد مناة" "عبد منت"، و "اسمنت" "اوس منت"، أي "أوس مناة"، و "عبمنت" اختصار "عبد مناة" و "عبدة مناة "، و "عذ منت"، أي "عوذ مناة"، و "عابذ مناة"، و "هون منت" "هون مناة"، و "نعم منت" "نعمت" أي "نعم مناة"، و "نسمنت" "نسأ مناة" " و "قن منت" "قنمنت"، أي "قين مناة "، و "سنفمنت" "سنف مناة"، و "تهنمنت" "تهنأ مناة"، إلى غير ذلك من أعلام مركبة، ورد فيها اسم ذلك الإلهَ الذي هو إلهة، أي أنثى عند العرب. وقد ذكرت.

في القرآن الكريم. ولا أستبعد ان يكون أنثى عند اللحيان ين أيضاً. ولعل لأصل الكلمة التي أخذ اسم هذه الإلهة منه، وهو "منوتو" Manotu في النبطية، وتعني "منية" في عربيتنا صلة، بجعل الإلهَ إلهة، أي تحويلها إلى إلهة أنثى.

والصنم "اللات" من الأصنام النبطية، المعبمودة عند النبط، والمعبودة عند ثمود كذلك، وااظاهر ان عبادته انتقلت إلى عرب الحجاز ونجد من العرب الشماليين، الذين تأثروا بعبادة النبط.

ووردت لفظة "هتهم" في كتابة لحيانية، وردت بمعنى "إلاهتهم"، أي تعبيراً عن إلهة أنثى. ويظن "كاسكل"، انها تصغير "لات" "لث". و "اللات"، من إلآلهة المعروفة المعبودة عند النبط، وكذلك عند العرب الشماليين، وعند عرب الحجاز. وقد ذكرت في القرآن الكريم، وهي إلهة، أي أنثى. وترد اللفظة عندهم في إلاعلام المركبة مثل: "تيم اللات" "تيم لات".

وقد وردت "لفظة "هله" "ه - لاه" في كتابة لحيانية، وردت بصيغة التوسل والنداء والخطاب، أي بمعنى: "اللهم" و "يا الله". ووردت لفظة "لله"، أي "إلى الإله " أو "للّه"، في كَتابة أخرى. وهي لا تعني في كلَتا الحالتين إلهاً خاصاً معيناً، وانماَ تؤدي المعنى الذي تؤديه لفظة "إله" و "الإله" في عربيتنا، وgod في الانكليزية، وربما قصد بها إلهَ لحيان الأكبر "ذو غابة"، كما يقصد المسلمون باطلاقها لفظة "الله"، وذلك للتعبير عن اسم الله بأسلوب مؤدب مهذب.

ومثل: "هنا له" "هنا لاه" "هنى لاه"، و "نساله" "نسألاه" "نسى لاه"، و "ودع لاه" "ودع له"، و "مراله" "مرأ لاه"، و "تيم له" "تيم لاه"، و "وهب له" "وهب لاه"، و "زيد له" "زيد لاه"، و "جرم له " "جرم لاه"، و "سعد له" "سعد لاه"، فإن الجزء الأخير من الاسم وهو "له" "لاه"، هو "إلَه". وإله من الألفاظ الدالة على اللّه، وترد في أكثر اللغات السامية.

ويلاحظ ان أكثر استعمال "ال" "ايل" في العبرانية هو في الشعر وفي أسماء الأعلام المركبة، ولم يستعمل في النثر إلا قليلاً. أما في اللهجات العربية وفي اللغات السامية الأخرى، فقد استعملت اللفظة في الأعلام المركبة في الغالب، وفي معنى "إلَه" مثل "ال تعلى، أي "الإلهَ تعالى"، وما شاكل ذلك، بمعنى اسم من أسماء الله الحسنى وإله.

وعلى الرغم من ورود "ال" "ايل" ُ Elبصورة يستنبط منها انها قصدت إلهاً معيناً خاصاً، أي اسم علم، لا نستطيع ان نقول إن "ال" اسم علم لإلَه معين مخصوص،، مثل الآلهة الأخرى التي ترد أسماؤها في الكتابات، ذلك لأن الذين ذكروا "ال" "ايل" في الأعلام المركبة، أو في مواضع أخرى من كتاباتهم لم يقصد كما يتبين من الاستعمال إلهاً معيناً اسمه "ال" "ابل"، وانما أرادوا ما نعبر عنه بقولنا "إلهَ" والجمع آلهة. فلفظة "إِلهَ" عندنا ليست اسم علم، وانما تعبر عن اسم الجلالة دون ذكر اسمه. وهي كذلك عندهم وعند بقية الساميين بمعنى " رب"، وإله و "بعل" عند الأقدمين.

ولا يعرف العلماء معنى لفظة "ال" "ايل" على وجه علمي دقيق.ولكنهم يفسرونها عادة بمعنى "القدير" و "الحاكم". ومعنى ذلك ان "ال" نعت من نعوت الالهة، أو اسم من أسماء الله الحسنى بحسب التعبير الإسلامي. ويرى بعض، العلماء احتمال عدم وجود صلة له ب "الوهيم، Elohim الكلمة العبرانية التي تطلق على الإله.

وأما آلهة الصفويين، فهي "اللت" "لت" "هلت"، و "دين" "ديان"، و "هله" "" ه ل ه"، و "جد عوذ"، و "بعل سمن"، و "شيع ه - قوم" "شيع القوم"، و "اثع"، و "صالح"، و "ذ الشرا" "ذو الشرى"، و "رضا" "رضى"، و "جد ضيف"، و "ر حم" "ورحيم".

و "الت"، أبَ "اللات" إلهة أي أنثى، ويراد بها الشمس..وقد مثلت في بعض النصوص الصفوية بقطعة من الشمس رسمت بصورة بدائية، ورسمت في بعض النصوص السامية الشمالية بشكل امرأة عارية، رمز اليها بصورة فرس في النصوص العربية الجنوبية، والفرس من الحيوانات المقدسة التي ترمز إلى الشمس عند قدماء الساميين وعند غيرهم من الشعوب، ولذلك كان الناذرون لها يقدمون لها تماثيل مصنوعة على هيأة فرس.

ولفظة "ديان" "ديّان"، ليست اسم صنم على ما يظهر، وانما هي صفة من صفات الالهة. وهي معروفة في عربيتنا وعند المسلمين، تطلق على الله. وقد استعمل الصفويون "جد عوض" اسما لإلَه، كما استعملوا اسماء آخر قريباً منه هو "جد ضيف".

وقد ورد اسم الإلهَه: "جد عوض" "هجد عوض" في نص محفوظ في متحف دمشق، وسم با Dames 1312"وورد بعده اسم الالهين شع هقوم وشيع هقوم وهلت واللات.

وتقابل لفظة " جد" معنى الحظ في اللغة اليونانية، وقد صار في الأقاليم السورية المتحضرة الإلهَه الحارس للمدينة. و "جد عوذ" هو إلَه معروف مشهور عند الصفوبين، وورد أسهه في كتاباتهم. وقد ذهب "رينه ديسو" إلى ان لفظة "عوذ" "عويذ" هي اسم عشيرة أو قبيلة كانت تعبد للاله "جد"، وكانت سدنته منهم، فنسب اليهم وعرف ب "جد عوذ" "جد عويذ" على طريقة اله رب في ذلك العهد من نسب الأرباب إلى القبائل أو العشائر أو السدنة التي يعبدونها أو إلى الأشخاص الكبار.

وقد ورد اسم الإلهَ "جد ضيف" "جد ضف" في عدد من الكتابات الصفوية التي عثرعليها في المملكة الأردنية الهاشمية. كما ورد فيها اسم إلهَ آخر هو الإلهَه: "هجد عوذ" "ها - جد عوذ".

أما الإله "شيع القوم"، فقد ورد اسمه في النصوص النبطية في "بطرا" وفي "تدمر" وهو إلَه القوافل في نظر بعض المستشرقين.

وه اله يحمي قومه. وِقد احتمى به أهل القوافل خاصة من الأعراب وقطّاع الطرق. ولذلك كان التجار وأصحاب القوافل يذكرون اسمه وربما يحملون وثنه معهم لحمايته لهم في أثناء السفر حتى بلوغهم ديارهم سالمين.

وقد نعت في كتابة نبطية دونها أحد نبط "تدمر". بأنه "الذيَ لا يشرب خمراً". وهذا يعني ان هذا الإله كان يكره الخمور، ويكره شاربيها ": لعل في ذلك فكرة تحريم الخمر عند جماعته. وقد كان في الجاهليين ممن حرموا الخمر على أنفسهم. كما نعت ب "الالَه الطيب المجازي"، وهو نَعت نعت به وبمثله آلهة أخرى. وقد ذهب بعض، الباحثين الى احتمال وجود جماعة من النبط ومن غير النبط كانت تحرم شرب الخمر، بدليل ما جاء في النص النبي من نعته بأنه "الإلَه الطيب المجازي الذي لا يشرب الخمر ". و "يثع" هو في جملة الالهة التي تعبد لها الصفويون، كما تعبد له غيرهم أيضاَ. قد قلت سابقاً باحتمال انتقال عبادته ان هذه الأرضين مات العرب الجنوبيين الذين كانوا قد نزحوا اليها واستولوا عليها وذلك قبل الميلاد. وتعني لفظة "يثع" الحامي والناصر والمساعد، وقد حرف اليونانية الى "ايثاؤس" و "يشع". وقد ورد "يثع" في نص توسل فيه صاحبه الى هذا الإله ان يعينه على المكاره، وتوسل آخر اليه ان يثأر ممن يتبعه، وطلب اليه آخر ان يشفيه من المرض.

و "رحم" "رحيم" مثل "رحمن"، أيَ "الرحمن" " لعلهما اسمان من أسماء الله الحسنى في الأصل، ثم صارا اسمين علمين. وينطبق هذا القول على لفظة "صالح" الواردة في نصوص الصفويين.

وقد قرأ بعض الباحثين لفظة "رحم": "رحام" 0 أما "نولدكه" فقد قرأها بتشديد حرف الحاء. ولعدم وجود علامات لحركات الحروف يجوز ان تقرأ الكلمة "رحيم"، كما ذكرت آنفاً. وقد ورد اسم هذا الإلَه فيِ نص تدمري أيضاً، لأنه كان معبوداً عندهم أيضاً.

وقد ذكرت "الشمس" في نص، أو نصين أو أكثر من ذلك بقليل من النصوص الصفوية. وعبادة الشمس هي عبادة قليلة الانتشار بين الأعراب، على عكس الحضر الذين كانوا يتعبدون لها. و لهذا كان اثر الذين عبدوها من الحضر، أو من الأعراب الذين تطوروا بأن ركنوا الى حياة الحضر. أو توسطوا بين الحياتين.

وفي جملة النصوص الصفوية التي ورد فيها،اسما "الشمس" نص سجله رجل اسمه "خالص بن شهم بن عمرة بن عم". وقد توسل الى "شمس وجد عوذ و اللات " ان تنزل العمى بمن يتطاول على الكتابة فيمحوها ويطمس معالمها.

و "شمس" من هذه الالهة ا إني ذكرت في الأعلام المركبة، إذ ورد "عمشمس" "عم شهس". وهي إلهة معروفة. تعبد لها العرب الجنوبيون وغيرهم من العرب، كما انها من الالهة المعبودة عند بقية الساميين. ويرى "كاسكل" ان الشمس كانت تعد إلها ذكراً عند أكثر العرب الشماليين في هذا العهد، أي في القرن الأول قبل الميلاد.. والقرن الأول للميلاد.

ونجد اسم الإلهَ "بعل سمن" في الكتابات الصفوية كذلك والصفوِيون هم كما ذكرت قبائل عديدة طافت في هذه الأرضين التي عثر على الكتابات الصفوية بها، وهم من مواضع متعددة، ولم يكونوا من موطن ثابت، لذلك كانوا يعبدون الهة مختلفة: آلهة قبائلهم وآلهة قبائل سبقتهم، وآلهة قبائل اختلطوا بها فأخذوا عنها معبوداتهم، مثل هذا الإله "بعل سمين"، أي بعل السماء، أو ربّ السماء.

وتعد اللات من أهم الالهة عند الصفويين بدليل كثرة ورود اسمها في كتاباتهم. فقدورد اسمها في أكثر من ستين مرة في الكتابات.

و "ه ل ه"، "هله" هي بمعنى: "اللهم". فلفظة "له" هي بمعنى "إلهَ" و "لاه". وقد ذهب بعض المستشرقين إلى انها تعني "الله". و-اذا صح هذا الرأي، دلّ على ان لفظة الجلالة "الله" كانت معروفة عند العرب الجاهلين قبل الإسلام بقرون. وقد وردت في عدد من النصوص الصفوية مسبوقة بحرف "الهاء" في الغالب، وهو حرف النداء، كالذي ورد في نص صفوي سجله شخص اسمه "سني بن سني بن محنن"، ذكر فيه انه عثر على أثر عمه، ثم توسل إلى "له" إذ خالجه بقوله: فهله سلم لذ ساد وغيرت، أي: فيا الله امنح السلامة لمن سار بمعنى سافر وساعده.

و "رضى" "رضا" هو من الآلهة النبي تعبد لها الصفويون كذلك، وقد تحدثت عنه في مواضع عدة، اذ كان معبوداً عند غيرهم أيضاً. وهو "ارصو" "ارضو" في الغالب، الذي يرد في نصوص تدمر. وقد ورد اسم "رضى " في عدد من الكتابات الصفوية، يتوسل فيها أصحابه اليه أن يمنً عليهم بالسلامة والنعم، وأن يبعد عنهم شر الأعداء وكيدهم، وأن ينزل النقمة وغضبه على أعدائهم،إلى أمثال ذلك من توسلات وأدعية.

وورود "عبد حت"، أي "عبد حوت"، فيَ الكتابات المتأخرة،، يدل على ان "حوتاً" من أسماء الالهة التي تعبد لها اللحيانيون.

و "حمل" اسم إلهَ أيضا، لورود اسمه في الأعلام المركبة مثل: "عبدحمل"، وهو من الأسماء التي وردت في الكتابات اللحيانية المتقدمة.

وكثيراً ما نجد أناساً يتوسلون إلى هذه الالهة بأن تمنحهم السلام والرحمة، وان تنكل بأعدائهم، بل نجد شواخص القبور، ترجوها ان تصيب بالعمى من يطمس كتابة الشاخص، الذي يحمل اسم صاحب القبر المدفون فيه وان تنزل به الأمراض والآفات. ومعنى هذا ان المؤمنين بها كانوا يعتقدون انه! تثيب وتعاقب، تمنح السلام والخيروتنفع وتضر وتنزل الأذى بمن تريد وتشاء، ولهذا توسل الناس اليها وخاطبوها، إما لرجاء وإما لايذاء.

أما آلهة النبط، نبط "بطرا"، فهي: "ذو الشرى" Dushara، و "اللات"، وهو إلهة، "ام الآلهة"، و "منوتو"، أي "مناة"، ُ "قشح"، و "هبلو"، أي "هبل"، و "شيع القوم" خامي القوم، وإلَه القوافل.

وأما "ذو شرا" ]Duosares=Dausarys " "دوسرا"، فإنه "ذو الشرى" الذي يرد اسمه عند أهل الأخبار. وهو من آلهة "بطرا"، وقد زعم انه في منزلة "ديونيسوس" Dionysos. وعرف ب Dios Arabikos=Dieu Arabiques " في بعض الكتابات اليونانية التي عثر عليها في الأردن، والتي يعود عهدها إلى سنة "116-117" أو "126 - 127 للميلاد: مما يدل على انه كان من الآلهة المعروفة بين العرب، وانه إلههم الخاص بهم.

وذكر ان Dusares هو في منزلة Dionysus، و قد عرف عند اليونان بأنه إلهَ العرب، كما ذكرت. وانه الاله Pakades؛ عند النبط، وله معبد في "جرش" Gerash.

وورد اسم "دشر" "دوشرا".Dushares في عدد من النصوص الصفوية. ورد في هذه الجملة مثلاً: "فهلت وهدشرثار لمن حولت"، أي "فيا اللات ويا ذو الشرى، اثأروا ممن يحوّل". ويقصد ب "يحوّل"، يحول شاهد القبر الذي كتبت عليه هذه الكتابة. كما ورد في عدد من الكتابات،يرجو فيها أصحابها من هذا الإله ان ينعم عليهم بالسلامة وان يتقبل منهم أعمالهم.

وقد ورد مع اسم "ذي الشرى" في بعض الكتابات النبطية، اسم الإله "هبل" واسم "مناة". و "هبل" هو صنم قريش الرئيس. وهو إلَه الكعبة ويرمز إلى التمر. وقد وضع في الكعبة على هيأة انسان، وأمامه حفرة عبر عنها بلفظة "بغبغ"، وكانت يده اليمنى مكسورة، فعوضته قريش بيد من ذهب، والظاهر ان الحية ترمز اليه، أو إلى ود، وان الحية التي قيل انها كانت في بئر زمزم، هي رمز هبل.

وورد اسم "اللات" مدوناً في نصوص، نبطية عديدة، فقد عثر ب "صلخد" على كتابات من سنة "45" قبل الميلاد، وسنة "55" بعد الميلاد. وسنة "95" للميلاد، وعلى نصوص أخرى، وقد ذكر فيها اسم هذه الإلهة، وأشير فيها إلى تشييد معبد خصص بعبادتها والى سدنة كانوا يقوم ون بخدمتها. ووجدت كتابات في مواضع نبطية أخرى، ورد فيها اسم "اللات" وبدت كل ذلك على ان اللات كانت من المعبودات المقدره عند نبط هذه الديار.

أما الكتابات النبطية المدونة في مواضع اخرى من بلاد الشام وفي أعالي الحجاز، فقد ورد فيها اسم "اللات". ورد فيها على انه من الآلهة الكبيرة، التي يخدمها سدنة، ولها معابد خصصت بعبداتها.فقد جاء في نص مؤرخ بسنة "47" للميلاد ان شخصاً اسمه "".ملكو بن قصيو و" "مالك بن قصي"، أو "مليك بن قصي"، كان كاهنا "للات" في موضع "حبرن" "حبران"، وهو من جبل حوران.

وأما آلهة "تدمر"، فهي "بل"، أي "بعل" و "عزيزو"، و "ارصو" "ارضو"، و "شيع القوم"، و "شمش" "شمس" و "اللات"، و "ايل". و "بعل شمين"، و "سعدو". ويلاحظ ان الكتابات التدمرية تستعمل في الغالب الكنايات والنعوت الإلهية بدلاً من أسماء الآلهة، فاستعملت "تبارك اسمه"، و "رب العالم"، و "الله المحسن"، و " رب العالمين"، وأمثال ذلك كناية عن آلهة تدمر. وهي تشير إلى وجود فكرهّ التوحيد عند التدمريين. والى اغراب أهل تدمر عن التصريح بأسماء الآلهة، والاكتفاء بذكر نعوتها وأسمائها الحسنى، على طريقة العبرانيين في تجنب ذكر اسم الإله، والتكنية عنه بنعوته. وقد يكون لآراء الفلاسفة اليونان أثر في معتقدات أهل تدمر في آلهتهم.

ويرى "ليدزبارسكي"، Lidzbarski ان "بل".، هو إله تدمر الأكبر. وهو "بعل". ولمركزه الخطير عند أهل تدمر، دعاه اليونان "زيوس" Zeus أما "ملك بل"، فإنه الشمس، وأما "عجلى بل"، فهو القمر. ويقدم عادة على "ملك بل" في الكتابات. وتقدم القمر على الشمس عادة قديمة عند أهل تدمر لا بد أن يكون لها سبب بالطبع.

أما الإلهَ "عزيزو"، فهو العزى. ويؤيد ذلك ما ذكره أحد الكتبة اليونان من انه كان كوكب الصباح عند العرب، وانه الإلهَ الرؤوف الرحيم الذي عبدته العرب قبل الإسلام. ويلاحظ ان هذا النعت وارد في نص تدمري، مما يثبت كون "عزيزو" هو "العزى" الإلهَ ألشهير.

وأما "ارصو" "ارضو"، فيظن "ليسزبارسكي" انه Oratal الذي ذكر المؤرخ "هيرودوتس"، انه أحد آلهة العرب الكبرى مع الإلهَ "اللات". ويظن ان "ارصو"، هو "رضا" "رضى" الإلهَ الذي أشار اليه الأخباريون.

وأما "اللات"، فقليل الورود في النصوص التدمرية مع شيوع الأسماء المركبة المؤلفة منها ومن كلمات أخرى عندهم.

وأما "منوتو "، فإنه "مناة" المذكور في القرآن. وكان له معبد في "قديد"، بين مكة و المدينهَ، وقد صنع من حجر، وتعبدت له الأوس والخزرج، وهذيل، وخزاعة، وتعبد له النبط كذلك، وأقاموا له معبداً أشير اليه في كتابات "مدائن صالح"، كما تعبدت له ثمود ولحيان ونبط تدمر. وهو أنثى في نظر أهل الأخبار، والظاهر ان بينه وبين المنية صلة، كما بينت ذلك قبلا.

وقد عبد الإلهَ "بعل شمن" "بعل شمين" في تدمر. وقد رأينا انه عبد عند اللحيانين والصفوين، وعند غيرهم ايضاً. وقد وجد اسمه في كتابة تعود إلى القرن الثاني قبل الميلاد، تبين منها انه كان معبودا في "بعلبك". وهو كما قلت الإلهَ "بعل سمن".

وأما "سعدو"، فقد رأى بعض المستشرقين انه الإلهَ "القمر"، وانه الصنم "سعد"، وهو من الأصنام النبي ذكرها أهل الأخبار. وقد تعبد له بعض كنانة، ويقال هذيل، كما تحدثت عنه.

وورد في بعض كتابات "حوران" اسم إلهَ دعي ب "قصي". واليه تنسب بعض الأعلام المركبة التي ورد فيها اسمه، مثل "عبد قصي". ويظن انه. الإلَه المسمى ب "زيوس كاسيوس" Zeus Kasios و ب Jupiter Casiu=Jupiter Casius في الكتابات اليونانية. وفي جملة هذه الأسماء المركبة المعروفة التي وردت إلينا، اسم "وهب لث"، اي "وهب اللاِت"، وهو اسم ابن الملك "اذينة" من زوجه "زنوبيا"، أي "الزباء".

وقد ذهب "رينه ديسو"، إلى ان للعنصر العربي كان مهماً في تدمر، وله أثر في حياة المدينة، وانه هو الذي أدخل عبادة اللات إلى تدمر. وقد عبر عنها ب "اثينا"، ولهذا ترجموا اسم ابن الزباَء، أي "وهب اللات"، ب "اثينودور" Athenodore.

وجاء في كتابات نبط "مدائن صالح" اسم إلهَ عرف ب "شيع هقوم" "شع هقم" ". هشع هقم" "شيع هاقوم" "شيع القوم"، وهو إلَه القوافل والمحاربين. يدافع عن القوافل وعن رجالها ويصد عنها لصوص الطرق وقطاّعها، ولهذا كان يتقرب اليه التجار بالنذور وبالدعوات ينزل يمن يتحرش بتجارتهم العذاب الأليم. وهو أيضا من الهة قوم ثمود والصفويبن،كما تحدثت عن ذلك. وقد بني للعزى معبد في "بصرى"، عرف ب " بت ال"، أي "بيت ايل".

وأما آلهة "ديدان"، فلا نستطيع التحدث بإفاضة عنها، لعدم وصول كتابات ديدانية إلينا، فيها ذكر لتلك الآلهة. وفي الأسماء الديدانية المركبة أسماء الهة، على رأسها "ال" "ايل" الذي ورد في "كبر - ال" "كير ايل"، و "متع ال" "متعال" "متع ايل"، و "ذرحال" "ذرح ايل"، و "وسقال" "وسق ايل"، و "ال - بر" "ايل - بر"، و "العم" "ايل - عم"، و "شيمال" "شيم - ايل"، و "الاب" "ال اب"، "ايل اب"، فإن "ايُّل" "ال" في هذه الأسماء هو الإلَه "ايل".

ثم: "إلَه" ظ و "يثع"، و "خرج"، و "رعن"، و "دد" "داد"، و "نعر"، و "قس" "قوس" "قيس". وبعض هذه الألفاظ نعوت للالهة، لا أسماء أعلام، وبعضها من أصل عربي جنوبي، مثل "يثع"، فإنها نعت من نعوت الألهة، معناه: "المساعد" "الناصر" "المؤيد"، وقد عرف عند السبئيين. وبعض آخر من أصل شمالي مثل "دد" "داد"، فإنه من معبودات الكنعانيين والنبط.

ويرى " كاسكل" ان "خرجا" هو إله، والخرج في العربية أول ما ينشأ من السحاب. وبه سمي "الخرج". وقد ورد في الاْعلام المعينية المركبة: "عبد خرج"، و "زيد خرج". ويحتمل أن يكون قد جاء إلى الديدانيين من المعينين الذين كانوا أصحاب ديدان قبل الديدانيين، ويرد" دد" "داود" في الأسماء المركبة كذلك، وكذلك بصيغة التأنيث أي "ددت" "دادت"، أي إلهة. ويعني "دد" عم فقد ورد "حي - دد" "حي داد"، و ورد "عبد ددت اي "عبد دادت"، يدل على ان "داد" اله من الآلهة المعبودة، وان "ددت" إلهة.

و "قس" أي "قوس" هو أيضاً من أسماء الآلهة، اذ ورد مكوناً لاسم رجل، عرف ب "جلتقس" أي "جلت "قوس". وورد اسم آخر في الأعلام المركبة كذلك، هو "قسط" ? في اسم "عبد قس"، ويمكن ان يقرأ "قوساً" كما يمكن ان يقرأ "قيساً"، اي "عبد قيس"، و "عبد قيس" و "عبد القيس" من الأسماء المعروفة عند العرب. ف"قوس"و "قيس" من الآلهة المعروفة عند العرب.

و "قوس" هو من آلهة "بني أدوم"، أي الادوميين،اذ كان يعبد عندهم. وقد ذهب "بروى" Braeu الى ان الإله "قيس" هو إلَه واجبه حماية الحدود.

ووردت لفظة "صلم" في الأعلام المركبة كذلك، مثل "صلمجد" أي "صلم جد ومثل "صلميحب" "صلم يحب". ومعنى ذلك ان "صلما" هو اسم إله.

يلاحظ ان بين الآلهة المذكورة أسماء، هي في الواقع ليست أسماء. وانما هي صفات، أو ما يقال له "أسماء الله الحسنى" فيِ الإسلام، استعملت وأطلقت على الألة حتى صارت في منزلة الأسماء. كما نجد صفات وضعت قبلها لفظة "ذ" أي "ذو" أو "ذت"، أي "ذات"، وأطلقت على الآلهة اطلاق الأسماء على المسميات. ومن هذا القبيل "ذعقل"، أي "ذو عقل"، و "ذ شرى"، أي "ذو الشرى"، و "ذ قبض"، أي "ذو قبض"، و "ذت انوط"، أي "ذات أنواط"، و "ذت حمم"، أي " ذات حميم"، و "ذت بعدن"، أي "ذات البعد"، فليست هذه أسماء في الأصل، وانما هي على ما ذكرت، وقد عبر بها عن آلهة معينة، حتى صارت عندهم في منزلة الأسماء.

الآلهة التي ورد ذكرها في النصوص

وأود ان أدوّن هنا أسماء ونعوت الالهة التي أشير اليها في نصوص المسند، وفي النصوص الأخرى. باختصار، ليحيط بها القارئ، وهي: "زد" إلَه معين الكبير. وقد ورد في نصوص أخرى عثر عليها في أعالي الحجاز. و "المقه" إله سبأ الكبير، و "سن" "سين،" إلهَ حضرموت الكبير، و "ورخ" و "شهر"، و "عم" إلهَ شعب قتبان. وهي كلها في معنى واحد، اذ قصد بها الاله القمر.

ومن الأسماء الأخرى: "انبي" "أنبى"، و "شرقن" "للشارق"، و "ر حم" "الرحيم" "رحيم"، و "رحمنن" "الرحمن"، و "عثتر"، و "اثرت" "اثيرت"، و. "بعل"، و "بعلت"، و "ذات انوت" "ذات أنوات"، و "ربت اثر"، و "بعدن"، و "ذت بعدن"، و "برن"، و "ذت برن"، و "غضرن"، و "ذت غضرن -"، و "حمم" "حميم"، و "ذت حمم" "ذات حمم" "ذات حمم"، و "نشقم" "نشق"، و "رحبن" "رحاب" "الرحاب"، و "ذت رحبن" "ذات الرحاب"، و "صهرن" "الصهر"، و "ذت صهرن" "ذات الصهر"، و "صنتم"، و "ذت صنتم"، و "ضهرن"، و "عم ذ دون"، أي "عم رب دأون" "هم صاحب داوان"، و "ال" "ايل"، و "كهلن" "الكاهل"، و "حرمن" "الحرم"، بمعنى الإلهَ، و "حرمت " حرمة، بمعنى الإلهة. و "هوبس"، و "حلم" "حليم"، و "حكم" "حوكم"، و ! متب قبط"، و "متب نطين"، و "نهى"، و "نكرح".، و "نسر"،و "نسور"، و "رب شهر"، و "رب ثون"، و "صدىَ" "صديق" " صادق"، و "شمس"، و "سموى" أ و "شرقن"، و "سمع""سميع" "سامع"، و "تالب" "تلب"، و "تلب ريمم" "تالب ريام، أي الإلهَ "تالب" رب موضع "ريام" لوجود معبد كبير له به.

و "عثرت"، و "عزيّ"، و "تلب سمعى" "تالب سمعى"،و "حول" "حويل"، و "ذ جربم" "ذو جرب"، و "ذ قبضم""ذو قبض" "ذو القبض" "القابض"، و "سمعى"، و شريت" "شرى"، و "عثتر شرقن"، و "عزين"، و "قزح"، و "متب مذجب"، و "نرو".

ومن اسماء آلهة ثمود: "ود"، و "جد هدد"، و "شمس"،و "عزبز"، و "نعرجد"، و "عمى شجا"، و "رضو" و "منت،و "كهل"، و "نهي"، و "ايل" "1 ل"، و "لت" "لات"،و "عثرسم" "عثر سمن"، و "صلم"، و "منف"، و "عثتر"، و"يثع"،و"يغث""يغوث"،و"بعلت"،و"يهو"،و"فلس"، و"عوذ".

وتمكن الباحثون من الحصول على أسماء عدد من آلهة لحيان، منها: "ابلف""اب الف" "ابالف"، بمعنى "أبو ايلاف"، و "عجلبن"، و "بدع سمع" " بدعسمع"، و "بعلسمن"، "بعل السماء"، و "ذ غبت" "ذوغابة، و "هنا كتب" "هانئ كتب"، و "له" "لاه"،و "لهت" "الهات"، و "لت" "لات"، و "همحر" "ها محر"،و "سلمن" "سلمان"، و "هنعزيَ" "ها نعزي"، و "و د".

وحصلنا من الكتابات الصفوية على أسماء بعض الالهة، مثل: "اللات" "لت"، و "للعزى"، و "مناة" "منات"، و "ر ضا" "رضو"، و "ه له" "ها لاه" "الله"، و "جد عوذ"، و "شمس"، و "رحم"، و "شيع هقوم" "شيع القوم"، و "اثع" "اثاع"، و "بعل سمين" "بعل سمن"، و "دو شر" "ذو الشرى" "د شر"، و "جد ضف" "جد ضيف".

الفصل الحادي والسبعون،

شعائر الدين

ولكل دين شعائر تكون له سمة وعلامة تميزه عن غيره من الأديان. ولمّا كنا قد ذكرنا ان الجاهلين كانوا شعوباً وقبائل، لم تجمع بينهم وحدة فكر ولم تضمهم دولة واحدة، بعقيدة مشتركة، فنحن لا نستطيع أن نتحدث عن شعائر واحدة لجميع عرب الجاهلية.

وما سأذكره عن ديانات أهل الجاهلية، مستمد إما من نصوص جاهلية، وذلك فيما يخص العربية الغربية والعربية الجنوبية في للغالب،وإما من موارد اسلامية، وهو ما في يتناول أهل الحجاز، قبل ظهور الإسلام، وبعض أنحاء نجد. وهو مما جاء عنهم في القرآن الكريم وفي الحديث النبوي وفي كتب التفسير والسير والأخبار مما له صلة بأيام الجاهلية المتصلة بالإسلام، وبظهور الإسلام.

وفي مقدمة شعائر الدين عند أهل الجاهلية: الأصنام وبيوتها والتقرب اليها بالصلاة وبالسجود. وبالطواف حولها، وبالنذور. وبالحبوس وبالقسم بها، وذلك تمنّ على عبدها الإنسان فتمنحه ما يرجوه.في هذه الحياة من صحة وعافية ومال ونسل وذكور وتكاد تنحصر الكتابات الجاهلية التي عثر عليها حتى الآن بهذه الأمور، اذ لا نكاد نجد فيها شيئاً له علاقة بالآلهة يخرج عن حدود ما ذكرت. ويكاد يقتصر ما جاء في روايات أهل الأخبار عن ديانة أهل الجاهلية بهذه الأمور ايضاً، فلا تتجاوز ما ذكرته من تقرب إلى صنم أو توسل اليه وطواف به، لنبل شيء منه يتمناه ويرجوه في هذه الحياة الدنيا.

أما الصلاة إلى الالهة على نحو ما يفهم من الصلاة في الإسلام فلا نجد لها ذكراً في النصوص الجاهلية، ولا نكاد نجد لها صورة واضحة صحيحة في روايات أهل الأخبار، اللهم إلا فيما يخص صلوات اليهود والنصارى والعرب فقد كان هؤلاء يصلون في كنائْسهم في أوقات معينة، وقف بعض أهل الجاهلية عليها، فأشاروا اليها في أشعارهم وفي حديثهم عن أهل الكتاب.

وقدُ ذكر ان عبدة "الشمس" كانوا قد "اتخذوا لها صنماً بيده جوهرعلى لون النار، وله بيت خاص قد بنوه باسمه وجعلوا له الوقوف الكثيرة من القرى والضياع وله سدنة وقوام وحجبة يأتون البيت ويصلّون فيه لها ثلاث مرات في اليوم، ويأتيه أصحاب العاهات فيصومون لذلك الصنم ويصلون ويدعونه ويستشفعون به. وهم اذا طلعت الشمس سجدوا كلهم لها،واذا غربت واذا توسطت الفلك. ولهذا يقارنها الشيطان في هذه الأوقات الثلاثة، لتقع عبادتهم وسجودهم له. ولهذا نهى النبي، صلى الله عليه وسلم، عن تحري الصلاة في هذه الأوقات قطعاً لمشابهة الكفار ظاهراً، وسداً لذريعة الشرك وعبادة الأصنام". وذكر "اليعقوبي" ان العرب كانت "اذا أرادت حج البيت الحرام، وقفت كل قبيلة عند صنمها وصلوّا عنده ثم تلبوا". وفي هذين الخبرين دلالة على وجود الصلاة عند الجاهليين، ولا سيما في خبر عبدة الشمس، حيث كانوا يصلّون ثلاث كرات لها في اليوم.

وذكر ان "التسبيح" بمعنى الصلاة والذكر، روي ان "عمر" جلد رجلين سبّحا بعد العصر، أي صلّيا. وان قول الأعشى: وسبحّ على حين العشيّات والضحى  ولا تعبد الشيطان والله فاعـبـدا

يعني الصلاة بالصباح والمساء. وعليه فسر قوله )فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون(، يأمرهم بالصلاة في هذين الوقتين.

وذكر انهم كانوا يصلون على موتاهم، وكانت صلاتهم ان يحمل الميت على سرير، ثم يقوم وليه، فيذكر محاسنه كلها ويثني عليه. ثم بقول: عليك رحمة الله. ثم يدفن.

وقد أشير إلى سجود الناس للشمس والقمر في القرآن الكريم: )ومن آياته الليل والنهار، والشمس والقمر. لا تسجدوا للشمس ولا للقمر، واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون. فإن استكبروا، فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون". يقول تعالى ذكره: فإن استكبر يا محمد هؤلاء الذين أنت بين أظهرهم من مشركي قريش وتعظموا عن أن يسجدوا لله الذي خلقهم وخلق الشمس والقمر، فإن الملائكة الذين عند ربك لا يستكبرون عن ذلك ولا يتعظمون عنه". كما أشير إلى سجود أهل "سبأ" إلى "الشمس" في الأية: )وجئتك من سبأ بنبأ يقين. إني وجدت امرأة تملكهم واوتيت من كل شيء، ولها عرش عظيم. وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله، وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل، فهم لا يهتدون(. وفي هذه الآية وصف لتعبد أهل سبأ للشمس وسجودهم لها. وقد ذكر المفسرون أن ملكة سبأ كانت لها كوة مستقبلة الشمس، ساعة تطلع الشمس تطلع فيها، فتسجد لها. فسجودهم للشمس، هو عبادة لها وتعظيماً لشأنها.

الصوم

وأما "الصوم"، فنحن لا نجد له ذكراً في الكتابات الجاهلية بالمعنى المفهوم منه عند أهل الكتاب أو المسلمين. وهو في اللغة الإمساك عن الشيء والترك له.

وقبل للصائم صائم لامساكه عن المطعم والمشرب والمنكح، وقيل للصائم صائم، لامساكه عن الكلام. وقوله عزّ وجل: )إني نذرت للرحمن صوماً(. قيل: معناه صمتاً، ويقويه قوله تعالى: )فلن أكلم اليوم إنسياً(. والصوم: الصبر كذلك.

وقد ذكر "الصوم" في السور المدنية، أما في السور المكية، فقد ذكر مرة واحدة، في "سورة مريم": )فقولي: إني نذرت للرحمن صوماً. فلن اكلم اليوم إنسياً(. وقد حددت السور المدنية أصول الصيام في الإسلام.

والصوم المعروف عند اليهود والنصارى معروف عند أهل الجاهلية الذين كان لهم اتصال واحتكاك بأهل الكتاب. فقد كان أهل يثرب مثلاً على علم بصوم اليهود، بسبب وجودهم بينهم. وكان عرب العراق وبلاد الشام على علم بصوم النصارى، بسبب وجود قبائْل عربية متنصرة بينهم. وكان أهل مكة، ولاسيما الأحناف منهم والتجار على معرفة بصيام أهل الكتاب. وبصيام الرهبان، المتمثل في السكوت والتأمل والجلوس في خلوة، للتفكير في ملكوت السماوات والأرض. ويظهر من أخبار أهل الأخبار أن من الجاهليين من اقتدى بهم، وسلك مسلكهم. فكان يصوم، صوم السكوت والتأمل والامتناع عن الكلام والانزواء في غار حراء وفي شعاب جبال مكة.

ويذكر أهل الأخبار ان قريشاً كانت تصوم يوم عاشوراء. وفي هذا اليوم كانوا يحتمْلون، ويعيدّون، ويكسون الكعبة، وعللوا ذلك بأن قريشاًَ أذنبت ذنباً في الجاهلية، فعظم في صدورهم، وأرادوا التكفير عن ذنبهم، فقرروا صيام يوم عاشوراء، فصاموه شكراً لله على رفعه الذنب عنهم. وذكر ان رسول الله كان يصوم عاشوراء في الجاهلية، ولما قدم المدينة واظب عليه وأمر الناس بصيامه حنى نزل الأمر بصيام رمضان. وقد ذكر العلماء انه يحتمل ان قريشاً اقتدت بصيامه في الجاهلية، بشرع سالف ولذا كانوا يعظمونه بكسوة البيت الحرام فيه. وذكر بعضهم: كان يوم عاشوراء، يوماً تصوم قريش في الجاهلية، اقتداءً بشرع سابق، وكان النبي يصومه في الجاهلية، فلما قدم المدينة صامه على عادته وأمر أصحابه بصيامه في أول السنة الثانية، فلما نزل رمضان، كان من شاء صام يوم عاشوراء ومن شاء لا يصومه. وعلوا سبب صيام "قريش" هذا اليوم، انه كان أصابهم قحط ثم رفع عنهم، فصاموه شكراً. وورد "ان قريشاً كانت تعظم هذا اليوم، وكانوا يكسون الكعبة فيه، وصومه من تمام تعظيمه". وذكر ان رسول الله، كان يتحرى صوم يوم عاشوراء على سائر الأيام، وكان يصومه قبل فرض رمضان. فلما فرض رمضان، قال: من شاء صامه، ومن شاء تركه. وبقي هو يصومه تطوعاً، فقيل له: "يا رسول الله انه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال، صلى الله عليه وسلم: اذا كان العام المقبل ان شاء الله صمنا اليوم التاسع،فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله". وذكر أيضاً ان قريشاً كانوا اذا أصابهم قحط ثم رفع عنهم صاموا شكراً لله وحمداً له على اجابة دعوتهم.

وقد أشار أهل الحديث إلى صيام "يوم عاشوراء"، فجعله بعضهم الصيام الذي كان في الإسلام قبل فرض صيام شهر رمضان، وذكر بعضهم انه كان مفروضاً إلى السنة الثانية من المجرة، ثم نسخ بصوم رمضان.

وقد أشير إلى الصيام في السور المكية من القرآن الكريم كما أشير اليه في السور المدنية، ويدل نزول الوحي به في مكة وفي المدينة أنه كان من الشعائر الدينية القديمة، وأن قريشاًَ كان لها علم به. ويظهر من بعض الآيات أن المراد من الصوم لم يكن الامتناع من الأكل والشرب حَسْبُ، بل كان يعني في أول عهد النبوة الامتناع عن الكلام كذلك.

ورواية أن قريشاٌ كانت تصوم في يوم "عاشوراء"، لا تتفق مع الروايات الأخرى في كيفية فرض صيام شهر رمضان. ففي هذه الروايات أن النبي "حين قدم المدينة رأى يهود تصوم يوم عاشوراء، فسألهم: فأخبروه أنه اليوم الذي غرّق الله فيه آل فرعون، ونجىّ موسى ومن معه منهم. فقال: نحن أحق بموسى منهم، فصام، وأمر الناس بصومه. فلما فرض صوم شهر رمضان، لم يأمرهم بصوم يوم عاشوراء، ولم ينههم عنه. وورد أن يهود خيبر والمدينة كانوا يعظمون صيام عاشوراء ويتخذونه عيداً.

ويقصدون بصوم اليهود يوم عاشوراء، ما يقال له "يوم الكفارة"، وهو يوم صوم وانقطاع، ويقع قبل عيد المظال بخمسة أيام، أي في يوم "10 تشرى" وهو يوم "الكبور" Kipor. ويكون الصوم فيه من غروب الشمس إلى غروبها في اليوم التالي، وله حرمة كحرمة السبت، وفيه يدخل الكاهن الأعظم قدس الأقداس لأداء الفروض الدينية المفروضة في ذلك اليوم.

ومما يلاحظ ان علماء التفسير والحديث، قد اختلفوا اختلافاًَ كبيراً في موضوع الصيام قبل نزول الأمر به وفرضه. فقال بعضهم كان المسلمون يصومون كما تصنع من صيامهم خمسين يوماً "حتى كان من أمر أبي قيس بن صرمة وعمر بن الخطاب ما كان، فأحل لهم الأكل والشرب والجماع إلى طلوع الفجر". وقال بعض آخر، كان صيام الناس قبل فرض رمضان صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وذكر ان ذلك كان تطوعاً لا فرضاً، ولم يأت خبر تقوم به حجة بأن صوماً فرض على أهل الإسلام غير صوم شهر رمضانْ. ولم أتمكن من العثور علي خبر قاطع يفيد بأن المسلمين كانوا يصومون بمكة قبل الهجرة إلى المدينة.

ولا صلة لقصة "أبي قيس بن صرمة الأنصاري" "أبو صرمة الأنصاري" و "عمر بن الخطاب" بصيام عاشوراء ولا بعدد أيام الصوم. وكل ما ورد فيها ان المسلمين كانوا في أول ما فرض عليهم في رمضان اذ أفطروا وكان الطعام والشراب وغشيان النساء لهم حلالاً ما لم يرقدوا، فإذا رقدوا حرم عليهم ذلك إلى مثلها من القابلة، فلم يزل المسلمون على ذلك، حتى نام "أبو قيس بن صرمة" بعد افطاره وكان يعمل في حيطان المدينة بالأجر، فلما أفاق أبى ان يأكل شيئاً وأصبح صائماً، وكان "عمر" قد وقع على جارية له، فنزل الوحي بنسخ ذلك عنهم في اية: )أحلى لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هنّ لباس لكم وأنتم لباس لهن. علم الله انكم كنتم تختانون أنفسكم (. فلا صلة لقصتيهما بموضوع الصوم.

ويظهر أنه خبر صيام قريش يوم "عاشوراء" " هو خبر متأخر ولا يوجد له سند يؤيده. ولا يعقل صيام قريش فيه، وهم قوم مشركون، وصوم "عاشوراء"، هو من صيام يهود. وهو صيام كفارة واستغفار عندهم، فلمَ يستغفر قريش ويصومون هذا اليوم وماذا فعلوا من ذنب، يطلبوا من آلهتهم العفو والغفران ة وإذا كان هناك صوم عند الجاهليين، فقد كان بالأحرى أن يصومه الأحناف، ولم يرد في أخبار أهل الأخبار ما يفيد صيامهم في "عاشوراء" ولا في غير عاشوراء. ثم إن علماء التفسير والحديث والأخبار، يذكرون أن الرسول صام "عاشوراء" مقدمه المدينة على نحو ما ذكرت قبل قليل،. وأنه بقي عليه حتى نزل الأمر بفرض رمضان. ويظهر أن الرواة أقحموا اسم قريش في صيام "عاشوراء"، لإثبات أنه كان من السنن العربية القديمة، التي ترجع إلى ما قبل الإسلام وأن قريشاً، كانت تصوم قبل الإسلام.

ويظهر من روايات أهل الأخبار، أن صوم أهل الجاهلية: صوم امتناع عن الأكل والشرب وإتيان النساء. وهو صوم الإسلام، وصوم امتناع عن الكلام وحبس للسان، إما لأمد معين قصير، مثل يوم أو اسبوع، واما لأمد طويل. وقد أشير في القرآن الكريم ان هذا الصوم في قوله تعالى: ) فقولي إني نذرت للرحمن صوماً، فلن أكلّم اليوم أنسياً(. وروي أن رجالاً من زهاد أهل الجاهلية كانوا يصومون هذا الصوم.

وقد اتخذ الصوم نذراًَ، روي أن "أبا بكر" دخل على امرأة من "أحمس" يقال لها "زينب"، فرآها لا تتكلم، فقال: مالها لا تكلم ? قالوا: حجت مُصمتة، قال لها: تكلمي. فإن هذا لا يحل. هذا من عمل الجاهلية،فتكلمت فقالت له: من أنت: قال امرؤ من المهاجرين. قالت: أي المهاجرين ? قال لها: من قريش. قالت له: من أي قريش أنت ? قال: إنك لسؤول.أنا أبو بكر. قالت: ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح الذي جاء اللَه به بعد الجاهلية? قال: بقاؤكم عليه ما استقامت بكم أئمتكم. قالت: وما الأئمة قال لها: كان لقومك رؤوس وأشراف يأمرونهم فيطيعونهم قالت: بلى. قال: فهم أولئك على الناس.

فالتصميت، وهو الصوم عن الكلام، من فعل أهل الجاهلية. وهو معروف عندهم، ولعله وقع لهم تأثرهم بأهل الكتاب.

التحنث

ومن طرق عبادة أهل الجاهلية: التحنث، أي التعبد والتقرب الى الآلهة، ومن ذلك حديث "حكيم بن حزام": "أرأيت أموراً كنت اتحنث بها في الجاهلية من صلة رحم وصدقة، أي أتقرب إلى الله تعالى بأفعال في الجاهلية ". وكان رسول اللّه. يجاور في حراء من كل سنة شهراً، وكان مما تحنّث به قريش في الجاهلية. والتحنث: التبرر ". فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور ذلك الشهر من كل سنة، يطعم من جاءه من المساكين، فإذا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم جواره من شهره ذلك، كان أول ما يبدأ به - اذا انصرف من جواره - الكعبة قبل ان يدخل بيته "، فيطوف بها سبعاً"، ثم يرجع إلى بيته. وذكر ان ذلك الشهر هو شهر رمضان.

الاختتان

ومن شعاثر الدين عند الجاهلين الاختتان. وهو من الشعاثر الفاشية بينهم، حتى انهم كانوا يعيرون "الأغرل"، وهو الشخص الذي لم يختتن. وكان منهم ولا سيما أهل مكة من يختن البنات أيضاً، بقطع "بظورهن". وتقوم بذلك "الختانة" "الخاتنة". وقد كانوا يعيرون من تكون أمه "ختانة" نساء، فإذا أرادوا ذم أحد قالوا له: يا ابن مقطعة البظور، وإِن لم تكن أم من يقال له: خاتنة.

وأما الاغتسال من الجنابة وتغسيل الموتى، فمن السن التي أقرت في الإسلام، وقد أشير إلى غسل الميت في شعر للافوه الأودي،. وأشير إلى تكفين الموتى والصلاة عليهم في أشعار منسوبة إلى الأعشى وإلى بعض الجاهليين. وورد أن قريشاً كانت تغسل موتاها وتحنطهم، ولكننا لا نستطيع تعميم هذه الأمور على كل العرب، ولا الإدعاء بأنها كانت من شعائر الدين عندهم، لما ذكرته مراراٌ من اختلاف العرب بأمور دينهم، وعدم خضوعهم لدين واحد. بل ورد أن المشركين لم يكونوا يغتسلون من الجنابة، وقد ذهب المفسرون إلى أن لفظة "نجس" الواردة في الآية: )يا ايها الذين آمنوا إنما المشركون نجس، فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا. وان خفتم عيلة، فسوف يغنيكم الله من فضله (. فانما قصد بها اجناب، "سمّاهم بذلك لأنهم يجيبون فلا يغتسلون. فقال: هم نجس ولا يقربوا المسجد الحرام، لأن الجنب لا ينبغي له أن يدخل المسجد " ولما نزل الأمر بمنع المشركين من دخول مكة، "شق ذلك على أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقالوا: من يأتينا بطعامنا ومن يأتينا بالمتاع ? فنزلت )وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء (. و "كان المشركون يجيئون إلى البيت ويجيئون معهم بالطعام ويتجرون فيه. فلما نهوا أن يأتوا البيت قال المسلمون من أين لنا طعام ? فاًنزل الله) وان خفتم عيلة، فسوف يغنيكم الله من فضله(.

والقرابين والنذور وزيارات المعابد والحج، هي من أبرز الشعائر الدينية عند سواد الناس. وتكاد تكون مفهوم الدين عندهم، وذلك لما فيها من تماس مباشر باًمور حياتهم ومصالحهم. فهم يفعلون ذلك لغايات استرضاء الالهة والتوسل اليها

بأن تعطيها غلة وافرة ومالاً، فكانوا اذا تقربوا إلى صنم أو دعوا ربهم أو أدوا مناسك حجهم "فلا يسألون ربهم" إلا متاع الدنيا "فمن الناس من يقول: ربنا آتنا في الدنيا. هب لنا غنماً،.هب لنا إبلاً". "وكانوا يعني في الجاهلية يقفون يعني بعد قضاء مناسكهم، فيقولون: اللهم ارزقنا إبلاً، اللهم ارزقنا غنماً"، وفي هؤلاء نزلت الآية: ) فمن الناس من يقول: ربنا اتنا في الدنيا، وماله في الآخرة من خلاق (.

والفقر هو الذي حمل هؤلاء على ان يتقربوا إلى آلهتهم، بالنذور والقرابين وبالحج على فقرهم وجوعهم، على أمل ان تعطف الآلهة عليهم فتمن عليهم بالمال واليسر والبركة والصحة، تماماً كما يفعل شراء أوراق "النصيب" أو أوراق سباق الخيل من الفقراء والمحتاجين علي أمل الربح والكسب.

وهذه النظرة المادية الساذجة،هي التي حملت عوامهم على تهديد آلهتهم وإخبارها انهم سيمتنعون عن تقديم أي نذر أو أداء ألحجة زيارة لها إن لم تمنّ عليهم وتستجيب لأدعيتهم، فتنفذ طلباتهم وما طلبوه منها. وهي التي تحملهم بعد ذلك على التراجع عن تهديداتهم هذه، وعلى الاستغفار واظهار الندم لها، لما بدر منهم من سوء أدب، على أمل استرضاؤها من جديد، بعد أن فشلت وسائل التهديد من تخويف تلك الالهة.

الحلال والحرام

يقول "ابن عساكر" في رواية تنسب إلى رجل من خثعم: كانت العرب لا تحرم حلالاً ولا تحل حراماً. وكانوا يعبدون الأوثان ويتحاكمون اليها. ومعنى هذا انهم كانوا يحلون ويحرمون. وأن أمر الحلال والحرام إلى رجال الدين منهم، وهم سدنة الأوثان.

وقد تعرض "اليعقوبي" لموضوع "أديان العرب" وشعائرها، فقال: "وكانت أديان العرب مختلفة بالمجاورات لأهل الملل، والانتقال إلى البلدان، والانتجاعات. فكانت قريش وعامة ولد "معد" بن عدنان على بعض دين ابراهيم، يحجون البيت ويقيمون المناسك، ويقرون الضيف ويعظمون الأشهر الحرم، وينكرون الفواحش والتقاطع والتظالم، ويعاقبون على الجرائم". فأدخل في الدين أموراً نعدها اليوم من الأعراف وقواعد الأخلاق والسلوك، وجعلها من سنة ابراهيم، أي دين العرب القديم قبل افساده بالتعبد للاصنام.

وذكر "السكريَ"، أن العرب كانت " دون من سواها من الأهم. تصنع عشرة أشياء منها: في الرأس خمسة.وهي المضمضة والاستنشاق والسواك والفرق وقص الشارب. وفي الجسد خمسة. هي: الختانه وحلق العانة ونتف الأبطين، وتقليم الأظفار والاستنجاء. خصت بهذا العرب، دون الأمم. فهذه الأمور العشرة هي من شعائْر العرب فيَ نظر "السكري". وهي شعائر، لا يمكن أن نجاريه في رأيه، فنقول إنها كانت في جميع العرب، وإنها كانت فيهم خاصة، دون غيرهم من الأمم وفي كلام "السكري" أمور كثيرة لا ممكن التسليم بصحتها بل نجده هو يناقض نفسه في مواضع أخرى من كتابه،من ذلك قوله: "وكانوا يؤمنون بالحساب ولا يأكلون الميتة، فعمم رأيه، وجعله شاملاً كل العرب، بينما هو رأي طائفة من الجاهليين، وليس جميع أهل الجاهلية. وللقران الكريم دليل ذلك، فقد حمل عليهم لنكرانهم البعث والحساب،وحرم على المسلمين أكل لحم الميتة. )حرمت علكم الميتة والدم ولحم الخنزير (. وكانوا يأكلونها في الجاهلية.

وورد أن ممن حرم أكل الميتة على نفسه "حارثة بن أوس" الكلبي، وهو جاهلي، يقول: لا آكل الميتة ما عمـرت  نفسي وإن أبرح املاقي

والعقد لا أنقض منه القوى  حتى يواري القبر أطباقي

الفصل الثاني والسبعون

الحج والعمرة

والحج الذهاب إلى الأماكن المقدسة في أزمنة موقوتة، للتقرب إلى الآلهة،والى صاحب ذلك الموضع المقدس. وتقابل هذه الكلمة؛Bilgrinage في الانكليزية والحج بهذا المعنى معروف في جميع الأديان تقريباً، وهو من الشعائر الدينية القديمة عند الساميين.

وكلمة "حجّ" من الكلمات السامية الأصيلة العتيقة، وقد وردت في كتابات مختلف الشعوب المنسوبة إلى بني سام. كما وردت في مواضع من أسفار التوراة. وهي تعني قصد مكان مقدس وزيارته.

وفي روع الشعوب السامية القديمة وغيرها أن الأرباب لها بيوت تستقر فيها، قيل لها في الأزمنة القديمة "بيوت الآلهة". ولذلك يرى المتعبدون والمتقون شدّ الرحال اليها، للتبرك بها وللتهرب اليها، وذلك في أوقات تحدد وتثبت، وفي أيام تعين تكون أياماً حرماً لكونها أياماً دينية ينصرف فيها الإنسان إلى آلهته، ولذلك تعدّ أعياداً، يعمد فيها الناس، بعد اقامتهم الشعائر الدينية المفروضة وبعد أدائهم القواعد المرسومة، إلى االفرح والسرور والرقص، ليدخلوا السرور إلى قلوب الأرباب. ففي الحج اذن مناسك وشعائر دينية وعبادة تؤدى، وافراح وسرور وحبور.

ويكون الحج بأدعية وبمخاطبة إلى الالهة وبتوسلات لتتقبل حج ذلك الشخص الذي قصدها تقرباً اليها. وهذا هو الشائع والمعروف عن الحج، غير أن من الجاهليين من كان يحج حجاً مصمتاً، أي دون كلام، فلا يتكلم الحاج طيلة أيام حجه. وقد كان ذلك من عمل الجاهلية.

وقد ميزّ الشهر الذي يقع فيه الحج عن الأشهر الأخرى بتسميته " ب "شهر ذي الحجة" وب "شهر الحج". وذلك لوقوع الحج فيه. وهذه التسمية المعروفة حتى الآن في التقويم الهجري، هي تسمية قديمة، كانت معروفة في الجاهلية، وردت في نصوص الجاهلية. فبين اسماء الأشهر الواردة في نصوص المسند اسم شهر يعرف ب "ذ حجتن" أي "ذي الحجة"، ويدل ذلك على أنه الشهر الذي يحج فيه. وقد وردت كلمة "حج" في نصوص المسند كذلك.

وقد ذكر "أفيفانيوس" Epiphanius ان من أسماء الأشهر عند العرب شهراً اسمه Aggathalbaeith "حج البيت" أراد به شهر "ذي الحجة". والعرب الذين قصدهم هذا الكاتب هم عرب "الكورة العربية"، ومعنى هذا ان العرب الشماليين كان لهم شهر يسمى ب "ذي الحجة" كذلك.

ولفظة Aggathalbaeith،هي لفظة عربية النجار حرفت على لسان "فيفانيوس" وقومه، لتناسب منطقهم، فصارت على هذا النحو، وهي من كلمتين عربيتين في الأصل، هما "حجة البيت"، أو "حج البيت". ويكون نص "أفيفانوس" هذا من النصوص المهمة بالنسبة لنا، التي ساعدنا في الرجوع بتأريخ استعمال هذا المصطلح إلى ايامه، ولا بد وان يكون ذلك المصطلح قد استعمل قبل أيام ذلك الكاتب ولا شك.

ويقع شهر الحج "ذي الحجة" - على رواية "افيفانيوس" - في "تشرين الثاني"، وأشار "بروكوبيوس" إلى ان العرب كانوا قد جعلوا شهرين من السنة حرماً لالهتهم لا يغزون فيهما ولا يهاجم بعضهم بعضاً، كما أشار "فوتيوس" إلى الأشهر الحرم عند العرب. والشهران اللذان أشار اليهما "بروكوبيوس"، هما شهرا ذو القعدة وذو الحجة في نظر "ونكلر"، وها بمثلان - في رأيه - "جولاي" و "أغسطس" أي تموز وآب.

إننا لا نستطيع في الوقت الحاضر أن نقول إن شهر "ذ حجتن المذكور في المسند، أو Aggathalbaeith الذي.ذكره "افيفانيوس"، هو شهر "ذو الحجة" الشهر المعروف الذي كان من شهور أهل مكة. فمن الجائز أن يكون حج العرب الشماليين أو حج العرب الجنوبين في وقت آخر يختلف عن وقت حج أهل مكة، فيكون شهرهم المذكور شهر آخر يقع في موسم آخر من السنة، ولا ينطبق شهر "ذي الحجة".

ويرى "ونكلر" ان ما ذكره "فوتيوس" من احتفال العرب مرتين في السنة بالحج إلى معبدهم المقدس: مرة في وسط الربيع عند اقتران الشمس ببرج الثُور، وذلك لمدة شهر واحد، ومرة أخرى في الصيف وذلك لمدة شهرين، إنما يراد بذلك شهر رمضان لاقتران الشمس فيه ببرج الثور. وأما الشهران الاخران فهما ذو القعدة وذو الحجةْ.

ويظهر من غربلة ما أورده اهل الأخبار من روايات عن موسم الحج في ألجاهلية، أن الحج إلى مكة كان في موسم ثابت، هو الربيع على رأي كثير من المستشرقين، أو الخريف على رأي "ولهوزن". وذلك بسبب ما ذكر عن النسيء ومن رغبة قريش وغيرها من أن يكون في وقت واحد، كما تحدثت عن ذلك في باب النسيء. وقد ذهب "ولهوزن" إلى أن "الشهر الحرام" المذكور في القرآن الكريم، هو "شهر الحج"، وهو الشهر الأول أي شهر محرم، بينما يرى المفسرون أنه رجب، أو ذو القعدة أو ذو الحجة. والأصح انه في شهر من الأشهر الحرم.

وقد ورد في القرآن الكريم: )الحج أشهر معلومات، فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج (. وقد قال "الطبري": "اختلف اهل التأويل في قوله: الحج أشهر معلومات. فقال بعضهم: يعني بالأشهر المعلومات: شوالاً وذو القعدة، وعشراً من ذي الحجة"، "جعلهن الله سبحانه للحج، وسائر الشهور للعمرة، فلا يصلح ان يحرم أحد بالحج إلا في أشهر الحج. والعمرة يحرم بها في كل شهر، وذكر ان الله لم يسم أشهر الحج في كتابه، لأنها كانت معلومة عندهم، وان المراد بذلك انه لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج، فإن من الحج أن يحرم بالحج في أشهر الحج. وبناءاً على ذلك، فلا يكون المراد من الآية ان الحج يقع في كل وقت من أوقات هذه الأشهر، وانما هو في وقت معين، ولكن الإحرام للحج، أي العزم عليه يكون في أي وقت من هذه الأشهر المذكورة، وليس في الأشهر الأخرى. وذكر "المسعودي" ان أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة. ومعنى ما تقدم ان الجاهليين كانوا يتهيأون للحج من دخول شهر شوال، فيصلحون أمورهم، ويحضرون ما يحتاجون اليه من لوازم السفر،فإذا أراد أحدهم تجارة وكسبا ذهب إلى الأسوإق، حتى يهل شهر ذو الحجة، وإن لم يرد تجارة، ذهب في أي وقت يراه مناسباً له. فبدء موسم الحج اذن والتهيؤ له يكون من شهر شوال.

ويظهر من شعر نسب الى"عوف بن الأحوص،" أنه سمى شهر "ذي الحجه" شهر بني أميّة" 0 إذ يقول: وإني والذي حجت قـريش  محارمه وما جمعت حراء

وشهر بني أميّة والـهـدايا  إذا حبست مضرجها الدماء

وقد ذهب "ولهوزن" وجماعة آخرون من المستشرقين إلى تعدد بيوت الأرباب التي كان يحج اليها الجاهليون في شهر "ذي الحجة" والى عدم حصر الحج عند الجاهلين بموضع واحد. ومعنى هذا أن حج أهل الجاهلية لم يكن إلى "مكة" وحدها، بل كان الى جهات عديدة أخرى. بحيث حج كل قوم الى "البيت" الذي قدسوه وكانوا يتقربون اليه ووضعوا أصنامهم فيه. ويتفق هذا الرأي مع ما يراه أهل الأخبار من وجود بيوت للاصنام، وكان الناس يزورونها ويتقربون اليها ويذبحون عند أصنامها ويطوفون حولها ويلبّون تلبية الصنم الذي يطوفون حوله. والحج إلى مكة والى البيوت المقدسة الأخرى، مثل بيت اللات في الطائف وبيت العزُى على مقربة من عرفات وبيت مناة وبيت ذي الخلصة وبيت نجران وبقية البيوت الجاهلية المعظمة، إنما هو أعياد يجتمع للناس فيها للاحتفال معاً بتلك الايام وهم بذلك يدخلون السرور على أنفسهم وعلى أنفس آلهتهم بحسب اعتقادهم وتقترن هذه الاحتفالات بذبح الحيوانات، كل يذبح على قدر طاقته ومكاته، فيأكل منها في ذلك اليوم من لم يتمكن من الحصول على اللحم في اثناء السنة لفقره، فهي أيام يجد فيها الفقراء لذة ومتعة وعبادة.

ويذكر أهل الأخبار أن الحج إلى مكة كان في الجاهلية كذلك، وأن الجاهليين كانوا يحجون إلى البيت منذ يوم تأسيسه، وأنهم كانوا يقصدون مكة أفواجاً من كل مكان. وأن ملوكَهم كانوا يتقربون إلى "بيت الله" بالهدايا والنذور، وان منهم من حج اليه. وأن الناس كانوا يقسمون بالبيت الحرام لما له من مكانة في نفوس جميع الجاهليين.

غير اننا في نجد روايات بعض أهل الأخبار ما ينافي تعظيم كل العرب للبيت وحًجهم اليه واحترامهم للحرم وللاشهر الحرم. فقد ورد ان من العرب من "كان لا يرعى للحرم ولا للاشهر الحرام حرمه"، ومنهم "خثعم" و "طيء"، وأحياء من قضاعة ويشكر والحارث بن كعب. وورد ان ذؤبان العرب وصعاليكها وأصحاب التطاول، كانوا لا.يؤمنون على الحرم، ولا يرون للحرم حرمة، ولا للشهر الحرام قدراً. وقد كانوا خطراً يهدد البيت وأهله لذلك، ألف "هاشم" بن قريش وسادات القبائل ألفة ليحمي بهم البيت. قال "الجاحظ" في تفسيره للإيلاف: وقد فسره قوم بغير ذلك. قالوا: إن هاشماً جعل على رؤوس القبائل ضرائب يؤدونها اليه ليحمي بها أهل مكة. فإن ذؤبان العرب وصعاليك الأحياء وأصحاب التطاول كانوا لا يؤمنون على الحرم، لا سيما وناس من العرب كانوا لا يرون للحرم حرمة ولا للشهر الحرام قدراً، مثل طيء وخثعم وقضاعة وبعض بني الحارث بن كعب. ورؤوس القبائل الذين جعل هاشم عليهم ضرائب يؤدونها اليه ليحمي بها أهل مكة، هم رؤساء مكة بلا شك، ومن كانت له مصلحة تجارية مباشرة بمكة، فكان ياخذ من هؤلاء ما يأخذه ثم يجمعه ويعطيه إلى " إلمؤلفة قلوبهم" من سادات القبائل النازلين حول مكة وعلى مقربة منها، كما ألف بين مكة وبين سادات القبائل الذين تمر قوافل مكة بأرضهم في طريقها الى الشام او العراق أواليمن، بروابط "الإيلاف"، أي العقود التي عقدها معهم " باعطائهم جعلا معيناً، أو حقوقاً تبين وتكتب، أو ربحاً يدفع مع رؤوس المال عن البضائع التي تدفع لقريش، لتقوم قوافلها ببيعها في الأسواق. وبذلك أمنت مكة وسلمت تجارتها، ودانت بعض القبائل بدين قريش في الأشهر الحرم، لما فيها من فائدة ومنفعة مادية بينة ظاهرة: فاحترمتها، وبهذا أمن الحج واستراح التجار من قريش ومن غيرهم في ذهابهم بحرية وبأمان في هذه الشهور إلى الأسواق وليست لدينا ويا للاسف أخبار مدوّنة عن مناسك الحج وشعائره عند الجاهليين. لعدم ورود شيء من ذلك في النصوص الواردة إلينا، ما خلا الحج إلى "بيت الله الحرام" بمكة، حيث حفظت الموارد الإسلامية لنا شيئاً من ذلك، بسبب فرض الحج في الإسلام، واقرار الإسلام لبعض شعائره التي لم تتعارض مع مبادئه ولولا ذلك لما عرفا شيئاً عن الحج إلى مكة عند الجاهليين. ولهذا فسأقتصر في كلامي هنا على الحج إلى مكة فقط. إلا إذا وجدت خبراً أو نصاً عن حج غير أهل مكة من الجاهليين إلى مكة أو إلى بيوت أخرى فسأتكلم عنه حينئذ.

ويظهر من غربلة ما جاء في روايات أهل الأخبار عن "حج البيت"، أن مناسك الحج لم تكن واحدهَ بالنسبة للحجاج، بل كانت تختلف باختلاف القبائل.

فقد انفردت "قريش" بأمور من أمور الحج، واعتبرتها من مناسك حجها، وانفردت قبائل أخرى بمناسك لم تعتبرها "قريش" موجبة لها، ولم تعمل بها ووقفت قريش في مواقف، اعتبرتها مواقف خاصة بها. وأوجبت على من يفد إلى مكة للحح، مناسك معينة سنتحدث عنها. فلما ظهر الإسلام وحدّ مناسك الحج وثبتها. وأوجب على كل مسلم اتباعها.

ويبدأ الحج في الإسلام بلبس "الاحرام" حين بلوغه "الميقات" المخصص للجهة التي جاء منها. و "ميقات" الحج موضع احرامهم. وقد عين الرسول أكثر "المواقيت" وثبتها، فجعل "ذا الحليفة" ميقاتاً لأهل "يثرب"، و "الجحفة "، ميقاتاً لأهل الشام، و "يلملم" ميقاتاً لأهل اليمن، و "قرن المنازل" لأهل نجد ومن يأتي من الشرق نحو الحجاز.. وأما " ذات عرق"، فميقات أهل العراق، قبل ان الرسول ثبته، وقيل إنه ثبت بعد فتح العراق. أما أهل مكة، فكانوا يحرمون من بيوتهم. ويجوز أن تكون هذه المواقيت من مواقيت أهل الجاهلية كذلك، وقد ثبتها الإسلام.

ويستعد الجاهليون للحج عند حضورهم موسم "سوق عكاظ". فإذا انتهت ايام السوق، وأراد منهم من أراد الحج، ذهب إلى "مجنة"، فأقام بها إلى هلال ذي الحجة، ثم ارتحل عنها إلى "ذي المجاز"، ومنه إلى "عرفة"،فإذا كان يوم التروية، تزودوا بالماء وارتفعوا إلى عرفة. هذا بالنسبة إلى التجار، الذين كانوا يأتون هذه المواضع للتجارة. أما بالنسبة إلى غيرهم، فقد كانوا يقصدون الحج في أي وقت شاءوا، ثم يذهبون إلى "عرفة" للوقوف موقف عرفة، يقصدها "الحلة"، أما "الحمس" فيقفون ب "نمرة"، ثم يلتقون جميعاً بمزدلفة للإفاضة.

ويبدأ حج أهل الجاهلية بالإهلال. فكانوا يهلّون عند أصنامهم، ويلبون اليها، فإذا انتهوا من ذلك قدموا مكة، فكان الأنصار مثلاً يهلون لمناة في معبده، أي انهم كانوا يغادرون "يثرب" إلى معبد الصنم،فيكونون فيه لمراقبة هلال ذي الحجة، فإذا أهلّوا لبوّا، ثم يسير من يسير منهم إلى مكة، لحج البيت.

والطواف بالبيوت وبالأصنام، ركن من أركان الحج، ومنسك من مناسكه. وكانوا يفعلونه كلما دخلوا البيت الحرام، فإذا دخل أحدهم الحرم، واذا سافر أو عاد من سفر،، فاًول ما كان يفعله الطواف بالبيت. وقد فعل غيرهم فعل قريش ببيوت أصنامهم، إذ كانوا يطوفون حولها، كالذي كان يفعله أهل يثرب من طوافهم ب "مناة".

وقد ذكر الأخباريون أن أهل الجاهلية كانوا يطوفون حول الرجمات، وهي حجارة تجمع فتكون على شبه بيت مرتفع كالمنارة، ويقال لها الرجمة. وكان الجاهليون يطوفون حول الأصنام والأنصاب كذلك. وذكر "نيلوس" Nilus أن الأعراب كانوا يطوفون حول الذبيحة التي يقدمونها قرباناً للالهة. وكانوا يطوفون حول القبور أيضاً: قبور السادات والأشراف من الناس.

وطافوا حول "الأنصاب"، ويسمون طوافهم بها " الدوار". فكَانوا يطوفون حول حجر ينصبونه طوافهم بالبيت، وسموّا تلك الأحجار الأنصاب.

وللطواف كلمة أخرى هي "الدوار" من "دار" حول موضع من المواضع، وطاف حوله الشيء، واذا عاد إلى الموضع الذي ابتدأ منه. ونجد هذا المعنى في شعر الشاعرين الجاهليين: امرئ القيس، وعنترة بن شدّاد العَبسٌي. وقد ذكر علماء اللغة أن "الدوار" صنم كانت العرب تنصبه، يجعلون موضعاً حوله يدورون به، واسم ذلك الصنم والموضع الدوار. ومنه قول امرئ القيس: فَعَنٌ لنا سِربٌ كأن نعـاجـه  عذارى دوار،في مُلاءٍ مذيل

وقيل إنهم كانوا يدورون حوله أسابيع كما يطاف بالكعبة. وقيل حجارة كانوا يطوفون حولها تشبهاً بالكعبة.

وتلعب عبادة الحجر دوراً بارزاً في "الدوار". فقد كان قوم من أهل الجاهلية يقيمون الأحجار، ثم يطوفون حولها، يتخذون الدوار عبادة لهم. وقد تكون الأحجار أصناماً، وقد تكون حجارة تنتقى فيطاف حولها. و "عن أبي رجاء العطاردي، قال: لما بعث النبي، صلى الله عليه وسلم، فسمعنا به لحقنا بمسيلمة الكذاب، فلحقنا بالنار، وكنا نعبد الحجر في الجاهلية،فإذا وجدنا حجراً هو أحسن منه، ألقينا ذلك وأخذناه، فإذا لم نجد حجراً جمعنا حثية من تراب.ثم جئنا بغنم فحلبناها عليه ثم طفنا به. وكنا اذا دخل رجب قلنا جاء منصل الأسنة، فلا ندع سهماً فيه حديدة، ولا حديدة في رمح إلا نزعناها وألقيناها ".

ويلاحظ ان الجاهليين كانوا يقيمون وزناً للحليب في أمور العبادة، فقد كانوا يسكبونه على الأصنام، كما رأينا في باب الأصنام، وفي القصة المتقدمة. ويلاحظ ان الرواية قد خصصت حليب الغنم، ولم تشر إلى حليب الإبل، أو حليب أية ماشية أخرى،مما قد يدل على وجود رابطة بين هذا الحليب وبين "الدوار" وان له علاقة بالأساطير، وذلك في حالة صدق الخبر بالطبع.

والطواف من أهم طرق التعبد والتقرب إلى الآلهة. يؤدونه كما يؤدون الشعائر الدينية المهمة مثل الصلاة، وليس له وقت معلوم. ولا يخص ذلك بمعبد معين ولا بموسم خاص مثل موسم الحج، بل يؤدونه كلما دخلوا معبداً فيه صنم، أو كعبة أو ضريح، فهم يطوفون سبعة أشواط حول الأضرحة أيضاً: كما يطوفون حول الذبائح المقدمة الى الالهة. فالطواف، إذن من الشعائر الدينية التي كان لها شأن بارز عند الجاهليين.

وكانوا يطوفون بالبيت في نعالهم، لا يطأون أرض المسجد تعظيماً له. إلا ان يكون الحاج فقيراً حافياً، فقد كان منهم من لا يملك نعالاً ولا خفاً ولا ساثر ما يلبس بالرجل لفقره. وذكر أن رسول الله قال: "من لم يجد نعلين، فليلبس خفين ". وقد ذكر "السكري"، أن "الحمس" كانوا "لا يطوفون بالبيت إلا في حذاثهم وثيابهم، ولا يمسون المسد بأقدامهم تعظيماً لبقعته ". وذكر أن "الحلة." كانوا على العكس منهم. " فإذا دخلوا مكة بعد فراغهم تصدقوا بكل حذاء وكل ثوب لهم، ثم استكروا من ثياب الحمس تنزيهاً للكعبة أن يطوفوا حولها إلا في ثياب جدد. ولا يجعلون بينهم وبين الكعبة حذاء يباشرونها بأقدامهم".

وكانوا يدخلون جوف الكعبة بنعالهم،لا يتأثمون من ذلك. وذكر أن "الوليد ابن المغيرة" كان أول من خلع نعليه لدخول الكعبة، تعظيماً لها، فخلع الناس نعالهم.

وعدّة الطواف حول الكعبة عند الجاهليين سبعة أشواط، ولا أستبعد ان يكون هذا العدد.ثابتاً بالنسبة إلى الطواف حول البيوت الأخرى أو حول الرجمات والأنصاب والقبور أيضاً. فقد كان الطواف سبعة أشواط مقرراً عند غير العرب أيضاً، وقد ذكر في "التوراة"، اذ كان العبرانيون يمارسونه. والعدد سبعة هو من الأعداد المقدسة المهمة عند الشعوب القديمة. ولهذا أرى ان غير قريش من العرب كانوا يطوفون هذا الطواف أيضاً حول محجّاتهم في ذاك الوقت.

وقد ورد أن من الجاهليين من كان يطوف ويده مربوطة بيد انسان آخر، بحبل أو بسير، أو بزمام أو منديل، أو خيط أو أي شيء آخر، يفعلونه نذراً،أو حتى لا يفترقا. وقد نهى عن ذلك في الإسلام. فقد روي أن الرسول رأي أحدهما وقد فعل ذلك، فقطع بيده ذلك الرباط.

الحمس والطلس والحلة

والأخباريون يذكرون ان الطائفين بالبيت كانوا على صنفين: صنف يطوف عرياناً، وصنف يطوف في ثيابه. ويعرف من يطوف بالبيت عرياناً ب "الحلة". أما الذين يطوف بثيابهم، فيعرفون ب "الحمس". وأضاف بعض أهل الأخَبار إلى هذين الصنفين، صنفاً ثالثاً قالوا له: "الطلس".

و قبائل الحلة من العرب: تميم بن مرّ كلّها غير يربوع، ومازن، وضبة، وحميس، وظاعنة، والغوث بن مر،وقيس عيلان باًسرها ما خلا ثقيفاً وعدوان، وعامر بن صعصعة، وربيعة بن نزار كلها.وقضاعة كلها ما خلا علافاً وجناباً. والأنصار وخثعم، ويجيلة، وبكر بن عبد مناة بن كنانة، وهذيل بن مدركة، وأسد وطيء، وبارق. وقد ذكر هذه الأسماء "محمد بن حبيب". وذكرها "اليعقوبي" على هذا النحو: تميم وضبة ومزينة والرباب وعكل وثور وقيس عيلان كلها ما خلا عدوان وثقيف وعامر بن صعصعة وربيعة بن نزار كلها، وقضاعة وحضرموت وعك وقبائل من الأزد.

وهم يذكرون ان "الحلِة" هم ما عدا الحمس وانهم كانوا يطوفون عراة إن لم يجدوا ثياب أحمس،وكانوا يقصدون من طرحهم ثيابهم طرحهم ذنوبهم معها. ويذكَرون انهم كانوا يقولون: "لا نطوف في الثياب التي قارفنا فيها الذنوب "، "ولا نعبد الله في ثياب أذنبنا فيها"، "ولا نطوف في ثياب عصينا الله فها"، وذكر انهم "كانوا اذا طافوا خلعوا ثيابهم وقالوا لا نطوف في ثياب عصينا اللّه فيها، فيلقونها عنهم، ويسمون ذلك الثوب اللقي ". وفي رواية ان من يطوف من "الحلة" بثيابه يضرب وتنتزع منه ثيابه. فجعلت هذه الرواية خلع الثياب واجب على الحلة محتم عليهم، لايجوز مخالفته، وإلا تعرض المخالف للعقاب.

وتخضع النساء لهذه القاعدة أيضاً اذا كَنّ من الحلة، فكانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة. وقبل تضع احداهن ثيابها كلها إلا درعاً مفرجاً عليها ثم تطوف فيه. وقبل كانت تقف على باب المسجد، فتقول: من يعير مصوناً? من يعير ثوباً ? من يعيرني تطوافاً ? فإن أعارها أحد ثوباً أو كراه لها طافت به، وإلا طافت عريانة كما يطوف الرجال على حد زعم الروايات. لا يستر عورتها لباس أو قماش، بل كانت تضع احدى يديها على قبلها واليد الأخرى على دبرها وتطوف حول البيت على هذا النحو. وهم يروون في ذلك بيتا ًينسبونه لامرأة جميلة، قيل هي: ضباعة بنت عامر بن صعصعة، طافت بالبيت عريانة وهي تقول: اليوم يبدو بعضه أو كله  وما بدا منه فلا أحلـه

وشاءت بعض الروايات أن تخفف من وقع طواف النساء على هذه الصورة في النفوس، فذكرت ان بعض النساء كانت تتخذ سيوراً فتعلقها في حقوتها تستتر بها، وذكرت روايات أخرى انهن كن يطفن ليلا، وبذلك يتخلصن من وقوع سترهن في أعين الرجال، لأن طواف الرجال في النهار.

وقد وصفت بعض الروايات طواف العريان فقالت: "يبدأ بإساف فيستلمه، ثم يستلم الركن الأسود، ثم يأخذ عن يمينه ويطوف ويجعل الكعبة عن يمينه، فإذا ختم طوافه سبعاً، استلم الركن ثم استلم نائلة فيختم بها طوافه، ثم يخرج فيجد ثيابه كما تركها لم تمس، فيأخذها فيلبسها ولا يعود إلى الطواف بعد ذلك عرياناً". هذا هو طواف أهل الجاهلية قبل الإسلام على رواية اهل الأخبار.

وجاء في بعض الروايات: " كانت العرب تطوف بالبيت عراة إلا الحمس، والحمس قريش وما ولدت، كانوا يطوفون بالبيت عراة،إلا ان تعطيهم الحمس ثياباً، فيعطي الرجال الرجال والنساء النساء"، "فمن لم يكن له من العرب صديق بمكة يعيره ثوباً ولا يسارٌ يستأجر به، كان بين أحد أمرين: إما ان يطوف بالبيت عرياناً، وإما ان يطوف في ثيابه، فإذا فرغ من طوافه ألقى ثوبه عنه، فلم بمسه احد. وكان ذلك الثوب يسمى اللقى ". وجاء أيضاً ان "الحمس" كانوا "يقولون نحن أهل الحرم، فلا ينبغي لأحد من العرب ان يطوف إلا في ثيابنا، ولا يأكل اذا دخل أرضنا إلا من طعامنا".

وورد انهم " كانوا يطوفون بالبيت عراة،وهم مشبكون بين أصابعهم يصفرون فيها ويصفقون ".

ويذكر بعض أهل الأخبار ان طواف الطائف عرياناً إنما يكون للمرة الأولى، فإذا عاد فطاف بعد ذلك: لبس ملابسه، وطاف بملابسه كالحمس لا يلقيها خارج حدود الحرم.

والتفسير الذي ذكره الأخباريون لطواف العري، هو رغبة الطاثف حول البيت ان يكون نقياً متحرراً عن ذنوبه وآثامه بعيداً عن الأدران. واعتقاده ان طوافه بملابسه طواف غير صحيح، لأن ملابسه شاركته في آثامه، فهي ملوثة نجسة، ولذلك هاب من لبسها، فإذا أتم طوافه تركها في موضعها،ولبس ملابس أخرى جديدة.

ويذكر الأخباريون ان تلك الملابس التي يلقيها المحرم تبقى في مكانها،لا يمسها أحد، ولا يحركها حتى تبلى من وطء الأقدام ومن الشمس والرياح. ويقال لهذه الثياب التي تطرح بعد الطواف "اللقي". وقد أشير اليها في شعرل "ورقة بن نوفل". ولعل اعتقاد القوم باًن تلك الملابس ملوثة بالأدران، هو الذي منع الناس الآخرين من لمس تلك الملابس والاستفادة منها،فتركوها لذلك للأرض وللشمس والرياح تعبث بها إلى ان تتمزق وتهرى.

ولكننا نجد الأخباريين يعودون فيروون روايات تناقض ما ذكروه من "اللقي".

إذ يقولون: كان الحلة اذا ختموا طوافهم وأتموه بنائلة، خرجوا إلى ثيابهم التي ألقوها خارج باب المسجد، فلبسوها، فإذا أرادوا الطواف مرة أخرى طافوا بملابسهم. فهم يقرون في هذه الرواية طواف العرى، ولكنهم ينكرون ترك "اللقى" على الأرض لتدوس عليها الأقدام ولتلعب بها الرياح وتعبث بها الأهوية والأتربة، ويجعلون أصحابها يعودون اليها فيلبسونها تارة أخرى.

ونقرأ في كتبهم رواية أخرى تذكر ان أحداً من الحلة اذا لم يجد ثياب أحمسي يطوف فيها ومعه فضل ثياب يلبسها، غير ثيابه التي عليه فطاف في ثيابه ثم جعلها لقى يطرحها بين أساف ونائلة فلا يمسها أحد ولا ينتفع بها منتفع حتى تبلى من وطء الأقدام والشمس والرياح والأمطار.

وقد ذكر "محمد بن حبيب" ان "الحلة" كانوا اذا دخلوا مكة "تصدقوا بكل حذاء وكل ثوب لهم ثم استكروا لهم من ثياب الحمس تنزيهاً للكعبة ان يطوفوا حولها إلا في ثياب جدد. ولا يجعلون بينهم وبين الكعبة حذاء يباشرونها باًقدامهم. فإن لم يجدوا ثياباً طافوا عراة. وكان لكل رجل من الحلة حرمي من الحمس يأخذ ثيابه. فمن لم يجد ثوباً طاف عرياناً. وانما كانت الحلة تستكري الثياب للطواف في رجوعهم إلى البيت لأنهم كانوا اذا خرجوا حجاجاً لم يستحلوا أن يشتروا شيئاً ولا يبيعوه حتى يأتوا منازلهم إلا اللحم. وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حرمى عياض بن حمار المجاشعي: كان اذا قدم مكة طاف في ثياب رسول الله".

فالذي يطوف بالبيت عرياناً، هو ضعيف "الحلة"، ممن لا قبل له على استكراء ثياب له من أحمسي، وممن لا صاحب له من الخمس، يعطيه ثياباً ليلبسها. أما المتمكن من "الحلة"، ومن له صديق من الحمس، فلا يطوف عرياناً وانما يطوف بثياب أحمسي.

ويرىَ "روبرتسن سمث" ان الذي أوحى إلى الجاهليين وجوب طرح ملابس الحلة اذا أحرم فيها،اعتقادهم بتقدس تلك الملابس في أثناء الإحرام مما يجعلها في حكم ال "تابو" Tabu عند الاْقوام البدائية، ولذلك لا يجوز استعمالها مرة أخرى، وهم أنفسهم قوم غير مقدسين.

وقد منع الإسلام طواف "العريّ" في أي وقت كان، وحتم على الجميع قريش وغيرهم لبس "الإحرام". وقد ذكر علماء التفسير في تفسير قوله تعالى: )واذا فعلوا فاحشة، قالوا وجدنا عليها اباءنا، والله أمرنا بها. قل: إن الله لا يأمر بالفحشاء. أتقولون على الله ما لا تعلمون( ان هذه الاية نزلت في حق المتعرين الذين كانوا يطوفون بالبيت عراة، "فإذا قيل لهم: لم تفعلون ذلك قالوا وجدنا عليها اباءنا والله أمرنا بها"، "فنحن نفعل مثلَ ما كانوا يفعلون، ونقتدي بهديهم ونستن بسنتهم. والله اْمرنا به فنحن نتبع أمره فيه". فنحن اذن أمام سنة جاهلية قديمة، ترجع طواف العري إلى أمر سابق وشريعة سابقة.

وأما "الحمس"، فهم الذين كانوا يطوفون بثيابهم، ثم يحتفظون بها فلا يلقونها، فلهم من هذه الناحية ميزة امتازوا بها على الحلة. ولهم على الحلة ميزة أخرى، هي انهم كانوا يقفون الموقف في طرف الحرم من "غرة": يقفون به عشية عرفة، ويظلون به يوم عرفة في الأراك من نمرة، ويفيضون منه إلى المزدلفة ولا يقفون موقف غيرهم بعرفة، فقصروا عن مناسك الحج والموقف من عرفة وهو من الحل. وحجتهم انهم أهل الحرم فلا يخرجون منه مثل ساثر الناس. ويقولون: "نحن أهل الحرمة وولاة البيت.وقطان مكة وساكنها،فليس لأحد من العرب مثل حقنا ولا مثل منزلتنا ولاتعرف له العرب مثل مانعرف".

وتفسير كلمة "الحمس" في رأي علماء اللغة التشدد في الدين، سمّوا حمساً،لأنهم كانوا يتشددون في دينهم، فكانوا اذا زوّجوا امرأة منهم لغريب عنهم، أي لمن كان من الحلة اشترطوا عليه ان كل من ولدت له، فهو أحمسي على دينهم. وكانوا اذا أحرموا لا ياًتقطون الاقط، ولا يأكلون السمن ولا يسلؤونه ولا يمخضون اللبن، ولا يأكلون الزبد،ولا يلبسون الوبر ولا الشعر ولا يستظلون به ما داموا حرماً، ولا يغزلون الوبر ولا الشعر ولا ينسجونه، وانما يستظلون بالأدم، ولا يأكلون شيئاً من نبات الحرم. وكانوا يعظمون الأشهر الحرم ولا يخفرون فيها الذمة ولا يظلمون فيها، ويطوفون بالبيت وعليهم ثيابهم. وكانوا اذا أحرم الرجل منهم في الجاهلية وأول الإسلام، فإن كان من أهل المدر نقب نقباً في ظهر بيته فمنه يدخل ومنه يخرج ولا يدخل من بابه. وكانوا يقولون: لا تعظموا شيئاً من الحل، ولا تجاوزوا الحرم في الحج فلا يهاب الناس حرمكم، ويرون ما تعظمون من الحل كالحرم، فقصروا عن مناسك الحج والموقف من عرفة وهو من الحل، فلم يكونوا يقفون به ولا يفيضون منه، وجعلوا موقفهم في طرف الحرم من نمرة: يقفون به عشية عرفة، ويظلون به يوم عرفة في الأراك من نمرة، ويفيضون منه إلى المزدلفة. فإذا عممت الشمس رؤوس الجبال دفعوا. وكانوا يقولون: نحن أهل الحرم، لا نخرج من الحرم،ونحن الحمس.

وكانوا اذا أرادوا بعض أطعمتهم ومتاعهم، تسوّروا من ظهر بيوتهم وأدبارها حتى يظهروا على السطوح، ثم ينزلون في حجرتهم، ويحرمون ان يمروا تحت عتبة الباب. فهم يحرمون اذن اشياء لم تكن العرب تحرمها.

والحارث بن عبد مناة بن كنانة. ومدلج بن مرة بن عبد مناة بن كنانة، بنزولهم حول مكة. وعامر بن عبد مناة بن كنانة. ومالك، وملكان، ابنا كنانة، وثقيف، وعدوان، ويربوع بن حنظلة. ومازن بن مالك بن عمرو بن تميم. وأمهما جندلة بنت فهر بن مالك بن النضر. ويقال: ان بني عامر كلهم حمس لتحمس اخوتهم من بني ربيعة بن عامر. وعلاف، وهو رباّن بن حلوان ابن عمران بن الحاف بن قضاعة. وجناب بن هبل بن عبد الله من كلب. وأمه آمنة بنت ربيعة بن عامر بن صعصعة. وأمها مجد بنت تيم الأدرم ين غالب ابن فهر".

ويتبين مما تقدم ان "الحمس"، لم يكونوا قريشاً وحدهم وسكان الحرم، وانهم لم يكونوا جماعة قامت وظهرت على رابطة الدم والنسب، كما هو الحال بالنسبة إلى القبيلة. بل هم قريش وكل من نزل الحرم وسكن مكة، وطواثف من العرب شاركت قريشاً في مناسك حجها، وسارت على نهجها في الحج، وشاطرتها الرأي في دينها. وقد ذكر " الجاحظ" ان "عامر بن صعصعة"، و "خزاعة" و "ثقيفاً"، والحارث بن كعب، كانوا ديّانين، أي على رأي ودين. وكانوا على دين قريش. وقال غيره: "وصارت بنو عامر من الحمس وليسوا من ساكني الحرم لأن امهم قرشية. وهي مجد بنت تيم بن مرة. وخزاعة إنما سميت خزاعة، لأنهم كانوا من سكان الحرم فخزعوا عنه، أي خرجوا. ويقال انهم من قريش انتقلوا ببنيهم إلى اليمن. وهم من الحمس ".

وقد ميزّ بعض العلماء بين "الحمس" وهم نزلاء الحرم، وبين المتحمسين الذين دخلوا في الحمس، لأن أمهاتهم من قريش، بأن أطلقوا عليهم لفظة "الأحامس". فقالوا: "والأحماس من العرب الذين أمهاتهم من قريش "،. وجاء. في بعض الأخبار ان "غطفان."، لما اتخذت لها بيتاً أرادت به مضاهاة الكعبة، وجعلت له حرماً كحرم مكة. أغار "زهير بن جناب الكلبي" عليه.

وقد وصف "ابن معد" "التحمس" بقوله: "والتحمس أشياء أحدثوها في دينهم تحمسوا فيها، أي شددوا على أنفسهم فيها، فكانوا لا يخرجون من الحرم اذا حبّوا، فقصروا عن بلوغ الحق، والذي شرع الله، تبارك وتعالى، لابراهيم وهو موقف عرفة، وهو من الحل، وكانوا لا يسلؤون السمن ولا ينسجون مطال الشعر، وكانوا أهل القباب الحمر من الأدم، وشرعوا لمن قدم من الحاج ان يطوف لم بالبيت وعليه ثيابه ما لم يذهبوا إلى عرفة، فإذا رجعوا من عرفة لم يطوفوا طواف الإفاضة بالبيت إِلا عراة أو في ثوب أحمسيّ وان طاف في ثوبه لم يحلّ له ان يلبسهما ".

وللجاحظ ملاحظات قيمةعن قريش لها صلة بالتحمس، وقد تفسر لنا معنى التحميس بسبب شموله أناساً هم من غير قريش.

ذكر ان الإسلام لما ظهر، لم تكَن هنالك أية امرأة قرشية، كانت مسبية عند غير قريش. ولم تكن هنالك أية امرأة مسبيهّ فىِ أي سبي القبائل وأمها من قريش. ويذكر أيضاً ان قريشاً لم تكن تزوج بناتها من أبناء أشراف القبائل حتى تشترط عليهم ان من تلد منهن، فيكون من يكون من الحمس. أما هم، فكانوا اذا تزوجوا من بنات قبائل أخرى، فإنهم لم يشرطوا على أنفسهم أي شرط، وكان من هذه القبائل عامر بن صعصة وثقيف وخزاعة والحارث بن كعب، "وكانوا ديّانين". وَ كانوا على دين قريش في امورها. وكانت قريش كريمة، ولم ترض بالغارات والغزو ولا بالظلم ولم تقبل بالوأد ولا بالدخول.ممن يقع في أيديهم أسرى من النساء. وكان من فضائلهم ان منّ الله عليهم بالإيلاف. فأغناهم وجعلهم "لقاحأَ".. فلم يخضعوا لمالك ولم يستعبدهم سلطان أجنبي. ولم يدفعوا أي سة يء عنهم لملك منّ الملوك. بل كانت الملوك تأتي إلى مكة وتعظم البيت وتحترم سكانه. وهم قريش الحمس.

ويظهر من ملاحظات الجاحظ المذكورة، ان من أهم مبادىء الحمس، نبذ الغارات، أي الغزو، حتى جعلته قريش ركناً من أركان دينها. كما تمسكت بركن آخر، هو عدم الدخول بمن يقع في أيديهم من النساء السبايا في حالة ما اذا أغارت قبيلة عليهم، واعتدت عليهم، فانتصرت قريش عليها، وأخذت منها سبايا. اما الحمس الآخرون، مثل عامر بن صعصعة وثقيف والحارث بن كعب، وأمثالهم ممن تحمسوا، فلم يتمسكوا بهذه الأصول. وذكر "ابن الفقيه" ان القبائل المذكورة لم تكن في الأصل حمساً على دين قريش، وانما تحمست وصارت من الحمس بتاًثير قريش عليها. وقريش تمسكوا وحدهم بالحمس،"وصاروا بأجمعهم تجاراً خلطاء". وقد عرفت مكة ب "دار الحمس"، كما جاء ذلك في شعر ينسب إلى "الكاهن اللهبي". وعرفت قريش ب "أهل الله".

ونجد بين "الحمس" والحرم صلة متيتة، تشير إلى الأصل الديني للحمس والى ارتباطهم بالكعبة. فذهب "الزمخشري" إلى ان "حمس" من "حرم" ومن دلائل هذه الصلة أيضاً مما ورد في كتب أهل الأخبار من ان الكعبة كانت قد عرفت ب "الحمساء". سميت بذلك "لأن حجرها أبيض إلى السواد". ومن ان "الحمس" هم نزلاء الحرم. فبين الحمس والحرم، صلة متينة اذن. حتى قيل ان المنسوب الى الحرم من الناس "حرمي". و "ان عياض بن حمار المجاشعي، كان حرمي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فكان اذا حج طاف في ثيابه. وكان أشراف العرب الذين يتحمسون على دينهم، أي يتشددون اذا حج أحدهم لم يأكل إلا طعام رجل من الحرم: ولم يطف إلا في ثيابه.

فكان لكل رجل من أشرافهم رجل من قريش. فيكون كل واحد منهما حرمي صاحبه". ويفسر لنا هذا المعنى أيضاً قولهم: "رجل حرام: داخل في الحرم"،و" الحرم بالكسر الرجل المحرم. يقال: أنت حل وانت حرم". وقد أنجب الزواج المشروط بين قريش وبين من يتزوج منها حمساً جدداً، انتقل الحمس اليهم عن طريق "شرط عقد الزواج" من جهة الأمهات. أمها نسل هؤلاء الحمس الجدد، الذين هم فيِ الواقع أنصاف أحماس، فقد صار حمساً مثل قريش، لأنهم ولدوا من والد حسب من الحمس ومن والدة أحمسية. وبذلك لم يعد الحمس أهل مكة وحدهم، بل شمل أهل مكة ومن تزوج مكّيات فاًنجين ولداً، عدّوا حمساً بشرط العقد.

وتذكر بعض الروايات ان عقيدة "الحمس" لم تكن قديمة، بل ظهرت قبيل الإسلام. " قال ابن اسحاق: كانت قريش لا أدري قبل الفيل أو بعده، ابتدعت أمر الحمس رأياً. فتركوا الوقوف على عرفة والإفاضة منها،وهم يعرفون ويقرون انها من المشاعر والحج، إلا انهم قالوا: نحن أهل الحرم، ونحن الحمس. والحمس أهل الحرم. قالوا: ولا ينبغي للحمس ان يتأقطوا الأقط ولا يسلؤوا السمن، وهم حرم، ولا يدخلوا بيتاً من شعر، ولا يستظلوا إن استظلوا إلا في بيوت الأدم ما كانوا حرماً، ثم قالوا: لا ينبغي لأهل الحل ان يأكلوا من طعام جاءوا به من الحل الى الحرم اذا جاءوا حجاجاً أو عمّاراً، ولا يطوفوا بالبيت اذا قدموا أول طوافهم إلا في ثياب الحمس". ولم تذكر هذه الرواية سبب ظهورها، ولا من أوجدها من رجال قريش.

ويتبين من غربلة ما ذكره أهل الأخبار عن الحمس، ان الحمس هم أهل مكة الأحرار في الأصل، ثم من دان بدينهم. وجدوا أنفسهم في ضنك شديد، في واد غير ذي زرع، لا شيء عندهم غير "البيت"، فتحمسوا في دينهم وتشددوًا وتعاونوا فيما بينهم على العمل معاً، وعلى الدعوة إلى عبادة رب البيت واقراء الضيف والامتناع عن غزو غيرهم، وعن التحرش بأحد، إلا اذا تحرش بهم، وعلى إغاثة الملهوف ومساعدة من يأت البيت حاجاً أو معتمراً أو قاصداً تجارة، وتقديم الرفادة له. ونصرة الغريب. وحافظوا على الحرمات: حرمة البيت وحرمة الحج وحرمة الأشهر الحرم، ووضعوا لأنفسهم قواعد صارمة في آداب السلوك في موسم الحج وفي غيره، تشعر انهم كانوا ينظرون إلى أنفسهم كانهم "جنس"، فضله الله على بقية أجناس العرب، لهم مناسكهم، ولبقية العرب مناسكهم، ولهم قباب خاصة يضربونها لأنفهسهم في سوق عكاظ وفي المواضع الأخرى تميزهم عن سائر من يفد إلى هذه المواضع،وترفّعوا عن مصاهرة سائر الناس إلا اذا وجدوا انهم أكفاء لهم، والكفاءة: القوة والمال. وأقاموا مجتمعهم الخاص هذا على قواعد دينية تعاونية. اقتصادية "صاروا بأجمعهم تجاراً خلطاء". شعارهم انهم "أهل الله"، دينهم " التحمس والتشدد في الدين، فتركوا الغزو كراهة للسبي واستحلال الأموال، فلما زهدوا في الغصوب لم يبق مكسبة سوى التجارة: فضربوا في البلاد إلى قيصر بالروم، والنجاشي بالحبشة، والمقوقس بمصر، وصاروا بأجمعهم تجاراً خلطاء ". وكان ان تفردوا بالإيلاف، وللايلاف ارتباط بالحمس، وتوجهوا إلى التجارة والاتجار، وجمعوا بين الدين والمال، وأفسحوا المجال لمن به نشاط وهمة ان يجمع مالاً وأن يكون غنياً على ان يساهم بنصيبه في تحمّل أعباء مجتمعهم، للدفاع عن "بيت الله" ولكسب المتحالفين معهم وتوزبع العدل فيما بينهم، توزيعاً يخفف من حدة التفاوت فيما بين الغني والففير، حتى لا يقع اخلال في التوازن بين طبقات المجتمع، يحمل الفقراء على انتزاع المال من الأغنياء كرهاً وقسراً. وجعلوا ذلك واجباًَ من واجباتهم، فحثوا على رفع الظلم، واتخذوا السقاية والرفادة، وعقدوا "حلف الفضول" للدفاع عن المحتاج، وجعلوا "الإيلاف" الذي سأتكلم عنه في الجزء الخاص بالحياة الأقتصادية، سبباً من أسباب اشاعة الرحمة ومساعدة الفقراء وتخفيف وطأة الفقر في هذه القرية: "أم القرى"، وفي ذلك يقول "مطرود بن كعب الخزاعي" في رثائه عبد المطلب: يا أيها الرجل المحول رحـلـه  ألا نزلت بآل عبـد مـنـاف

هبلتك أمك لو نزلت علـيهـم  ضمنوك من جوع ومن إقرافّ

الاخذون العهد من آفـاقـهـا  والراحلون لـرحـلة الإيلاف

والمطعمون اذا الرياح تناوحت  ورجال مكة مسنتون عجـاف

والمفضلون اذا المحول ترَادفَت  والقائلون هلـم لـلأضـياف

والخالطون غنيهم بفقـبـرهـم  حتىّ يكون فقيرهم كالكافـي

كانت قريش بيضة فتفلـقـت  فالمحّ خالصة لعبـد مـنـافِ

قام رجال من رجال مكة بالانفاق على المحتاجين،فعدّوا ذلك ديناً ومروءة وشهامة. فكان "نعيم بن عبد الله" العدوي، ينفق على أرامل بني عدي وأيتامهم. وكان "حكيم بن حزام" ينفق من أْرباحه على المحتاجن من آله وذويه. وكان صديق النبي قبل المبعث، وتذكر كتب السير والتراجم أسماء رجال آخرين عرفوا بتصدقهم على الفقراء والمحتاجن، اعتبروها منقبة وقربة لهم في الجاهلية، وقد أقرهم الرسول عليها.

فالحمس "أهل اللّه"، وأمته، تجمعهم عبادة الله والأصنام، والمناسك والشعائر التي وضعوها لهم، والتجارة التي جلوها مثل شعائر دينهم، ينفقون من أرباحهم منها في سبيل "الله". أي بيت الله وأهله المستضعفون، حتى جعلوا الصدقة وإطعام المحتاج من أمور الدين. فمجتمعهم مجتمع جمع بين الدين والتجارة، وبين الديات والمال. حثهم على التعاون بخلط رؤوس أموالهم و الاتجار معاً يقوافل، وفيه ربح كبير مضمون، وحثهم على إنصاف من ليس له شيء حتى يصير

مكتفياً غير محتاج، لا يوجه عينه نحو غيره حسداً وحقداً. شعار هذا المجتمع الله والأصنام والحج والتجارة، مجتمع لم يكن يخلو بالطبع من أحامس بخلاء، شذوا عن الطريق، واغتصبوا أموال الفقراء، كما هو الحال في كل مجتمع بشري.

وقد اقتصرت "قريش"، وهم من الحمس، على استعمال القباب المصنوعة من الأدم لا يضربها غيرها ب "منى". لأنهم " كانوا لا ينسجون مظال الشعر، وكانوا أهل القباب الحمر من الأدم". وقد استعمل الرسول في حجه هذا النوع من القباب. ولا بد أن يكون لاقتصار قريش على استعمال هذا النوع من القباب دون غيرها في هذا الموضع،سبب ما، الأرجح انه عامل ديني واجتماعي. ويلاحظ انه كان للقباب الحمر ذكر خطير، وجاه عظيم في نظر الجاهليين.،فكان أصحابها يفتخرون على غيرهم بأنهم "أهل القباب الحمر"، وقد كان الملوك والسادة يضربون لأنفسهم القباب الحمر. فهي من امارات الجاه والمكانة والنفوذ.

ويظهر من بعض الأسماء أو الجمل التي وردت فيها كلمة "حمس" و "حمس" ان هذه الكلمة هي نعت أو اسم من أسماء الآلهة عند الجاهليين في الأصل، ثم تغير معناها بعد ذلك فصارت على النحو الذي ذكره علماء اللغة نقلاً عن الروايات التي ترجع ذلك المعنى الى الجاهلية المتصلة بالإسلام. ففي الأسماء الواردة إلينا: "أحمس الله"، و "بنو أحمس"، و "أبو أحمس"، و "الأحامس" ؛ ما يفيد ان الأصل بعيد جداً عن المعنى الذي فهمه وذهب اليه أهل الأخبار، وان للكلمة معنْى دينياً خاصاً قديماً، هو التشدد في الدين والتمسك به، وبعبادة الصنم، والمحافظة على سنّة الإباء والأجداد مع تصلب وتقشف.

والأحماس من العرب الذين أمهاتهم من قريش، صاروا من الحمس بسبب أمهاتهم.

هذا وقد نزل الوحي بتنظيم الحج وفق مبادىء الإسلام، فاباح للحجاج ما كانت الحمس حرمته على نفسها من طعام الحج إلا طعام أحمسى، على نحو ما ذكرت قبل قليل. وما ذكر من ان قوماً كانوا. قد حرًموا على أنفسهم ما يخرج من الشاة لبنها وسمنها ولحمها، اذا حجوا أو اعتمروا. كما نزل بوجوب ستر العورة ولبس الإحرام في الحج، وذلك بالنسبة إلى المحلّين، وأغلبهم من الأعراب ومن الفقراء، حيث كانوا يطوفون عراة، وفي ضمنهم النساء. فنزل الوحي به: ) يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد، وكلوا واشربوا ولا تسرفوا، انه لا يحب المسرفين(. ونهوا عن ذلكْ. وذكر عن أبي هريرة انه قال: " بعثني أبو بكر الصديق في الحجة التي أمره عليها رسول اللّه، صلى الله عليه وسلم، قبل حجة الوداع في رهط يؤذنون في الناس يوم النحر، لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ".

كما نزل الوحي بجواز دخول الحجاج بيوتهم وخيامهم وما يأوون اليه من بيوتها، من أبوابها، لا كما كان يفعل بعضهم في الجاهلية وفي أول الإسلام، من انه اذا أحرم الرجل منهم بالحج أو العمرة لم يدخل حائطاً ولا بيتاً ولا داراً من بابه، فإن كان من أهل المدن نقب نقباً في ظهر بيته منه يدخل ويخرج أو يتخذ سلماً فيصعد فيه،وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخيمة والفسطاط ولا يدخل من الباب حتى يحل من احرامه ويرون ذلك ذماً، إلا ان يكون من الحمس. وهم: قريش وكنانة وخزاعة وثقيف وخثعم وبنو عامر بن صعصعة، وبنو النضر بن معاوية. نزل الوحي بذلك في الاية: )وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها، و لكن البر من اتقى، وأتوا البيوت من أبوابها، و اتقوا الله لعلكم تفلحون(.

وقد ذهب بعض أهل الأخبار والسير إلى ان الآية المذكورة، نزلت في أمر الحمس،" لأن الحمس لا يدخلون تحت سقف ولا يحول بينهم وبين السماء عتبة باب ولا غيرها، فان احتاج أحدهم الى حاجة في داره تسنم البيت من ظهره، ولم يدخل من الباب". وذهب المفسرون إلى انها نزلت في الأنصار، فقد كانوا اذا حجّوا فجاءوا لا يدخلون من أبواب بيوتهم، ولكن من ظهورها، فجاء رجل فدخل من قبل بابه، فكأنه عير بذلك، فنزلت هذه الآية. وورد: "كانت قريش تدعى الحمس، وكانوا يدخلون من الأبواب في الاحرام،وكانت الأنصار وسائر العرب لا يدخلون من باب في الاحرام، فبينما رسول الله، صلى اللّه عليه وسلم، في بستان، إذ خرج من بابه وخرج معه قطبة بن عامر الأنصاري، فقالوا: يا رسول الله: إن قطبة بن عامر رجل فاجر، وانه خرج معك من الباب فقال له: ما حملك على ما صنعت ? قال: فإنّ ديني دينك ! فأنزل الله: )وليس البر بأن تاًتوا البيوت من ظهورها (. وقد أغفلت بعض الروايات اسم من كان لا يدخل البيوت من أبوابها، بأن قالت: " كان أهل الجاهلية يأتون البيوت من ظهورها ويرونه براً "، أو "، كانوا في الجاهلية اذا أحرموا أتوا البيوت من ظهورها، ولم يأتوا من أبوابها"، أو " إن ناساً كانوا اذا أحرموا لم يدخلوا حائطا من بابه ولا داراً من بابها أو بيتاً"، أو " كان ناس من أهل الحجاز، اذا أحرموا لم يدخلوا من أبواب بيوتهم ودخلوها من ظهورها "، وذكر ان من كان يفعل ذلك، فانما يفعله،لأنهم كانوا يتحرجون من ان يكون بينهم وبين السماء حائل.

وقد جعل "اليعقوبي" العرب في الجاهلية على دينين: دين الحمس ودين الحلة. وذلك بالنسبة للمشركين. وذكَر ان منهم من دخل في دين اليهودية وفي النصرانية، ومنهم من تزندق وقال بالثنوية، وبهذه الفرق حصر "اليعقوبي" أديان أهل الجاهلية. إذ قال: " فهاتان الشريعتان اللتان كانت العرب عليهما. ثم دخل قوم من العرب في دين اليهود، وفارقوا هذا الدين. ودخل آخرون في النصرانية، وتزندق منهم قوم، فقالوا بالثنوية".

والتعميم الذي يطلقه "اليعقوبي" وبقية المؤرخين والأخباريين في قولهم "وكانت العرب في أديانهم"، لا يمكن التسليم به، إلا بالنسبة لأهل مكة ولمن كان يقصدهم من العرب. أما بالنسبة لجميع العرب، فهذا ما لا يمكن التسليم به.

وأما "الطلس"، فقد وصفهم "محمد بن حبيب" بقوله إنهم: "بين الحلة والحمس: يصنعون في إحرامهم ما يصنع الحلة، ويصنعون في ثيابهم ودخولهم البيت ما يصنع الحمس. وكانوا لا يتعرون حول الكعبة، ولا يستعيرون ثياياً، وبدخلون البيت من أبوابها، وكانوا. لا يثدون بناتهم، وكانوا يقفون مع الحلة ويصنعون ما يصنعون". وهم سائر أهل اليمن، وأهل حضرموت، وعك وعجيب، وإياد بن نزار.

وذكر ان من الحجاج من كان يحج بغير زاد، وان منهم من كان اذا أحرم رمى بما معه من الزاد، واستأنف غيره من الأزودة، وان "قبائل من العرب يرمون الزاد اذا خرجوا حجاجاً وعمّاراً، فنزل الوحي: "وتزودوا فإن خير الزاد التقوى"، فأمر من لم يكن يتزود منهم بالتزود لسفره، ومن كان منهم ذا زاد ان يتحفظ بزاده فلا يرمي به. وقد عرف هؤلاء ب "المتوكلة"، لتوكلهم على "رب البيت" في اطعام أنفسهم، واعتمادهم في ذلك على السؤال.

وقد ذكر علماء التفسير ان الآية: )وتزودوا فإن خير الزاد التقوى( نزلت "في طائفة من العرب كانت تجيء إلى الحج بلا زاد، ويقول بعضهم: كيف نحج بيت الله ولا يطعمنا، فكانوا يبقون عالة على الناس، فنهوا عن ذلك، وأمروا بالزاد. وكان للنبي صلى الله عليه وسلم في مسيره راحلة عليها زاد، وقدم عليه ثلثمائة رجل من مزينة، فلما أرادوا ان ينصرفوا قال: يا عمر زوّد القوم..... كما روى البخاري عن ابن عباس قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا قدموا مكة سألوا الناس".

ويظهر مما تقدم ان "المتوكلة" لم يكونوا جميعاً من الفقراء المحتاجين، بل كان منهم قوم أغنياء فضل الله عليهم، بدليل انهم كانوا اذا حجوّا رموا زادهم، أو أعطوه للمحتاج اليه، يفعلون ذلك ديانة وتقرباً الى الله، كما فعل "المتوكلة" من بعدهم في الإسلام. فهم اذن طائفة من الطوائف الجاهلية المتدينة، ترى ان التقشف في الحج، يزيد في ثوابه، ويقرب أصحابه الى رب البيت.

ويريد أهل الأخبار بالثياب "الإحرام" على ما يظهر. وهو قديم وقد عرف عند غير العرب أيضاً. وهو محاكاة لملابس رجال الدين الذين يخدمون المعابد، ويتقربون إلى الآلهة. وهو يتكون من قطعتين من: إزار ومن وشاح. ويكون أبيض اللون. واللون الأبيض من الألوان التي تعبر عن معان دينية. فقد كان رجال الدين والكهنة يلبسون الثياب البيض. كما انه شعار الحزن عند بعض الشعوب، وفي جملتهم عرب الحجاز. ويظهر ان أهل مكة وهم قريش، كانوا يلبسون الإحرام، أو يكرهونه لغيرهم من العرب أو يعيرونه لهم إن كانوا من حلفائهم، فيحرمون كإحرام قريش. أما من لم يتمكن من الحصول على الإحرام، فقد كان يضطر بحكم الضرورة إلى الطواف عرياناً على نحو ما يقصه علينا أهل الأخبار.

أما بالنسبة إلى أهل العربية الجنوبية من معينيين وسبئيين وقتبانيين وحضرميين، فإننا لا نستطيع ان نتحدث عن سنة الطواف حول المعابد عندهم، لعدم ورود شيء عن ذلك في النصوص الواصلة إلينا. ولكني لا أستبعد احتمال طوافهم حول بيوت أصنامهم على نحو ما كان يفعله أهل الحجاز، لأن الطواف حول بيوت الأصنام أو حول الصنم من السنن الشائعة بين العرب وعند جماعات من بني إرم والنبط.

التلبية

وذكر "محمد بن حبيب" ان طواف أهل الجاهلية بالبيت اسبوعاً، وذكر انهم كانوا يمسحون الحجر الأسود، ويسعون بين الصفا والمروة. وكانوا يلبّون. وذكر ان نسك قريش كان لإساف.، وان تلبيتهم: " لبيك اللهم لبيك،لبيك، لا شريك لك إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك ". وان تلبية من نسك للعزى: " لبيك اللهم لبيك، لبيلك وسعديك، ما أحبنا اليك ". وان تلبية من نسك للات: " لبيك اللهم لبيك، لبيك، كفى ببيتنا بنية،ليس بمهجور ولا بلية، لكنه من تربة زكية أربابه من صالحي إلبرية ". وكانت تلبية من نسك لجهار: " لبيك، اللهم لبيك. لبيك، اجعل ذنوبنا جبار،واهدنا لأوضح المنار، ومتعنا وملنا بجهار". وكانت تلبية من نسك لشمس: "لبيك، اللهم لبيك، لبيك، ما نهارنا نجره، ادلاجه وحره و قره، لا نتقي شيئاً ولا نضره، حجاً لرب مستقيم بره "، وكانت تلبية من نسك لمحرق: "لبيك، اللهم لبيك، لبيك حجاً حقاً، تعبداً ورقا "، وكانت تلبية من نسك لود":"لبيك اللهم لبيك، لبيك، معذرة اليك ". وكانت تلبية من نسك ذا الخلصة: "لبيك، اللهم لبيك، لبيك، بما هو أحب اليك ". وكانت تلبية من نسك لمنطبق: " لبيك، اللهم لبيك، لبيك ". وتلبيةعك، أنهم كَانوا اذا بلغوا مكة، يبعثون غلامين أسودين أمامهم، يسيران على جمل " مملوكين،قد جردا، فهما عريانان، فلا يزيدان على ان يقولا: " نحن غرابا عك ". واذا نادى الغلامان بذلك صاح من خلفهما من عك: "عك اليك عانية، عبادك اليمانية، كيما نحج الثانية، على الشداد الناجية ".

وكانت تلبية من نسك مناة: " لبيك اللهم لبيك، لبيك، لولا ان بكراً دونك يبرك الناس ويهجرونك، ما زال حج عثج يأتونك، إنا على عدوائهم من دونك"، وتلبية من نسك لسعيدة: " لبيك اللهم لبيك، لبيك لبيك، لم ناًتك للمياحة، و.لا طلباً للرقاحة، ولكن جئناك، للنصاحة ".. وكانت تلبية من نسك ليعوق: " لبيك اللهم لبيك، لبيك، بغض إلينا الشر،وحبب إلينا الخير، ولا تبطرنا فنأشر، ولا تفدحنا بعثار ". وكانت تلبية من نسك ليغوث:" لبيك، اللهم لبيك، لبيك، أحبنا بما لديك، فنحن عبادك، قد صرنا اليك ". وكانت تلبية من نسك لنسر: "اللهم لبيك، اللهم لبيك، لبيك، اننا عبيد، وكلنا ميسرة عتيد، وأنت ربنا الحميد، اردد إلينا مُلكنا والصيد". وكانت تلبية من نسك ذا اللبا: " لبيك اللهم، لبيك، لبيك، رب فاصرفن عنّا مضر، وسلّمن لنا هذا السفر، إن عما فيهم لمزدجر، واكفنا اللهم أرباب هجر ". وكانت تلبية من نسك لمرحب: " لبيك اللهم لبيك، لبيك، اننا لديك. لبيك، حببنا اليك". وكانت تلبية من نسك لذريح: " لبيك، اللهم لبيك، لبيك، كلنا كنود، وكلنا لنعمة جحود، فاكفنا كل حية رصود ". وكانت تلبية من نسك ذا الكفين: " لبيك، اللهم لبيك، لبيك، إن جرهماً عبادك، الناسُ طرف وهم تلادك، ونحن أولى منهم بولائك ". وتلبية من نسك هبل: " لبيك اللهم لبيك، اننا لقاح، حرمتنا على أسنة الرماح، يحسدنا الناس على النجاح".

وقد تعرض "اليعقوبي" لموضوع التلبية، فقال: " فكانت العرب، اذا أرادت حج البيت الحرام، وقفت كل قبيلة عند صنمها وصلوا عنده، ثم تلبوا حتى يقدموا مكة، فكانت تلبياتهم مختلفة. وكانت تلبية قريش: لبيك اللهم لبيك لا شريك لك، تملكه وما ملك. وكانت تلبية كنانة: لبيك اللهم لبيك، اليوم يوم التعريف، يوم الدعاء والوقوف. وكانت تلبية بني أسد: لبيك اللهم لبيك، يا رب أقبلت بنو أسد، أهل التواني والوفاء والجلد اليك. وكانت تلبية بني تميم: لبيك اللهم لبيك، لبيك عن تميم، قد تراها قد أخلقت أثوابها وأثواب من وراءها، وأخلصت لربها دعاءها. وكانت تليية قيس عيلان: لبيك اللهم لبيك، لبيك أنت الرحمان، أتتك قيس عيلان، راجلها والركبان. وكانت تلبية ثقيف: لبيك اللهم إن ثقيفاً قد أتوك، وأخلفوا المال وقد رجوك. وكانت تلبية هذيل: لبيك عن هذيل قد أدلجوا بليل، في إبل وخيل. وكانت تلبية ربيعة: لبيك ربنا لبيك، لبيك إن قصدنا اليك. وبعضهم يقول: لبيك عن ربيعة، سامعة لربها مطيعة. وكانت حمير وهمدان يقولون: لبيك عن حمير وهمدان والحليفين من حاشد والهان. وكانت تلبية الأزد: لبيك رب الأرباب، تعلم فصل الخطاب، لملك كل مثاب. وكانت تلبية مذحج: لبيك رب الشعرى، ورب اللات والعزى. وكانت تلبية كندة وحضرموت: لبيك لا شريك لك، تملكه، أو تهلكه،أنت حكيم فاتركه. وكانت تلبية غسان: لبيك رب غسان، راجلها والفرسان. وكانت تلبية بجيلة: لببك عن بجيلة في بارق ومخيلة، وكانت تلبية قضاعة: لبيك من قضاعة، لربها دفاعة، سمعاً وطاعة. وكانت تلبية جذام: لبيك من جذام، ذوي النهي والأحلام، وكانت تلبية عك والأشعريبن: نحج للرحمان بيتاً عجبا  مستتراً مضبباً محجبا

و "التلبية" اجابة المنادي، أي اجابة الملبي ربه. وقولهم: لبيك آللهم لبيك، معناه اجابتي لك يا رب، واخلاصي لك. وقد كان الجاهليون يلبون لأصنامهم تلبيات مختلفة. وقد ذكر "أبو العلاء المعري"، ان تلبيات العرب جاءت طما ثلاثة أنواع: مسجوع لا وزن له، ومنهوك، ومشطور. فالمسجوع كقولهم: لبيك ربنا لـبـيك  والخير كله بيديك

والمنهوك على نوعين: أحدهما من الرجز، والآخر من المنسرح. فالذي من الرجز كقولهم: لبيك إنّ الحمد لـك  والملك لاشريك لك

إلا شريك هـولـك  تملكه وما مـلـك

أبو بنات بفدك و كقو لهم: لبيك يامعطي الأمـر  لبيك عن بني النمـر

جئناك في العام الزمر  نأمل غيثاً ينهـمـر

يطرقُ بالسيل الخَمر والذي من المنسرح جنسان: أجدها في آخره ساكنان كقولهم: لبيك رب هـمـدان  من شاحط ومن دان

جئناك نبغي الإحسان  بكل حرف مذعان

نطوي اليك الغيطان  ناًمل فضل الغفران

والآخر لا يجتمع فيه ساكنان كقولهم: لبيك عن بجيله  الفخمة الرجيله

ونعمت القبيلـه  جاءتك بالوسيله

تؤمل الفضيله وربما جاءوا على قوافٍ مختلفه، من ذلك تليبة بكر بن وائل: لبيك حقاً حقـا  تعبـداً ورقـا

جئناك للنصاحة  لم نأت للرقاحه

وروي في تلبية "تميم" قولها: لبيك لولا أن بكراً دونكـا  يشكرك الناس ويكفرونكا

ما زال منا عثج يأتونكا ورووا أن من تلبيات همدان: لبيك مع كـل قـبـيل لـبـيك  همدان أبناء الملوك تـدعـوك

قد تركوا أصنامهم وانتـابـوك  فاسمع دعاءً في جميع الأملوك

ومن تلبياتهم قولهم: لبيك عن سعد وعن بنيها  وعن نساء خلفها تعنيها

سارت إلى الرحمة تجتنيها وختم "أبو العلاء المعريَ" رأيه عن التلبية بقوله: "والموزون من التلبية، يجب أن يكون كله من الرجز عند العرب، ولم تأت التلبية بالقصيد. ولعلهم قد لبّوا به ولم تنقله الرواة ".

والتلبية هي من الشعائر الدينية التي أبقاها الإسلام، غير أنه غير صيغتها القديمة بما يتفق مع عقيدة التوحيد. فصارت على هذا النحو: "لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك لبيك،، إن الحمد والنعمة لك، والملك لا شريك لك". كما جعلها جزاً من حج مكة، بعد أن كانت تتم خارج مكة، إذ كانت كل قبيلة تقف عند صنمها، وتصلي عنده ثم تلبي، قبل أن تقدم مكة. وذلك بالنسبة لمن كان يحج مكة. فاًبطل ذلك الإسلام، وألغى ما كان من ذلك من حج أهل الجاهلية. وقد رأينا صيغ التلبيات، وكيف كانت تلبيات القبائل خاصة بها، تلبى كل قبيلة لصنمها، وتوجه نداءها اليه.

وتردد جمل التلبية بصوت مرتفع، ولعل ذلك لاعتقاد الجاهلين أن في رفع الصوت إفهاماً للصنم الذي يطافْ له بأن الطائف قد لبى داعيه، وأنه استجاب أمره وحرص على طاعته. وقد أشار بعض الكتاب "الكلاسيكيين" إلى الصخب والضجيج الذي كان يرتفع في مواضع الحج بسبب هذه التلبية.

وهناك مواضع أخرى غير متصلة بالبيت الحرام، كانت مقدسة وداخلة في شعائر الحج، منها عرفة ومنى والمزدلفة والصفا والمروة، ومواضع أخرى كان يقصدها الجاهليون لقدسيتها أو لوجود صنم بها، ثم حرمها الإسلام، فنسيت وأهملت فذهبت معالمها مع ما ذهب من معالم الجاهليين.

وتقف الحمس في حجها على أنصاب الحرم من نمرة على نحو ما ذكرت أما الحلة والطلس، أي غير الحمس من بقية العرب فيقفون على الموقف من عرفة، عشية يوم "عرفة". فإذا دفع الناس من عرفة وأفاضوا أفاضت الحمس من أنصاب الحرم حتى يلتقوا بمزدلفة جميعاً. وكانوا يدفعون من عرفة اذا طفلت الشمس للغروب وكانت على رؤؤس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوههم. فيبيتون بمزدلفة حتى اذا كانت في الغلس وقفت الحلة والحمس على "قزح"، فلا يزالون عليه حتى اذا طلعت الشمس وصارت على رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوههم دفعوا من مزدلفة، وكانوا يقولون: أشرق ثبير كيما نغير.

ومن مناسك الحج الطواف بالصفا والمروة، وعليها صنمان: اساف ونائلة: وكان الجاهليون يمسحونهما. وكان طوافهم بهما قدر طوافهم بالبيت، اي سبعة أشواط. تقوم بذلك قريش، أما غيرهم فلا يطوفون بهما، وذلك على أغلب الروايات. ويظهر ان الصفا والمروة من المواضع التي كان لها أثر خطير في عبادة أهل مكة. ففي حج أهل مكة طوافان: طواف بالبيت، وطواف بالصفا والمرو ة.

بين الصفا والمروة يكون "السعي" في الإسلام، ولذلك يقال للمسافة بين المكانين "المسعى". وكان إساف بالصفا، وأما نائلة فكان بالمروة. ولا بد ان يكون لاقتران الاسمين دائماً سبب، و "المسعى" هو الرابط المقدس بين هذين الموضعين المقدسين عند الجاهليين.

وكان أهلّ مكة يتبركون بلمس الحجر الأسود، ثم يسعون بين الصفا والمروة. ويطوفون بإساف أولاً ويلمسونه، كل شوط من الطواف ثم ينتهون بنائلة. ويلبّون لهما: وكانت تلبيتهم لهما: " لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك، إلا شريك هو لك، تملكه و ما ملك". وذكر أن "الأنصار"، لما قدموا مع النبي في الحج، كرهوا الطواف بين الصفا والمروة لأنهما كانا من مشاعر قريش في الجاهلية، وأرادوا تركه في الإسلام. وذكر أن قوماً من المسلمين قالوا: يا رسول الله لا نطوف بين الصفا والمروة، فإنه شرك كنّا نصنعه في الجاهلية. فكان أهل الجاهلية إذا طافوا بين الصفا والمروة مسحوا الوثنيين، فلما جاء الإسلام وكسرت الاصنام، كره المسلمون الطواف بينهما لأجل الصنمين، فأنزل الله: )إن الصفا والمروة من شعائر الله (. ويتبين من غربلة الأخبار أن الذين كانوا يطوفون بالصنمين المذكورين ويسعون بينهما. هم من عبّاد الصنمين وهم قريش خاصة، وليس كل من كان يحج إلى مكة من العرب، ولذلك كرهوا الطواف في الإسلام بالصفا والمروة. وقد استبدل الإسلام بالطواف السعي، لهدم الصنمين اللذين كان الناس يطوفون حولهما واكتفى بالسعي بين الموضعين.

وذكر بعض العلماء أن العرب عامة كانوا لا يرون الصفا والمروة من الشعائر ولا يطوفون بينهما فأنزل الله: ) إن الصفا والمروة من شعائر الله(، أي لا تستحلون ترك ذلك. وذكر أن الأنصار كانوا يهلون لمناة في الجاهلية، فلما جاء الإسلام قالوا: يا نبي الله إنا كنا لا نطوف بين الصفا والمروة تعظيماً لمناة، فهل علينا من حرج أن نطوف بهما، فأنزل الله الآية المذكورة. وكان أهل "تهامة" ممن لا يطوفون أيضاً بين الصفا والمروة، فلما جاء الإسلام ونزل الأمر بالطواف بالبيت، ولم ينزل بالطواف بين الصفا والمروة، قيل للنبي.: انا كنا نطوف في الجاهلبة بين الصفا والمروة وان الله قد ذكر الطواف بالبيت ولم يذكر الطواف بين الصفا والمروة فهل علينا من جناح أن لا نطوف بهما. فنزل الوحي: ) ان الصفا والمروة من شعائر الله (، فصار الطواف بين الصفا والمروة لجميع الحجاج، لا كما كان في عهد الجاهلية. من اقتصاره على قريش وبعض العرب المتأثرين بهم. فكانوا يطوفون بهما ويمسحون بالوثنين إساف ونائلة، فما جاء الإسلام تحرج يعض الناس وفيهم قوم من قريش من الطواف بينهما لأنهما من شعائر الجاهلية، فنزل الأمر به.

وذكر أهل الأخبار ان السعي ببن الصفا والمروة،شعار قديم من عهد هاجر أم اسماعيل. وأما رمل الطواف، فهو الذي أمر به النبي، أصحابه في عمرة القضاء ليرُي المشركين قوتهم، حيث قالوا: وهنتهم حمى يثرب.

وورد في خبر عن "عائشة" انها قالت: " إن الأنصار كانوا يهلّون في الجاهلية لصنمين على شط البحر، يقال لهما: إساف ونائلة، ثم يجيئون،فيطوفون بين الصفا والمروة ثم يحلقون، فلما جاء الإسلام، كرهوا ان يطوفوا بينهما للذي كانوا يصنعون في الجاهلية، فأنزل الله عز وجل: إن الصفا والمروة من شعائر الله إلى آخرها. قالت: فطافوا ". وهو خبر يناقض أخباراً أخرى يتصل سندها ب "عانشة"، تجمع على انها قالت: إن الأنصار أو الأنصار وغسان كانوا قبل ان يسلموا يصلّون لمناة، فلا يحل لهم ان يطوّفوا بن الصفا والمروة، وكان ذلك سنة في آبائهم من أحرم لمناة لم يطف بين الصفا والمروة، ولم أجد في خبر آخر شيئاً يفيد أن إسافاً ونائلة كانا على ساحل البحر.

و "السعي" في الإسلام سبعة أشواط، تبدأ بالصفا، وتختتم بالمروة. وعندما يصل الحاج حد "السعي" يسعى ويهرول، فإذا جاز الحد مشى. وكان الجاهليون يبدأون ب "الصفا" وينتهون ب "المروة." كذلك.

ومن مناسك حج أهل الجاهلية الوقوف ب "عرفة"، ويكون ذلك في التاسع من ذي الحجة ويسمى "يوم عرفة". ومن "عرفة" تكون "الإجازة" للافاضة إلى "المزدلفة". ومن "المزدلفة" إلى "منى". وقد كان الجاهليون من غير قريش يفيضون في عرفة عند غروب الشمس، وأما في المزدلفة فعند شروقها. وكان الذي يتولى الإجازة رجلاً من تميم يقال له "صوفة "، ثم انتقلت إلى "صفوان" من تميم كذلك. ولم يكن "الحمس" يحضرون عرفة، وإنما يقفون بالمزدلفة، وكان سائر الناس يقف بعرفة. ولما رأى أحد الصحابة رسول الله واقفاً بعرفة عجب من شأنه وأنكر منه ما رأى لأنه من الحمس، وما كان يظن أنه يخالف قومه في ذلك، فيساوي نفسه بسائر الناس. فأنزل الله: ) ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس، واستغفروا الله إن اللّه غفور رحيم (، فشمل ذلك الحمس وغيرهم. فاًخذوا يقفون كلهم موقف عرفة، ووضع عن قريش ما فعلوه من تمييز أنفسهم عن الناس.

وورد في روايات أخرى، أن قريشاً وكل حليف لهم وبني أخت لهم، لا يفيضون من عرفات، إنما يفيضون من المغمس، وورد أن قريشاً وكل ابن أخت وحليف لهم، لا يفيضون مع الناس من عرفات، يقفون في الحرم ولا يخرجون منه. يقولون: إنما نحن أهل حرم الله، فلا نخرج من حرمه، وأنهم -قالوا "نحن بنو ابراهيم وأهل الحرمة وولاة البيت، وقاطنوا مكة وساكنوها، فليس، لأحد من العرب مثل حقنا، ولا مثل منزلنا، ولا تعرف له العرب مثل ما نعرف لنا، فلا تعظموا شيئاً من الحل، كما تعظمون الحرم. فإنكم إن فعلتم ذلك استخفت العرب بحرمكم، وقالوا: قد عظموا. من الحل مثل ما عظموا من الحرم فتركوا الوقوف على عرفة والافاضة منها ".

وذكر أن قريشاً ومن دان بدينها تفيض من "جمع" من المشعر الحرام. و "جمع" المزدلفة.

و "عرفة" أو "عرفات" موضع على مسافة غير بعيدة عن مكة. لابد وان يكون من المواضع التي كان يقدسها أهل الجاهلية، وان يكون له ارتباط بصنم من الأصنام، وإلا لما صار جزءاً من أجزاء مناسك الحج وشعائره عند الجاهليين. ويقف الحجاج موقف عرفة من الظهر إلى وقت الغروب. وقد يكون لموقف الجاهليين في عرفة وقت الغروب علاقة بعبادة الشمس. فإذا غربت الشمس اتجه الحجاج إلى "المزدلفة".

الإفاضة

ومن "عرفة" تكون الإفاضة إلى "إلمزدلفة". و "المزَ دلفة"، موضع يكاد يكون على منتصف الطربق بين "عرفة" و "منى". وفيه يمضي الحجاج ليلتهم، ليلة العاشر من "ذي إلحجة". ومنه تكون الإفاضة عند الشروق إلى "منى". وقد نعت ب "المشعر الحرام" في القرآن الكريم. ويذكر أهل الأخبار ان "قصي بن كلاب"، كان قد أوقد ناراً على "المزدلفة" حتى يراها من دفع من عرفة، وان العرب سارت على سنته هذه. وبقيت توقدها حتى في الإسلام. ولا بد وان يكون من المواضع الجاهلية المقدسة كذلك، التي كَان لها صلة با الأصنام. وقد ذكر علماء اللغة اسم جبل بالمزدلفة دعوه "قزحاً"، قالوا انه "هو القرن الذي يقف عنده الإمام"، وذكروا ان "قزح" اسم شيطان. ونحن نعرف اسم صنم يقال له "قزاح"، قد تكون له صلة بهذا الموضع.

ويفيض الحجاج في الجاهلية عند طلوع شمس اليوم العاشر من ذي الحجة من "المزدلفة" إلى "منى"، لرمي الجمرات ولنحر الأضحية. و"منى" موضع لا يبعد كثيراً عن مكة. ولعلماء اللغة آراء في سبب التسمية، من جملتها انها عرفت بذلك لما يمنى بها من الدماءْ.وذكر بعض أهل الأخبار ان "عمرو بن لحي" نصب بمنى سبعة أصنام، نصب على "القرين" القرن الذي بين مسجد منى والجمرة الأولى صنماً، ونصب على الجمرة الأولى صنماً، وعلى الجمرة الوسطى صنمأً، وعلى شفير الوادي صنماً. ولا بد أن يكون لهذا الموضوع صلة بالأصنام، نظراً لما له من علاقة متينة بمناسك الحج. وقد يكون لرمي الجمرات ولنحر الذبائح صلة بتلك الأصنام.

وقد ذكر العلماء "أن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس،ويقولون: أشرق ثبير"، وأن النبي خالفهم، فأفاض حين أسفر قبل طلوع الشمس". وفي فعل المشركين ذلك، ووقوفهم انتظاراَ للافاضة عند طلوع الشمس، دلالة على عبادة الشمس عندهم، ولهذا غيرَّ الرسول هذا الوقت.

و "رمي الجمرات" بمنى من مناسك الحج وشعائره. وهو من شعائر الحج كذلك المعروفة في المحجات الأخرى من جزيرة العرب. كما كان معروفاً عند غير العرب أيضاً. وقد أشر اليه في التوراة. وهو معروف عند "بني إرم". وكلمة "رجم" من الكلمات السامية القديمة. وقد وردت في حديث "عبد الله ابن "مغفل": لا ترجموا قبري، أي لا تجعلوا عليه الرجم، وهي الحجارة، على طريقة أهل الجاهلية، ولا تجعلوه مسنمّاً مرتفعاًْ. وقد فعله أهل الجاهلية على سبيل، التقدير والتعظيم. فكان أحدهم إذا مرّ بقبر، وأراد تقدير صاحبه وتعظيمه وضع رجمة أو رجاماً عليه.

" والجمرات"، أي مواضع "رمي الجمرات" عديدة عند الجاهليين، يطاف حولها " ويحج اليها منها مواضع أصنام، وأماكن مقدسة، ومنها قبور أجداد. وقد ورد قسم بها في بيت ينسب إلى شاعر جاهلي. وترمى الجمرات على مكَان عرف ب "جمرة العقبة" وب "الجمار" وب "موضع الجمار" وهو ب" منى"، وتتجمع وتتكوم عنده الحصى. وهي جمرات ثلاث: الجمرة الأولى، والجمرة الوسطى، وجمرة العقبة.

ويرجع أهل الأخبار مبدأ رمي الجمرات إلى "عمرو بن لحي".يذكرون انه جاء بسبعة أصنام فنصبها ب "متى"، عند مواضع الحجرات، وعلى شفير الوادي، ومواضع أخرى، وقسم عليها حصى الجمار، احدى وعشرين حصاة، يرمي كل منها بثلاث جمرات، ويقال للوثن حين يرمى: أنت أكبر من فلان الصنم الذي يرمى قبله.

وكانت إفاضة الجاهليين على هذا النحو: كان أمر الإفاضة بيد رجل من أسرة تناوبت هذا العمل أباً عن جد. وقد اشتهر منهم رجل عرف ب "عميلة ابن خالد العدواني"، واشتهر بين الناس ب "أبي سيارة". كان يجيز الناس من المزدلفة إلى منى أربعين سنة. يركب حماراَ أسود، وينظر الى أعالي جبل "ثبير"، فإذا شاهد عليها أشعة الشمس الأولى نادى: أشرق ثبير،كيما نغير ! ثم يجيز لهم بالإفاضة وفيه يقول الشاعر: خلّوا الطريق عن أبي سياّره  وعن مواليه بني فزاره

حتى يجيز سالماً حمـاره  مستقبل القبلة يدعو جاره

فقد أجار اللّه من أجاره وضرب به المثل، فقيل: أصح من عير أبي سّيارة.

وذكر "الجاحظ" أن اسم "أبي سيّارة" "عميلة بن أعزل"، دفع بأهل الموسم أربعين عاماً، ولم يكن عيرع عيراً وإنما كان أتاناً، ولا يعرفون حماراً وحشياً عاش وعمّر أطول من عير "أبي سيارة" وورد أن الذين كان لهم أمر الإجازة بالحجاج،وهي الإفاضة، هم "صوفة". وهم حيً من مضر من نسل "الغوث بن مر بن اد بن طابخة بن الياس بن مضر"، وقد سمّوا "صوفة" و "آ ل صوفة"، لأن "الغوث" أبوهم جعلت أمه في رأسه صوفة وجعلته ربيطاً للكعبة يخدمها. وكانوا يخدمون الكعبة ويجيزون الحاج، أي يفيضون بهم، فيكونون أول من يدفع. وكان أحدهم يقوم فيقول: أجيزي صوفة، فإذا أجازت، قال: أجيزي خندف، فإذا أجازت أذن للناس كلهم في الإجازة. وكانت الاجازة بالحج اليهم في الجاهلية. وكانت العرب إذا حجت وحضرت عرفة لا تدفع منها حى تدفع بها صوفة، وكذلك لا ينفرون من "منى" حتى تنفر "صوفة"، فإذا أبطأت بهم، قالوا: أجيزي صوفة. وورد أن "صوفة" قوم من "بني سعد بن زيد مناة" من تميم.

ويفهم من رواية أن كلمة "صوفة" لم تكن اسم علم، وإنما هي لفظة أطلقت على من كان يتولى البيت أو قام بشي، من خدمته، أو بشئ من أمر المناسك. فهم من رجال الدين، تخصصوا بالإجازة بالناس في مواسم الحج. ولعلهم كانوا يضعون على رأسهم صوفة على هيأة عمامة أو عصابة، أو عطر، لتكون علامة على أنهم من أهل بيت دين وشرف. فعرفوا ب "صوفة" وب "آل صوفة" وب "صوفان". وفي ذلك قال "مرة بن خليف الفهمي"، وهو شاعر جاهلي قديم: إذا ما أجازت صوفة النقب من منى  ولاح قتار فوقـه سـفـع الـدم

و "يظهر" من الروايات الواردة عن "ثبير"، أنه كان من المواضع المقدسة عند الجاهليين،أو أن على قمته صنماً أو ببتاً كانوا يصعدون اليه لزيارته وللتبرك به. ومن الشعائر المتعلقة بمنى نحر الذبائح، وهي الأضحية في الإسلام و "العتائر"في الجاهلية. ولذلك عرف هذا العيد: عيد الحج ب "عيد الأضحى". وعرف اليوم الذي تضحى به الأضحية ب "يوم النحر" وب "الأضحى" وب "يوم الأضحى". وكانوا ينحرونها على الأنصاب وعلى مقربة من الأصنام، فتوزع على الحاضرين ليأكلوها جماعة أو تعطى للافراد. وقد تترك لكواسر الجو وضواري البر فلا "يصد عنها انسان ولا سبع". وتبلغ ذروة الحج عند تقديم العتائر، لأنها أسمى مظاهر العبادة في الأديان القديمة.

وكان إلجاهليون يقلدون هديهم بقلادة، أو بنعلين، يعلقان على رقبتي الهدي، اشعاراً للناس باْن الحيوان هو هدي، فلا يجوز الاعتداء عليه،كما كانوا يشعرونه. والإشعار الإعلام. وهو ان يشق جلد البدنة أو يطعن في اسنمها في أحد الجانبين بمبضع أو نحوه، وقيل في سنامها الأيمن حتى يظهر الدم ويعرف انها هدي. والشعيرة البدنة المهداة.

وكان بعض أهل الجاهلية، يسلخون جلود الهدي، ليأخذوها معهم. ويتفق هذا مع لفظة "تشريق" التي تعني تقديد اللحم. ومنه سميت ايام التشريق، وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر، لأن لحوم الأضاحي تشرق فيها، أي تشرّر في الشمس. وقيل سمي التشريق تشريقاً، لأن الهدي لا ينحر حتى تشرق الشمس. ويظهر ان الجاهليين كانوا ينحرون قبيل شروق الشمس وعند شروقها، بدليل ما ورد في الحديث من النهي عن ذلك. ومن حديث: من ذبح قبل التشريق فليعد. أي قبل أن يصلي صلاة العيد، وهو من شروق الشمس واشراقها، لأن ذلك من وقتهاْ.

ولا يحل للحجاج في الجاهلية حلق شعورهم أو تقصيرها طيلة حجهم، وإلاّ بطل حجتهم. ويلاحظ أن غير العرب من الساميين كانوا لا يسمحون بقص الشعر في مثل هذه المناسبات الدينية أيضاً، لما للشعر من أهمية خاصة في الطقوس الدينية عندهم، ولا سيما اللحية لما لها من علاقة بالدين. ولهذا نجد رجال الدين والزهاد والأتقياء. الورعين يحافظون عليها ويعتيرونها مظهراً من مظاهر التدين.

وقد كانت القبائل لا تحلق شعورها في مواسم حجها إلا عند أصنامها، فكان الأوس إذا حجوا وقفوا مع الناس المواقف كلها ولا يحلقون رؤوسهم، فإذا نفروا أتوا صنمهم مناة فحلقوا رؤوسهم عنده، وأقاموا لا يرون لحجّهم تماماً إلا بذلك. وكانت قضاعة ولخم وجذام تحج للاقيصر وتحلق عنده.

وكان من عادة بعض القبائل، مثل بعض قبائل اليمن، القاء قرة من دقيق مع الشعر. وذلك أن أهل اليمن كانوا إذا حلقوا رؤوسهم بمنى وضع كل رجل على رأسه قبضة دقيق، فإذا حلقوا رؤوسهم سقط الشعر مع ذلك الدقيق،ويجعلون ذلك الدقيق صدقة، فكان ناس من أسد وقيس يأخذون ذلك الشعر بدقيقه، فيرمون بالشعر وينتفعون بالدقيق. وفي ذلك يقول معاوبة بن أبي معاوية الجرمي: ألم ترَ جرماً أنـجـدت وأبـوكـم  مع الشعر في قص الملبد شـارع

إذا قرة جاءت تقول أصـب بـهـا  سوى القمل إني من هوازن ضارع

وكان من يقصد العزى يذبح عند شجرة هناك ثم يدعون، وكان من يقصد مناة يهدي لها كما كان غيرهم يهدي للكعبة ويطوفون بها ثم ينحرون عندها، وكان عبدة ذي الخلصة في أسفل مكة يذبحون عنده كذلك. وكذلك كانت بقية القبائل تطوف في أعيادها. حول أصنامها، وتهدى اليها، ثم تنحر عندها عند اكمالها هذه الشعائر دلالة على اكمالها شعائر الحج الى هذه المواضع وانتهائها منها على أحسن وجه.

وتميز الحيوانات التي يهيئها أصحابها أو مشتروها للذبح في الحح بعلامات، بأن توضع عليها قلائد تجعلها معروفة، أو ان يحدث لها جرح يسيل منه الدم ليكون ذلك علامة انها هدي. ويقال لذلك إشعار، ومنه إشعار البدن، وهو ان يشق أحد نجبي سنام البدنة حتى يسيل منه الدم ليكون ذلك علامة الهدي. وقد كان من أهل مكة من يتخذ من لحاء شجر الحرم قلادة يضعها في عنق البدن، لتكون دلالة على إنها هدي، فلا يعترضها أحد.

ويجوز للحجاج مغادرة "منى" في اليوم العاشر من ذي الحجة، أي في اليوم الأول من العيد، ففي هذا اليوم يكمل الحجاج حجهم، ولكن منهم من يمكث في هذا الموضع حتى اليوم الثالث عشر، وذلك ابتهاجاً بأيام العيد، ومشاركة لإخوانه فيه. ويقال لذلك "التشريق". وأيام التشريق هي ثلاثة أيام بعد يوم النحر.

وكان أهل الجاهلية اذا قضوا مناسكهم وفرغوا من الحج، وذبحوا نسائهم، يجتمعون فيتفاخرون بمآثر آبائهم، فيقول بعضهم لبعض: كان أبي يطعم الطعام، ويقول بعضهم: كان أبي يضرب بالسيف، ويقول بعضهم: كان أبي جزّ نواصي بني فلان. يقولون ذلك عند "الجمرة"، أو عند البيت، فيخطب خطيبهم ويحدث محدثهم. أو انهم كانوا اذا قضوا مناسكهم وأقاموا بمنى قعدوا حلفاً، فذكروا صنيع آبائهم في الجاهلية وفعالهم به، يقوم الرجل، فيقول: اللهم ان أبي كان عظيم الجفنة عظيم القبّة كثير المال، وما شاكل ذلك، فنزل الوحي: "فإذا قضيتم مناسككم، فإذ ذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً".

وكانوا إذا خرج أحدهم من بيته يريد الحج، تقلد قلادة من لحاء السمر، دلالة على ذهابهم إلى الحج، في أمن حتى يأتي أهله. وذكر انه كان يقلد نفسه وناقته، فإذا أراد العودة عادوا مقلدين بلحاء السمر. وروي أنهم إذا أرادوا الحج مقبلين إلى مكة يتقلدون من لحاء السمر، وإذا خرجوا منها إلى منازلهم منصرفين منها، تقلدوا قلادة شعر فلا يعرض لهم أحد بسوء. بقي ذلك شأنهم حتى نزل الأمر بمنع دخول المشركين مكة وبوجوب قتلهم حيث وجدوا.

التجارة في الحج

قال علماء التفسير: كان متجر الناس في الجاهلية: عكاظ وذو المجاز، فكانوا إِذا أحرموا لم يتبايعوا حتى يقضوا حجهم. ويقولون أيام الحح أيام ذكر. وقالوا: "كان هذا الحي من العرب لا يعرجون على كسير ولا ضالة ليلة النفر. وكانوا يسمونها ليلة الصدر، ولا يطلبون فيها تجارة ولا بيعاً ". وقالوا: "كان بعض الحاج يسموّن الداج. فكانوا ينزلون في الشق الأيسر من منى. وكان الحاج ينزلون عند مسجد منى، فكانوا لا يتجرون حتى نزلت ليس عليكم جناح أن تبغوا فضلاً من ربكم. هي التجارة. قال.: اتجروا في الموسم". والصدر الإفاضة. ومنه طواف الصدر. وهو طواف الإفاضة.

والداج: الأجراء والمكارون وألأعوان ونحوهم الذين مع الحاج. وذكر ان قوماً جاءوا إلى "عبد الله بن عمر"، فقالوا: " انا قوم نكرى، فيزعمون انه ليس لنا حج. قال: ألستم تحرمون كما يحرمون، وتطوفون كما يطوفون، وترمون كما يرمون ? " قالوا بلى. قال فأنتم حاج، ومن "يكرى لخدمة الحاج، فهو من الداج.

العمرة

و "العمرة" هي بمثابة "الحج الأصغر" في الإسلام، وكان أهل الجاهلية يقومون بأدائها في شهر "رجب". وللعمرة في الإسلام شعائر ومناسك، وتكون بالطواف بالبيت وبالسعي بين الصفا والمروة. ولا بد أن يكون لها عند الجاهليين شعائر ومناسك. وهي في الإسلام فردية اختيارية، وهي تختلف بذلك عن الحج الذي هو فرض عين على كَل مسلم مستطيع، وجماعي، أي ان المشتركين فيه يؤدونه جماعة. أما بالنسبة إلى الجاهليين، فيظهر من ذكر العمرة في القرآن الكريم انهم كانوا يؤدونها كما كانوا يؤدون الحج، ولوقوعها في شهر رجب، وهو شهر كان الجاهليون يذبحون العتائر فيه، لعلنا لا نخطىء اذا قلنا إنهم كانوا يذبحون ذبائحهم في العمرة، حينما يأتون أصنامهم فيطوفون حولها، أما في الإسلام، فالعمرة دون الحج. وإذ كانت في شهر رجب في الجاهلية، كانت حجًاً خاصاً مستقلاً عن الحح الاخر الذي يقع في شهر ذي الحجة. حرص الجاهليون على ألا يوافق موعدها موعد مواسم الحج "ِ لما كان لها من أهمية عظيمة عندهم قد تزبد على الطواف المألوف في شهر الحج.

وورد ان أهل الجاهلية كانوا يرون ان العمرة من أشهر الحج: شوال وذي القعدة وتسع من الحجة وليلهّ ألنحر، أو عشر أو ذي الحجة من الفجور في الأرض، أي من الذنوب، ولكن بعضا آخر كان يعتمر في كل شهر، ولا سيما في رجب، حيث كانوا يحلقون رؤوسهم ويجيئون إلى محجاتهم للعمرة.

وورد ان أهل الجاهلية "كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أكبر الكبائر. ويقولون: اذا برأ الدبر، وعفا الأثر، وانسلخ صفر، حلت العمرة لمن اعتمر ".

وذكر ان الأشهر الحرم ثلاثة سرداً وواحداً فرداً، وهو رجب. أما الثلاثة، فليأمن من الحجاج واردين إلى مكة وصادرين عنها، شهراً قبل شهر الحج، وشهراً بعده، قدر ما يصل الراكب من أقصى بلاد العرب، ثم يرجع. وأما رجب،فللعمّار يأمنون فيه مقبلين وراجعين نصف الشهر للاقبال ونصفه للاياب، إذ لا تكون العمرة من أقاصي بلاد العرب كما يكون الحج. وأقصى منازل المعتمرين بين مسيرة خمسة عشر يوماً.

ويلبس المعتمر "الاحرام " أيضاً. وقد كان الجاهليون يكتفون في عمرتهم بالطواف بالبيت، أما "السعي" بين الصفا والمروة.، فأغلب الظن ان العرب لم يكونوا يقومون به. بدليل ما ورد في القران الكريم من قوله: ) إن الصفا والمروة من شعائر الله،فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه ان يطوّف بهما. ومن تطوًع خيراً فان الله شاكر عليم (. ففي هذا النص دلالة على ان الجاهليين من غير قريش لم يكونوا يدخلون السعي بينهما في شعائر الحج أو العمرة، وان الله امر بادخاله فيهما. أما موقف الجاهليين بالنسبة لطواف العمرة،فهو نفس موقفهم بالنسبة للطواف بالبيت في أثناء الحج، والفرق بين الحج والعمرة، ان الحج هو الاحرام ثم الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروه وقضاء مناسك عرفة والمزدلفة والوقوف بالمواضع التي أمر بالوقوف بها، بينما العمرة الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة، فلا يكون موقف عرفة من العمرة. وكان الجاهليون يحلقون رؤوسهم للعمرة، ويكون حلق الرأس علامة لها. فاذا وجدوا رجلاً وقد حلق رأسه علموا انه من "العمار"، فلا يمسونه بسوء، إلا اذا مس أحداً بسوء احتراماً للعمرة ولشعائر الدين.

والفرق بين العمرة والحج في الإسلام، ان العمرة تكون للانسان في السنة كلها، والحج في وقت واحد في السنة. و تمام العمرة انُ يطاف بالبيت، ويسعى بين الصفا والمروة، والحج لأ يكون إلا مع الوقوف بعرفة يوم عرفة واجراء بقية المناسك.

وتقبيل الأحجار والأصنام واستلامها في أثناء الطواف أو في غير الطواف من الشعائر الدينية عند الجاهليبن. كان في روعهم ان هذا التقبيل مما يقربهم إلى الآلهة، ويوصلهم اليها، فتقربوا اليها ونصبوها في مواضع ظاهرة، ومسحوا أجسامهم بها تبركاً. وكلمة "تمسَّحَّ" من الكَلمات التي لها معاني عند الجاهليين، وكذلك كلمة "استلم" و "استلام" عند أهل مكة خاصة حيث استعملت بالنسبة للحجر الأسود. وطريقتهم ان يمر الإنسان يده على الحجر المقدس أو ان يمسسه بها إن صعب استلامه كله. وقد يعوض عن ذلك بعصا يمدها الإنسان إلى الحجر حتى تلمسه، وإذا تعذر الوصول اليه بسبب ما، فيجوز أن يفعل ذلك راكبأ على جمل.

ومن هذا القبيل ايضاً طرق مطارق أبواب البيوت المقدسة طرقات خفيفة، وامرار بعض الأشياء مثل الملابس على الأصنام والصخور والمواضع المقدسة لاكتساب البركة،والتمسح بجدران البيت أو استلام أركانه أو التعلق بأطراف الكسوة. وتلطيخ الأحجار بدماء ألضحية التي تقدم للاوثان وذلك بسبب الدماء عليها، أو بتلطيخها وتلويثها كلها أو جزء منها بدم الضحية،. توكيدأَ بإراقة دم الضحية في نفس من ضحيت الضحية من اجله.

وقيل إن من شعائر الجاهليين في الحح ان الرجل منهم كان إذا أحرم، تقلد قلادة من شعر، فلا يتعرض له أحد. فإذا حج " وقضى حجّه، تقلد قلادة من "إذٌ خِر"، والإذخر نبات زكي الرائحة، وان الرجل منهم يقلد بعيره أو نفسه قلاعة من لحاء شجر الحرم، فلا يخاف من أحد، ولا يتعرض له احد بسوء. وتذكرنَا هذه العادة بما يلبسه بعض الحجاج عند اتمامهم حجّهم وعودتهم إلى بلادهم من لباس "كوفية" خاصة باًهل مكة ومن عقال حجازي وذلك بالنسبة للرجال، وخمار أبيض بالنسبة للنساء، وذلك طيلة الأيام السبعة الأولى من احتفالهم بالعودة من الحج.

ولم يكن الجاهليون القريبون من مكة أو البعيدون عنها يقصدونها في حج "عرفة" وعمرة "رجب" حسب، بل كانوا يقصدونها في اوقات مختلفة وفي المناسبات، للطواف حول الأصنام،.واستلام الحجر الأسود، والتقرب إلى الآلهة المحلية. وقد ساعد ذكاء سادة قريش الذي تجلى في جمعهم اكثر ما أمكنهم جمعه من أصنام القبائل في "البيت الحرام"، على اجتذاب القبائل اليها، وبذلك نشطوا في استغلال مواسم الحج والعمرة بالاستفادة من القادمين بالاتجار معهم، وببيع ما يحتاجون اليه من طعام وزاد، فحصلوا عل مال، حسدهم عليه الاخرون فكان الفضل في ذلك للبيت.. والى ذلك أشير في القرآن، في سورة"قريش": ")فليعبدوا رب هذا البيت، الذي أظعمهم من جوع وآمنهم من خوف(.

هذا ما عرفنأه عن شعائر الحج إلى مكة وعن مناسكه في الجاهلية المتصلة بالإسلام. أما عن الحج إلى البيوت الأخرى وعن شعائره ومناسكه، فلا نكاد نعرف من أمرهما شيئاً يذكر. ولكننا نستطيع ان نقول إن من أهم أركان الحج عند جميع الجاهليين، وجوب مراعاة النظافة.، نظافة الجسم ونظافة الثياب. ولذلك، كانوا اذا حجوّا لبسوا ملابس خاصة بالحج هي "الاحرام" أو ملابس جديدة، أو ملابس مستعملة نظيفة مغسولة،وذلك لحرمة هذه المواضع وقدسيتها، فلا يجوز دخولها بملابس وسخة دنسة، واذا كانوا يلبسون أحسن ما عندهم عند ذهابهم إلى مقابلة عظيم أو سيد قبيلة أو رجل محترم، احتراماً له واجلالاً لشأنه، أفلا يجب اذن لبس خير ما عند الإنسان من ثياب لدخول بيوت الآلهة، ولا سيما في مواسم الحج ?. وكان منهم من يوجب على نفسه الغسل وتنظيف جسده حين دخوله المعبد أو اعتزامه الحج.

وتقبيل الأصنام والأحجار واستلامها في أثناء الطواف، والتمسح لها، من الشعائر الدينية اللازمة في الحج وفي غير مواسم الحج عند الزيارات. كان في روعهم ان هذا التقبيل مما يقربهم إلى الآلهة، ويوصلهم اليها، فتجعلها ترضى عنهم وتشفيهم مما هم فيه من سقم وأمراض، فتقربوا اليها ومسحوا أجسامهم بها تبركاً وتقرباً. و "التمسح" بالصنم أو الحجر المقدس، التبرك به لفضله وعبادته، كأنه يتقرب إلى الآلهة بالدنو منه ولمسه. وقد كان رجال الدين يمسحون بأيديهم أجسام المرضى وثيابهم، لازالة السوء عنهم. وقد ذكر أهل الأخبار ان الجاهليين كانوا يتمسحون بأصنامهم، ويمسحون ظهورهم بها، لاعتقادهم انها تشفيهم من كل ألم وسوء.

واستلام الصنم أو الحجر المقدس،هو نوع من أنواع التقدير والتعظيم والتقرب. ويراد بذلك تقبيل الحجر ولمسه وتناوله باليد ومسحه بالكف. واذا صعب الوصول اليه لشدة الازدحام، فقد يمدّ احدهم قصبة أو عوداً أو عصاً اليه لمسه، فيكون لمس هذه الأشياء له، كأنه لمس حقيقي، يجلب لصاحبه ما تمناه وطلبه ورجاه من ذلك الصنم أو الحجر.

وقد أشار بعض "الكلاسيكين" إلى وجود غابة من النخيل في ركن من البحر الأحمر، كان يؤمّها النبط للتبرك بها، إذ كانت في نظرهم أرضاً مقدسة، عليها معبد من الحجر عليه كتابة، وصفوها بأنها كتابة لا يستطيع اليوناني قراءتها، وبه كهّان وكاهنات يقضون عمرهم في خدمة ذلك المعبد.قالوا: وفي كل خمس سنين يحج الناس اليه، ويتجمعون عنده، ويحضر معهم من في جوار المعبد من ناس، فيذبحون، ويتقربون إلى ألهتهم. فإذا عادوا أخذوا معهم ماءً من ذلك المكان، للتبرك به، لاعتقادهم أنه يمنحهم الصحة والعافية. وذكر بعض آخر أن الحج إلى هذا البيت كان مرتين في السنة: الحج الأول في مطلع السنة، ويستغرق شهراً واحداً. اما الحج الثاني فيكون في نهاية الصيف،ويستغرق شهرين. وتكون هذه الأشهر الثلاثة أشهراً حرماً لا يحل فيها قتال، يعمّها سلم أوجبته الآلهة على الإنسان والحيوان.

ونرى في هذه الشعائر مشابهة كبيرة لشعائر الحج في مكة. ولولا تعيين هؤلاء الكتبة المكان، ونصهم على أنه على البحر الأحمر، وانه غابة نخيل، لأنصرف الذهن إلى مكة،0 إذ نجد أن شعائر الحج فيها تشبه هذه الشعائر، واستقاؤهم من ماء "زمزم" للتبرك به، يشبه استقاء هؤلاء من بئر معبدهم هذا، وقد أهمل أولئلك الكتبة أسماء الأشهر الحرم الثلاثة، فأضاعوا علينا فرصة ثمينة كانت تساعدنا كثيراً في الوقوف على تثبيت الأشهر عند الجاهليين.

ويلاحظ أن النبط كأنوا يعقدون في أثناء هذه الأشهر الحرم سوقاً، تذكرنا بسوق عكاظ التي كان يعقدها أهل الحجاز. ولا شك أن موسم الحج في المعبد المذكور، الذي يتحول إلى سوق للبيع والشراء، يشبه موسم الحج في مكة حيث ينقلب أيضاً إلى سوق.

ا لأعياد

والأعياد من جملة مظاهر الأديان وشعائرها. والحج في حد ذاته عيد من أعياد الجاهلين. وقد كانت للجاهليين أعياد لها صلة بأديانهم، غير اننا لا نستطيع ان نتحدث بالطبع عن وجود أعياد عامة يعيّد فيها جميع الجاهليين عبدة الأصنام، لأن الأعياد العامة تستدعي وجود ديانة واحدة وعبادة إلَه أو آلهة مشتركة يعبدها جميع القوم، واذ كانت العرب لا تعبد إلهاً واحداً أو آلهة مشتركة يقدسها أهل الوبر وأهل المدر منهم جميعاً، فلا يمكن ان نتصور وجود أعياد عامة لجميع العرب، في عهود ما قبل الإسلام.

ولفظة العيد اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد على راي علماء اللغة. وهو بالمعنى المعروف الذي يخص الاحتفالات الدينية من الألفاظ المعربة المأخوذة عن لغة بني إرم على رأي المستشرقين. ف "عيدا" في الإرمية هي "العيد" في العربية.

الفصل الثالث والسبعون

بيوت العبادة

والمعبد هو الموضع المخصص للعبادة. وقد وردت في النصوص الجاهلية وفي عربية القرآن الكريم ألفاظ تؤدي هذا المعنى، فقد كان الجاهليون قد اتخذوا معابد ثابتة ومعابد متنقلة مثل بيوت الوبر، تعبدوا بها إلى معبوداتهم قبل الإسلام وقبل الميلاد.

فقد كانت القبائل في حركة دائمة، بحثاً عن الغزو والكلا والماء. وكانت آلهتها في حركة دائمة أيضأَ، ترحل مع المتعبدين لها، وتستقر عند استقرارهم بمكان ما. وعند نزول القبيلة في موضع ما توضع الأصنام في قبتها، وهي خيمة تقوم مقام المعبد الثابت عند أهل المدر. وتكون للخيمة بسبب ذلك قدسية خاصة، وللموضيع الذي تثبت عليه حرمة ما دامت الخيمة فوقه، وقد كانت معابدالقبائل المتنقلة كلها في الأصل على هذا الطراز. ولم يكن من السهل على أهل الوبر تغيير طراز هذا المعبد، واتخاذ معبد ثابت، لخروج ذلك على سنن الآباء والأجداد. ولذلك لم يرض العبرانيون عن المعبد الثابت الذي أقامه سليمان، لما فيه من نبذ للخيمة المقدسة التي كانت المعبد القديم لهم وهم في حالة تنقل من مكان الى مكان. ثم ان أهل الوبر قوم رحل، ولا يمكن لمن هذا حاله اتخاذ معبد ثابت له، لما كان عليه من وجوب نقل أصنامه معه حيث يذهب.

ولبيوت الأصنام سدنة، يحفظون الأصنام بها، ويرعونها، وينقلونها معهم حيث ترحل القبيلة، فإذا نزلت نزلوا بها، ليقيموا لها الواجبات الدينية المفروضة في الخيمة المقدسة. حيث فرضت طبيعة البداوة على أصحابها هذا النوع من أنواع البيوت المقدسة، وهذه الطقوس الدينية التي تلائم حياة الأعراب.

وبيوت العبادة عند الجاهليين ثلاثة أنواع: بيوت عبادة خاصة بالمشركين عبدة الأصنام، وهم الكثرة الغالبة، وبيوت عبادة خاصة باليهود، وبيوت عبادة خاصة بالنصارى. أما بيوت عبادة المجوس، فقد عرفت في العربية الشرقية وفي العربية الجنوبية، ولكن عباّدها هم من المجوس، أي العجم،فالمجوسية لم تنتشر بين العرب، ولم تدخل بينهم إلا بين عدد قليل من الناس.

وما ذكرته عن بيوت العبادة، خاص بالمعابد العامة، وهناك مواضع عبادة خاصة، جعلت في البيوت، وضع أصحابها أصنامهم في ركن من أركانها، وتقربوا اليها. روي ان العباس، كان قد أقام الصنمين أسافاً ونائلة في ركن داره، وكانا حجرين عظيمين. واحتفظ غيرة بأصنام في بيوتهم للتبرك بها، ولحماية البيت، وكانوا اذا سافروا حملوا أصنامهم الصغيرة معهم للاحتماء بها، وأخذ بعض شباب المدينة ما وجدوه من أصنام في البيوت، تعبد لها آباؤهم فحطمها، ومنهم من رماها في مواضع العذرة والقاذورات.

وقد استطعنا اليوم بفضل جهود السياح والمنقبين والباحثين من الحصول على بعض المعلومات عن معابد جاهلية كانت عامرة يوماً ما. وذللث بعثور المذكورين على ألواح مكتوبة وجدت في خرائب تلك المعابد. ولكن ما عثرعليه، لاصلة له بالدين في الغالب، فليس فيه أدعية أو صلوات أو كتابات تفصح عن عقائد القوم وعن أمور دينهم. ولهذا فإن علمنا بديانات الجاهليين لا يزال ضحلاً، لم يتقدم تقدما مرضياً، وأملنا الوحيد في زيادته هو في المستقبل، فلعله يخرج من صناديق سره المكتومة ما يفصح عن عقائد القوم.

وقد اتخذ بعض العرب، وهم المتمكنون، بيوتاً وكعبات لعبادة أصنامهم، وضعوا أصنامهم في أجوافها، ومنهم من اتخذ صنماً، فلم يبن عليه بناءً، لعدم استطاعته ذلك. ومن لم يقدر عليه، ولا على بناء بيت، نصب حجراً أمام الحرم، وامام غيره، مما استحسن، ثم طاف به كطوافه بالبيت، وسمّوها ا لأنصاب.

وذكر أن "وكيع بن سلمة بن زهير الإيادي"، كان قد اتخذ له صرحاً بالحزورة، سوق كانت بمكة، يرتقيه بسلالم يتعبد فيه، فعرف بصاحب الصرح. والبيت، مأوى الإنسان ومسكنه في الأصل، ثم تجوز الناس فأطلقوا اللفظة على المعبد، باعتبار أنه بيت الآلهة أو الإلهَ، لاعتقادهم أن الالهة تحل به. وقد كانوا يضعون الصنم أو الأصنام فيه. ويقال للبيت عندئذ "بيت الله" أو "بيت ريام" وهو بيت يذكر "ابن الكلبي" أنه كان لحمير بصنعاء، وأن الناس كانوا يعظمونه ويتقربون عنده بالذبائح، أو "بيت الربة" وما شاكل ذلك، بحسب اختصاص البيت بالصنم.

كذلك أطلقت كلمة "بيت " بمعنى معبد في نصوص المسند،فورد: "وقدسو بيت مرب"، أي "وقدسوا بيت مأرب" أو "وبيت مأرب المقدس". فلفظة بيت هي اللفظة التي استعملت لمواضع العبادة، أي المعبد، أطلقت قبل اسم الإلهَ أو الموضع لتدل على التخصيص. وهي ترد في لغات سامية أخرى في هذا المعنى نفسه.

وأما "الكعبة" فالبيت المربع، وكل بيت مربع كعبة عند العرب. وقد خصصت في الإسلام بالبيت الحرام بمكة. والكعبة الغرفة أيضاً. وقد كان لربيعة بيت يطوفون به، يسمونه الكعبات، وقيل: ذو الكعبات، وقد ذكره الأسود ا ابن يعفر في شعره، فقال: والبيتِ ذي الكعبات من سنداد

والمسجد كل موضع يتعبد فيه. وقد استعملها الجاهليون بهذا المعنى أيضاً.

وقد وردت اللفظة في نصوص بني إرم وفي النصوص النبطية والصفوية. ورد على هذه الصورة "مسجدا" في نصوص بني إرم. وورد على هذه الصورة في النصوص الصفوية أيضاً، وقد عنت به معبداً.

وقد عبر عن المعبد بلفظة "مكربن"، أي "المكرب" أو "المكراب" في بعض نصوص المسند ؛ إذ ورد "مكربن يعق"، بمعنى "معبد يعوق". ومن هذا الأصل أخذت كلمة "مكراب" في الحبشة، ومعناها "معبد". ولهذا ذهب "كلاسر" وغيره الى ان "مكربة" Mocoraba المدينة المذكورة في "جغرافيا" "بطلميوس" هي " مكة"، لأنها "مقربة" الى الأصنام، فهي بمعنى "البيت" و "الكعبة" في لهجتنا.

وتقابل كلمة "المعبد" كلمة Templum اللاتينية التي تعني موضعاً مربعاً، فهي بمعنى "الكعبة"، و "كعبة" في اللغة العربية. ويلاحظ توافق تام بين معنى الكلمتين في هاتين اللغتينْ. ولا بد ان يكون لاتخاذ هذا الشكل للمعبد سبب، إذ لا يعقل ان يكون قد جاء ذلك عفواً، ولا سيما اننا نلاحظ ان الكلمتين: اللاتينية والعربية، قد جاءتا من شكل البناء ونوعه وطرازه.

وذكر علماء اللغة ان في جملة الالفاظ التي تطلق على بيوت الأصنام والعبادة والتصاوير، لفظة "البد". وهي تؤدي معنى "صنم" كذلك. وذكروا انها من الألفاط المعربة عن الفارسية، عربت من "بت"، وانها تعني البيت اذا كان فيه أصنام وتصاوير.

وذكروا أن في جملة الألفاط التي أطلقت على بيوت الأصنام لفظة "الطاغوت" والجمع "الطواغيت". ورد أن العرب " كانت قد اتخذت مع الكعبة طواغيت، وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة، لها سدنة وحجاب، وتهدي اليها، كما تهدي إلى الكعبة، وتطوف بها كطوافها بها، وتنحر، عندها، وهي تعرف فضل الكعبة عليها، لأنها كانت قد عرفت أنها بيت ابراهيم الخليل ومسجده".

وورد أن "الطاغوت".الصنم، وكل معبود من دون الله، ولما تقدمُ سمي الساحر والكاهن والمارد من الجن والصارف عن طريق الخير طاغوتاً. واللفظة تعني في لغة "بني إرم": رئيس عقيدة ضلال، وشيطان وصنم.

و "الهيكل" من الألفاط الدالة على موضع العبادة، استعملت لبيوت الاصنام مجازاً، ولمعابد النصارى. والظاهر أن استعمالها كان عند العرب الشماليين، في الغالب. مثل عرب العراق وعرب بلاد الشام، ولا سيما عند النصارى منهم. أخذوها من الاراميين، إذ هي بمعنى بيت الصنم، أي معبد الوثنيين عندهم. وقد وردت في لغة "ألمسند" كذلك، وردت بمعنى "قصر"، ومعبد في أيام دخول النصرانية إلى اليمن.

وقد أطلق "الديدانيون" على بيت "بعل سمن"، لفظة: "احرم" بمعنى " الحرم" تعظيماً وتمجيداً له. فهو ذلك الإلَه. وترد لفظة "محرم" - التي لا زالت حية معروفة يطلقها أهل اليمن على محرم "بلقيس" - في لغة المسند، بمعنى المعبد، والمسجد الحرام. وقد وردت في عدد من النصوص. وبيوت العبادة أنواع. بيوت عبادة كبيرة، يحج اليها في أوقات معينة، ومواسم محددة، من مواضع قريبة أو بعيدة، هي محجات يحج اليها في وقت معين ثابت، يتقرب بها المتعبدون الى رب المحجة أو أربابها بأداء واجب الخضوع والطاعة. وتكون محجة واحدة في الغالب، اختارها الإله أو الآلهة من بين سائر أماكن الأرض لتكون موضعاَ مقدساً وحرماً آمناً، فهي أقدس بقعة وأعز مكان في نظر المتعبدين لها على وجه هذه الدنيا. فلا تدانيها المعابد الأخرى ولا تبلغ منزلتها في الحرمة والمكانة.

وهناك بيوت عبادة أخرى تكون دون المحجات في الأهمية والدرجة، لأن الآلهة لم تخترها لنفسها ولم تنص على اسمها، وانما هي دور عبادة أقامها الناس تقرباً إلى تلك الآلهة. وهي متفاوتة في الدرجة أيضاً، فيها المعابد الكبيرة التي صرف على اقامتها مال كثير، وفيها معابد بسيطة، يقيمها الناس تقرباً إلى أر بابهم.

والناس في ذلك العهد، كالناس في ايامنا هذه، لا يكتفون بتشييد معبد واحد في المدينة، بل نجدهم يقيمون جملة بيوت للعبادة، وقدُ خصص بعضها بعبادة جملة آلهة، وخصص بعضها بعبادة إله واحد معين، يذكر اسمه على باب المعبد. وقد تبنى في الموضع الواحد جملة معابد لإله واحد، لأن المعابد من الأعمال الخيرية التى يقوم بها المؤمنون تقرباً إلى الالهة، لذلك يصادف قيام جملة أسر ببناء معابد لذلك الإلهَ، تسميها باسمه وتنقش اسم الأسرة أو المتبرع بالبناء على موضع بارز من المعبد. وبفضل هذه الطريقة القديمة، التي لا تزال البشريه تتبعها، تمكنا من الحصول على معلومات عن تلك المعآبد وعن الآلهة التي خصصت لها وعن أسماء المؤمنين الذين أقاموها.

وقد اتخذ الإنسان من الكهوف بيوتاً للعبادة،كما اتخذ من الجبال والمواضع المرتفعة أماكن بنى عليها معابده، ليكون في رأيه ونظره أقرب إلى السماء، حيث تقيم الالهة، فتسمع دعاءه، وتصل اليها كلمته، وتستجيب له، أكثر من استجابتها له لو كان على سطح إلأرض. وبنى الحضري معبده ه في المواطن التي يقيم فيها، وحاول جهده الإنفاق عليها، والتفنن في بنائها وزخرفتها، لتكون بيوتاً تليق بسكنى الأرباب. أما البدو، فكانت معابدهم في الخيام، تحفظ فيها أصنامها، فتنتقل معها، وتضرب في الموضع الذي تحل القبيلة فيه. ينظرون اليها نظرة تقديس وإجلال، لأنها حرم الالهة وأماكنها وبيوتها ألمقدسة، فلا يجوز تدنيسها ولا انتهاك حرمتها. لهذا لم يعكن يسمح لأحد بالدخول اليها إلا اذا كان من رجال الدين.

ولهذه الخيام المقدسة سدنة، يضعون الصنم أو الأصنام فيَ جوفها، ويسهرون على خدمتها، وينقلونها معهم حيث تنتقل القبيلة. وهم يتوارثون خدمتها. واذا استقرت القبيلة وتحضرت، تحضر معبد صنمها بتحضرها كذلك. ووجد الصنم عندئذ له مستقراً دائماً ومقاماً ثابتاً، ويصير عندئذ في عداد الأصنام الثابتة.

ويكون للصنم عندئذ معبد تتناسب قيمته وأهميته ودرجة عمرانه، مع مكانة القبيلة وعدد رجالها وغناها وما عندها من مال.

وللعين أهمية كبيرة في تقييم المعبد وفي نشر العبادة وفي تكوين شخصية الإلَه رب المعبد فيما بين الناس. فكما أن قيمة الإنسان بملبسه وبأناقته وبحسن مظهره، كذلك تكون قيمة المعبد بضخامته وبما يزبن به من نقوش وزخارف وبما يعلق على الموضع المقدس منه من ذهب وفضة وأحْجار كربمة. فالمعبد الضخم، يدل على قوة الإلهَ وقدرته في نظر من ينظر بعينه لا بعقله إلى قيم الأمور، أي في نظر السواد، وهم الكثرة الغالبة، ولذلك يجلبهم اليه، وتلقى ضخامته في نفوسهم تأثيراً كبيراً يجعلهم يشعرون أنهم أمام بيت إلَه حقاً، لما فيه من روعة ولما تفوح في داخله من روائح البخور والطيب، لذا حرص رجال الدين على جعل معابدهم ضخمة فخمة، لتجلب لها أكبر عدد ممكن من المتعبدين.

ومن أشهر المواضع المرتفعة التي حج اليها المتعبدون للتبتل والتعبد، والتي ورد ذكرها في قصص أهل الأخبار: حِراء، وأبو قبيس، وثبير.

أما "حراء" فقد ورد في بيت منسوب إلى شاعر جاهلي: فإني والذي حجت قـريش  محارمه، وما جمعت حراء

وجعل أحد ألأجبل الخمسة التيُ بني من حجارتها البيت. واليه كان يلجأ كبار قريش لدعوة آلهتهم في الملمات، واليه أيضاً كان ياًتي بعض المتحنثين النسّاك الزاهدين في عبادة الأوثان للتفكير والتأمل. وفيه غار تحنث فيه النبي، ويعرف ب "جبل النور". وورد ان أبا طالب أرسل عقيلاً ليأتي بالرسول إليه، فذهب إلى "كبس"، وأخرجه منه. والكبس الغار. ويظهر انه أراد به غار حراء.

وأما "أبو قبيس"، فيظهر من غربلة أخبار الأخباريين انه كان من المواضع المقدسة الداخلة في شعائر الحج، يرتقي. الحجاج ظهره، ليتموا بذلك مناسك حجهم، وليدعوا آلهتهم بما يطلبون ويرغبون. وكان مقصوداً عند نزول الشدة والبلاء. فالمظلوم يجد محله فوق هذا الجبل للدعأء عند انحباس المطر، لنزول الغيث.

وقد زعم بعض أهل الأخبار، انه سميّ "أبا قبيس" برجل من مذحج حدّاد، لأنه أول من بنى فيه، أو بقبيس بن شالخ، رجل من جرهم، كان قد وشى بين عمرو بن مضاض وبين ابنة عمه "مية"، فنذرت ان لا تكلمه، وكان شديد الكلف بها فحلف ليقتلن قبيساً، فهرب منه في الجبل المعروف به، وانقطع خبره. فإما مات وإما تردّى منه، فسمي الجبل أبا قبيس. "وله خبر طويل ذكره ابن هشام في غير هذا الكتاب. وكان أبو قبيس الجبل هذا يسمى الأمين، لأن الركن، أي الحجر الأسود، كان مستودعاً فيه ". "وكان الله عز وجل استودع للركن أبا قبيس حين غرق الله الأرض زمن نوح "، فلما أقام "ابراهيم" قواعد البيت، "جاءه جبريل بالحجر الأسود". والظاهر ان بيتاً للعبادة كان عليه، وانه كانت له صلة بالبيت، فتجسمت هذه الصلة في الذي ذكروه عن الحجر الآسود ووجوده فيه.

وأما "ثبير"، فقد كانوا يفيضون منه في الحج على نحو يذكر في شعائر الحج. ويلاحظ أن أهل العربية الجنوبية وأهل السراة قدسوا قمم الجبال، فجعلوا فيها معابد لعبادة الالهة، مثل معبد "اوم" "أو ام" في "الو". وقد أزيلت معالم تلك المعابد في الإسلام، ولكن بعضها أخذ طابعاً اسلامياً فصير مثلاَ قبراً من قبور الأنبياء مثل: "حضور نبي شعيب"، الذي يقع على قمة جبل تعد من أعلا قممم جبال العربية الجنوبية، و "نبي ايوب" و " مقلى" على محر "مبلقة".

وترجع قدسية المواضع المقدسة وحرمتها إلى الاعتقاد بنزول الآلهة في هذه المواضع، والى وجود قوى خارقة فيها، أو إلى وجود مقدسين فيها قبروا في باطنها، فقدست تلك المواضع لهذه الأسباب. وتعرف هذه المواضع المقدسة بأسماء من تقدست بهم، وبأسماء المواضع التي نقع فيها.

و إنا لنرى كثيراً من الأماكن المقدسة قد أقيمت في جزيرة العرب عند الينابيع والآبار المقدسة حيث تروى الأرض بالماء فتنمو به المزروعات ويستقي منها الناس. وقد صوّر هذا الخصب لسكان تلك المناطق وجود قوى خارقة كامنة في تلك الأرضين كانت السبب في نظرهم في بعث الحياة للانسان ولهذه الأرض.

وقدست بعض المواضع وأقيمت المعابد بها، بسبب وجود أشجار مقدسة بها، ونجد في أخبار أهل الأخبار أن بعض، المعابد مثل معبد العزى، كان المتعبدون يتقربون بها إلى سمرات،أي شجرات ثلاثة، أو إلى شجرة واحدة، فكانوا يعلقون عليها الحلي ويزينونها، ومثل معبد "ذات أنواط"،وهي شجرة كانت تعبد في الجاهلية، وهي سمرة كان المتعبدون لها ينوطون بها سلاحهم ويعكفون حولها.

وقدست مواضع أخرى لوجود أحجار مقدسة بها، كانوا يطوفون،حولها من هذه المواضع: "عكاظ". فكان الناس يأتون الموضع في الموسم، فينصبون فيه خيامهم، ويقيمون سوقهم، ويطوفون بأحجار عكاظ، يقيمون على ذلك أيام الموسم. فهي أيام عبادة وتجارة وفرح.

ولهذه القدسية والحرمة، لم يسمح للسواد الأعظم من الناس بدخول الغرف المقدسة المخصصة بالآلهة، لأنها بيوت الآلهة، وعوض لهم عن هذا التحريم بالطواف حولها أو بلمس جدرانها، وللسبب نفسه، حتم على القاصدين لها غسل أجسامهم وتنظيفها ولبس ملابس طاهرة نظيفة، كان سدنة بعض تلك المعابد، أو أهل المواضع النبي تقع فيها المعابد يؤجرونها للناس، بأجر معين مرسوم، إن كانت تلك المعابد من المعابد الكبيرة وفي مواسم الحج. كذلك لم يكن يسمح لأحد بالدخول إلى المعابد والأحذية في أرجلهم فلا بد من خلعها والدخول بغير أحذية احتراماً لقدسية المكان وخشية التدنيس. وقد حتم الجاهليون على من يريد دخول الكعبة من المتمكنين خلع نعليه، احتراماً للبيت. ذكر أهل الأخبار ان أول من خلع نعليه لدخول الكعبة "الوليد بن المغيرة"، فخلع الناس نعالهم في الإسلام. وقد عثر على كتابات جاهلية تبين منها، ان الجاهليين كانوا يعدّون طهارة الملابس وطهارة الجسم من الأمور الملازمة لمن يريد دخول المعبد، فإذا دخل انسان معبداً وهو نجس عدّ أثماً،وقد ورد ان رجلاً اتصل بامرأة، ثم دخل المعبد بملابسه التي كان يلبسها حين اتصل بها.، فعدّ آثماً، ودفع فدية عن إثمه إرضاءً للآلهة. وورد ان رجلاً دخل معبد الإلَه "رب السماء" "ذ سموى" بمعطف نجس، فدفع فدية عن ذلك، جزاء ما ارتكبه من إثم. فدخول المعابد بملابس نجسة، نجاسة: مادية أو معنوية، إثم، تعاقب الآلهة عليه،لهذا اشترطت ديانتهم عليهم عدم دخول بيوت الآلهة، إلا بملابس طاهرة نظيفة حرمة وتقديراٌ لهذه البيوت.

وللسبب المذكور اشترط سدنة الصنم "الجلسد" على من يريد من عبّاده تقديم قربان اليه،أو تكليمه كراء ثياب مسدنة، للبسها بدلاً من ملابسهم، لأنها ملابس نظيفة طاهرة، لم تمسها أدارن مادية أو معنوية. وهو شرط نجده عند غير العرب أيضاً كالعبرانيين. وقد كانت المعابد تدخر ملابس تكريها لمن يريد أداء شعائر زيارة بيوت الأصنام، وورد في كتب أهل الأخبار، أن الجاهليين حتموا على المرأة الحائض ألا تمس الصنم ولا تتمسح به، و ألا تدخل بيته لنجاسة الحيض. وورد أن "فاختة" أم "حكيم بن حزام بن خويلد"،كانت دخلت الكعبة وهي حامل متمّ بحكيم

ابن حزام فأجاءها المخاض، فلم تستطع الخروج من الكعبة،فوضعته فيها فلفت في الأنطاع هي وجنينها وطرح مثبرها وثيابها التي كانت عليها، فجعلت لقي لا تقرب.فيظهر من هذا الخبر ان أهل مكة كانوا يعتبرون دم المخاض والولادة نجساً،ولهذا اعتبرت الأنطاع التي وضعت "فاختة" جنينها عليها، بل اعتبرت هي نجسة أيضا، فلفت بالأنطاع، وألقيت، وجعلت لقي لا يمسها أحد.

وعثر المنقبون على أحواض داخل المعابد في العربية الغربية، يظهر أنها كانت للوضوء، لتطهير الجسم قبل الدخول إلى المسجد، موضع الصنم.وذلك بغسل الوجه واليدين والقدمين وربما الأبدان كذلك، قبل الدخول إلى بيت الصنم. ولكون هذا الوضوء تطهيراً للجسم، عرفت "الميضأة" بالمطهرة، لأنها تطهر من الأدران. ولهذا السبب، حفرت الآبار في المعابد، لتموين هذه الأحواض بالماء، وللتبرك أيضاً بالماء المقدس، ولاستعماله في أغراض أخرى، منها تنظيف الجسم من الأدران بعد قضاء الحاجة.

ولهم آداب اتبعوها حين دخولهم بيت الصنم، وحين خروجهم منه. من ذلك ان القبائل كانت تتجنب ان تجعل ظهورها على مناة اعظاماً للصنم. فكانت تنحرف في سيرها، حتى لا يكون الصنم إلى ظهرها. وفي ذلك قال الكميت بن زيد، أحد بني أسد بن خزيمة بن مدركة: وقد آلت في قبائل لا تولي  مناة ظهورها مُتَحرّ فينا

وقد تطورت أشكال المعابد و هندستها بتطور الحضارة، وبشكل طبيعة الأرض التي يقام المعبد عليها. وهي تتناسب مع درجة تطور الشعوب ودرجة رقيها وطراز تفكيرها واختلاطها. بالأمم المجاورة. ولذلك نجد معابد "تدمر" مثلاً قد تأثرت بطراز البناء الإغريقي، لتغلغل الثقافة اليونانية فيها، ولتأثر سكان المدينة باليونان. كذلك نجد هذا الأثر والأثر الروماني في معابد بلاد الشام وفلسطين، فالمعبد أذن هو نموذج معبر عن نفسية الناس وعن حضارتهم ودرجة تفكيرهم وعن هندستهم،ومدى تأثر فن البناء عندهم بالمؤثرات الداخلية الأصيلة أو المؤثرات الدخيلة في الزمن الذي قام فيه البناء.

ومن هنا نجد معابد اليمن، اتخذت لها الحجارة الضخمة المتقطعة من الصخور في بناء الجدر والأرض وفي الأعمدة، ونجد المعمار قد تفنن في تزويق الجدر والأعمدة والسقوف وفي زخرفتها، فصارت المعابد ضخمة جميلة، لا تضاهيها المعابد التي أقيمت في مواضع سهلة من جزيرة العرب، لعدم وجود المواد الصالحة للبناء فيها، ولأن الطبيعة لم تهب للمعمار فيها ما يدفعه إلى بناء أبنية ضخمة فيها تضاهي معابد أهل اليمن.

الاستفسار عن المغيبات

ولم تكن المعابد مواضع عبادة وتقرب إلى الأصنام حسب، بل كانت مواضع استفسار عن المغيبات كذلك، يقصدها أهل الحاجات لسؤال الآلهة عما عندهم من مشكلات، أو عما سيخبئه لهم المستقبل من أمور، أو عن أعمال يريدون القيام بها، أو عن سرقة، وما شابه ذلك من طلبات. ومن هذه البيوت بيت رئام، وقد كانوا يكلمون منه وينحرون عنده. وبيت العزى، و كانوا يسمعون فيه الصوت. والمنطبق وكان صنماً من نحاس يكلمون من جوفه، فيأتيهم الجواب. وبيت "الجلسد"،صنم كندة وأهل حضرموت. وقد ذكر "الجاحظ": " أنهم كانوا يسمعون في الجاهلية من أجواف الأوثان همهمة، وأن خالد بن الوليد حين هدم العزى رمته بالشرر حتى احترق عامة فخذه، حتى عاده النبي، صلى الله عليه وسلم". وهو ممن يشكون في صدور مثل هذه الأمور إذ يقول: " وهذه فتنة لم يكن الله ليمتحن بها الأعراب وأشباه الأعراب من العوام. وما أشك أنه كان للسدنة حيل وألطاف لمكان التكسب ".

تكليم الأصنام

ويقوم الكهان بتكليم الصنم، وهم الذين يفسرون للسائلين الهمهمة أو الأصوات الصادرة من تلك الأصنام ويتكلمون على ألسنتها بما يلائم السائل مقابل نذر وهدايا وألطاف يقدمونها إلى السدنة. وهذا النوع من التنبؤ، معروف عند اليونان والرومان،مشهور ومعروف عند غيرهم من الأمم كالبابليين والآشوريين والعبرانيين. بل هو يؤلف جزءاً مهماً من أركان الديانات القديمة، ويطلق عليهracule في الإنكليزية من Oraculum اللاتينية، ومعناها التكلم. ولهذا النوع من التنبؤ صلة كبيرة بالسحر، Magic وبالكهانة في الديانات القديمة والديانات البدائية عند بعض الشعوب الافريقية و الاسترالية في الزمن الحاضر. وقد اكتسبت بعض معابد اليونان شهرة كبيرة في هذا النوع من التنبؤ بالغيب، وأشهرها معبد "دلفي" Delphi الذي كسب شهرة عظيمة في هذا الباب.

وقد ورد في بعض النصوص، ان قوماً كلموا آلهتهم في شهر "ذ اجبى ذ عثتر" و "ذ فرعم ذ عثتر"، فأًجابهم الإله "عثتر" على ما سألوا عليه. وورد ان جماعة من المؤمنين ب "عم"، كلموه، فأًجابهم على ما سألوا عنه. وكانوا إذا كلموا الآلهة، فوجدوا ان الأجوبة غير منسجمة مع الأسئلة، أعادوا الأسئلة عليها وقدموا قرابين جديدة لها، أو وزادوا في الحلوان،يفعلون ذلك حتى يسمعوا الجواب المناسب لأسئلتهم.

ولم أسمع بوجود تكليم في مكة. فلم يذكر أحد من أهل الأخبار أن الجاهلين كانوا يأتون الكعبة لسماع أجوبة الأصنام عن أسئلة يوجهونها اليها،ولا عن وجود سدنة كانوا يقومون بأي نوع من التكليم. وإنما ذكروا أنهم كانوا يسألون الأصنام النصح والارشاد،والأمر والنهي بفعل فعل أو تركه، ويكون ذلك بالاستقسام بالأزلام. وقد خصص الصنم "هبل" بهذا النوع من الإرشاد. وكانت عنده سبعة قداح، كل قدح منها فيه كتاب: قدح فيه العقل، اذا اختلفوا في العقل من يحمله منهم، ضربوا بالقداح السبعة عليهم، فإن خرج العقل، فعلى من خرج حمله. وقدح فيه "نعم" للأمر،إذا أرادوه يضرب به في القداح، فإن خرج قدح فيه نعم، عملوا به. وقدح فيه "لا"، فإذا أرادوا الأمر ضربوا به في القداح، فإذا خرج ذلك القدح، لم يفعلوا ذلك الأمر. وقدح فيه "منكم"، وقدح فيه "ملصق"، وقدح فيه "من غيركم"، وقدح فيه "المياه"، فإذا أرادوا أن يحفروا للماء ضربوا بالقداح، وفيها ذلك القدح، فحيثما خرج به، عملوا به. وكانوا إذا أرادوا أن يختنوا غلاماً أو ينكحوا منكحاً أو يدفنوا ميتاً أو شكوا في نسب أحدهم،ذهبوا به إلى هبل وبمئة درهم و جزور،فأعطوها صاحب القداح الذي يضرب بها، ثم قربوا صاحبهم الذي يريدون به ما يريدون،ثم قالوا: يا إلهنا فلان، أردنا به كذا. وكذا، فأخرج الحق فيه. ثم يقولون لصاحب القداح: إضرب،فإن خرج عليه "منكم" كان منهم وسيطاً، وإن خرج عليه من "غيركم" كان حليفاً، وإن خرج عليه "ملصق"، كان ملصقاً على منزلته فيهم لا نسب له ولا حليف، وإن خرج شيء مما سوى هذا مما يعملون به "نعم" عملوا به، وإن خرج "لا" أخروه عامه ذلك، حتى يأتوا به مرة أخرى، ينتهون في أمرهم ذلك إلى ما خرجت به القداح.

وهكذا كانت قريش والقبائل التي تحج إلى مكة تأتي إلى هبل لاستشارته في قضايا تهمها، فما يخرج في القدح مما هو مكتوب، يكون الجواب. غير أن بعض الأجوبة قد يأتي على خلاف رغبة السائلين، ولذلك كانوا يغرون الضارب على القداح بالضرب إلى أن يخرج القدح الذي فيه يريدون ويشتهون وقد يؤخرون ذلك بعض الوقت. وهم يفسرون النتيجة التي تظهر أنها رغبة الصنم و أرادته بوحيها، فتظهر بالقداح.

وذو الخلصة من الأصنام التي كان يستقسم عندها كذلك. والى هذا الصنم ينسب قول أحد الشعراء لهذه الأبيات: لو كنت يا ذا الخلصة الموتورا  مثلي وكان شيخك المقبـورا

لم تنه عن قتل العُداة زورا

وهي أبيات ينسبها بعض الرواة إلى امرىء القيس. وكان أبوه قتل، فأراد الطلب بثأره. فأتى ذا الخلصة، فاستقسم عنده بالازلام، فخرج السهم ينهاه عن ذلك، فقال هذه الأبيات التي تتحدث عن غضب الشاعر على هذا الصنم، لنهيه إياه عن الأخذ بالثأر،. ولو كانت النتيجة كما يشتهي، لما قال الشاعر هذه الأبيات بالطبع، وتجاسر على الصنم.

ولما كانت الحروب والغزوات من القضايا المهمة، كانت استشارة الأصنام والاستقسام بشأنها من الأمور المأًلوفة، فكان أهل مكة اذا أرادوا الحرب أو عقد هدنة أو إبرام أمر خطير أتوا "هُبل" يستقسمون. عنده ليعطيهم الرأي المصيب في هذا الموضوع.

والغالب ان يكون الاستقسام أمام الصنم، ليقع في روع طالب الاستقسام ان ما يجري إنما هو بعلم الصنم و بوحيه، فيكون ذلك أوكد في نفسه وأعمق تأثيراً.

أشكال المعابد

هذا ولا بد لي ان أشير إلى اننا لا نملك حتى الآن رأياً واضحاً قاطعاً في شكل المعابد عند الجاهليين. ولا يمكن تكوين رأي واضح عن هذا النحو إلا بعد قيام علماء الآثار المتخصصين بدراسة آثار المعابد والكشف عنها ورسم مخططات صحيحة لقواعدها وأسسها. ولذلك،لا بد من مرور زمن، حتى يتمكن العلماء من تكوين رأي في أصول المعابد، وكيفية إقامتها من الوجهة الدينية الأصولية عند العرب قبل الإسلام.

واذا كان في استطاعتنا تحديد شكل "بيت الله" بمكة، و "كعبة نجران" و "كعبة سنداد"، أو "كعبات سِنداد"، كما يسميها البعض، فإن من الصعب علينا تحديد هيأة بيوت الأصنام في المعابد الأخرى، لعدم ورود نص يعين صفة تلك البيوت في أخبار أهل الأخبار. فلا ندري أكانت مكعبات، أم على أشكال أخر.

ولما كانت المعابد بيوت الأرباب، صارت لها حرمة خاصة وقدسية في كل دين، فلا يجوز انتهاك حرمتها، ولا القيام بأعمال شائنة دنسة فيها، خاصة بالقياس إلى الأماكن المقدسة جداً التي تعدّ محجة للناس. وقد اتخذت حول البيوت مواضع عدّت جزءاً من المعبد حددت بحدود، فما كان داخلاً عد حرماً آمناً، وما كان خارج الحد كان خارجاً عن المعبد، فليست له تلك الحرمة التي عينّتها شريعة القوم للمعابد.

وأقدس مكان في المعبد هو "البيت"، أي الغرفة التي تضم الصنم أو الأصنام. فقد كان البيت، وهو المسمى الكعبة في مكة، أقدم موضع عند قريش وعند غيرهم من عبدة الأصنام الذين كانوا يقدسون "البيت الحرام"، وذلك بسبب وجود الأصنام فيه.

ويعبر في العربية الجنوبية عن البيت الذي توضع فيه الأصنام، ب "مختن" فهو إذن بمثابة الكعبة بمكة.

ويقال للأرض الحرام المقدسة التي تحيط ب "البيت"، "الحرم". قيل سمي "الحرم" حرماً لتحريم الناس فيه كثيراً مما ليس بمحرم في غيره من المواضع. وقد وردت اللفظة في الكتابات النبطية. فوردت في كتابة نبطية عثر عليها في "بطرا" عما لحرم الإلَه ذي الشرى، قصد به الأرض المقدسة المحيطة ببيت ذلك الصنم، والمعبد كله، لأنه محرم ومقدس: "حرم ذي الشرى الإلهَ ربنا". ولا يجوز لأحد انتهاك حرمة الحرم والاعتداء عليه. وإذا دخل انسان الحرم صار آمناً مطمئناً، لا يجوز أن يعتدى عليه، ولا أن يمس بسوء، وإن كان قاتلاً. وحدود الحرم انصابه،وهي علاماته، فمن اجتازها وصار في داخلها، دخل في حرمة الحرم.

وما كان خارج الحرم، هو من الحل، أي من المنطقة الخارجة عن حرمة المعبد. فلا تشملها الأحكام المفروضة على الحرم.

وكان الرجل في الجاهلية إذا أحدث حدثاً ولجأ إلى الكعبة، لم يهج، فكان إذا لقيه وليّ الدم في الحرم، قيل له: هو صرورة ولا تهجه.

ولمكانة الحرم في نفوس الجاهليين ولأنه موطن آمن من دخل فيه صار آمناً، كان لا بد من تحديده ووضع معالم تشير إلى نهايته، إما بوضع أنصاب على أطرافه من تجاوزها إلى داخله صار آمناً فلا يخاف على نفسه، وإما ببناء حائل كجدار أو سياج أو أمثال ذلك ليكون اشارة إلى حرمة ما وراءه في الداخل. وقد جعل أهل مكة حدود حرم البيت أنصاباً من تجاوزها إلى الداخل صار في حرمة الحرم وفي حماية رب البيت.

وكانت أرض المعابد، أي حرمها، واسعة في الأصل، ذات ماء وأشجار وحمى، ثم تقلصت وضيقت وحددت بحدود، بسكن الناس حولها، وبتقربهم من المعبد، وبزيادة عدد عبّاده. فعندما يتألق نجم معبد، ويكثر المؤمنون بصاحبه، يكثر زوّاره، ويتسابق الناس إلى السكن بجواره والتقرب منه جهد امكانه، إذ يكون ذلك شرفا لهم. شرف مجاورة البيت، كما يكون مكسباً ومورداً طيباً للمال، لرغبة الزوار في مجاورة المعبد، فيدفع هذا الطمع، أصحاب النفوذ والجاه على اختلاس الأرض والتجاوز على حدود الحروم فتضيق. كالذي حدث بمكة، إذ كان الحرم واسعاً كبيراً، يشمل الوادي كله، فلما هبط "قصي" به وابتنى البيوت، اعتدى من جاء بعده على الحرم حتى صغر، مما دفع الخلفاء على شراء البيوت المجاورة وهدمها لاعادة أرضها إلى الحرم ليتسع صدره للناس.

وتلحق بالمعابد أرضون،يقال لها "حمى" لأنها في حماية الأرباب والأصنام ورعايتها، فلا يعتدى عليها، ولا يقطع شجرها ولا يرعى فيها ولا يسمح بصيد الحيوان فيها والاعتداء عليه في أرض الحمى. فكان في الطائف "حمى"، وهو "حمى اللات"،وقد خصص به، وكان حمى في جرش. بل كان وادي مكة الذي أقيم البيت به "حمى" لرب البيت،ولم يكن يسمح لأحد قبل "قصي" بقطع شجره، ولا التجاوز على ما فيه من نبت. وقد كان "قُصي" كما يقول أهل الأخبار أول من اقتطع شجره، وأقام البيوت لسكناه وسكنى قريش في ذلك الوادي.

ويفهم من كلام "نيلوس" Nilus أن العرب لم يكونوا يحيطون مواضعهم المقدسة التي فيها أصنامهم بأسوار، وإنما كانوا يجعلون لحرمها حجارة تكون حدّاً وعلامة للحرم. ويتبين من كلام هذا المؤرخ الذي أسر العرب ابنه وأرادوا تقديمه إلى الزهرة قرباناً على حدّ قوله، أنه قصد بالعرب الأعراب، ولا سيما أعراب طور سيناء، وقد كانوا أشداء غلاظاً يلقون الرعب في النفوس، وكانوا يتاجرون بالرقيق يقبضون على من يقع في أيديهم ويبيعونه في أسواق الرقيق. وجماعة هذا شأنها لا تستقر في مكان، لا يمكن بالطبع أن يكون لها معبد ثابت، وإنما يكون معبدها الموضع الذي يوضع صنم القبيلة فيه، ولتعيين الأرض الحرام توضع تلك الحجارة.

إلا أن هذا لا يعني أن معابد أهل المدر كانت مسورة أو ذات حائل دائماً، فقد ذكرت أن حرم بيت الله بمكة لم يكن مسوراً،بل كان معلماٌ بأنصاب. ومكة موضع حضر. أما حرم معبد "المقه" بمأرب وكذلك أكثر معابد أهل اليمن، فقد كانت مسوّرة بأسوار عالية قوية، لها أبواب يدخل المتعبدون منها، تفتح وتغلق كما نفعل هذا اليوم في دور العبادة عندنا.

ومن المعابد الشهيرة: "البيت الحرام"، أي "الكعبة"بمكة، وسأتكلم عليه في موضع خاص. ومعبد ذو الشرى" Dusharae بمدينة "بطرا"، و "كعبة سنداد"، و "كعبة نجران"، ومعابد عديدة في مواضع أخرى من جزيرة العرب، ولا سيما اليمن.

والفضل في ظفرنا ببعض المعارف عن "بيت الرب" بمدينة "بطرا"، يعود إلى الكتابات النبطية،والى ما كتبه بعض الكتبة اليونان والسريان عنه. وقد خصص هذا البيت بعبادة الإلَه "ذي الشرى"،الذي هو "رب البيت" الذي أطلقها النبط على إلههم تذكرنا بجملة أخرى معروفة في الجاهلية عند أهل مكة، كما هي معروفة عند المسلمين حتى اليوم،هي جملة: "رب البيت"، التي تعني إلَه البيت،وهو الكعبة،وقد أقرها وثبتها الإسلام. وقد نعت "رب البيت"، "رب بيت ذي الشرى" ب "الذي يفرق الليل عن النهار" وهو نعت له أهمية كبيرة في تكوين فكرة عن وجهة نظر عبّاده اليه.

وقد نصب في هذا المعبد الصنم "ذو الشرى" على قاعدة مكسوة بالذهب، في بيت موشى بالذهب وبالصور التي تمثل مشاهد تقديم القرابين اليه. وهو في موضع مرتفع على صخرة عالية، يحج اليه الناس من مواضع بعيدة، للتقرب إلى ذلك الإله الذي يقابل الإلهَ "باخوس" و "ديونسيوس" Dionysos-Bacchus في رأي الكتبة اليونان واللاتين.

وكان لهذا المعبد حج يقع في ليوم الخامس والعشرين من شهر كانون الأول من كل عام، فيفد اليه الناس من أماكن بعيدة للتقرب إلى "رب البيت"،فينحرون ويقضون الأيام المعينة، ثم يعودون إلى ديارهم. والظاهر ان هذه الكعبة لم تكن خاصة بأهل "العربية النبطية"، إنما كانت محجة لغيرهم من العرب، كما يتبين ذلك من تصريحات بعض الكتبة "الكلاسيكيين" عنها.

وقد عرفت بعض معابد الجاهليين ب "الكعبات". ويدل ذلك على أن بناءها كان على هيأة مكعب كشكل بناء الكعبة، وعلى أن العرب كانوا يبنون بيوت الأصنام الكبرى على هذا النحو. من هذه كعبة "سِنداد" على ما يذكره الأخباريون،وهي قصر كانت العرب تحج اليه. فيطوفون حوله، وقد عرف ب "الكعبات" جمع كعبة وهو البيت المربع والمرتفع، وب "ذات الكعبات". و "ذي الكعبات". وكان مركز حج قبائل بكر بن وائل و إياد. ولكن الأخباريين لم يتحدثوا بشيء من التفصيل عن هذا المعبد وعن كيفيته وشكله وعن الأصنام التي كانت فيه. وقد ذكر "ابن الكلبي" أن هذا البيت لم يكن بيت عبادة، إنما كان منزلاً شريفاً.

وذكر أن "ذات الكعبات" بيت كان لبكر وتغلب ابني وائل وإياد، وذكر أنه بيت كان لربيعة، كانوا يطوفون به. وذكر أنه كان لإياد،وكان كعبة بسنداد بين الحيرة والابلة. وهو من منازل إياد أسفل سواد الكوفة، وكان عليه قصر تحج العرب اليه.

وكان بنجران بيت عبادة عرف ب "كعبة نجران". وهو بناء بُني على هيأة الكعبة. وفي رواية تنسب لابن الكلبي انها كانت قُبة من أدم من ثلاث مئة جلد، كان اذا جاءها الخائف أمن، أو طالب حاجة قضيت، أو مسترفداً رفد. ويستخلص من الأخبار الواردة عن هذه الكعبة ومن أسماء أصحابها ومن كونهم أساقفة انها كانت بيعة أسسها النصارى في مركز النصرانية في اليمن، وهو موضع نجران، وانه لا علاقة له بالوثنية.. ويذكر الأخباريون ان بني عبد المدان ابن الديّان الحارثي أقاموها هناك، مضاهاةً للكعبة. وقد ذكر "ابن الكلبي" ان كعبة نجران لم تكن كعبة عبادة،. وانما كانت غرفة يعظمها القوم من بني الحارث بن كعب. وبنو الحارث بن كعب هم رؤساء نصارى نجران. وذكر بعض أهل الأخبار ان كعبة نجران وكانت لمذحج وبني الحارث بن كعب، عرفت ب "الربة".

وقد ذكر "ابن الكلبي" ان رجلاً من جهينة يقال له عبد الدار بن حُديب أراد بناء بيت بأرض من بلادهم يقال لها الحوراء ليضاهي به الكعبة حتى يستميل به العرب، فأعظم قومه ذلك، وأبوا عليه. ونجد في كتاب "الأصنام" لابن الكلبي،وفي كتب أهل الأخبار أسماء مواضع ذكر انها كانت بيوت عبادة حج اليها العرب حجهم لمكة. وذكر ان قريشاً بنت. للعزى بيتاً بوادي حراض بإزاء الغمير،وحمت له شعباً من وادي حراض يقال له سقام،يضاهون به الكعبة، وقد حجت اليه،وكانت تنحر عنده، ويتقربون إلى العزى بالذبائح.

وقد ذكر الأخباريون أنه كان بعكاظ صخور يطوف الجاهليون بها ويحجون اليها. وإذا تذكرنا "دومة الجندل" ومعبدها الكبير، فلا يستبعد أن تكون الأسواق الأخرى مواضع مقدسة قديمة كانت محجة للناس عامرة تفد اليها القبائل في مواسم الحج، ثم فقدت خطورتها قبيل الإسلام، ولم يبق عليها إلا طابع الأسواق التجارية.

وتكون في المعابد مواضع يلقي فيها العباد وأصحاب النذور هداياهم ونذورهم التي يتقربون بها إلى آلهة المعبد. وقد أشار أهل الأخبار الى وجودها في الكعبة وفي المعابد الجاهلية الأخرى. ويظهر من وصفهم لها أنها كانت على شكل حفر، تلقى فيها تلك الهدايا والنذور. فذكر الأخباريون أنه كان على يمين الداخل إلى البيت "جب"، اتخذ خزانة للبيت يلقى فيه ما يهدى الى الكعبة، وهو الجب الذي نصب عليه عمرو بن لحي "هبُل" وهو صنم كانت قريش تعيده. وقد عرف علماء اللغة الجب بأنه البئر،و وصفها "الأزرقي"،فقال: إنها كانت في جوف الكعبة على يمين من يدخلها، وكان عمقها ثلاث أذرع، وان اسمها "الأخسف"،وكانت العرب تسميها "الأخشف".

السقاية

وفي المعابد سقايا،يستقى منها الماء للشرب وللتطهر، كأن تغسل الأوجه والأيدي والأرجل بالماء ليسمح للزائر بدخول المعبد، أو لتحل له إقامة الشعائر الدينية. ويعد الماء ماءً مقدساً، لأنه من أرض مقدسة، ولذلك يتبرك به أيضاً، ويستشفى بالشرب منه. وقد عثر المنقبون على آثار آبار وأحواض مطمورة في حرم المعابد، كان المتعبدون يستفيدون من مياهها عند زيارتهم بيوت أربابهم،وعند أدائهم الشعائر الدينية. وبئر زمزم، هي البئر الوحيدة الباقية من آبار بيوت الله التي كانت في الجاهلية.

وقد كانت سقاية الحاج من المآثر الكبيرة عند أهل مكة،وهي تسقية الحجاج من الزبيب المنبوذ بالماء. وكان يليها في أيام الرسول العباس بن عبد المطلب. وكان بعضهم يسقي الحاج اللبن بالعسل.

المذابح

وتلحق بالمعابد مذابح تذبح عليها القرابين التي يقرب بها المؤمنون الى آلهتهم، ويقال للواحد منها، "مذبح" و "نصب" و "مصب" و "غبغب". وقد وردت لفظة "مذبح" و "مذبحت"،أي "المذبحة"، في طائفة من الكتابات. وهي مواضع الذبح، حيث يكون تقريب القرابين إلى الآلهة.

وقد ذهب علماء اللغة مذاهب في تحديد معنى "النصب"، فرأى بعضهم ان النصب كل ما عبد من دون الله، وذهب بعض آخر الى ان النصب صنم أو حجر كانت الجاهلية تنصبه، وتذبح عنده، فيحمرّ للدم، وذهب آخرون إلى ان الأنصاب حجارة كانت حول الكعبة تنصب، ويذبح عليها لغير الله تعالى. وعرفها بعض بقوله:" النصب الأوثان من الحجارة، جماعة أنصاب كانت تجمع في الموضع من الأرض، فكان المشركون يقربون لها وليست بأصنام"، "قال ابن جريج: النصب ليست بأصنام. الصنم يصور وينقش، وهذه حجارة تنصب ثلثمائة وستون حجراً. منهم من يقول ثلثمائة منها بخزاعة. فكانوا اذا ذبحوا نضحوا الدم على ما أقبل من البيت وشرحوا اللحم وجعلوه على الحجارة. فقال المسلمون: يا رسول الله ? كان أهل الجاهلية يعظمون البيت بالدم، فنحن أحق ان نعظمه ". ولو أخذنا برواية "ابن جريج"،خلصنا إلى ان هذه الأنصاب، كانت بعدد أصنام الكعبة، اي انهم كانوا قد خصصوا بكل صنم، نصباً، يذبحون عليه ما يتقربون به اليه من عتائر. فقد كان عدد أصنام الكعبة ثلثمائة وستون حجراً عام الفتح على ما يذكره أهل الأخبار، إلا اذا اعتبرنا ما ذكروه عن عدد الأصنام وهماً، وأخذنا برواية "ابن جريج" التي هي دون الرواية الأخرى في الشهرة والذكر.

وأشير إلى "النصب" في شعر ينسب إلى "الأعشى"، يقال إنه قاله في مدح الرسول هو: وذا النصب المنصوب لا تنسكنه  لعاقبة والله ربـك فـاعـبـدا

وعلى كل، فنحن لو أخذنا بالروايتين، أو برواية واحدة منهما، فإن العدد "360" يلفت النظر حقاً. فلمَ خصص رواة الخبرين عدد الأصنام أو الأنصاب كذا الرقم، وهل يمثل ذلك شيئاً له صلة بالفلك، أو بأسطورة دينية قديمة كانت عند أهل مكة ? وقد وردت كلمة "النصب" في آية اللحوم المحرمات التي لا يجوز أكلها في القرآن الكريم: )حرمت عليكم الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، والمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبعُ، الا ما ذكيتم، وما ذبح على النصب(. فجعلت،الذبائح التي تذبح على النصب للأصنام في جملة التي لا يحل للمسلم أكلها،فيفهم من هذه الآية أن النصب مواضع تذبح عليها القرابين. كما وردت في موضع آخر من سورة المائدة: )يا أيها الذين آمنوا، إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان. فاجتنبوه(. وقد ذكر علماء التفسير، أن الأنصاب التي يذبحون عندها.

وقد ذكر علماء التفسير،ان أهل الجاهلية كانوا قد وضعوا حول الكعبة أنصاباً، أي حجارة كانوا يذبحون عليها، فكانوا اذا ذبحوا نضحوا الدم على ما أقبل من البيت وشرحوا اللحم: وجعلوه على الحجارة. وكانوا يبدلونها إذا شاؤوا بحجر هو أحب اليهم منها. كما كانوا قد وضعوا الأنصاب في بيوت الأصنام الأخرى، يذبحون عليها ذبائحهم لها. وقد أشير إلى "المائرات"،أي الدماء: دماء الذبائح ل "رشيد بن رميض العنزي": حلـفـت بـمـائرات حـــول  عوض وأنصار تركن لدى السعير

و "عوض" صنم لبكر بن وائل، و "السُعير" صنم لعنزة خاصة. و "نصب" هي " نصب" و "مصب" في اللهجات العربية الجنوبية، و "نصب" و "مصبت" في الفينيقية، و "مصبه" Masseba في العبرانية. ويراد بها مذبح، تذبح عليها القرابين والضحايا التي يقدمها المتعبدون إلى معبودهم Deity. ويعرف ب Altar أي مذبح في الانكليزية. وهو من حجر واحد في الأصل، قد يذبح عليه، فيسيل الدم فوقه ويتلطخ به، وقد يكون في نظرهم بمثابة المعبود الذي تقدم الضحية اليه. وقد يذبح عليه، فيسيل الدم من فتحة تكون فيه إلى بئر تتجمع فيها دماء الذبائح، تكون عند قاعدة النصب.

وقد تخصص المذابح بحرق لحم الذبيحة كله أو بعضه عليها،تقرباً إلى الأصنام، كالذي كان يفعله العبرانيون.

وقد عثر المنقبون على أحجار عديدة اتخذت أنصاباً لذبح القرابين عليها أو عندها، عثرعليها في العربية الجنوبية بصورة خاصة. وفي بعضها فتحة على هيأة ثقب تسيل منه دماء القرابين إلى موضع تتجمع فيه. وفي بعض آخر مسايلُ جانبية، تسيل الدماء منها إلى الخارج. وهذه الأنصاب هي "مذابح" ويقال للواحد منها "مذبحم" في العربيات الجنوبية أي "مذبح". ولذبح القرابين "ذبحن"و "ذبحم"،أي "الذبح" و "ذبح".

فالنصب اذن،الأحجار التي تذبح عليها القرابين وما يهل للأصنام. والعادة أن تكون أمام الصنم،وعلى مقربة منه. فإذا ذبح القربان سال دمه على النصب إلى ثقب يؤدي الى حفرة يتجمع فيها الدم. هي "الغبغب". و "النصب" هو "مصبه" Massebah في العبرانية، حيث كانوا يذبحون عليها القرابين. ولكثرة ما كان يذبح عليها صارت تبدوا حمراء من لون الدم، وقد أشير إلى الحمرة في حديث اسلام "أبي ذر الغفاري"،إذ ذكر أنه وصف تعذيب قريش له بقوله: " فرماني الناس حتى كأني نصب أحمر".

وليس لأهل الأخبار رأي واحد في "الغبغب،"،وإنما ذهب بعضهم إلى أن الغبغب هو المنحر، وذهب بعض آخر إلى أنه خزانة المعبد، يلقي النافرون فيها ما عندهم من نذور وقربات، و ذهب فريق آخر الى أنه بيت كان الناس يحجون اليه،كما يحج إلى البيت بمكة. وقيل إنه كان لمعتب بن قيس بيت يقال له غبغب،كانوا يحجون اليه.

والذي عليه أكثر أهل الأخبار أن "الغبغب" المنحر. وقد صرح بذلك "ابن الكلبي" في كتاب "الأصنام": وهو يتحدث عن "العزى"،فقال: "ولها منحر ينحرون فيه هداياها، يقال له الغبغب". كما صرح بذلك علماء اللغة إذ عرفوا الغبغب بأًنه المنحر، أو نصب كان يذبح عليه في الجاهلية، أو كل مذبح بمنى. وقد خصصه بعضهم بمذبح منى. أو هو حجر ينصب بين يدي صنم، وكان لمناف مستقبل ركن الحجر الأسود غبغب،وقيل كانا اثنين ويظهر من شرح علماء اللغة للمثل: "رب رمية من غير رامٍ"، ينسب قوله إلى الحكم بن عبد غوث أن الغبغب هو المذبح، أي المنحر الذي ينحر عليه.

ويظهر من روايات أهل الأخبار عن "بيوت" الآلهة انه كان لكل "بيت" "غبغب"، تذبح فيه هداياها،أي ما يهدى إلى تلك البيوت من قرابين. وقيل: الغبغب: المنحر، وهو جبيل بمنى، فخصص. وقيل كل منحر بمنى غبغب. قال الشاعر: والراقصات الى منى فالغبغب

ويذكر علماء اللغة ان "الغبغب" "العبعب" كذلك. وان العبعب موضع الصنم. وصنم لقضاعة ومن داناهم. وبيت كان لمتعب بن قيس،كانوا يحجون اليه كما يحجون إلى البيت. ويظهر من هذا الشرح ان "الغبغب" و "العبعب"،كلمة واحدة،لشيء واحد.

و "الغبغب" "الجب" كذلك. وهو حفرة يجمع فيها دم البدن، والجمع "الجباجب". قال "الزبير بن بكّار:الجباجب جبال مكة حرسها الله تعالى، أو أسواقها أو منحر، وقال البرقي، حفرٌ بمنى كان يلقى به الكروش، أي كروش الأضاحي في ايام الحج، أو كان يجمع فيها دم البدن والهدايا،والعرب تعظمها وتفخر بها ".

ويفهم أحياناً ان "الغبغب"،حفرة أو بئر، كان المتعبدون للاصنام يرمون بها نذورهم وهداياهم وما يتقربون به إلى أصنام كل: نذور نفيسة، من ذهب أو فضة أو حجارة كريمة. فكانت تحت صخرة "اللات" حفرة عرفت ب "الغبغب" حفظت فيها الهدايا والنذور والأموال التي كانت تقدم إلى الصنم. فلما هدم الصنم أخذت من الغبغب تلك الأموال. ويرادف الغبغب "الجب"، الذي يقال له "الأخسف" و "الأخشف"،وهو بئر في جوف الكعبة نصب "هبل" عليه. كان الناس يرمون فيها نذورهم وهداياهم. وتقع على يمين من يدخل البيت،وكان عمقها ثلاث أذرع.

و "الغريّ" مذبح على ما يظهر من تفسير علماء اللغة لهذه اللفظة. يظهر أنه كان صخرة تذبح عندها الذبائح وتطلى بدمها،أو نصب تذبح للقرابين عليه. ويعبر عن المذبح الذي تذبح عليه الحيوانات الكبيرة،مثل البقر بلفظة "حردن". ومن الألفاظ التي تطلق على المذبح، "منطف"و"منطفت"،أي "المنطفة"،وهي المذبحة. والمذبح، هو "مذبحت" في نصوص المسند، أي موضع الذبح.

المحارق

وتلحق بالمعبد محارق،تحرق فيها القرابين، يقال لها "مصرب". وقد كان العبرانيون يحرقون قرابينهم، في محارق تلحق بالمعبد، وتكون جزءاً منه. أما العرب، فإننا لا نستطيع أن نقول إنهم كانوا يحرقون قرابينهم في كل جزيرة العرب، لأننا لا نملك أدلّة آثارية على ذلك، إلا معابد اليمن واعالي الحجاز، حيث عثر على آثآر المحارق في معابدها،مما يدل على أنهم كانوا يحرقون القرابين.

و "المصرب"،المحرقة، الموضع الذي يحرق به الخشب ذي الرائحة الطيبة أو البخور، وهو مبخرة، تكون في المعابد،محرق بها، لتفوح منها روائح طيبة،أثناء العبادة. وقد أشير اليها في نصوص المسند.

البخور والمباخر

وللتبخير شأن كبير في أداء الفروض في المعابد، إذ لا بد من حرق البخور فيها، فيبخر بها المذبح والأصنام كما يبخر القائمون بأداء تلك الفروض. وتسمى المبخرة ب "مسلم"، وب "مقطر" وذلك في لغة بعض الجاهليين.

و "المجمرة" والمجمر، الموضع الذي يوضع فيه الجمر بالدخنة للتجمير. وقد أشير إلى المجمرات والمباخر في كتابات المسند. وعثر المنقبون على نماذج منها، قدمها الناذرون نذوراً إلى آلهتهم، وقد وضعوها في معابدها، وهي في جملة الهدايا المرموقة التي تقدم إلى المعابد بعضها من أحجار وبعضها من معدن بذل جهداً في صنعته وفي زخرفته حيث يكون هدية قيّمة تكون خليقة بوضعها في المعابد.

وقد كان الناس يأتون بالمجامر ليجّمروا بها،الكعبة تقرباً بعملهم هذا إلى الأصنام، وذكر ان حريقاً أصاب الكعبة، بسبب تطاير شرر من جمرة امرأة جمرت البيت، فأصاب ستار الكعبة، فاحترق. والتجمير،هو من شعائر التقدير والتعظيم. وهو مما يدخل في الطقوس، وقد صرفت المعابد القديمة أموالاً على شراء "العود" وغيره لإحراقه في المجامر، لتطييب المذبح والمعبد به. وَكان البخور مما يبخر به في المعابد أيضاً. وقد استعمله الجاهليون في بيوتهم المعظمة كذلك.

وتلحق بالمعابد مواضع يخزن فيها ما يقدم إلى المعبد من هدايا ونذور، وما يرد اليه من غلات أوقافه. واذا كانت النذور والهدايا ماشية، فقد تحفظ في مواضع بعيدة عن المعبد،أو توضع في احماء المعابد لترعى بها. ولا يجوز التعرض لها بسوء. وتعلم بعلامات تشير إلى أنها مما حبس على الأصنام. وكانت لهبل خزانة للقرابين. وكان قربانه مئة بعير، وله حاجب يقوم بخدمته. وفي جملة ما أهداه الناس إلى أصنامهم السيوف والملاجئ، وكانوا يعلقونها أحياناً على الأصنام.

سدنة الآلهة

ولبيوت العبادة سدََنة وحجبة وخدم، يقومون كلهم بخدمة البيت وما فيه من أصنام. ويعبر في عربيتنا عن الذي يتولى أمر الصنم ب "السادن" و "سادن الصنم".

وهو المسؤول عن الصنم أو الأصنام، ومتولي أمرها. وهو المرجع الأعلى في سلسلة الرتب بالنسبة إلى المعابد. ويعبر عنه بلفظة "شوع" في المعينية، وبلفظة أخرى هي "رشو".وأما إذا كان السادن امرأة، فيقال لها "رشوت" "رشوة" عندئذ.

ويقال لسادن الآلهة "افكل" "أفكل" في اللحيانية. جاء "افكل لت" "أفكل لات" أي "سادن اللات". وتقابل هذه اللفظة لفظة "ابكلو" Apkallu في اللغة الأكادية.

وتعد السدانة من المنازل الدينية والاجتماعية الرفيعة عند الجاهليين. وبيد السادن في العادة مفتاح بيت الصنم أو الأصنام. وتكون وراثية في الأغلب تتنقل في أفراد العائلة من الأب الى ابنه الأكبر أو إلى غيره من البارزين في الأسرة. وهي منزلة شرف، تكسب صاحبها جاهاً، كما تكسبه مالاً، لما تأتي به اليه من حبوس ونذور وقرابين. لذلك صارت سبباً لوقوع خصومات بين الأسر، من أجل الاستحواذ عليها، كالذي حدث مراراً في مكة من أجل الحصول على مفاتيح البيت.

وسدنة الأصنام في الجاهلية قومتها وحجابها، وكانت السدانة واللواء بمكة لبني عبد الدار في الجاهلية، فأقرها النبي لهم في الإسلام. فكان اليهم أمر مفتاح البيت.

ومن قدماء من كانت اليهم ولاية أمر البيت الحرام أي سدانته،رجل زعموا انه ولي أمر البيت بعد جرهم، ودعوه "وكيع بن سلمة بن زهير "زهر" الإيادي". جعلوه سادناً، وجعلوه كاهناً، فنسبوا اليه سجعاً من نوع سجع الكهان. ذكر انه جمع إِياداً قبيل، وفاته فنصحها وأوصاها. وزُعم انه بنى صرحاً بمكة، وجعل فيه سلماً كان يرقاه ليناجي الله. وكان الجاهليون يرون انه صدّيق من الصدًيقين، وانه ينطق بالخبر اليقين مع السماء. وذكر انه صاحب الصرح المعروف بحزورة مكة، وانه هو القائل: "اسمعوا وصيتي: الكلام كلمتان،والأمر بعد البيان. من رشد فاتبعوه، ومن غوى فارفضوه، وكل شاة معلقة برجلها". فكان أول من قال هذه الكلمة، فذهبت مثلا.

ويذكر أهل الأخبار انه لما مات وكيع، نعي على الجبال. وفيه يقول بشير بن الحجير الإيادي: ونهن إياد عـبـاد الإلـه  ورهط مناجيه في سلـم

ونحن ولاة الحجاب العتيق  زمان النخاع على جرهم

ويفسرون زمان النخاع بأنه داء يقال له النخاع، سلّط على جرهم، فأفنى منهم ثمانين كهلاً في ليلة واحدة، سوى الشباب. وفي هذا الداء قال بعض العرب: هلكت جرهم الكرام فعالاً  وولاة البنية الحـجـاب

نخعوا ليلة ثمانين كـهـلاً  وشبابا ًكفى بهم من شباب

ويظهر ان داءً كان قد تفشى في عهد غير بعيد عن الإسلام بين جرهم، فبقيت ذكراه في النفوس. ولا بد ان يكون "وكيع بن سلمة" ممن عاشوا قبيل الإسلام أيضاً، فبقيت ذكراه في أهل مكة، وإلا لما حفظت الذاكرة اسمه. وقد ذكر أهل الأخبار أحياناً أسماء الأسر التي تولت سدانة البيوت المعظمة والمحجات،كما ذكروا أسماء السدنة، ولا سيما السدنة الذين كانت اليهم سدانة تلك البيوت عند ظهور الإسلام. وهم من أسر عريقة، توارثت هذا المنصب من عهد بعيد، وحافظت عليه، وصارت بذلك من أشراف القوم.

حرمة المعابد

ومع الحرمة التي كانت للمعابد، انتهك المستهترون وذوو الحاجة حرمتها، فسرقوا ما تمكنوا عليه من خزائنها. فقد سرقت خزانة الكعبة مراراً. ذكر أهل الأخبار أن سارقاً سرق من مالها في زمن جرهم،وانه دخل البئر التي فيها كنزها، فسقط عليه حجر فحبسه فيها حتى أخرج منها وانتزع المال منه. وسرقت قبيل بنيانها في أيام الرسول، سرقها فتيان من فتيان قريش وأودعوا المال عند "دويك" مولى لبني مليح بن عمرو من خزاعة. فقطعت قريش يده.

الفصل الرابع والسبعون

الكعبة

وكعبة مكة، هي الكعبة الوحيدة التي بقيت محافظة على اسمها ومقامها حتى اليوم، من بين الكعبات التي كانت في الجاهلية. فقد اندثر أثر الكعبات الأخرى وزالت معالمها، ولم يبق لها مكان. والى الإسلام يعود ولا شك فضل بقاء "البيت الحرام". وبفضل الإسلام أيضاً جمع العلماء ما تمكنوا من جمعه من تأريخ المدينة القديم والمعالم المتصلة بها، ومن أخبار قريش، لما لهذا التأريخ من صلة بظهور الإسلام.

ويذكر أهل الأخبار أن الكعبة كانت معروفة عند العرب خارج الحجاز كذلك، وأنهم كانوا يحجون اليها ويقدسونها ويقسمون بها. وأن من أقسم بها وذكر البيت في شعره "زهير" و "النابغة". وقد عرفت ب "البيت العتيق"، وب "البيت المعمور". ورووا أن "عدي بن زيد العبادي" قصدها بقوله: كلا يميناً بذات الودع لوحدثت  فيكم وقابل قبر الماجد الزارا

دعاها "ذات الودع" لأنه كان يعلق الودع في ستورها.

وقد أقسم بها شاعر جاهلي آخر، هو "عوف بن الأحوص" إذ قال: وإنى والذي حجت قـريش  محارمه وما جمعت حراء

وشاعر عامري آخر، إذ قال: فاقسم بالذي حجـت قـريش  وموقف ذي الحجيج إلى إلال

يريد بذلك مكة. وبمكة بيت الله.

ومعارفنا عن "البيت الحرام" ضئيلة، وفي الذي يذكره أهل الأخبار عنه ما لا يمكن قبوله ولا الأخذ به، لأنه لا يدخل في حدود التأريخ، ولغلبة الطابع القصصي عليه. ثم إن بعضه يناقض بعضاً، وفي بعضه تحيز وتعصب لبيت قرشي على بيت آخر. وحتى القسم الذي يتناول الأيام القريبة من الإسلام، لا يخلو من اضطراب ومن تناقض، وفيه شعر نحل على أناس، أقحمت أسماؤهم في قصص مكة، لتثبيته على طريقتهم في تثبيت الأخبار برواية شعر يتعلق بها.

ولم يعثر حتى الآن على كتابة جاهلية تكشف القناع عن تأريخ "البيت الحرام".ولذلك انحصر علمنا بتأريخه بما ورد في الموارد الإسلامية عنه.

وقد نص في القرآن الكريم، على ان إبراهيم وإسماعيل هما اللذان رفعا القواعد من البيت )وإذ جعلنا البيتَ مثابة للناس وأمناً واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى،وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل ان طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود. وإذ قال إبراهيم ربِّ اجعل هذا بلداً آمناً وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر. قال) ومن كفر فأمتعّه قليلاً ثم اضطره الى عذاب النار وبئس المصير. وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبّل منا انك أنت السميع العليم(. وقد كان تأسيس البيت في ايام العرب الأولى،في ايام جرهم، على روايات أهل الأخبار،وفيهم تزوج. وفيهم تزوج. وفي عهده ظهر ماء زمزم.

ويذكر أهل الأخبار ان مكة حرم آمن، لا يحلّ فيه قتال،ولم يكن أهله يقاتلون فيه، وان أول بغي وقع فيه، كان حرب وقعت بين "بني السباق بن عبد الدار" وبين "بني على بن سعد بن تميم"، حتى تفانوا. ولحقت طائفة من "بني السباق" بعك،فهم فيهم. وقيل أول بغي كان في قريش: بغي"الأقايش"، وهم "بنو أقيش " من بني سهم، بغى بعضهم على بعض،فلما كثر بغيهم على الناس،أرسل الله عليهم فأرة تحل فتيلة، فأحرقت الدار التي كانت فيها مساكنهم فلم يبق لهم عقب.

وقد بقي البيت معبوداً مقدساً عند أهل مكة وعند غيرهم، غير أن المشركين حوّلوه إلى بيت لعبادة الأصنام والأوثان والشرك حتى عام الفتح، حيث أزال الرسول عنه آثار الجاهلية، وأمر بطمس معالم الوثنية. وصار حرماً آمناً خاصاً بالإسلام لا يدخله مشرك ولا تطأ أرضه أقدام غير مسلم مؤمن باللّه وبرسوله. ويذكر أهل الأخبار أن أهل مكة كانوا يعظمون البيت،وأن من سنن تعظيمهم له، أن من علا الكعبة من العبيد، فهو حرّ لا يرون الملك من علاها،ولا يجمعون بين عزّ علوّها وبين الرق.

وانهم لم يكونوا يبنون بنياناً مربعاً بمكة تعظيماً للكعبة. وان أول من بنى بها بيتاً مربعاً، "بديل بن ورقاء" الخزاعي،وهو أول من أتخذ بمكة روشناً، وكانوا قبل ذلك يتحامون التربيع في البناء كيلا يشبه بناء الكعبة وأن أول من سقف بمكة سقفاً "قصي بن كلاب"، وكان الناس قبل ذلك إنما ينزلون في العريش وأن أول من بوب بمكة باباً "حاطب بن بلتعة".

و "بديل بن ورقاء(،هو "بديل بن ورقاء بن عبد العزى"،شريف كتب اليه التي يدعوه إلى الإسلام، وكان له قدر في الجاهلية بمكة. فلو أخذنا برواية من قال انه كان أول من بنى بيتاً مربعاً بمكة، وأول من اتخذ بها روشناً، وجب جعل حدوث ذلك في ايام النبي، أو بسنين قليلة قبل المبعث،فهل يعقل ذلك ?والروشن الرف، و "الرشن" الكوة، من الألفاظ المعربة عن الفارسية.

وأما "حاطب بن أبي باتعة" فهو "حاطب بن أبي بلتعة بن عمرو بن سلمة بن صعب بن سهل اللخمي"،حليف بني أسد بن عبد العزى،من الصحابة وممن شهد بدراً، كان حليفاً للزبير،وكان قد كتب كتاباً إلى قريش يخبرهم بتجهيز رسول الله اليهم، فضبط الكتاب قبل وصوله مكة، واعتذر.

فهو من الصحابة،وذكر ان الرسول أرسله إلى "المقوقس" صاحب الاسكندرية.

فهل يعقل أن يكون أول من بوّب باباً بمكة، وقد كانت البيوت قبله بمكة منذ وجدت، فكيف كان يدخل الناس اليها،وقد رأينا قصصاً لأهل الأخبار يروونه عن امتناع "الحمس" عن دخول البيوت من أبوابها، والحمس هم قريش وأهل مكة قبل دخول "حاطب" اليها ! ويذكر أهل الأخبار أن البيت قد تهدم مراراً، وأن السيول قوضت قواعده عدة مرّات،لذلك لم يتمكن "بيت إبراهيم وإسماعيل" من البقاء، ولكن الجاهليين حرصوا على المحافظة على أسسه وشكله وموضعه. وإنهم كانوا بعد كل هدم أو تصدع يصيبه يحاولون إرجاعه إلى ما كان عليه في أيام آبائهم وأجدادهم جهد امكانهم،لا يحدثون فيه تغييراً ولا يدخلون على صورة بنائه تبديلاً.

و "البيت الحرام" بناء مكعب، ولذلك قيل له "الكعبة". وصفه أهل الأخبار،فقالوا كانت الكعبة قبل الإسلام بخمسة أعوام صنماً، أي حجارة وضعت بعضها على بعض من غير ملاط، فوق القامة، وقيل كانت تسع أذرع من عهد إسماعيل،ولم يكن لها سقف، وكان لها باب ملتصقة بالأرض. وكان اول من عمل لها غلقاً هو تبع. ثم صنع "عبد المطلب"، لها باباً من حديد، حلاها بالذهب من ذهب الغزالين. وهو اول ذهب حليت به الكعبة. ووصف أهل الأخبار لها على النحو المذكور، يجعلنا نتصورها وكأنها خربة بدائية بسيطة، هي ساحة تكاد تكون مربعة أحيطت بجدار من أحجار رضمت يعضها فوق بعض من غير مادة بناء تمسك بينها، تحط في فنائها الطيور وسباع السماء، ولا يحول بين أرضها وبين أشعة الشمس المحرقة والأمطار التي تنزل على مكة أحياناً على شكل مياه خارجة من أفواه قرب، أي حائل. إنها في الواقع حائط من أحجار لا يزيد ارتفاعه على قامة إنسان.

ويذكر بعض أهل الأخبار أن أول من بنى جدار الكعبة، "عامر" الجادر من الأزد. فقيل له: "الجادر". و كان أول من جدر الكعبة بعد إسماعيل. وأول تسقيف لها كان - كما يذكر أهل الأخبار - في التعمير الذي أجري عليها في النصف الأول من القرن السابع للميلاد، وذلك قبل الإسلام بخمس سنين، وعمر الرسول يومئذ خمس وثلاثون سنة. وسبب ذلك حريق أصابها - كما يزعمون - فقرروا إعادة بنائها، واجتمعوا وعملوا رأيهم فكان قرارهم تسقيفها بخشب، وقد أقيم السقف على ستة أعمدة من الخشب،وزعت في صفين. وزادا فيها تسع أذرع، فصارت ثماني عشرة ذراعاً، ورفعوا بابها عن الأرض، فكان لا يصعد اليها إلا في درج أو سلّم. ورفعوا من جدرانها التي بنوها بساف من حجر وساف من خشب، حتى زادت على ما كانت عليه في الأصل. وورد في الأخبار ان رسول الله لما دخل الكعبة عام الفتح، قام عند سارية فدعا، وفيها ست سوارٍ.

وذكر أهل الأخبار، ان سبب بنيان الكعبة، هو انها كانت رضمة فوق القامة، وانها كانت قد تصدعت حتى تداعت جدرانها وتساقطت أحجارها، فأرادوا رفعها وتسقيفها، وذلك ان نفراً من قريش وغيرهم سرقوا كنز الكعبة، وانما كان يكون في بئر في جوف الكعبة، فأجمعوا أمرهم في هدمها وبنائها. ولم يكن هذا البناء الجديد بناءً فخماً،كما يظهر من الوصف الوارد في كتب أهل الأخبار. كل ما فيه أنه غرفة سقفت الآن بخشب، أقيم سقفها على صفين من أعمدة، كل صف ذي ثلاثة أعمدة. وأما حيطانها، فقد زيد ارتفاعها فصار ثماني عشرة ذراعاً، بعد أن كانت تسع أذرع، أو ارتفاع قامة أو أعلى من ذلك بقليل. وقد بنيت هذه المرة من مادة بناء قوية، جعلت مدماكاً من حجارة ومدماكاً من خشب، فكان الخشب خمسة عشر مدماكاً،والحجارة ستة عشر مدماكاً. وجعلوا سقفها مسطحاً له ميزاب، يسيل منه ماء المطر. وهو على الجملة لا يقاس بشيء بمعابد العربية الجنوبية مثل معبد "المقه" بمدينة مأرب أو المعابد الأخرى التي تمكن الباحثون من الوقوف على أسسها ومعالمها، من حيث مساحة البناء أو الفن أو الروعة والعظمة.

ويذكر أهل الأخبار أن أهل مكة استعانوا بتسقيف البيت بخشب سفينة رجل من تجار الروم رمى البحر بسفينته إلى الساحل إلى "الشعيبة"، وهو مرفأ السفن من ساحل الحجاز، وكان مرفأ مكة، ومرسى سفنها قيل "جدة". فجاؤوا بالخشب إلى مكة، وكان بها نجار "قبلطي"، استعين به في تسقيف البيت بذلك الخشب. وذكر أن الذي سقف البيت علج كان في السفينة، يحسن النجارة اسمه "باقوم"، فجئ به مع الخشب، وسقف الكعبة. وقد سألهم عن كيفية تسقيفها هل يجعل السقف قبة أو مسطحاً، فامروه أن يكون مسطحاً، فعمله على ما أمروه به. ويذكرون أن قريشاً حين أرادوا بناء الكعبة أتى "عبد الله بن هبل ابن أبي سالم"، ومعه مال، فقال: دعوني أشرككم في بنائها، فأذنوا له فبنى الجانب الأيمن، ف "لبني كلب يد بيضاء في نصرتهم لقريش حين بنوا الكعبة"، وصاحب هذا الخبر هو "ابن الكلبي"، ولا استبعد أن يكون خيره هذا من وحي العاطفة فى قومه الكلبيين.

وذكر أن "باقوم" الرومي، كان يتجر إلى "المندب"، فانكسرت سفينته بالشعيبة، فخرجت اليه قريش فأخذوا خشبها، وقالوا له ابنها على بنيان الكنائس، وقال لقريش: هل لكم أن تجروا عيري في عيركم، يعني التجارة، وأن أمدكم بما شئتم من خشب ونجار، فتبنوا به بيت ابراهيم.

ويذكر الأخباريون انه كان في بطن البيت قرنا كبش معلقان في الجدار تلقاء من دخلها يخلّقان ويطيبّان اذا طيب البيت، وقد علق عليهما معاليق من حليّ كانت تهدى الى الكعبة. ويرمز القرنان إلى قرني الكبش النبي ذبحه ابراهيم الخليل، وقد بقيا في الكعبة إلى ايام "عبد الله بن الزبير" فاحترقا مع الكعبةْ. وقد زوقت الكعبة بعد هذا الحريق، زوق سقفها وجدرانها من بطنها ودعائمها، وجعلت " في دعاماتها صور الأنبياء وصور الشجر وصور الملائكة، فكان فيها صورة ابراهيم الخليل الرحمان، شيخ يستقسم بالأزلام، وصورة عيسى بن مريم وأمه، وصورة الملائكة عليهم السلام أجمعين. فلما كان يوم فتح مكة دخل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، البيت، فأرسل الفضل بن العباس بن عبد المطلب، فجاء بماء زمزم، ثم أمر بثوب فبلّ بالماء، وأمر بطمس تلك الصور فطمست. ووضع كفيه على صورة عيسى بن مريم وأمه عليهما اسلام وقال: أمح جميع الصور، إلا ما تحت يدي، فرفع يديه عن عيسى بن مريم وأمه ونظر إلى صورة ابراهيم، فقال: قاتلهم الله جعلوه يستقسم بالأزلام، ما لابراهيم والأزلام. وقد بقيت صورة عيسى بن مريم وأمه، إلى ايام عبد الله بن الزبير، فلما تهدم البيت، تهدمت الصورة معه.

وأعاد الجاهليون - كما يذكر أهل الأخبار - الصنم هبل إلى مكانه، نصبوه أمام "الغبغب"، وأعادوا معه بقية الأصنام، التي كانت تتعبد لها بعض القبائل. ووضعوا حول الكعبة أصناماً أخرى، يجب أن تكون من الدرجة الثانية في المنزلة أي أصنام قبائل ضعيفة، لذلك وضعت خارج البقعة المقدسة. وقد أوصلت الروايات عدة أصنام الكعبة عام الفتح إلى "365" صنماً، كان بعضها منحوتاً من الحجارة، وبعضها معمولاً من النحاس، وبعضها قوارير، وكان صنم خزاعة قوارير صفر. ولما دخل الرسول مكة، أمر بها فأزيلت وحطمت، فلم يبق من يومئذ بها صنم. وذكر ان النبي دخل مكة "وحول الكعبة ثلاثماثة وستون نصباً. فجعل يطعنها بعود كان بيده. ويقول: جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقاً ".

وذكر في بعض الروايات أن رسول الله بعد أن طاف بالبيت سبعاً على راحلته دخل الكعبة فوجد فيها حمامة من عيدان فكسرها بيده ثم طرحهاْ. وأنه لما طاف بالبيت وجد حولها أصناماً مشدودة بالرصاص، فحطمت، وأعظمها "هبل" صنم قريش.

ويتبين من الروايات الواردة عن بناء الكعبة وعن اختلاف أهل مكة وتشاحنهم وتنافسهم فيما بينهم. على شرف وضع "الحجر الأسود" في مكانه أنه كان لهذا الحجر أهمية خاصة في نظرهم، وأنه كان أقدس شيء عندهم. وإلا لما اختلفوا هذا الاختلاف على وضعه، حتى ليمكن أن يقال إنه كان فوق أصنام الكعبة منزلة، بدليل عدم ورود لشارة ما إلى وقوع اختلاف بشان إعادة صنم من تلك الأصنام إلى مواضعها. ولو كانت الأصنام أقدس منه، لكان الاختلاف على شرف وضع تلك الأصنام لا الحجر الأسود بالطبع. وهذا التقديس الزائد يحملنا على التفكير في أسبابه وفيَ الميزة النبي ميزت هذا الحجر على الأصنام وهي في طبيعتها حجارة مثله. لقد ذهب "ولهوزن" إلى أن قدسية البيت عند أهل الجاهلية، لم تكن بسبب الأصنام التي فيه، بل كانت بسبب هذا الحجر. لقد كان هذا الحجر مقدساً في ذاته، وهو الذي جلب القدسية للبيت، فصار البيت نفسه مقدساً، مقدساً في حد ذاته، بحجره هذا الذي هو فيه، ولعله شهاب "نيزك"، أو جزء من معبود مقدس قديم.

وقد ذهب بعض المستشرقين إلى ان اابيت لم يكن إلا بمثابة إطار للحجر الأسود الذي كان من أهم معبودات قريش، لأنه بمثل بقايا حجر قديم كان مقدساً عند قدماء الجاهليين، غير أنه لم يكن معبود قريش الوحيد.

ويلاحظ ان التقرب إلى الأحجار في بيوت العبادة كانت شائعة بين الجاهليين.

وقد ذكر ان في "غيمان" موضع عبادة وفيه "حجر قحمم" "حجر قاحمم" "حجر قاحم"، وهو يشبه الحجر الأسود الذي كان يتقرب اليه الجاهليون في مكة. والحجر الذي كان في كعبة نجران وفي "تسلال"، وفي مواضع أخرى عديدة ذشرها "الهمداني". وقد عثر على مقابر جاهلية عديدة تبين للذين نقبوا فيها ان لها صلة بعبادة الأحجار، وان تلك المقابر أقيمت عند موضع مقدس لوجود حجر مقدس فيه.

وقد كان الجاهليون يلمسون الحجر الأسود للتبرك به، وهو مبني في جدار

الكعبة، فيكون اللمس بالطبع للجانب البارز منه. وبين موضع "الحجر الأسود" وباب البيت يكون "الملتزم"، وفي الناحية الشمالية الغربية "الحجر" أو "الحطيم".

وكانت الجاهلية تتحالف وتحلف عنده. ويقال للجهة التي فيها "الحجر الأسود" "الركن". وذكر ان العرب في الجاهلية كانت تطرح بموضع الحطيم ما طافت به من الثياب، فيبقى حتى يتحطم بطول الزمان، فسمي الموضع حطيماً. وقد كانت الجاهلية تتحالف عند "الملتزم" بالأيمان، وتدعو على الظالم، وتعقد الحلف.

وذكر "اليعقوبي" ان الجاهليين كانوا قد وضعوا "إسافاً" و"نائلة"، داخل ألمسجد الحرام. وضعوا كل واحد منهما على ركن من أركان البيت، فكان الطائف اذا طاف بدأ، بإساف فقبله وختم به. وذكر انهم نصبوا على الصفا صنماً، يقال له "مجاور الريح"، وعلى المروة صنماً يقال له "مطعم الطير". وفي روايات أهل الأخبار عن تزويق الكعبة بالصور لبس وغموض وهي روايات عديدة، يفهم من بعضها أن هذه الصور كانت بالزيت، رسمت على دعائم السقف. ويفهم من بعض آخر أنها كانت قد رسمت على أشياء متنقلة، وأنها كانت معلقة على جدران البيت. ويفهم من بعض الروايات ان الرسول أمر فطمست معالم جميع الصور، ويفهم من بعض آخر، أنه استثنى منها صورة مريم وابنها عيسى، وأنها بقيت كما ذكرت إلى ايام عبد الله بن الزير. فلما تهدم البيت: تهدمت الصورة معه. أما رسم شجر أو صور ملائكة أو أشباه ذلك في الكعبة، فأمر لا اعتراض عليه، إذ يجوز أن يكون ذلك في معبد وثني، يضم الأصنام. ولكن ما للوثنية والانبياء، وما شان للشرك بمريم وبابنها وببقية للرسل حتى ترسم صورهم على جدران أو أعمدة البيت ? ثم هل كانت الكعبة مزوّقة قبل هذا التزويق بالرسوم وللصور ? وهل كانت هذه الصور من بقايا صور قديمة ? أم هي صور حديثة رسمت بعد أن أعادت قريش بناء البيت ? ورأيي ان هذه للصور هي من عمل عمّال نصارى أراهم للروم الذين جلبهم أهل مكة مع " باقوم" بعد تحطم سفينتهم عند الساحل للاتجار معهم ولبناء للكعبة.

و "باقوم" كما يقول الاخباريون. هو الذي أشرف على إقامة البناء و هندسته. وهو الذي سقف للبيت وأقامه على عمد. ولا أستبعد ان يكون هو الذي رسم تلك الصور وحده أو بالاستعانة بإخوانه من بني جنسه الروم. وقد كان هؤلاء نصارى، فرسموا على جدران البيت أو أعمدته صور قصص كتابي، ومنه صور الانبياء، للزينة والزخرف. لم يجد أهل مكة فيها ما يناقض عقيدتهم في الاصنام. ومن يدري، فلعله رسم لهم ذلك على أن له صلة بعقيدتهم التي كانوا عليها، فلم يعترضوا لذلك عليه. أما طمس الإسلام لتلك الصور، فللعلماء في ذلك كلام. وقد أشير اليه في كتب الحديث، وأكثرهم على أن الرسول لم يستثن من ذلك الطمس صورة.

وفي الحرم بئر "زمزم"، وهناك مقام ابراهيم، وبين زمزم ومقام ابراهيم كان موضع الذبح، ذبح القرابين. ويري "ولهوزن" احتمال كون موضع المقام هو المكان الذي كان الجاهليون يذبحون فيه.

ويرجع الأخباريون تأريخ بئر "زمزم" إلى يوم بناء الكعبة وعهد اسماعيل. ويقال لها "بئر اسماعيل" أيضاً. وهي في الحرم في جهة الجنوب الشرفي من للكعبة في الجهة المقابلة للركن. ولا نعرف من أمرها شيئاً يذكر. ويظهر من روايات أهل الأخبار عنها انها دفنت في ايام جرهم، وان أهل مكة صاروا يستقون الماء من آبار أخرى احتفروها، ويستوردونه من الخارج اليها، حتى اذا كانت ايام عبد المطلب، القى في قلبه ان يحتفرها، فحفرها واستخرج منها كنزأَ، وظهر الماء بها منذ ذلك اليوم. ولأهل الأخبار تفاسير عديدة للفظة "زمزم"، تدل على انهم لم يكونوا على علم باًصل التسمية، مما جاء فيها ان الملك "سابور" لما حج للبيت اشرف عليها وزمزم فيها، فقيل لها "زمزم". وهكذا جعلوا "سابور" من المؤمنين الحجاج للبيت الحرام، المتبركين بماء زمزم !

وكان حرم "الكعبة" كما يظهر من روايات أهل الاخبار واسعاً شاسعاً ذا نبت وشجر. ولم يجرؤ أحد على احتطاب شجره أو قطعه لحرمة المكان ولحرمة ما فيه، فبقيت أشجاره على ما هي عليه، حتى إذا ما كانت ايام "قصي"، ضاقت مكة بمن وفد عليها من قريش، ممن جاء بهم "قصي" اليها، وقطعها "قصي" رباعاً، وأرادوا للبنيان، ولكنهم هابوا قطع شجر الحرم للبنيان، وتذكر رواية أنهم قالوا لقصي: كيف نصنع من شجر الحرم ? فحذرهم قطعها وخوفهم العقوبة في ذلك. فكان أحدهم يحوف بالبنيان حول الشجرة حتى تكون في منزله. وتذكر روايات أخرى العكس. تذكر أن قريشاً هابت قطع شجر الحرم في منازلهم، فقطعها قصي بيده، وأعانوه. وبذلك تقلصت أرض الحرم وقلت أشجاره بالتدريج.

وتذكر رواية ان اهل مكة كانوا يهابون حتى في الإسلام قطع شجر الحرم.

وقطع كل شجرة دخلت من أرض الحرم في دور أهل مكة. وان "عمر" لما قطع "دوحة" كانت في دار "اسد بن عبد العزى"، وكانت تنال أطرافها ثياب الطائفين.بالكعبة، وذلك قبل ان يوسع المسجد، و دّاها بقرة. وتذكر ايضاً ان "عبد الله بن الزبير" حين ابتنى دوراً ب "قعيقعان" ترخص في قطع شجر الحرم للبنيان، وجعل دية كل شجرة بقرة. وذكر ان "أبا حنيفة "، قال إن كانت الشجرة التي في الحرم مما يغرسها الناس ويستنبتونها فلا فدية على من قطع شيئاً منها، وإن كان من غيرها ففيه القيمة بالغاً ما بلغت.

وفي الحديث ان الله حرم مكة، وحرم شجر الحرم في جملة ما حرمه على الناس. ويظهر ان أرض مكة كانت كلها في الأصل قبل ايام "قصي" حمى للكعبة، على عادة الجاهلين.في تخصيص "حمى" لأربابهم تكون حول بيوتها، ولهذا كانت أشجار هذا الحمى أشجاراً مقدسة لا يجوز قطعها ولا احتطابها، سوى أخذ بعض أغصانها أو لحائها لعمل قلائد منها للاحتماء منها، فلما استباح أهل مكة لأنفسهم ا!تطاول على الحرم، أي على هذا احمى، بقطع شجره وتحويل أرضه إلى بناء، أو بابقاء بعض أشجاره في داخل الدور، بقوا ينظرون إلى ذلك الشجر الباقي في البيوت نظرة هيبة وتقدير، باعتبار انه من بقايا الحرم القديم. وبذلك صغرت مساحة الحرم، وقلت مساحته، حتى اضطر الخليفة "عمر" إلى توسيعه بشراء البيوت التي أقامها الناس عليه وادخالها في الحرم من جديد، وذلك حين ضيق الناس على الكعبة وألصقوا دورهم بها، فقال: " إن الكعبة بيت الله، ولا بد للبيت من فناء، وانكم دخلتم عليها ولم تدخل عليكم "، فاشترى بعض الدور من أهلها وهدمها وبنى المسجد المحيط بها، ثم اشترى عثمان دوراٌ أخرى وأغلى في ثمنها ثم زاد في المسجد من جاء بعدهما حتى وصل الى النحو الذي هو عليه الآن.

ولم يكن للحرم في الجاهلية سور، إنما كانت تحدد معالمه وحدوده أنصاب نصبت على اطرافه. لتكون علامة على ابتدائه وانتهائه. أما ما نراه في الوقت الحاضر من وجود سور مرتفع له، أي حائط به غرف، فإنه مما حدث في الإسلام. وذكراهل الأخبار ان الحرم قد شرب على حدوده بالمنار- القديمة التي بيَن ابراهيم مشاعرها، وكانت قريش تعرفها في الجاهلية والإسلام، لانهم كانوا سكان الحرم، ويعلمون ان ما دون المنار إلى مكة من الحرم، وما وراءها ليس من الحرم. فما كان دون المنار،فهو حرم لا يحل صيده ولا يقطع شجره، وما كان وراء المنار، فهو من الحل يحل صيده، إذا لم يكن صائده محرماً.

الكسوة

وكسوة البيت عادة قديمة، كان يقوم بها الجاهليون. ينسبها الأخباريون إلى "تبع أسعد الحميري"، فيذكرون انه كساها بالأنطاع، ثم كساها بثياب جدة من عصب اليمن، أغلى ثياب معروفة في تلك الأوقات. ولا يستبعد ان يكون الإكساء من بقايا المنشأ القديم للبيت، حيث كان خيمة في الأصل. وقد ورد في الأخبار أنه كان في موضع البيت خيمة قبل ان تكون الكعبةا. وكذلك كان معبد بني اسرائيل خيمة في الأصل قبل أن يبنى الهيكل.

ويذكرون أن التبع الذي.كسا البيت، هو التبع الذي أتى به "مالك بن عجلان" إلى يثرب لطرد اليهود عنها. وذكروا أن ذلك التبع هو "أسعد ابو كرب الحميري". وقد كساها الوصايل، ثياب حبرة من عصب اليمن. وكانت الكعبة تكسى بالحبرة واليرود وغيرها من عصب اليمن، تكسى بها ويوضع ما يفضل منها في خزانة الكعبة. فإذا تمزقت الكسوة، تستبدل بكسوة أخرى تؤخذ من الخزانة. تكسى من الداخل والخارج، وتطيب بالخلوق وتبخر بالمجامر.

وقد سبق لي أن تحدثت عن "التبع اسعد"، وذكرت ما قاله رواة الأخبار عنه، وما جاء عنه في نصوص المسند. وكان قد علق في ذاكرة أهل الأخبار أشياء عنه وعن بعض من جاء بعده، زوقت ونمقت على طريقتهم في رواية أكثر أخبار اليمن. ولعل ما ذكروه عن اكسائه البيت، هو من مصنوعاتهم التي وضعوها في الإسلام ليجعلوا لأهل اليمن فضلاً على الكعبة، فضل يسبق فضل العدنانيين عليها، وقد رأينا أنهم أوجدوا لهم جملة أنبياء نسبوهم إلى قحطان، ووضعوا أشياء أخرى كثيرة، في اظهار فضل للقحطانيين على الاسماعيليين المتعربين يوم فات الحكم من قحطان وصار في اهل مكة في الإسلام. فكان النزاع القحطاني العدناني المعروف.

ولو جارينا أهل الأخبار، واخذنا بروايتهم في ان التبع "لسعد ابو كرب الحميري"، كان أول من كسا الكعبة، نكون قد رجعنا بمبدا تأريخ إكساء الكعبة إلى نهاية القرن الرابع و أوائل القرن الخامس للميلاد. وقد سبق ان تحدثت عن هذا الملك في الجزء الثاني من هذا للكتاب.

ويظهر من روايات أهل الأخبار ان كسوة الكعبة"لم تكن كسوة واحدة، ولا من نسيج واحد، بل كانت انطاعاً، أي أبسطة من أدم، وحبرة وبروداً، وغيرها من عصب اليمن. وهي برود يمنية يعصب غزلها ثم يصبغ وينسج، فياًتي موشىًَ، وقيل هي برود مخططة. وذكر ان النبي كساها الثياب اليمانية، وان عمر وعثمان كسواها بالقباطي.

وذكر ان أول من كسا البيت الحرير "نتيلة بنت جناب بن كليب" وهي من "بني عامر" المعروف بالضحيان، وكان من ملوك ربيعة. وكان العباس ابن عبد المطلب ابنها، قد ضاع وهو صغير، فنذرت امه إن وجدته ان تكسو للبيت الحرير، فكسته، فهي أول من كساه ذلك. وقيل أول من كسا للبيت للديباج خالد بن جعفر بن كلاب. أخذ لطيمة من البر وأخذ فيها أنماطاً فعلقها على للكعبة،.

وروي انهم كانوا يكسون الكعبة يوم "عاشوراء"، وذكر ان "بني هاشم" كانوا يكسونها يوم التروية بالديباج، لتظهر في أحسن حال، ويراها الناس على ذلك. أما اذا حلّ يوم عاشوراء، فانهم يعلقون الازار عليها. وورد انهم كانوا يكسون الكعبة بالديباج يوم التروية، فيعلق عليها القميص ولا يخاط، حتى اذا ما انصرف الناس من "منى" خيط وترك الأزار، ثم تكسى بالقباطي يوم عاشوراء، ويعلق عليها الازار، ويوصل بالديباج.

ولا نستبعد احتمال كون يوم "عاشوراء" من الأيام التي كانت لها حرمة وقدسية عند أهل الجاهلية، وإن كنا نجهل كل شيء عنه وعن سبب احتفال أهل مكة به، وصومهم فيه. وقد ذهب بعض المستشرقين إلى احتمال تأثر قريش بعاشوراء لليهود، كلن يكون أحد سادة مكة قد أخذ ذلك لليوم عنهم فعظمه، فاخذه اهل مكة عنه وجعلوه سنةَ لهم. غير ان من الجائز ألا يكون لهذا اليوم صلة بعاشوراء لليهود، وانما كان من تقاليد أهل مكة القديمة المعروفة عند غيرهم أيضاً، ولا صلة له بيوم يهود.

ويظهر انهم كانوا يضعون الأكسية الجديدة فوق الأكسية للقديمة، فلايرفعونها عنها، فكانت تتراكم بعضها فوق بعض، فلما جاء الإسلام، استمروا على ذلك أمداً، ثم رأى "شيبة بن عثمان" سادن البيت، تجريدها من أكسية الجاهلية، لأنها رجس من عمل الجاهليين فأزيلت. ثم رأى الخليفة المهدي، أن الأكسية قد أثقلت الكعبة، فأمر بتجريدها، تخفيفاً عنها، واكتفى بثلاث كسيّ من القباطي والخز والديباج.

وذكر أهل الأخبار أن اول من حلّل البيت "عبد المطلب"، جدّ النبي، لما حفر "بئر زمزم"،وأصاب فيه من دفن جرهم غزالين من ذهب، فضربهما في باب الكعبة.

المال الحلال

وقد تجنب أهل الجاهلية. بناء معابدهم بمال حرام، فلما أرادت قريش بنيان الكعبة نادى مناديهم: لا تدخلوا في بنائها من كسبكم إلا طيباً. لا تدخلوا.فيه مهر بغي، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس. هذا ما يذكره أهل الأخبار ويروونه عن بناء البيت الحرام.

بقية محجات العرب

ومن محجّات العرب وبيوتها المعظمة: بيت عرف ب "بس" لغطفان، كانت تعبده. بناه "ظالم بن أسعد بن ربيعة بن مالك بن مرة بن عوف"، لما رأى قريشاً يطوفون بالكعبة ويسعون بين للصفا والمروة، فذرع البيت، وأخذ حجراً من الصفا وحجراً من المروة، فرجع إلى قومه، فبنى بيتاً على قدر البيت ووضع الحجرين، فقال: هذان الصفا و المروة فاجتزئوا به عن الحج، فأغار "زهير بن جناب الكلبي "، فقتل ظالماً وهدم بناءه. وورد في رواية أخرى ان "العزى" سمرة عبدتها غطفان. أول من اتخذها "ظالم بن أسعد"، فوق ذات عرق إلى البستان بتسعة أميال، بنى عليها بيتاً وسمّاه بسّاً، وأقام لها سدنة، فبعث اليها رسول الله "خالدَ بن الوليد"، فهدم البيت وأحرق السمرة.

وفي أخبار أهل الأخبار عن بيت "العزى"، أوهام وتناقض. فتراهم يجعلون "العزى" صنماً مرة ويجعلونها "سمرة" أو "شجرة" أو ثلاث سمرات مرة اخرى، ثم تراهم يخلطون بين البيت وبين الحرم الذي كان حوله، كما بينت ذلك في اثناء حديثي عن "العزى". والذي أراه، انه كان للعزى بيت هو " بس"، فيه صنم العزى، وكان حوله حرم، كحرم مكة، به،"سمرة" أو ثلاث سمرات، كان الناس يقدسونها أيضاً ويتقربون اليها بالنذور. وهي جزء متمم لبيت العزى. فلما أمر الرسول خالد بن الوليد، بهدم العزى، هدم البيت وحطم الصنم، فرجع، فلما سأله الرسول عنه، واستفسر منه عن السمرة أو السمرات الثلاث، وعلم منه انه لم يقطعها، أمره بالعودة اليها وقطعها اجتثاثاً لكل علامة من علائم عبادة هذا الصنم. فقطعها. فقطع عن عباّدها كل صلة لهم كانت تربطهم بذلك الصنم.

ومن محجّات الجاهليين، بيت الصنم "ذو الخلصة"، ذكر أنه كان بتبالة، وكان يسمى ب "الكعبة اليمانية"، تمييزاً له عن الكعبة التي عرفت ب "الكعبة الشامية". وذكر أنه نفسه عرف ب "الكعبة الشامية"، كما دعي ب "كعبة اليمامة"، وقد تحدثت عنه في أثناء كلامي على هذا الصنم. ولما هدم البيت والصنم بأمر الرسول،صار مكانه موضع عتبة باب مسجد تبالة. وذكر أن البيت هو "ذو الخلصة"،والصنم "الخلصة"، وقيل "ذو الخلصة: الصنم نفسه" وقد عرف البيت ب "الكعبة" كذلك، لأنه كان بناءً مكعباً. وكان بيتاً في خثعم باليمن، وكانت بجيلة تعظمه كذلك. به صنم، هو "ذو الخلصة" ونصب يذبحون عليه، ويظهر أنه كان من البيوت المعظمة الكبيرة بدليل، ما ذكره العلماء من أن الرسول قال لجرير بن عبد الله البجلي: "ألا تريحني من ذي الخلصة" فذهب اليه وأحرق البيت وهدم الصنم وكسر النصب. وذكر أن موضع "ذي الخلصة"، صار مسجداً جامعاً لبلدة يقال لها: العبلات من أرض خثعم.

وقد ذكر "أبو العلاء المعري" أن فدك كانت في الجاهلية ذات أصنام. وكانوا يقصدونها للحج، وذكر تلبيتهم لها.

وكان بيت "اللات" من البيوت المعظمة عند ثقيف. كانوا اذا عاد أحدهم من سفر، فاول ما يفعله أن يأتي "الربة"، وهي اللات ليتبرك بها. وهي الصخرة النبي كانت تعبدها ثقيف.. ولما أسلم "عروة بن مسعود الثقفي"، وعاد إلى قومه دخل منزله، فانكر قومه عليه دخوله قبل أن ياًتي الربة، يعني اللات. وفي حديث وفد ثقيف: كان لهم بيت يسمونه الربة. يضاهون بيت اللّه. وكانت ثقيف تضاهي أهل مكة، وتنافسهم على الزعامة. وكان لبيت اللات أستار وسدنة وحوله فناء معظم، يفتخرون به على من عداهم من أحياء العرب. ولأهل اليمن بيوت تعبدوا لها، وبقيت معظمة عندهم إلى الإسلام. من ذلك بيت عرف ب "بيت رئام". ذكر "ابن اسحاق" ان أهل اليمن كانوا يعظمونه وينحرون عنده ويكلمون. وكانوا يعتقدون ان رئاماً كان فيه شيطان، وكانوا يملاون له حياضاً من دماء القربان، فيخرج فيصيب منها، ويكلمهم، وكانوا يعبدونه. وبيت غمدان، وقد ذكروا ان الضحاك بناه باليمن على اسم الزهرة، فجعلوه بيتاً، أي موضع عمادة، بينما هو دار حكم وبيت الملوك بصنعاء، كما سبق ان تحدثت عنه.

وذكَر بعض أهل الأخبار ان "ريام" بيت بصنعاء كان لحمير، وكان به كلب أسود. وان الحبرين اللذين ذهبا مع تبع استخرجاه وقتلاه وهدما البيت. وكان "ذو الكعبات" لبكر ولتغلب ابني وائل وإياد بسنداد، وله يقول الأعشى: بين الخورنق والسدير وبارق  والبيت ذو الكعبات من سنداد

وذكر انه بيت كان لربيعة، كانوا يطوفون به، وقد ذكره الأسود بن يعفر في شعره، فقال: والبيت ذي الكعبات من سنداد

فالبيت للاسود لا للأعشى على هذه الرواية.

وقد تعرض "ابن كثير" لموضوع بيوت الأصنام: اللات والعزى ومناة، فقال: " وقد كانت بجزيرة العرب وغيرها طواغيت أخر، تعظمها العرب كتعظيم الكعبة، غير ان هذه الثلاثة التي تنص عليها في كتابه العزيز... قال ابن اسحاق في السيرة: وقد كانت العرب اتخذت مع الكعبة طواغيت، وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة، لها سدنة وحجاب وتهدى لها كما يهدى للكعبة، وتطوف بها كطوافها بها وتنحر عندها". وما فات من أسماء المحجات في العربية الجنوبية والشرقية وفي نجد، قد يزيد عدده على ما ذكرنا. فات عنا، لأن أهل الأخبار لم يذكروا شيناً عنها، لانصراف اهتمامهم إلى الحجاز وما كان له صلة بالإسلام، من أرضين، فحرمنا بذلك من الوقوف على أخبار المحجات في المواضيع الأخرى من جزيرة العرب.

ويحجّ الناس إلى هذه البيوت في أشهر معينة من السنة، هي الأشهر الحرم، وهي أشهر مقدسة لايحل فيها قتال ولا اعتداء على أحد،فهي أشهر هدنة وسلام، أشهر خصصت بالآلهة "، فلا يجوز انتهاك حرمتها. وفي شهر الحج الذي يحج فيه الناس إلى أصنامهم، يجتمع، الناس في المعبد لأداء الفروض المكتوبة المعينة، فيكون الاجماع اجتماعاً دينياً وسياسياً وتجارياً يتعامل فيه الناس. ويتبادلون به السلع، ويعود على أهل الموضع الذي فيه المعبد بأرباح كبيرة ولاشك. وقد ذكرت أن هذه الحرمة لم تكن عامة، فقد كان من العرب من لا يراعيها ولا يحترمها، تم إننا لا ندري إذا كان أهل العربية الجنوبية أو العربية الشرقية كانوا يعرفونها أم لا! وليست كل المعابد محجة للناس، يقصدونها في الأيام أو في المواسم. فقد كان في الموضع الواحد جملة معابد في بعض الأحيان، ولا يحج اليها، بل كانت المعابد التي يحج اليها معدودة معينة. لا بد أن تكون لها ميزة شرفتها على سائر دور العبادة الأخرى. ولهذه الميزة قصدت في المواسم من أماكن بعيدة. واذا استثنينا ما ورد عن مكة، فإننا لا نكاد نعرف شيئاً ذا بال عن المعابد الكبيرة الأخرى. ثم إن في أكثر ما ذكره أهل الأخبار عن مكة غمًوض ومجال واسع للنقد، لأنه منقول عن أفواه رجال يظهر أنهم نقلوا ما قيل لهم دون تحفظ أو تمحيص.

المزارات

وقد عظم بعض أهل الجاهلية قبور ساداتهم ورؤسائهم واتخذوها أضرحة يزورونها ويتقربون يها ويتبركون بها، وقد بلغ من بعضهم ان جعلها حمى وملاذاً من دخل اليها أمن، ومن لجاً اليها وكان محتاجاً أغيث، ومن طلب العون واستغاث بصاحب القبر أغيث، حتى صارت في منزلة المعابد. ومنها أضرحة السدنة والكهان وسادات القبائل، فقد كان قبر "تميم" جدّ قبيلة "تميم" مزاراً معظماً عند أبناء القبيلة من احتمى به من "بني تميم" ومن غيرهم صار آمناً. ولم أجد في أخبار اهل الأخبار مما يفيد بوجود أضرحة في مكة. اتخذت مزاراً وموضعاً يتبرك به. يعظمونه ويتقربون اليه بالنذور والذبائح. قفد كان قير قصي معروفاً عند أهل مكة، ولكنهم لم يتخذوه مزاراً ومصلى على ما يتبين من روايات الأخباريين.

الفصل الخامس والسبعون

الحنفاء

وقد أشار القرآن الكريم إلى جماعة من العرب لم تعبد الأصنام، فلم تكن من اليهود ولا النصارى، وانما اعتقدت بوجود إله واحد عدته. وقد ذكر المفسرون وأهل الأخبار أسماء جماعة من هؤلاء، غير ان ما ذكروه عنهم غامض لا يشرح عقائدهم، ولا يوضح رأيهم في الدين، فلم يذكروا عقيدتهم في التوحيد، ولا كيفية تصورهم لخالق الكون.

وقد عرف هؤلاء بالحنفاء وبالأحناف، ونعتوا بأنهم كانوا على دين ابراهيم، ولم يكونوا يهودأَ ولا نصارى، ولم يشركوا بربهم أحداً. سفهوا عيادة الأصنام، وسفهوا رأي القائلين بها.

وقد أشير إلى "الحنيفية" و "الحنفاء" في كتب الحديث. وقد بحث عنها شرّاح هذه الكتب. ومما نسب اليه حديث: "لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية، ولكني بعثت بالحنيفية السمحة". وحديث: "بعثتُ بالحنيفية السمحة السهلة". وحديث "أحب الأديان إلى الله تعالى الحنيفية السمحة".

ويذكر أهل الأخبار أن الجاهليين جميعاً كانوا قبل عمرو بن لحي الخزاعيّ على دين ابراهيم. كانوا موحدين يعبدون الله جل جلاله وحده، لا يشركون به ولا ينتقصونه. فما جاء عمرو بن لحيّ، أفسد العرب، ونشر يينهم اضاليل عبادة الأصنام، بما تعلمه من وثنيي بلاد الشام حين زارهم، وحل بينهم، فكان داعية الوثنية عند العرب والمبشر بها ومضلهم الأول. وهو على رأيهم موزع الاصنام بين القبائل، ومقسمها عليها. فكان من دعوته تلك عبادة الاوثان، إلى أن جاء الإسلام فأعاد العرب إلى سواء السبيل، إلى دين ابراهيم حنيفاً، وما كان ابراهيم من المشركين.

ولقد فشت دعوة عمرو بن لحي وانتشرت، حتى دخل فيها أكثرهم، والضلال سريع الانتشار، وقلّ عدد من حافظ على دين ابراهيم والمراعي لأحكام دين التوحيد الحنيف: من اعتقاد بوجود إلهَ واحد أحد، وطواف بالبيت، وحج اليه، وعمرة، ووقوف على عرفة وهدي للبدن، واهلال بالحج والعمرة، وغير ذلك. فلم يبق منهم إلا عدد محدود في كل عصر إلى زمن البعثة المحمدية.

ولسنا نملك ويا للاسف شيئاً من الجاهلية يعيننا في الوقوف على عقائد الأحناف ودينهم، فليس في كتابات المسند ولا في الكتابات الجاهلية الأخرى، بل ولا في كتب اليونان واللاتنين شيء عن عقيدتهم وعن آرائهم،لذلك اقتصر علمنا بأحوالهم على ما جاء في المؤلفات الإسلامية وحدها، والفضل في حفظ أخبارهم للقرآن الكريم، فلولا اشارته اليهم وذكره لهم، لما اهتم المفسرون وأصحاب الأخبار بجمع ما كان عالقاً في ذهن الناس عنهم. وللحديث وكتب السير والأدب فضل في جمع أخبارهم يجب ألا ينهى كذلك.

وللعلماء الإسلاميين اراء وتفسيرات في أصل لفظة "حنيف" وحنفاء وأحناف وفي معانيها. فهم يقولون ان الأصل "حنف"، وحنف بمعنى مال. وحنف القسمين ميل كل واحدة منهما نحو الأخرى. والحنًفُ هو مال عن الضلال إلى الاستقامة، والحنف ميل عن الاستقامة إلى الضلال. والحنيف هو المائل. ومن هذا المعنى أخذ الحنف. وأما الحنيف، فالشيء يميل الى الحق،وقبل الذي يستقبل. البيت الحرام، أو الحاج أو من يختتن،والحنيف من أسلم في أمر الله فلم يلتوِ في شيء، والحنيف المستقيم الذي لا يلتوِ في شيء.

وقد وردت لفظة "حنيفاً" في عشر مواضع من ا!قرآن الكريم. ووردت لفظة "حنفاء" في موضعين منه. وبعض الايات التي وردت فيها آيات مكية، وبعضها آيات مدنية. وقد نص في بعض منها على ابراهيم، وهو على الحنيفية، ولم ينص في مواضع منها على اسمه. وقد وردت لفظة "حنفاء" في سورتين فقط، هما: سورة الحج وسورة البينة.، وهما من السور المدنية.

وذكر بعض أهل الأخبار ان الحنيف عند أهل الجاهلية من اختتن وحج البيت فكل من اختتن وحج البيت هو حنيف. وقد رأى الطبري ان ذلك لا يكفي، بل لا بد من الاستقامة على ملة ابراهيم واتباعه عليها. والذين يذكرون أن الحنيف هو من اختتن وحج البيت، يذكرون أن العرب لم تتمسك في الجاهلية بشي من دين ابراهيم غير الختان وحج البيت، ولهذا فكل من اختتن وحج البيت، قيل له حنيف. وقد أضاف بعضهم اعتزال الأصنام والإغتسال من الجنابة إلى ما ذكرت، وجعلوا ذلك من أهم العلامات الفارقة التي ميزت الحنفاء عن المشركين، لأن الحنفية على حد قولهم لو كانت حج البيت والاختتان لوجب أن يكون الذين كانوا يحجون ويختتنون في الجاهلية من أهل الشرك حنفاء،وقد نفى الله أن يكون ذلك تحنفاً بقوله: )ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين(.

وينسب أهل الأخبار إلى الأحناف بالإضافة إلى ما ذكرت، امتناعهم عن أكل ذبائح الأوثان وكل ما أهل إلى غير الله. فقد ذكروا عن كل واحد من الأحناف أنه كَان قد امتنع عن أكل الذبائح التي تذبح للاوثان والأصنام، لأنها ذبحت لغير الله. كما نسبوا اليهم تحريم الخمر على أنفسهم، والنظر والتأمل في خلق الله، ونسبوا اليهم أداء شعائر الحج وغبر ذلك.

وقد لخص "الفخر الرازي" و "الطبرسي"، آراء العلماء في،"0 الحنيفية" واجملاها في تفسيرهما للاية: )وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا، قل بل ملة ابراهيم حنيفاً، وما كنت من المشركين(. فقالا: "وفي الحنيفية أربعة أقوال: احدها انها حج البيت، عن ابن عباس والحسن ومجاهد. وثانيها انها اتباع الحق، عن مجاهد، وثالثها انها اتباع ابراهيم فيما أتى به من الشريعة التي صار بها إماماً للناس بعده من الحج والختان وغير، ذلك من شرائع الإسلام، والرابع انها الاخلاص لله وحده والاقرار بالربوبية والإذعان للعبودية".

ترى مما تقدم، وسترى فيما بعد ان أهل الأخبار لم يكونوا على بينة تامة وعلم واضح بأحوال الحنيفية وبآرائها وقواعد أحكامها وأصولها، وانهم خلطوا في بعض الأحيان فيما بينها وبين الرهبنة، ولا سيما رهبنة النصرانية. فأدخلوا فيها من بجب اخراجهم عنها، لانهم كانوا نصارى على ما يذكره نفس أهل الأخبار في أثناء تحدثهم عنهم، ومن هؤلاء: قيس بن ساعدة الأيادي وورقة بن نوفل، وعثمان ابن الحويرث، فقد نصوا نصاً صريحاً على انهم كانوا من العرب المتنصرة، ثم نجدهم مع ذلك يدخلونهم في جملة الأحناف.

وللمستشرقين بحوث في أصلها ومعناها وفي ورودها عند العرب قبل الإسلام. ومنهم من يرى ان اللفظة من أصل إرمي، وقد كانت معروفة عند النصارى، وأخذها الجاهليون منهم، وأطلقت على القائلين بالتوحيد من العرب، على أولئك الذين ظهروا في اليمن خاصة ونادوا بالتوحيد وعبادة الرحمان. وهي ديانة توحيد ظهرت بتأثير اليهودية والنصرانية، غير ان أصحابها لم يكونوا يهوداً ولا نصارى، وانما كانوا فرقة مستقلة تأثرت بآراء الديانتين.

وقد ذهب بعض المستشرقين إلى ان اللفظة من أصل عبراني، هو: "تحينوت" tchinoth، أو من "حنف" Hnet، ومعناه التحنث في العربية، وذلك لما لهذه اللفظة من صلة بالزهد والزهّاد. وقال "نولدكه" انها من أصل عربي هو "تحنف"، على وزن تبرر، وهي من الكلمات التي لها معانً دينية. ويلاحظ ان السريان يطلقون لفظة "حنفه" " Hanfaعلى الصابئة. وقد وردت لفظة "حنف" في النصوص العربية الجنوبية، وردت بمعنى "صبأ"، أي مال وتأثر بشيء ما. أي بالمعنى الذي فهمه علماء اللغة. فاللفظة اذن من الألفاظ المعروفة أيضاً عند العرب الجنوبيين.

عندي أن لفظة "حنيف"، هي في الأصل بمعنى "صابئ" أي خارج عن ملة قوم، تارك لعبادتهم. ويؤيد رأيي هذا ما ذهب اليه علم اللغة، من أنها من الميل عن الشيء وتركه، ومن ورودها بهذا المعنى في النصوص العربية الجنوبية. وبمعنى "الملحد"، و "المنافق"، و "الكافر" في لغة بني إرم، ومن اطلاق "المسعودي" و "ابن العبري" لهذه اللفظة على "الصابئة". ومن ذهاب "المسعودي" إلى أن اللفظة من الألفاظ السريانية المعربة. وقد اطلقت على "المنشقين" على عبادة قومهم الخارجين عليها، كما أطلق أهل مكة على النبي وعلى أتباعه "الصابئ" و "الصباة"، فصارت علماً على من تنكر لعبادة قومه، وخرج على الأصنام. ولهذا نجد الإسلام يطلقها في بادئ الأمر على نابذي عبادة الأصنام، وهم الذين دعاهم بأنهم على "دين ابراهيم". ولما كان التنكر للاصنام هو عقيدة الإسلام لذلك صارت مدحاً لمن أطلق الجاهليون عليهم تلك اللفظة لا ذماً.

وليست الصورة التي رسمها المفسرون وأهل الأخبار عن عقيدة الحنفاء واضحة،فهي صورة غامضة مطموسة في كثير من النواحي، تخص الناحية الخلقية أكثر مما تخص الناحية الدينية. فليس فيها شيء عن عقيدتهم في الله، وكيفية تصورهم وعبادتهم له، وليس فيها شيء عن كتاب كانوا يتبعونه أو كتب كانوا يسيرون عليها. نعم، إن نفراً منهم كما ذكر الرواة كانوا قد قرأوا الكتب ووقفوا عليها، ولكن ما تلك الكتب التي قرأوها، وما أسماؤها. وهل هي التوراة والانجيل ? ولكن أي توراة وإنجيل ? التوراة والانجيل التي كانت بين أيدي الناس أو غيرها ? فالذي يفهم من كلام الرواة أن الحنفاء كانوا يرون تحريفاً في الكتابين، وأن هناك تبايناً قليلاً أو كثيراً بين الأصل الذي أوحاه الله وبين الذي كان بأيدي الناس، وأنهم لذلك مالوا عن اليهودية والنصرانية إلى دين ابراهيم الحنيف، فقرأوا كتبه وتعبدوا بعبادة ابراهيم. ولكن ما هي كتب ابراهيم وما هي عبادته وليس في امكاننا في الوقت الحاضر وضع حد صريح واضح لمفهوم الأحناف و "الدين الحنيف" عند الجاهليين، لما ذكرته من عدم وجود موارد واضحة صريحة عن الأحناف، ولعدم ورود أي شيء عنهم في نصوص جاهلية، ولأن في آلكثير من الذي يذكروه المفسرون وأهل الأخبار عنهم غموض وإبهام أو صنعة وتكلف، لذلك فليس أمامنا سوى الانصراف إلى البحث عن جمع كل ما ورد عن الحنيفية في الشعر وفي النثر وتنقيته وغربلته لاستخراج الماسة الصافية منه التي تفيدنا في الوقوف على تلك الحركة الدينية التي.كانت بارزة عند ألمذكورين قبيل ظهور الإسلام. والوقوف عليها يفيدنا كثيراً ولا شك في فهم الإسلام الذي أثنى على الحنيفية وأرجعها إلى ديانة ابراهيم، وفي فهم اتجاهات الأحناف ودعوتهم التي وجهوها إلى قومهم في نبذ عبادة الأصنام والأحجار والمعبودات المادية الأخرى، والالتجاء إلى عبادة إلهَ أعلى لا يشبه المادة، هو إله واحد لطيف خبير. والحنفاء، كما يفهم من روايات أهل الأخبار، كانوا طرازاً من النسّاك، نسكوا في الحياة الدنيا، وانصرفوا إلى التعبد للالهَ الواحد الأحد إلَه ابراهيم واسماعيل،ساحوا في البلاد على نحو ما يفعله الحجاج الزهاد بحثاً عن الدين الصحيح دين ابراهيم، فوصل زيد بن عمرو بن نفيل إلى الشام والبلقاء ووقف على اليهودية والنصرانية، فلم يرَ في الديانتين ما يريد. و منهم من أخذ على قومه هدايتهم بحثّهم على ترك عبادة الأصنام، لذلك لاقوا منهم غشاً ونصباً شديداً. ومنهم من كان يتأمل في هذا الكون،لذلك تجنب الناس واعتزلهم، والتجأ إلى الكهوف والمغاور البعيدة ابتعاداً عن الناس للتأمل والتفكر، وقد تجنبوا الخمرة والأعمال المنكرة، وقول للفحش، وساروا على مثل الإسلام، وان عاشوا قبل الإسلام، لأن الإسلام دين ابراهيم.

والذي يفهم من القرآن الكريم، هو ان الحنفاء هم أولئك الذين رفضوا عبادة الأصنام، فلم يكونوا من المشركين، بل كانوا يدينون بالتوحيد الخالص، وهو فوق توحيد اليهود والنصارى، فلم يكونوا يهوداً ولا نصارى، و )وما كان ابراهيم يهودياً ولا نصرانياً، ولكن كان حنيفاً مسلماً، وما كان من المشركين(، وان قدوتهم في ذلك ابراهيم. ويلاحظ ان لفظة "مسلم" استعملت في مرادف ومعنى لفظة "الحنيف"، وان ابراهيم هو أبو وأول المسلمين. وقد وصف الإسلام بأنه دين الله الحنيف، والدين الحنيف، وان الشريعة الإسلامية،هي الحنيفية السمحة السهلة، وذلك تميزاً لها عن الرهبانية المتعصبة.

وقد عدّ بعض المستشرقّين الحنفاء شيعة من شيع النصرانية، وعدّوهم نصارى عرباً زهاداً كيفّوا النصرانية بعض التكييف بهم وخلطوا فيها بعض تعاليم من غيرها.

وقد استدلوا على ذلك بما ورد من تنصر بعضهم وبورد في بعض الأشعار الجاهلية من مواضع يفهم منها على تفسيرهم ان المراد بهم شيعة من شيع النصرانية.

غير ان القرآن الكريم قد نص نصاً صريحاً على ان الحنفاء لم يكونوا يهوداً ولا نصارى، وانهم ينتمون في عقيدتهم إلى ابراهيم. ثم إن الأخباريين وإن أدخلوا في الأحناف أناساً نصوا على انهم كانوا نصارى، إلا انهم نصوا في الوقت نفسه نصاً صريحاً على ان -البقية الباقية، كانت واقفة،لم تدخل في يهودية ولا نصرانية، إذ وجدت في كل ديانة من الديانتين أموراً جعلتها تتريث،فلم تدخل في احداهما، وبقيت مخلصة لسنةّ ابراهيم، لذلك فلا يمكن اعتبار الأحناف نصارى خلصاً، أو شيعة من الشيع النصرانية.

وقد كان من الحنفاء.نفر من النصارى، أخلصوا نصرانيتهم وماتوا عليها. فهؤلاء هم نصارى من غير شك، ويجب اخراجهم من طائفة الحنفاء، وادخالهم في النصارى، مثل "بحيرا" الراهب، وأمثاله ممن سأتحدث عنهم فيما بعد.

ويلاحظ أن جميع من حشرهم أهل الأخبار في الحنيفية، كانوا من القارئين الكاتبين. وكانوا يشترون الكتب ويراجعونها ويّتسقطون أخبار أهل الآراء والمذاهب والديانات. ولبعض منهم - كما يروي أهل الأخبار - علم باللغات الأعجمية مثل السريانية والعبرانية، كما كان لهم علم ووقوف على تيارات الفكر في ذلك الوقت. وقد أضافوا إلى علمهم الذي أخذوه من الكتب، علماً حصلوا عليه من أسفارهم إلى الخارج مثل العراق وبلاد.الشام. ومن اتصالهم بالرهبان وبرجال الكنائس واليهود. فهم بالنسبة لذلك الوقت الطبقة المثقفة من الجاهلين نادت بالاصلاح وبرفع مستوى العقل وبنبذ الأساطير والخرافات وبتحرير العقل "من سيطرة العادات والتقاليد فيه، وذلك بالدراسات والتأمل وبقراءة الكتب وبالرجوع إلى دين الفطرة، الذي لا يقر عبادة الشرك ولا عبادة الناس.

لذلك نستطيع أن نقول عن هؤلاء إنهم كانوا اناساً من النوع الذي نطلق عليهم كلمة "مصلحين" في الوقت الحاضر. من هذا الطراز الذي يريد اصلاح الأوضاع ورفع مستوى العقل. فهم جماعة ضد الأوضاع الاجتماعية السائدة في أيامهم. لأنها في نظرهم أوضاع مؤخرة تمنع الإنسان من التقدم ومن ادراك الواقع. وقد رأت أن العقل لا يقر التقرب إلى أحجار والى التبرك بها والذبح لها، لأنها حجارة لا تعي ولا تفهم وليس في إِمكانها أن تسمع أو تجيب لذلك نفرت منها. ومنهم من آمن بدين كالنصرانية، ولكنه لم يكن على نصرانية قومه، لأن عقله لا يقر التقرب إلى المادة مثل الصليب والصور والتماثيل، ومنهم من ابعدته مثل هذه العبادة عن النصرانية، فصيرته حائراً في أمره من الديانات، يعتقد بإلَه، ولكنه لم يستقر على دين. عائب على قومه من المشركين ما هم عليه من جهل ومن عبادة أحجار ومن كل تقرب اليها.وقد ذكر أهل الأخبار أسماء نفر ذكروا انهم كرهوا عبادة الأوثان وسخفوا أحلام المتعبدين لها، إذ وجدوا ان من الحمق التقرب إلى حجر لا يضر ولا ينفع، وهو جماد، فلما سمع بعضهم بالإسلام أسلموا. ولكنهم لم يدخلوهم في عداد الأحناف. وقد رأينا ان من أهل الأخيار من جعل "مسيلمة" يدعو إلى عبادة "الرحمن" قبل مبعث النبي. وقد ذكروا ان "عمرو بن عبسة بن عامر بن خالد السلمي، كان قد رغب عن آلهة قومه في الجاهلية، رأى انها باطلة، وان الناس في ضلال إذ يعبدون الحجارة، والحجارة لا تضر ولا تنفع، فكان حائراً، حتى اهتدى إلى الإسلام.

وليس في أيدينا اليوم مورد يفيد بوجود تكتل وتنظيم لمن أطلق الأخباريون عليهم لفظة: "الحنفاء"، تكتل وتنظيم مظاهر خارجية وداخلية يميزهم عن غيرهم من أهل الأديان. لذلك، فنحن لا نستطيع أن نقول إن الحنيفية كانت فرقة تتبع ديناً بالمعنى المفهوم من الدين، كدين اليهودية أو النصرانية، لها أحكام وشريعة تستمد أحكامها من كتبُ منزلة مقدسة ومن وحي نزل من السماء، على نحو ما نفهمه من الأديان السماوية. لذلك، فانا لا أستطيع إقرار رأي من ذهب إلى انهم كانوا جماعة دينية منظمة، كرأي المستشرق "شبرنكر"، الذي ذهب إلى هذا المذهب.

وجلً هؤلاء الآحناف، هم من أسر معروفة، وبيوت يظهر أنها كانت مرفهة أو فوق ستوى الوسط بالنسبة إلى تلك الأيام، ولهذا صار في امكانهم الحصول على ثقافة. وعلى شراء الكتب، وقد كانت غالية الثمن إذ ذاك، لنيل العلم منها. كما صار في امكانهم الطواف في خارج جزيرة العرب لأمتصاص المعرفة من البلاد المتقدمة بالنسبة إلى تلك الأوقات، مثل العراق وبلاد الشام. وقد اتصلوا كما يزعم أهل الأخبار فعلاً برجال العلم والدين فيها، وتحادثوا معهم وأخذوا الرأي منهم. ومن يدري فلعلهم قرأوا عليهم الكتب وفي جملتها كتب اليونان، أو ترجمات كتبهم بالسريانية، فحصلوا نتيجة لذلك على علم بمقالات اليونان وبآرائهم في الفلسفة والدين والحياة. وقد تكون بعض الاراء المنسوبة اليهم، والتي ترجع إلى أصل يوناني، قد قالوها من أخذهم لها من تلك الكتب ومن دراستهم على من اتصلوا بهم من العلماء في أثناء وجودهم في العراق وفي بلاد الشام.

ونجد في الأخبار أن الرسول كان يعد، للرهبانية مخالفة للحنيفية، إذ ورد أن أبا عامر بن صيفي - المعروف بالراهب لأنه كان قد ترهب في الجاهلية ولبس المسوح - قدم المدينة ورأى الرسول، وسأله: ما هذا الذي جئت به ? - فقال الرسول: جئت بالحنيفية دين ابراهيم، قال: فأنا عليها، فقال الرسول: لست عليها، ولكنك ادخلت فيها ما ليس منها. وقد سماه الرسول الفاسق. فذهب مغاضباً للرسول كما تقول الروايات،متوجهاً إلى قيصر، ليحمله على توجيه جيش إلى المدينة للقضاء على الإسلام، غير أنه مات وهو في بلاد الشام.

وقد خرج "أبو عامر" واسمه "عيد عمرو بن صيفي بن مالك بن النعمان ابن أمة"1 الراهب أحد "بني ضبيعة" إلى مكة مباعداً لرسول الله، معه خمسون غلاماً من الأوس، منهم "عمان بن حنيف". "فكان يعد قريشاً ان لو قد لقي محرماً لم يختلف عليه منهم رجلان، فلما كان يوم احد، كان أول من لقي أهل المدينة أبو عامر في الأحابيش وعبدان أهل مكة، فنادى يا معشرَ الأوس، أنا ابو عامر، قالوا: فلا أنعم الله بك عيناً يا فاسق،وكان أبو عامر يسمى في الجاهلية "الراهب" فسمّاه رسول الله الفاسق، فلما سمع ردهم عليه، قاتلهم ثم راضخهم بالحجارة". ثم رجع مع قريش إلى مكة و خرج إلى الروم يوم فتحت مكة فمات بها سنة تسع، ويقال سنة عشر. وأعطى "هرقل" ميراثه لكنانة بن عبد ياليل الثققي، وكان قد اختصم مع علقمة بن علاثة في ميراثه، فدقع هرقل ميراثه لكنانة قائلاً لعلقمة: هما من أهل المدر وأنت من أهل الوبر.

وكان له ولد اسمه "حنظلة" أسلم، واستأذن رسول الله في قتل ابيه، فنهاه عن ذلك. فلما كان يوم أحد شهده، والتقى هو وأبو سفيان، فلما استعلى حنظلة رآه "شداد بن شعوب" فعلاه بالسيف حتى قتله، وقد كاد يقتل أبا سفيان. فقال النبي: "إن صاحبكم تغسله الملائكة"، فعرف ب "غسيل الملائكة". فكان الابن مع المسلمين في هذا اليوم، وكان الأب مع المشركين.

وروي أنه كان يتزيد في الجاهلية، فلما جاء الإسلام خرج إلى الشام وأمر المنافقين باتخاذ مسجد الضرار، واتى قيصر فاستنجده على للنبي. وروي أنه هو للذي حزب الأحزاب لقتال الرسول: فلما خذل لحق بالروم يطلب النصر منهم، وقال لأناس من الأنصار ابنوا مسجدكم واستعدوا بما استطعتم من قوة وسلاح، فإني ذاهب الى قيصر ملك الروم فآتي بجند من الروم، فأخرج محمداً واصحابه، وكان قد خرج معه كنانة بن عبد ياليل الثقفي وعلقمة بن علاصة. فأما علقمة وابن ياليل "ابن بالين"، فرجعا فبايعا النبي وأسلما، وأما "أبو عامر" فتنصر وأقام.

ويظهر أن "أبا عامر الراهب"، كان قد وضع مع جماعة من الأنصار الحاقدين على الرسول وعلى المهاجرين الذين صاروا يزاحمونهم في أعمالهم،واستحوذوا. على التجارة واستغلوا أرض يثرب فقام قوم منهم بزراعتها، خطة لعمل مكيدة يخرجون بها الرسول من المدينة، يساعدهم في ذلك الروم. غير انها لم تنجح، وهدم المسجد، الذي تواعدوا على أن يكون موضع التآمر وملتقى الحاقدين على الرسول، وقضي على المؤامرة، وبقي "أبو عامر" عند الروم. فلما مات عاد "كنانة بن عبد يا ليل" الثققي، وكان رئيس ثقيف في زمانه، وكان يقول: "لا يرثني رجل من قريش"، مما يدل على أنه كان من الكارهين لقريش المتحاملين عليها وعلى الإسلام، ففر إلى "نجران" ثم توجه إلى الروم. فلما مات "أبو عامر" عاد فأسلم. وعاد "علقمة" أيضاً. وهناك روايات أخرى،تذكر أنه ارتد في أيام "عمر"، والتحق بالروم، ثم عاد إلى الإسلام.

ولاشتهار أبي عامر بالراهب، ولما ورد في. بعض الأخبار من انه كان حنيفاً، ذهب "ولهوزن" إلى ان الأحناف هم من النصارى، وان حركتهم حركة نصرانية، وانهم كانوا القنطرة التي توصل بين النصرانية والإسلام. غير ان ما لدينا من معارف عن الأحناف، لا يكفي لابداء رأي كهذا الرأي، وللتسليم بمثل هذا القول ينبغي لنا الوقوف على آرائهم وقوفاً دقيقاً ومقارنة ما لدينا بما نعرفه من النصرانية لنتمكن من التوصل إلى رأي علمي في هذا الشأن.وفي بيت منسوب إلى أمية إشارة إلى الحنيفية، ذكر فيه ان كل دين زور عند الله إلا دين الحنيفية. وقد رأينا ان أهل الأخبار يدخلون أمية في جملة الحنفاء، ويقولون: انه لبس المسوح تعبداً، وكان ممن ذكر ابراهيم واسماعيل وحرم الخمر. ويلاحظ ان الأخباريين ينسبون إلى عدد من هؤلاء الأحناف لبس المسوح، مما يشير إلى انهم كانوا قد تأثروا بالرهبان المتقشفين وبالزهاد النصارى الناسكين،فأخذوا عنهم هذه،الطريقة التي أشير اليها في القرآن الكريم وفي الحديث، والتي عدّ ت من البدع الممقوتة في الإسلام.

وقد أورد أهل الأخبار كلاماً ذكروا ان الأحناف قالوه، هو من نوع كلام الكهان المرتب على طريقة السجع، أوردوه بنصه على ما ذكروه. غير ان من الصعب تصور صدور ذلك الكلام المنمق من أناس عاشوا قبل الإسلام، ومحافظة الناس عليه محافظة تامة إلى ما بعد الإسلام. ويظهر على كل حال من دراسة روايات أهل الأخبار عن الكهان والأحناف ان كلام رجال الدين قبل الإسلام كان على هذا النمط من السجع، ومن جمل مكررة معادة عامة. وقد ظل السجع الطريقة المحببة في الكتابة إلى ايامنا هذه عند بعض الكتاّب. ويفهم من كلام الرواة ان بعض هؤلاء الحنفاء كانوا نصارى مثل ورقة بن نوفل، أي على عكس ما يذكره الرواة أنفسهم من أن هؤلاء كانوا قد تجنبوا اليهودية والنصرانية متبعين ديانة ابراهيم. والظاهر أن الرواة قد اشتبه عليهم -الأمر، فخلطوا في بعض الأحيان بين النصرانية وبين هؤلاء الذين أنكروا عبادة الأصنام واعتقدوا التوحيد.

ولدينا أمثلة أخرى على هذا الوهم. وسنرى من تراجم عدد من الاحناف ان منهم من يجب ادخاله في عداد النصارى ة لا الاحناف. وقد نْص أهل الاخبار أنفسهم على تنصرهم، غير انهم ادخلوهم مع ذلك في جملة الاحناف حين تكلموا عنهم. فكأنهم عنوا بالاحناف من كان على حياة الرهبنة والتقشف. وقد أدخل "المسعودي" بعض الاحناف في جماعة اهل الفترة ممن كان بين المسيح ومحمد، ومن أهل التوحيد، من يقر بالبعث ثم قال: وقد اختلف الناس فيهم،فمن الناس من رأى انهم أنبياء، ومنهم من رأى غير ذلك وقد ذكر من بينهم "حنظلة بن صفوان"، و "خالد بن سنان العبسى"، و "رئاب الشنى"، و "أسعد ابو كرب الحميري"، و "قس بن ساعدة الإيادي"، و "أمية بن أبي السلط الثققي"، و "ورقة بن نوفل"، و "عداس" مولى "عتيبة بن ربيعة الثففي، و "ابو قيس" "صرمة بن أبي انس" الانصاري، و "أبو عامر الاوسي"، و "عبد الله بن جحش الاسدي"، و "بحيرا الراهب". ومن هؤلاء من كان على النصرانية، وقد نص "المسعودي" نفسه على ذلك.

والذين ذكر الرواة أسماءهم من الحنفاء هم أناس عاشوا في الجاهلية المتصلة بالإسلام، ومنهم من أدرك الرسول، ولا عبرة بالطبع لما زعمه الأخباريون من طول عمر أولئك الأشخاص وبلوغ بعضهم مئين عدة من السنين، وادخالهم في المعمرين، فان من عادة الأخباريين إطالة عمر هؤلاء وأمثالهم من الرجال البارزين الظاهرين، ليكون ذلك مناسباً لما يجيء في أخبارهم من الحكم المنسوبة البهم، وهي فكرة عامة نجدها عند غير العرب أيضاً، ولذللك نجد صور الحكماء والفلاسفة الغالب على صورة شيوخ أصحاب لحى طويلة بيض ورأس جله الشيب أو قضى على شعره الزمن والتفكير، فصلِع، لأن هذه من علامات الحكمة والتفكير. وعندي ان الحنفاء جماعة سخرت من عبادة الأصنام، وثارت عليها وعلى المُثل الأخلاقية التي كانت سائدة في ذلك انزمن، ودعت إلى إصلاحات واسعة في الحياة وإلى محاربة الأمراض الاجتماعية العديدة التي كانت متفشية في ذلك العهد، دعاها إلى ذلك ما رأته في قومها من إغراق في عبادة الاصنام ومن اسفاف في شرب الخمر ولعب الميسر وما شاكل ذلك من أمور مضرة، فرفعت صوتها كما يرفع المصلحون صوتهم في كل زمن ينادون بالاصلاح، وقد أثارت دعونهم هذه المحافظين وأصحاب الجاه والنفوذ وسدنة الاوثان شأن.كل دعوة إصلاحية. ويجوز ان يكون من بين هؤلاء من مال إلى النصرانية، غير اننا لا نستطيع ان نقول انهم كانوا نصارى أو يهوداً، إنما أستطيع ان أشبه دعوة هؤلاء بدعوة الذين دعوا إلى عبادة الإله رب السماء "ذو سموى" أو عبادة الرحمن في اليمن، متأثرين بمبادئ التوحيد التي حملتها اليهودية والنصرانية إلى اليمن. ولكنهم لم يكونوا أنفسهم يهوداً أو نصارى، إنما هم أصحاب ديانة من ديانات التوحيد. ولا يعني قولي هذا ان الحنفاء كانوا على رأي واحد ودين واحد كالذي يفهم مثلاً من قولنا يهودي ونصراني ويهود ونصارى، بمعنى أنهم كانوا طائفة معينة تسير على شريعة ثابتة كالذي ذهب "شلرنكر" اليه إنما كان أولئك الاحناف نفراً من قبائل متفرقة لم تجمع بينهم رابطة، إنما اتفقت فكرتهم في رفض، عبادة الأصنام وفي الدعوة إلى الاصلاح. وهذا المعنى واضح في آيات القرآن الكريم التي أشارت إلى الحنفاء. والرجال الذين قال أهل الاخبار عنهم إنهم كانوا على دين، وكانوا من الاحناف، هم: قس بن ساعدة الإيادي، وزيد بن عمرو بن نفل، وأميةّ ابن أبي الصلت: وارياب بن رثاب، وسويد بن عامر المصطلقي، وأسعد ابو كرب الحميري، ووكيع بن زهير الإيادي، وعمير بن جندب الجُهني، وعدي بن زيد الجبادي، وأبو قيس صرمة بن أبي انس،وسيف بن ذي يزن، وورقة بن نوفل القرشي، وعامر بن الظرب العدواني، وعبد الطانحة بن ثعلب ابن وبرة بن قضاعة، وعلاف بن شهاب ال!تميمي، والملتمس بن أمية الكناني، وزهير بن أبي سُلمى، وخالد بن سنان العبَمْي ا، وعبد اللهء القضاعي، وعبيد ابن الابرص الاسسي، وكعب بن لؤي بن غالب وبعض هؤلاء مثل: "قس بن ساعسة الإيادي" و "عضان بن الحويرث أ و "عسي بن زيد العبادي" نصارى، وبعض منهم مثل "أسعد ابو كرب الحصري"، "ابو كرب اسعد الحميري"3 و "عبيد بن الابرص"، و"زهير ابن أبي سلمى"، مشكوك في أمرهم، لا نستطيع أن نذكر شيئاً عن دينهم. ولهذا فأنا اذكرهم هنا ذكر، مجاراة لمن أدخلهم في اهل الدين من الجاهلين. ولا أعني انهم كانوا على الحنيفية، اي على شريعة التوحيد التي ينص عليها أهل ا لاخبار.

وقد اقتصر "محمد بن حبيب" على ذكر بعض من تقدم، حين تكلم عن "أسماء الذين رفضوا عبادة الاصنام"، فذكرهم على هذا النحو: عمان ين الحويرث، وورقة بن نوفل، وزيد بن عمرو بن نفيل، وعبيد الله بن جحش ابن رئاب الاسدي. وذكر ان منهم من تنمر ومات على النصرانية، مثل: عمان بن الحويرث، وورقة بن نوفل، وعبيد الله بن.جحش بن رئاب الاسدي فأما قُس بن ساعسة الايادي، فقد رفعه الاخباريون من مصاف أسوياء البشر، ووضعوه في صف المعمرين الذين عاشوا مئين من السنين قيل سبع مئة سنة، وقيل ست مئة سنة، أو أقل من ذلك بكثير، في انه لا يقل عن ثلاث مئة سنة على كل حال.

وأما موته، فمجهول. وأما وفاته، فيكاد محصل الاتفاق على انه كان قبيل البعثة. وقد ورد في رواية ان الرسول أدركه ورآه يخطب في سوق عكاظ خطبته " الشهيرة المعروفة، غير انه لم يحفظها، وان ابا بكر، وكان من جملة من حضر السوق وسمع الخطبة، كان قد حفظها، فأعادها على الرسول. وهي الخطبة الشهيرة المتداولة بين الناس والمحفوظة في الكتب. وهناك رواية تذكر ان الرسول كان حفظها، وقد تلاها على من حضر عنده، وتلا بعضاً منها على وفد عبد القيس.

ومما يلفت النظر في الروايات الواردة عن حفظ للرسول لخطبة "قس"، هو اشارتها إلى أن النبي كان يحفظ نص الخطبة، ولم يكن يحفظ الشعر الملحق بها. مع ان حفظ الشعر أيسر من النثر. ولعل الرواة رووا ذلك لإظهار أن الرسول كان لا يقول الشعر، وانما كان يسمعه. ولكننا في هم من ناحية أخرى نرى انه كان يتلو من الشعر المناسب ما شاء ان يتلو، وانه كان يستشهد به في كلامه، وأنه كان يحفظ شيئاً من شعر الماضين والحاضرين. ولن يضير النبوة من حفظ الشعر شيئاً. والنص المحفوظ لخطبة "قس" نص مختلف لم يتفق الرواة عليه. مما يدل على أنه لم يكن مدوناً، وإنما روي بروايات مختلفة، ثم دونت فيما بعد.

وأوصل بعض الاخباريين قساً إلى القيصر، فزعموا انه ذهب البه واتصل به، وان القيصر أكرمه وعظمه. وانه سأله عن العلم قائلاً له: ما أفضل العلم ? قال: معرفة الرجل بنفسه. قال: فما أفضل العقل ? قال: وقوف المرء عند علمه. قال: فما افضل الادب ? قال: استبقاء الرجل ماء وجهه. قال: فما أفضل المروءة ? قال: قلة رغبة المرء في اخلاف وعده. قال: فما أفضل المال ? قال: ما قضى به الحق 1. وهو كلام ينبئك أسلوبه وطبعته عن أصله وفصله، وله أصل يرجع إلى الفلاسفة اليونان. ونسبوا له قبراً جعلوه في موضع "روحين" على مقربة من خلب في لحف جبل ينشر له ونجد حديث قيصر المزعوم مع "قس"، في رواية أخرى على شكل آخر. وقد أهملت هذه الرواية اسم قيصر فلم تعثر اليه، واكتفت بلفظة "قيل"، فقالت: " قيل لقس بن ساعدة: ما أفضل المعرفة قال: معرفة الرجل بنفسه. قيل له: فما أفضل العلم قال: وقوف المرء عند علمه قيل له: فما أفضل المروءة قال استبقاء الرجل ماء وجهه.

وقسُ هو مخترع أوجد للعرب أشياء عديدة على زعم أهل الأخبار، أحدث لهم أموراً كثيرة. فهو أول من آمن بالبعث من أهل الجاهلية، وأول من توكأ - عند خطبته على سيف أو عصا وأول من علا على شرف وخطب عليه، وأول من قال: "أما بعد"، وأول من كتب "إلى فلان بن فلان". وأول من قال: "البينة على من ادعى واليمين على من أنكر"، فكل ما عرفه العرب من هذه الامور، هو من صنعة قس وعمله. ثم انه كان أحد حكماء العرب، وكان أسقف في ان، وخطيب العرب كافة. وذكروا ان له ولقومه فضيلة ليست لاحد من العرب، لان الرسول روى كلامه وموقفه على جمله الاورق بعكاظ وموعظته، وعجب من حسن كلامه، وأظهر تصويبه، هوانه قال فيه: "يحشر أمة و حبر".

وجاء في رواية في تفسير قول الرسول: "يحشر أمة وحده"، أو "يرحم الله قساً، إني لأرجو ان يبعث يوم القيامة أمة واحدة "، ان وفداً من إباد قدم على النبي: فسألهم عن قس، فقالوا: هلك. فقال: رحمه الله، كأني أنظر اليه بسوق عكاظ على جمل له أورق "أحمر" وهو يتكلم بكلام عليه حلاوة ما أوجدني أحفظه. فقال رجل من القوم،.أنا أحفظه يا رسول الله. سمعته يقول: ايها الناس اسمعوا وعوا... إلى آخر الخطبة، وما جاء بعدها من شعر، فقال رسول الله عندئذ قوله المذكور فيه.

ويختلف هذا الخبر بعين الاختلاف مع خيب آخر أشرت اليه قبل قليل، فقد ورد في ذلك الخير ان رسول الله كان. يحفظ تلك الخطبة، غير أنه لم يكن يحفظ الابيات الملحقة بها، وكان "أبو بكر" يحفظها، فأعادها على مسامعه. كما يختلف عن رواية أخرى، جاء فيها ان الوفد للذي قدم على الرسول كان وفد "عبد القيس"، وأن الذي قرأ الشعر عليه هو احد بني عبد القيس ويذكر بعض أهل الاخبار، ان "الجارود"، وكان في ضمن رجال وفد "عبد القيس"، قال للرسول حين سأل عن "قس": "فداك أبي وأمي كلنا نعرفه وإني من بينهم لعالم يخيره، واقف على أمره. كان قس يا رسول الله سبطاً من أسباط العمر عمّر ستمائة سنة نج تَفر منها نفسه أعمار في البراري والقفار". ثم ة خذ في وصض وفي ذكر عقاثده، وفي لقياه د "سمعان" رأس الحواريين. وخلص بعد ذلك إلى ذكر نص خطبته بسوق عكاظ،ومطلعها: "شرق وغرب"، حتى انتهى منها، ثم ألحق بها شعراً. وهي خطبة تختلف تماماً عن الخطبة المعروفة التي تنسب اليه، وان كانت على نمطها من حيث الاسلوب والافكار، وفيها مصطلحات اسلامية ترد في القرآن للكريم. ولا استبعد ان تكون من وضع شخص اخر غير الجارود. وضعها في العصور العباسية، للحث على الزهد. والجارود من سادات عبد القيس، وكان نصرانياً، قدم على النبي سنة عشر في وفد عبد القيس الاخير، وسرّ الرسول بإسلامه، وكان حسن الإسلام صلباً على دينه، وقتل بأرض فارس في خلافة عمر، وقيل بقي إلى خلافة عمان. ولو صح ما ذكروه من انه كان أسقفاً على نجران، لوجب اخراجه افن من الحنيفية وإدخاله في عداد النصارى. ولكن ليس مؤكداً انه كان اسقفاً على ذلك الموضع، ويرى الاب "لامانس" احتمال كونه نصرانياً، لان ما نسب اليه يبعث على هذا الظن. وقد أدخل الاب "لويس شيحْؤ" قساً في جملة النصارى الجاهليين،وأورد اكثر ما نسب اليه في ترجمته غير ان كثيراً من هذا المنسوب اليه منسوب إلى غيره. وقد اشار. إلى من نهب اليهم العلماء.

وذهب "شيرنكر" إلى ان قساًَ كان من "الركولمجة"، وهم فرقة عرفهم اهل اللغة بأنهم بين النصارى والصابئين، شملت جماعة من الحائرين في امر دينهم، ولذلك عمدوا إلى السياحة والترفع والانزواء. وقد حسبهم العرب نصارى، فأدخلوهم فيهم في اثناء كلامهم على هؤلاء.

ويرى "لامانس" انه لو كان قيس شخصية تاريخية حقاً، فإن زمانه لا يمكن ان يكون في ايام الرسول أو في ايام مقاربة من ايامه. إذ لايعقل عنده ان يتكون هذا القصص الذي صير قساً شخصية من الشخصيات الخرافية، لو كان من المعاصرين أو المقاربين له. ثم إن اياداً لم تكن في ايام الرسول كتلة واحدة، حتى ينسب قس اليها. فلا بد اذن ان تكون ايام هذا الرجل بعيدة بعض البعد عن ايام الرسول.

غير ان حجج "لامانس" المذكورة لا يمكن ان تكون سنداً يؤيد ادعاءه في ان قساً كان شخصية خرافية، أو انه كان رجلاً حقاً، ولكنه كان بعيد العهدعن الرسول. فقد روى الاخباريون قصصاً كثيراً عن سلمان الفارسي وعن غير سلمان من الصحابة، لايقل نسيجاًعن نسيج قصص قس، فهل يتخذ هذا القصص حجة لانكار شخصية سلمان وغيره ممن ورد هذا القصص عنهم ? وهل يجوز ان نقول إن سلمان إن كان شخصاً حقاً فوجب ان تكون ايامه بعيدة عن ايام الرسول. ولدى الرواة أبيات ينسبونها إلى بعض الشعراء الجاهليين، هم: الاعشى، والحطيأة، ولبيد، ذكر فيها اسم قسُّ. وقد أشيد فيها بفصاحته وببلاغته وحكمته، حتى جعل لبيد لقمان دون قس في الحكم.

وورد اسم "قس" في هذا الشعر وفي أمثاله إن صح انه من شعر الجاهليين حقاً، وورود اسمه في الحديث وفي الاخبار، هو تعبير عن رأي اهل الجاهلية في خطيب مفوه عد" في نظرهم المثل الاعلى في الخطابة وممثل البلاغة عندهم فهو كشيوخ الخطباء عند اللاتين.

وجميع هذا القصص المروي عن قس، هو من النوع الذي يحتاج إلى تمحيص. وقد نسبوا اليه شعراً،. زعموا انه قاله وهو يبكي بين قبرين بنى بينهما مسجداً، هما قبرا أخويه، على حين ان أكثر الرواة يقولون إن هذا الشعر لغيره، وان قصة القبرين لا تخص قساً،بل تخص أناساً آخرين، وقد كانا في ايران وأصحابهما قبرا فيهما في الإسلام. ورواة هذا الخبر، هم رواة خطبة قس الشهيرة، وهم محمد بن السائب الكلبي عن ابي صالح ابن عباس وجماعة آخرون آشار "ابن حجر" إلى بعضهم في كتابه: "الإصابة في تمييز الصحابة"، وقد ضعف ابن حجر هذه الطرق، فقال: "وقد أفرد بعض الرواة طريق حديث قس، وفيه شعره وخطبته"، وهو في الطوالات للطبراني وغيرها. وطرقه كلها ضعيفة". ثم عرج بعد ذلك إلى ذكر بعض الطرق التي وردت فيها خطبة قس.

واما "زيد بن عمرو بن نفُيل بن عبد العزى بن رياح بن عبدالله بن قرط ابن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر"، فهو من قريش من بني عدي، لم تعجبه عبادة قومه، فانتقدها وسخفها وهزىء منها ووقف فلم يدخل في يهودية ولا نصرانية، وفارق دين قومه، فاعتزل الاوثان، ونهى عن قتل الموؤودة، وامتنع من الذبح للانساب ومن أكل الميتة والدم وما ذبح للاصنام. فكان في آرائه هذه مثل نفر آخر من قريش، منهم: ورقة بن نوفل وعثمان بن الحويرث وعبيدالله بن جحش، لاموا قومهم على عبادتهم الاصنام، واتخاذ الانصاب وعبادة ما لايضر ولا ينفع. وهم طائفة من المفكرين، رأى بعضهم بلاد الشام، واتصل ببعضى المبشرين النصارى، ووقف على التطورات الفكرية في الخارج، ولعله كان يقرأ ويكتب، وله اطلاع على مؤلفات في الفلسفة والدين. وترجع احدى الروايات سبب خروج "زيد" على عبادة قومه، انه حضر يوماً وحضر معه في ذلك اليوم "ورقة بن نوفل"، و "عبدالله بن جحش" و "عثمان بن الحويرث"، عيداً من أعياد قريش، عند صنم من أصنامهم، كانوا يعظمونه، ويعكفون عنده، أو يديرون به، وكان ذلك عيدا لهم في كل سنة يوماً، وكانوا ينحرون له، فلما خلد بعضهم إلى بعض وتصادقوا، قالوا ليكتم بعضكم على بعض، واتفقوا على ذلك، ثم قال قائلهم: تعلمون والله ما قولكم على شيء، لقد أخطأوا دين ابراهيم وخالفوه. ما وثن يعبد? لا يضر ولا ينفع فابتغوا لأنفسكم فانكم والله ما أنتم على شيء. فخرجوا يطلبون ويسيرون في الارض يلتمسون اهل الكتاب" وقد زار زيد الشام والبلقاء، وعاش إلى خمس سنين قبل البعث، فهو من أولئك الرهط الثائربن على قومهم، والذين أدركوا أيام الرسول. وقد نسبوا اليه شعراً في تسفيه عبادة قومه، وفي فراقه دينهم وما لقيه منهم. وكان قد أوذي لمقالته هذه في دين قومه، حتى اكره على ترك مكة والنزول ب "حراء"، وكان "الخطاب بن نفيل" عمه، وقد وكل به شباباً من شباب قريش وسفهاء من سفائهم كلفهم ألاّ يسمحوا له بدخول البلدة وبمنعه من الإتصال باهلها، مخافة ان يفسد عليهم دينهم وان يتابعه احد منهم على فراق ما هم عليه.واضطر زيد إلى المعيشة في هذا المحل، معتزلاً قومه، إلا فترات، كان يهرب خلالها سراً، ليذهب إلى موطنه ومسكنه، فكانوا اذا أحسوا بوجوده هناك، آلموه وآذوه.

وورد في رواية، يرجع رواتها سندها إلى "هشام بن سعيد بن زيد بن عمرو ابن نفيل"، اي إلى حفيد "زيد"، تذكر أن "زيد" خرج مع" ورقة ابن نوفل" يلتمسان الدين، حتى انتهيا إلى راهب بالموصل، فساله عن الدين، فلم يقتنع بالنصرانية، اما "ورقة"، فاقتنع بها وتنصر. وتذكر رواية أخرى ان "زيد بن عمرو" خرج إلى الشام ومعه: "ورقة بن نوفل"، و "عثمان ابن الحويرث"، و "عبيد الله بن جحش". ويذكر الرواة أن زيد كان نديماً لورقة بن نوفل، فمات ورقة، وخرج زيد إلى الشام، فقتله لخم وجذام. ويذكر أهل الاخبار ان حرصه على الحنيفية وتمسكه الشدبد بها، حمله على السفر إلى بلاد شاسعة بحثاً عنها وعن مبادئها الصحيحة، مبادىً ابراهيم الاصيلة الخالية من كل درن وشائبة. فذهب إلى الموصل والجزيرة، ثم طاف في بلاد الشام حتى انتهى إلى راهب ب "ميفعة" "ببيعة"من أرض البلقّاء أو "أيلة"، فسأله عما قدم من أجله، فأرشده إلى ان ما يبتغيه ويراه لا يجده في النصرانية، فغادره وتركه، وعاد يريد مكة موطنه. فلما توسط بلاد لخم أو جذام، عدوا عليه وقتلوه. وقالوا أيضاً انه التقى في اثناء أسفاره هذه بأحبار اليهود وبعلماء من النصارى، ولكنه لم يجد عندهم ما يطمئن نفسه، وما يرى فيه التوحيد الخالص، ومبادىء ابراهيم، لذلك لم يدخل في ديانة ما من تلك الديانتين، حتى قتل.

وتذكر رواية من الروايات، أن "زيد بن عمرو بن نفيل" مات بالسم في بلاد الشام، سمّه بعض ملوك غسان. وتجعل رواية أخرى مقتله بمكان يقال له "ميفعة" من أرض البلقاء بالشأم، وتذكران قتلته هم من بني لخم. وتذكر رواية ان "ورقة ين نوفل"، لما سمع بخبر وفاته بكاه في شعر له. وهناك روايات أخرى تفيد رجوع زيد إلى قومه بعد عودته من الشام،ووفاته وفاة طبيعية لا قتلا بيد إنسان." توفي وقريش تبني الكعبة قبل ان ينزل الوحي على رسول الله بخمس سنين"، ودفن بأصل حراء.

وفي رواية تظهر عليها سيماء الصنعة، أن الذي أرشد "زيد بن عمرو" إلى الحنيفية، حبر التقى به في بلاد الشام، وعالم نصراني، وذلك أنه كان قد ساًلهما عن دين صحيح قويم، فأرشداه إلى الحنيفية دين ابراهيم. فدخل فيها وصار يرفع يديه إلى الله ويقول: اللهم إني أشهدك اننى على دين ابراهيم. ونجد في هذه الرواية أسئلة وجهها "زيد" إلى الحبر في البحث عن الله وعن دينه الحق، وأجوبة الحبر عليها. كما نجد أسئلة أخرى ذكر أنه وجهها إلى العالم النصراني، وفي أجوبة ذلك العالم عليها. وكيف أنهما دلاه على الحنيفية.

وذكر "ابن حبيب" ان زيداً "أول من عاب على قريش ما هم عليه من عبادة الأوثان". وقال عنه "ابن دريد"، و كان قد "ترك دين العرب في الجاهلية وقلاه". وقصد ب "دين العرب" الوثنية ولا شك. وزعم انه "كان يحيي الموؤودة. يقول للرجل اذا أراد ان يقتل ابنته مهلاً: لا تقتلها أنا أكفيك مؤونتها، فيأخذها، فإذا ترعرعت قال لأبيها إن شئت دفعتها اليك، وإن شئت كفيتك مؤونتها". وقيل انه كان يقول: "اللهم لو أعلم أي الوجوه أحب اليك سجدت اليه.ولكني لا أعلمه. ثم يسجد على راحته". وانه كان "يقول: إلهي إلهَ ابراهيم، وديني دين ابراهيم. وكان يعيب على قريش ذبائحهم ويقول: الشاة خلقها الله وأنزل لها من السماء ماء وأنبت لها من الأرض، ثم تذبحونها على غير اسم الله تعالى ! انكاراً لذلك واعظاماً له".

أو "يا معشر قريش: أيرسل الله قطر السماء، وينبت بقل الأرض، ويخلق السائمة فترعى فيه، وتذبحوها لغيره ! والله ما أعلم على ظهر الأرض أحداً على دين ابراهيم غيري". ويستقبل القبلة ثم يقول: أنفي لرب البيت عانٍ راغم  مهما يُجشّمني فإني جاشم

عذت بما عاذ به ابراهـيم  مستقبل القبلة وهو قـائم

وروى ان أسماء بنت أبي بكر "قالت: لقد رأيت زيد بن عمرو بن نفيل مسنداً ظهره إلى الكعبة يقول: يا معشر قريش والذي نفس زيد بيده ما أصبح أحد منكم على دين ابراهيم غيري. ثم يقول: اللهم اني لو أعلم أحب الوجوه اليك عبدتك به. ولكني لا أعلم. ثم يسجد على راحته"ثم يصلي إلى الكعبة ويقول: إلى إلَه ابراهيم، وديني دين ابراهيم.

وذكر "ابن دريد" أن "زيد بن عمرو بن نفيل"، أدرك أيام الرسول، ثم قال: "وكان النبي عليه الصلاة والسلام قبل الوحي قد حبب اليه الانفراد، فكان يخلو في شعاب مكة، قال: فرأيت زيد بن عمرو بن نفيل في بعضى المشاعب، وكان قد تفرّد أيضاً، فجلست اليه وقربت اليه طعاماً فيه لحم، فقال لي يا ابن أخي اني لا آكل من هذه الذبائح".

وذكر "ابن دريد"، ان زيد بن عمرو قال شعراً في تجنبه الأصنام، هو: فلا عُزى أدين ولا ابنتـيهـا  ولا صنمي بني عمرو أزور

أربّـاً واحـداً أم ألـف ربّ  أدين اذا تقسمـت الأمـور.

ويفهم من هذا الشعر ان "عزى"، إلهة، أي انثى، وان لها ابنتين اثنتين، ولم يشر "ابن دريد" إلى اسميهما.

وقد صيغت الرواية المتقدمة التي تشير إلى التقاء الرسول بزيد في شكل آخر. صيغت بهذه الصورة: "أتى زيد بن عمرو بن نفيل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه زيد بن حارثة، وهما يأكلان من سُفرة لهما، فدعواه لطعامهما، فقال زيد بن عمرو:يا ابن أخي: أنا لا آكل مما ذبح على النصب". وورد خبر التقاء "زيد" مع رسول الله في رواية اخرى. يرجع رواتها سندها إلى "زيد بن حارثة". يذكرون أنه قال: خرجت مع رسول اللّه في يوم حار من أيام مكة، وهو مردفي، فلقينا زيد بن عمرو بن نفيل، فحيا كل منا صاحبه. فقال النبي: يا زيد مالي أرى قومك قد شنقوك ? فأجابه زيد، باًنه لا يهتم بذلك، وأنه خرج يبتغي دين الله، حتى قدم على أحبار خيبر، فوجدهم يعبدون الله ويشركون به. ثم سأل أحد الأحبار، وهو شيخ منهم عن الدين الذي يبتغيه،فقال له: ما نعلم احد يعبد الله به إلا شيخاً بالحيرة، فخرج اليه. فلما كلمه قال له: إن الذي تطلب قد ظهر ببلادك قد بعث نبىّ، قد طلع نجمه. فعاد إلى مكة. ولو صح هذا الخير لوجب أن يكون زيد قد أدرك مبعث الرسول. ولكن أهل الأخبار مجمعون على أنه توفي قبل المبعث. وان الرسول نفسه قال عنه: يبعث يوم القيامة أمة واحدة، وعلى الخبر سيماء الصنعة والتزويق.

وروي عنه ان قومه كانوا اذا دعوه إلى وليمة، كان ياًبى ان يأكل منها قائلاَ: "اني لست آكل مما تذبحون على انصابكم ولا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه". وهكذا كان يقاطع أكل لحوم الحيوانات التي تذبح للاصنام، ويشاركه في الامتناع عن أكل لحوم هذه للذبائح الأحناف الآخرون، فقد روي ان ورقة بن نوفل كان لا يأكل من لحوم هذه الذبائح ايضاً للسبب المذكور. ويذكر اهل الأخبار ان "زيد بن عمرو بن نفيل" كان اذا خلص إلى البيت استقبله ثم قال: لبيك حقاً حقاً، تعبداً ورقاً، البر أرجو لا الخال، وهل مهجر لمن قال. ثم يقول: عذت بما عاذ به ابراهيم  مستقبل الكعبة وهو قائم.

أو "لبيك حقاً، تعبداً ورقاً، عذت بما عاد به ابراهيم".

وذكر انه كان يأمر بالتوحيد وبعبادة إلهَ واحد. من ذلك قوله: لا تعبدنّ إلهاً غير خالقكـم  وإن دعيتم فقولوا دونه حدد

وزُ عم انه كان يراقب الشمس، فإذا زالت استقبل الكعبة، فصلى وسجد سجدتين، ثم يقول: هذه قبلة ابراهيم واسماعيل لا اعبد حجراً ولا اصليّ له و لا آكل ما ذبح له، ولا أستقسم بالأزلام، وانما أصليّ لهذا البيت حتى أموت. وكان يحج فيقف بعرفة، وكان يلبي، فيقول: لبيك لا شريك لك، ولا ندّ لك. ثم يدفع من عرفة ماشياً، وهو يقول: لبيك متعبداً مرقوقاً.

ويروي أهل الأخبار أقوالاً اخرى لزيد، كما رووا له أشعاراً زعموا أنه قالها، وهي في هذه الأمور التي ينسبونها إلى الأحناف من ذكر لديانة ابراهيم وللتوحيد ومن ذمّ إلى الأصنام ومن اصلاح لحال مجتمع ذلك اليوم. كما رووا له أبياتاً من شعر زعموا أنه نظمه يعاتب فيه زوجته "صفية بنت الحضرمي"، لأنها كانت تمانع في خروجه عن مكة وفي سفره إلى الخارج التماساً لهذا الدين. وتفيد رواية من روايات اهل الأخبلر بأن "زيد بن عمرو بن نفيل"، كان في جملة من اشترك في "حرب الفجار"، تقول إنه كان على رأس "بني عدي" وذلك في يوم شمطة.

وروي أن رسول الله سئل عن "زيد بن عمرو"، فقال: "يبعث أمة وحده يوم القيامة". بل روي أنه ترحم عليه، وأنه قال: "رأيته في الجنة يسحب ذيولأ"

وينسب اهل الأخبار لزيد شعراً،هومن هذا الشعر الذي ينسبونه إلى الأحناف، في الطابع الديني، من بحث عن توحيد، وحث على عبادة إلهَ واحد، واقرار بحساب وكتاب. وأمثال ذلك. وقد نسب بعض منه إلى "أمية بن أبي الصلت"، ونسب بعض منه إلى شعراء آخرين. كما ان الرواة يروون هذا الشعر بقراءات مختلفة.

ومن ولد زيد رجل كان له سبق وقدم في الإسلام، هو سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل. كان من السابقين الأولين ومن المهاجرين،شهد المشاهد والأحداث المهمة، إلا بدراً، فإنه لم يكن حاضراً بالمدينة إذ ذاك. وهو أحد العشرة المبشرة. ذكر انه أسلم قبل دخول رسول الله دار الأرقم. ولا بد ان يكون لرأي والده في دين قومه وما أبداه من ثورة صريحة جامحة على عقائدهم أثر في نشوء هذا الابن وفي اقدامه مع السابقين على الدخول في الإسلام، بعد ان كان والده قد سبق إسلامه برحيله إلى الاخرة بسنين. وأمه "فاطمة بنت بعجة بن أمية بن خويلد بن خالد بن اليعمر" من خزاعة. ولسعيد أخت اسمها عاتكة بنت زيد.

وذكر "ابن هشام" ان زيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل، وعبيد الله بن جحش، وعثمان بن الحويرث، اتفقوا في الرأي والعقيدة، وتعاهدوا على نبذ عبادة قومهم وم ما كانوا عليه من ضلال، وتصادقوا، وكوّنوا عصبة خرجت على عبادة قريش، فلم يشتركوا معهم في أعيادهم،ولم يشاركوهم في عبادتهم، وظلوا حتى ماتوا عن عبادة قومهم صابئين.

أما عبيد الله بن جحش بن رئاب بن أسد بن عبد العزى بن قصي، فقد بقي مرتاباً في دين قومه، بعيداً عنهم وعن عبادتهم، حتى اذا ظهر الإسلام دخل فيه، ثم هاجر مع من هاجر إلى الحبشة، ومعه امرأته أم حبيية بنت أبي سفيان، وكانت مسلمة كذلك. فلما صار في الحبشة، فارق الإسلام وتنصر، وهلك هناك.

وأما عثمان بن الحويرث، فقد بقي مغاضباً قومه في دينهم، ثم رأى الذهاب إلى الروم، فذهب اليهم، وتقرب إلى قيصر، وحسنت منزلته عنده ومنحه لقب "بطريق"، وأراد تنصيبه ملكاً على مكة، ولكن قومه أبوا ذلك، فلم يتمّ له مراده، ومات بالشأم مسمومأَ، سمهّ عمرو بن جفنة الغساني.

وذكر "الزبيري"، أن والدة "عثمان بن الحويرث"، هي تماضر بنت عمير بن أهيب بن حذافة بن جمح". وأنه خرج إلى "قيصر فسأله أن يملكه على قريش، وقال: أحملهم على دينك، فيدخلون في طاعتك، ففعل. وكتب له عهداً وختمه بالذهب، فهابت قريش قيصر، وهموا ان يدينوا له، ثم قام الأسود بن المطلب أبو زمعة، فصاح، والناس في الطواف: إن قريش لقاح، لا تملك ولا تملك. فاتسعت قريش على كلامه، ومنعوا عثمان مما جاء له، فمات عند ابن جفنة، فاتهمت بنو أسد ابن جفنة بقتله". وَكان ابن جفنة حبس أبا ذئب عنده، وأبا أحيحة بسبب عثمان بن الحويرث. ويقصدون بابن جفنة: عمرو بن جفنة الغساني.

وتذكر احدى الروايات، ان وفاة "عثمان بن الحويرث " كانت بالشأم وقد مات عند قيصر، وكانت وفاته قبل المبعث بثلاثين سنة، رثاه "زيد بن عمرو بن نفيل"، وورقة بن نوفل.

ويعد "عثمان بن الحويرث" من أشراف "بني أسد" من قريش. وقد كان مع "خويلد بن أسد" على رأس "بني أسد" في "حرب الفجار".

وكان ينادمه "شيبة بن ربيعة بن عبد شمس". وقد تنصرا جميعأ، وقتل شيبة يوم بدر كافرأَ.

وأما "أمية بن أبي الصلت"، فهو أحسن الحنفاء حظاً في بقاء الذكر، بقي كثيراً من شعره، وربما وضع كثير منه على لسانه، وحفظ قسط لا باًس به من أخباره. وسبب ذلك بقاؤه إلى ما بعد البعث، واتصاله بتأريخ النبوة والاسلام اتصالاً مباشراً وملاءمة شعره بوجه عام لروح الإسلام. لم يكن مسلماً ولم يرض أن يدخل في الإسلام لأنه كان ياًمل ان تكون النبوة فيه، وأن ينزل الوحي عليه، فيكون نبي العرب والعالم أجمعين. فلما رأى النبوة في الرسول، حسده، وأثار المشركين عليه، ورثى قتلاهم في معركة بدر، وحرض قريشاً عليه، حتى مات على حسده وعناده سنة تسع للهجرة بالطائف قبل أن يسلم قومه الثقفيون. لم يمت مسلماً، ولم يمت على دين الوثنيين من قومه: بل مات كافراً با لديانتين.

وقد جاء في بعض الروايات، ان وفاة "أمية"، كانت في السنة الثانية من الهجرة. وورد في روايات أخرى أنه توفي سنة تسع للهجرة، كافراً قبل أن يسلم الثقفيون.

ورثاؤه قتلى معركة بدر، محفوظ في قصيدة حائية. مطلعها:

الاّ بكيت عـلـى الـكـرا  م بني الكرام أولى الممادح

كبكا الحمـام عـلـى فـرو  ع الأيك في الغصن الصوادح

وهي قصيدة يتوجع فيها أمية لسقوط قتلى المشركين، ودفنهم بالقليب، وفيهم "عتبة" و "شيبة" ابنا "ربيعة بن عبد شمس"، وهما ابنا خالة أمية. وقد ذكر بعض الرواة ان الذي حمله على قول هذا الشعر، هو انه لما وصل إلى القليب موضع مدفن قتلى قريش في بدر، وكان ذاهباً إلى المدينة يريد الدخول في الإسلام، قال له بعض من كان معه من غلاظ الأكباد من المشركين: هل تدري ما في هذا القليب ? قال: لا. قيل: فيه شيبة وربيعة وفلان وفلان. فجدع انف ناقته، وشق ثوبه، ويكى، وعاد إلى الطائف.

وذكر ان أمية نال في بيتين من هذه القصيدة من أصحاب رسول الله، ولذلك أهملهما "ابن هشام" صاحب السيرة. وذكر أيضأَ ان النبي نهى عن روايتها. ولكن الرواة رووها وحفظوها ودوّنوها في الكتب، فكيف تجرؤوا على حفظها وتدوينها لو صح ان النبي نهى عن روايتها على نحو ما يزعمه أهل الأخبار.

وأميةّ مثل سائر المتألهين الآخرين من طبقة الحنفاء، سافر إلى الشام، واتصل بأهلها، وأوى إلى الأديرة ورجال الدين يسأل منهم ما يهمه من مشكلات دينية وعما كان يجول في خاطره من عبادة قومه وحقيقة العالم. وكان تاجراً، يذهب مع التجار في قوافلهم إلى تلك الديار التي كَانت في أيدي الروم. ثم إنه كان على ما يظهر من الروايات التي وردت في ترجمته وسيرته قارئاً كاتباً، قرأ الكتب، ووقف عليها. ومنها ومن اتصاله برجال الدين وبأهل الكتاب تكونت عنده فكرته عن الدين،وشكّه في عبادة قومه وفيما كانوا عليه من عقائد وعبادات. وقد بدا هذا التأثر في الكلمات والمصطلحات الأعجمية والغريبة المستعملة في شعره وفي الأمثلة والقصص المنتزع من الكتابين: للعهد القديم والعهد الجديد ومن موارد أخرى عديدة من الموارد الشائعة المستعملة عند أهل الكتاب.

وقد ورد في بعض الأخبار ان امية سافر مرة مع أبي سفيان والد معاوية في تجارة إلى بلاد الشام، فكان كلما نزل منزلاً أخذ فيه سفراً له يقرأه على من معه، كما كان يزور علماء النصارى ويتباحث معهم، وكان يلبس ثوبين أسودين حينما يقابلهم. ولم تذكر الرواية شيئاً عن السفر أو الأسفار التي كان يقرأ منها أمية ويشرحها لمن معه من التجار. وتذكر رواية أخرى انه كان قد بلغ مع "أبي سفيان" غزة أو "ايلياء".

ولأمية في هذا اليوم ديوان ضم أكثر ما نسب اليه من شعر. كما ان في بطون كتب الأدب والأخبار أشعاراً أخرى لم يرد لها ذكر في هذا الديوان. ومعظم شعره هو عن الدين والاخرة وعن الجنة والنار والحساب والكتاب، وقد تضمن إشارات إلى حوادث وقعت في ايامه، أو في ايام قرببة من ايامه مثل قصة الفيل، كما تضمن بعض قصص الأنبياء، ولتعرض شعره إلى هذه النواحي نعت بشاعر الآخرة.

ومما ذكره الأخباريون ورواة شعر أمية من أمثلة على استعماله للكلم الغريب، انه استعمل. "الساهور" للقمر، وهي كلمة لا تعرفها العرب، وانه ذكر، "السلطيط"، اسماً لله تعالى. وانه أطلق كلمة "التغرور" على الله تعالى في موضع آخر من شعره، وانه سمى السماء "صاقورة" و "حاقورة" وانه استعمل أشياء أخرى من هذا القبيل. ولولعه هذا باستعمال الغريب، رفض علماء اللغة الاحتجاج بشعره.

والساهور، كلمة آرامية الأصل من أصل "سهرو" Sahro، بمعنى القمر، أي تماماً بالمعنى الوارد في شعر أمية.

وهذا الشعر المنسوب إلى أمية وغريبه خاصة مادة مهمة جداً تجب دراستها بعناية، لمعرفة مبلغ صحة ما جاء في أخبار الرواة عن هذه الكلمات وعن أصولها ومواردها الأولى، إن صح انها من أشعار تلك الأيام حقاً، إذ ترشدنا أمثال هذه الدراسات إلى معرفة المنابع التيّ استقى منها هذا الشاعر علمه وإلهامه ومدى تأثره وتأثر أمثاله من الجاهليين بالآراء والتيارات الفكرية التي كانت في مكة وفي خارج جزيرة العرب قبيل الإسلام.

وقد روى الأخباريون قصصاً عن التقاء أمية بالرهبان، وعن توسمهم معالم النبوة فيه، فكانوا يسألونه أسئلة تستخرج من أجوبتها في نظرهم معالم النبوة.

فلما كانوا يقفون على الأجوبة، يقولون له: كادت النبوة تكون فيه، لولا بعض النقص في علاماتها عنده"، كما رووا قصصاً عن شق طيرين لقلب هذا الشاعر، لتنظيفه، وتهيئة النبوة فيه. ولكنهما عندما وقفا عليه لم يجدا أن النبوة خلقت له.

وقد حاكى أهل الأخبار في قصصهم هذا ما رواه رجال السير عن علامات النبوة عند الرسول. كذلك رووا أنه كان يتفرس في لغات الحيوانات، فيعرف ما تقوله وما تريده ويقصه على الناس وانه كان يسخر الجنّ، وكانت تطيعه، وأنه تنبأ بموته حينما نعب عليه الغراب. فجعلوه بأخبارهم هذه في مرتبة تضاهي سلمان في علمه بمنطق الطير وبقية الحيواناتْ. وذكر "ابن دريد": "كان بعض العلماء يقول له لولآ النبي صلى الله عليه وسلم، لادعت ثقيف أن أمية نبي،لأنه قد دارس النصارى وقرأ معهم، ودارس اليهود وكلّ الكتب قرأ".

وتشبه قصة تنظيف الطيرين لقلب أمية، وهي القصة التي أشرت اليها قبل قليل، خبر "حليمة السعدية" مرضعة الرسول لصدر النبي. ورواة قصة شق صدر أمية وتنظيف قلبه هم من أهل الطائف، ويرجعون سند قصتهم إلى أخت أمية المسماة "الفارعة"، "وكانت ذات لُبّ وعقل وجمال، وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم بها معجباً"، وقد وفدت عليه، فلما سألها عن شعر أخيها كما يقول الرواة، قصت عليه قصة الطيرين، كما قصت عليه قصة وفاته " فقال رسول الله: "ان مثل أخيك كمثل الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها له".

ويشير القصص الوارد عن التقاء "أمية" بالأحبار وبالرهبان وباتصاله بهم، إلى أن امية كان يرجو انً يكون نبياً، وأنه كان يعتقد بقرب ظهور نبي وتامله أن يكون هو ذلك النبي المرتجى: ألا نبيّ مـنـا فـيخـبـرنـا  ما بعد غايتنا من رأس مجرانا

وقد كسف وتألم كثيرأَ وأكل الحسد قلبه، حين فلت ا الأمر منه، اذ سمع بإعلان الرسول رسالته، ودعوة الناس. إلى دين الله، الذي كان أمية نفسه يدعو اليه. وقد ورد أنه لما سمع بنبوة الرسوكل قال: "إنما كنت أرجو ان اكونه".

ويروي أهل الأخبار أن امية كان قد مات وهو معتقد بأن الحنيفية حق إذ رووا أنه قال في مرض موته، "قد دنا أجلي، وهذه المرضة فيها منيتي وأنا أعلم ان الحنيفية حق، ولكن الشك يداخلني في محمد. وقال: لا برىء فأعتذر ولا قوي فانتصر له".

وفي جملة ما رووه عنه، انه عرف مجيء يومه من نعيب غراب، نعب على مقربة منه. فحدث القوم بما سمعه من الغراب، وكان يعرف منطقه، وقال لهم انه سيموت وذكر علامة ذلك، فكان ان مات على نحو ما قال القوم. وذكر أيضاً انه لما كان على فراش الموت محتضراً أفاق عدة مرات، وكان يتلو في كَل مرة: "لبيكما لبيكما، ها أنذا لديكما"، ثم يتلو هذا الكلام بكلام آخر فيه توسل وتضرع إلى الإلَه، إلى ان أفاق للمرة الأخيرة، فقال شعراً بين فيه ان الموت أمر لا بد منه، وانه هالك في هذه المرة لا محالة، ثم هلك، دون ان يؤمن بالرسول.

وهذا القصص الوارد عن أمية، هو - بالطبع - من القصص المصنوع الموضوع، مثل كثير من أخباره وأخبار غيره، قص على ذوي القلوب الطيبة من الرواة والأخبارين، فأخذوه ونقلوه كما نقلوا ما شاء الله من الاسرائيليات والأساطير، وروي على انه مما كان يعلمه الأحبار والرهبان والخاصة من أهل الكتاب.

ولا أستبعد ان يكون هذا القصص قد ظهر في ايام الحجاج عصبية وتقرباً اليه، فقد كان الحجاج من ثقيف، وكان أمية من ثقيف كذلك. وقد أنتج الوضاعون في ايامه شيئاً كثيراً من الأخبار في قبيلة ثقيف، كما أنتجوا شيئاً في ذمها وفي ذم رجالها نكاية به.

وقد يكون في قول "الحجاج" حين سئل عن شعر أمية، شيء من التوجع والتألم أو المبالغة في تقديره حين قال: "ذهب قوم يعرفون شعر امية، وكذلك اندراسُ الكلام". وقد يكون كلام الحجاج غير ذلك، لو كان أمية من قبيلة أخرى.

ونحن نستطيع ادخال قول من قال عن "أمية" "قيل انه كان نبياً" في جملة هذه الدعاوى التي وضعت في هذا العهد، للرفع من شأن "ثقيف" ومن الرد على المتهجمين عليها الطاعنين حتى في نسبها الذين جعلوا "ثقبفاً" من بقية "ثمود"، وأيدوا قولهم هذا بحديث زعموا ان الرسول قاله: "ثقيف من ثمود"، وجعلوه من عبد لأبي رغال، وابو رغال نفسه الذي نسب عبده اليه، أي جد ثقيف، هو في نظر العرب وقريش خاصة سبة.

ويذكرون عنه انه بعد ان صبأ عن قومه وتحنف، لبس المسوح على زي المترهبين الزاهدين في هذه الدنيا، ورافق الكتب ونظر فيها، ليستلهم منها العلم والحكمة والرأي الصحيح، ثم حرّم الخمر على نفسه مثل بقية المتاًلهين، وتجنب الأصنام، وصام، والتمس الدين، وذكر ابراهيم واسماعيل، وانه كان أول من أشاع بين قريش افتتاح الكتب والمعاهدات والمراسلات بجملة: "باسملك اللهم"، وهي الجملة التي نسخت في الإسلام بجملة: "بسم الله الرحمن الرحيم". ويذكر أهل الأخبار ان امية أخذ جملة: "باسمك اللهم" من شيخ كان منطوياً على نفسه في برية نائية، وذلك حينما ألح عليه قوم كانوا معه من قريش في عير لهم، كانت قد نفرت، بأن يجد طريقة لطرد حيّة كانت تظهر بين ابلهم فتنفرها، فذهب إلى ذلك الشيخ واستشاره في طريقة تبعد عنهم أذى تلك الحية، فأشار عليه باستعمال تلك الجملة، فهربت الحية ونفرت منهم، وقد كان سبب ظهور تلك الحية كما يذكر أهل الأخبار، هو أن رجلا من القوم هو: "حرب بن أمية بن عبد شمس"كان قد قتل حيةّ فقررت زميلتها الانتقام من قتلتها، فقتلته الجن انتقاماً منه بثأر تلك الحية. وهربت الجن عند سماعها تلك الجملة. وإليه أشير كما يقول أهل الأخبار بقولهم: وقبر حرب بمكان قـفـر  وليس قرب قبر حرب قبر

فحرب هذا المذكور في هذا البيت، هو حرب بن أمية، وأما الشيخ فكان رجلاً من الجن.

ويُذكر أنه لم يكن يرتضي من الأديان غبر دين الحنيفية ديناً. وأنه قال ذلك في شعر له: كل دين يوم القيامة عند الله  ، إلاً دين الحنيفـية، زور

وأنه كان يعظم الله في شعره ويكبره ويحمده، ويرى أنه إلهَ واحد لا شريك له، وأن من يشرك به أحداً فقد ظلم نفسه: الحمدلله لاشـريك لـه  من لم يقلها فنفسه ظلما

وهناك من يروي أن "النابغة الحعدي"،كان يدعي أن هذا البيت وما بعده هو من نظمه. قال ذلك أمام "الحسن بن على بن أبي طالب".

ويروى ان النبي كان يسمع شعر أمية، وان "الشريد بن سويد" "الشريد ابن عمرو" الثقفي، كان ينشد له شيئاً منه، في اثناء أحد أسفاره، فكان كلما أنشد له شيئاً منه، طلب منه المزيد، حتى اذا ما أنشده مئة بيت، قال النبي له: كاد ليسلم، أو كاد ليسلم في شعره. وذكر ان الرسول قال في حديث له عنه: آمن شعره وكفر قلبه، أو آمن لسانه وكفر قلبه. وانه لما سمع شعره في الدين والحنيفية ومطلعه: الحمد لله ممسانا ومصبحنا  بالخيرصبحنا ربي ومسّانا

قال: "إن كاد أمية ليسلم".

وروي عن "ابن عباس"، ان الرسول لما سمع شعر " امية ": زحل وثور تحت رجل يمينـه  والنسر للاخرى وليث مرصد

قال: صدق أمية.

وفي رواية أنه: "كان قد قرأ الكتب القديمة، وعلم أن الله تعالى مرسل رسولأ، فرجا أن يكون هو ذلك الرسول، فآتفق أن خرج إلى البحرين، وتنباً رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاقام هناك ثماني سنين. ثم قدم، فلقي رسول الله صلى اللهعليه وسلم ، في جماعة من أصحابة، فدعاه إلى الإسلام، وقرأ عليه سورة يس، حتى اذا فرغ منها، وثب أمية يجر رجليه، فتبعته قريش تقول: ما تقول يا امية ? فقال: أشهد انه على الحق. قالوا: هل نتبعه ? قال: حتى انظر في امره. فخرج إلى الشام، وقدم بعد وقعة بدر يريد أن يسلم، فلما أخبر بها، ترك الإسلام. وقال: لو كان نبياً ما قتل ذوي قرابته فذهب إلى الطائف ومات".

وفي هذه الرواية المنسوبة إلى الزهري، عن سماع أمية بن أبي الصلت بنبوة النبي وهو في البحرين، ثم مجيئه إلى مكة والتقائه بالرسول ومحاجته له في ظل الكعبة، ثم انكسافه وتراجعه وذهابه إلى الشام، ثم عودته منها، تكلف ظاهر، وفي تفاصيلها ما يناقض بعضه بعضاً.

وورد في رواية أخرى، ان اًمية بن أبي الصلت قدم المدينة فقال للنبي: ما هذا الذي جئت به ? فقال الرسول: الحنيفية دين ابراهيم. قال: فانا عليها. فقال غليه الصلاة والسلام لست عليها ولكنك أدخلت فيها ما ليس منها. فقال: أمات الله تعالى الكاذب منا طريداً وحيداً، ثم خرج إلى الشام، وأرسل إلى المنافقين أن استعدوا للسلاح. ثم أتى قيصر، وطلب منه جنداً، ليخرج النبي من المدينة، فمات بالشام طريداً وحيدأَ. وهي قصة ينسب وقوعها إلى "أبي عامر" الراهب، كما سبق أن تحدثت عن ذلك.

وتخالف هذه الرواية الروايات المالوفة الواردة الينا عن وفاة "أمية" بالطائف. وتزعم احدى الروايات، ان أمية كان قد أخذ ابنتيه وهرب بهما إلى أقصى اليمن، وذلك حين بعث النبي. ثم عاد إلى الطائف، فبينما هو يشرب مع اخوان له في قصر بالطائف، إذ سقط غراب على شرفة في القصر فنعب، وأدرك أمية انه ميت، لأنه عرف منطق الغراب، وحدّث القوم بذلك في قصة مفصلة تجدها في الكتب ثم مات. وقصة الشرب هذه تناقض ما يذكر عنه أهل الأخبار من انه كان لا يقترب من الخمر، ومن انه كان قد حرمها على نفسه، شأنه في ذلك شأن بقية الأحناف. كذلك يناقض خبر تحربمه الخمر على نفسه،خبر آخر، خلاصته انه كان يشرب يوماً مع عبدالله بن جدعان، فأخذ الشراب برأس "ابن جدعان"، وأصاب عين أمية، فلما كان اليوم الثاني وجلس أيضاً للشرب معه، سأل "عبدالله" أمية عن سبب الألم البادي على عينه، فلما أخبره بأنه كان هو سببه، ترك "ابن جدعان" الخمر استحياء مما فعله وقال شعراً في سبب تركه ألخمر. ويقول أهل الأخبار: "ما مات أحد من كبراء قريش في الجاهلية، إلا ترك الخمر استحياء مما فيه من الدنس".

وتؤيد قصة ذهاب "أمية" إلى اليمن وسكنه أمداً هناك قصة ينتهي سندها ب "أبي سفيان"، خلاصتها انه كان قد ذهب في ركب من قريش إلى اليمن في تجارة، فمرّ بأمية، وقال له كالمستهزىء به: يا أمية قد خرج النبي الذي كنت تنعته ? فأجابه أمية: اما انه حق فاتبعه. وقال له قولاً يتنبأ فيه بمصير أبي سفيان وكيف سيؤتى به إلى الرسول، فيحكم فيه كما يريد. ففي هذه القصة توكيد بخروج أمية الى اليمن حين بعث الرسول وبمكوثه زماناً هناك.

وذكر أنه الشخص الذي نزلت في حقه الآية: )واتلُ عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا، فانسلخ منها(. وهي آية قيل أيضاً إنها نزلت في "بلعام بن باعور" "بلعم بن ابر"، "بلعام بن باعرا"، أو في زوج البسوس، أو في "النعمان ابن صيفي الراهب".

وأمية كاكثر الشعراء له شعر في المدح وله تعريض. وأكثر مدحه في "ابن جدعان" من اجواد العرب المعروفين المشهورين في الجاهلية. وهو في المدح أو في الرثاء أو في كل مناسبة اخرى، مستعمل لكلمات ذات صلة بالدين وبالأفكار الدينية ولمصطلحات لا ترد إلا نادراً في الأشعار المنسوبة إلى الشعراء الجاهليين، مما يدل علي غلبة التفكَير الديني عليه، وتأثير ما قرأه أو أخذه من غير العرب فيه. سئل الأصمعي عن شعر أمية، فقال: "ذهب أمية في شعره بعامة ذكر الآخرة وذهب عنترة بعامة ذكر الحرب،وذهب عمر بن أبي ربيعة بعامة ذكر الشباب".

ووالد "أمية"، هو "عبدالله بن أبي ربيعة بن عوف الثققي" أو "ربيعة ابن وهب بن علاج بن أبي سلمة" الثقفي على رواية "الزبيري". أما أمه فهي "رقية بنت عبد شمس بن عبد مناف". وقد كان والده شاعراً. ذكر انه مدح "سيف بن ذي يزن".

ومن الرواة من ينسب القصيدة التي تنسب إلى والد امية، والتي هي في مدح " سيف بن ذي يزن"، إلى امية نفسه. وفي هذه القصيدة إشارة إلى ذهاب "سيف بن ذي يزن" إلى هرقل، فلما لم يجد منه أية مساعدة أو اهتمام، عافه، وذهب إلى كسرى، حيث وجد منه مساعدة، فجاءت اليه بعد سنين من تعب ومواظبة.

وينسب إلى أمية شعر، ذكر انه افتخر فيه ب "نزار" وب "معد". وبقبيلة "إياد"، حيث نعتهم ب "قومي إياد".

ويتلخص ما جاء في شعر هذا الشاعر من عقائد وآراء في الاعتقاد بوجود إلَه واحد، خلق الكون وسوّاه وعدله، وأرسى الجبال على الأرض، وأنبت النبات فيها، وهو الذي يحيي ويميت،ثم يبعث الناس بعد الموت ويحاسبهم على أعمالهم، وليجازيهم بما كسبت أيديهم، فريق في الجنة وفريق في النآر، يساق المجرمون عراة إلى ذات المقامع والنكال مكبلين بالسلاسل الطويلة وبالأغلال، ثم يلقى بهم في النار يصلونها يوم الدين، يبقون فيها معذبين بها، ليسوا بميتين، لأن في الموت راحة لهم، بل قضى الله ان يمكثوا فيها خالدين أبدأَ.

أما المتقون،فإنهم بدار صدق ناعمون تحت الظلال: لهم ما يشتهون، فيها عسل ولبن وخمر وقمح ورطب وتفاح ورمان وتين وماء بارد عذب سليم، وفيها كل ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، وحور لا يرين الشمس فيها، نواعم في الأرائك قاصرات، على سرر ترى متقابلات، عليهم سندس وجياد رَيٌط وديباج، حلّوا بأساور من لجين ومن ذهب وعسجد كريم، لا لغو فيها ولأ تأثيم، ولا غول ولا فيهاُ مليم، وكاس لا تصدع شاربيها، يلذّ بحسن رؤيتها النديم، تحتهم نمارق من دمقس، فلا أحد يرى فيهم سئيم.

والوقوف على آراء "امية"، وعلى معتقداته الدينية يجب الرجوع بالطبع إلى أشعاره وما نسب اليه من كلام. ففي هذا التراث الذي تغلب عليه النزعة الدينية والحكمية، تتمثل أراء ذلك الشاعر الجاهلي الذي أدرك أوائل المبعث، وهي آراء قريبة جداً من الإسلام، وبعضها يكاد يكون قولاً اسلامياً في لفظه وفي معناه مسبوكاً في شعر. وفي هذا الشعر قصص الرسل والأنبياء: آدم ونوح وقصة طوفانه، والغراب والحمامة، وقصة ذي القرنين وبلقيس وحكاية الهدهد، وقصة ابراهيم وتقديم ابنه للذبح،وداوود، وفرعون، وموسى، وابن عاد. وعيسى وأمه مريم وكيفية حملها به، فوصف ذلك بانياً وصفه على نحو ما جاء في القرآن الكريم عن تكوّ ن عيسى، مضيفاً إلى ذلك زيادات في 2حديث مريم مع الملائكة وجواب الملائكة لها. كما أورد في الشعر قصة "لوط اخي سدوم". وهي من القصص المذكور في التوراة، وأشياء أخرى عديدة من هذا القبيل. وفي أكثر ما نسب إلى هذا الشاعر من آراء ومعتقدات دينية ووصف ليوم القيامة والجنة والنار، تشابه كبير وتطابق في الرأي جملة وتفصيلاً لما ورد عنها في القرآن الكريم. بل نجد في شعر أمية استخداماً لألفاظ وتراكيب واردة في كتاب الله وفي الحديث النبوي، فكيف وقع ذلك ? وكيف حدث هذا التشابه ? هل حدث ذلك على سبيل الاتفاق أو ان امية اخذ مادته من القرآن الكريم، أو كان العكس، اي ان القرآن الكريم هو الذي أخذ من شعر امية فظهرت الأفكار والألفاط التي استعملها امية في آيات الله وسوره ? فكتاب الله اذن هو صدى وترديد لآراء ذلك الشاعر المتأله، أو ان هذا التشابه مردّه شيء آخر هو تشابه الدعوتين واتفاقهما في العقيدة والرأي، أو اعتماد الاثنين على مورد أقدم، هما الكتابان المقدسان: التوراة والانجيل، وما لهما من شروح وتفاسير، أو كتب أو موارد عربية قديمة كانت معروفة ثم بادت وبقي أثرها في القرآن الكريم وفي شعر أمية بن ابي الصلت، أو ان كل شيء من هذا الذي نذكره ونفترضه افتراضاً لم يقع، وان ما وقع ونشاهده، سببه ان هذا الشعر وضع على لسان امية في الإسلام، وان واضعيه حاكوا في ذلك ما جاء في القرآن الكريم فحدث لهذا السبب هذا التشابه.

أما الاحتمال الأول، وهو فرض أخذ امية من القرآن، فهو احتمال إن قلنا بجوازه ووقوعه، وجب حصر هذا الجواز في مدة معينة، وفي فترة محدودة تبتدىء بمبعث الرسول، وتنتهي في السنة التاسعة من الهجرة، وهي سنة وفاة أمية بن أبي الصلت. اما ما قبل المبعث، فلا يمكن بالطبع ان يكون امية قد اقتبس من القرآن، لأنه لم يكن منزلاً يومئذ، وأما ما بعد السنة التاسعة، فلا يمكن أن يكون قد اقتبس منه أيضاً، لأنه لم يكن حياً، فلم يشهد بقية الوحي. ولن يكون هذا الفرض مقبولاً معقولاً في هذه الحالة،إلا اذا أثبتنا بصورة جازمة ان شعر امية الموافق لمبادىء الإسلام ولما جاء في القرأن قد نظم في هذه المدة المذكورة، اي بين المبعث والسنة التاسعة من الهجرة، وأن امية كان يتتبع نزول الوحي، ويجمعه،وانه كان يملك نسخة مما نزل على الرسول، رجع اليها واقتبس منها، وإلا سقط العرض. فإذا أثبتنا ذلك وثبتنا تأريخ نظم هذا الشعر، أمكنت المقابلة عندئذ بين شعر أمية وما جاء في معناه وفي موضوعه من ايات نزلت ببن ابتداء نزول الوحي علىالرسول وبين السنة التاسعة، أما الآيات التي نزلت بعد هذه السنة، فلا تكون شاهداً على أخذ أميّة منها: لأنه كان قد توفي في السنة التاسعة، فلا يقع هذا الافتراض.

ولكن من في استطاعته تثبيت تواريخ شعر أمية وتعيينه، وتعيين أوقات نظمه ? إن في استطاعتنا تعيين بعضه من مثل الشعر الذي قاله في مدح عبدالله بن جُدعان أو معركة بدر. ولكننا لا نستطيع أن نفعل ذلك بالغالبية منه، وهي غالبية لم يتطرق الرواة إلى ذكر المناسبات التي قيلت فيها. ثم إن بعض هذا الكثير مدسوس عليه، مروي لغيره، وبعضه إسلامي، فيه مصطلحات لم تعرف إلاّ في الإسلام.، فليس من الممكن الحكم على آراء أمية الممثلة في شعره هذا بهذه الطريقة. ثم إن أحداً من الرواة لم يذكر ان امية كان ينتحل معاني القرآن الكرم، وبنسبها إلى نفسه. ولو كان قد فعل، لما سكت المسلمون عن ذلك، ولكان الرسول أول الفاضحين له.

بقي لدينا افتراض آخر، هو أخذ القرآن الكريم من أميه، وهو افتراض ليس من الممكن تصوره، فعلى قائله اثبات أن شعر أمية في هذا الباب هو أقدم عهداً من القرآن الكريم،.وتلك قضية لا يمكن اثبانها أبداً. ثم إن قريشاً ومن لف لفها ممن عارض الرسول لو كانوا يعلمون ذلك ويعرفونه، لما سكتوا عنه، ولقالوا له انك تأخذ من أمية، كما قالوا له: انك تتعلم من غلام نصراني كان مقيماً بمكة، واليه اشير في القرآن الكريم يقوله: )ولقد نعلم انهم يقولون: انما يعلمه بشر، لسانُ الذي يلحدون اليه أعجمي، وهذا لسان عربي مبين(. ولقد أشار المفسرون إلى اسم الغلام، كما سأتحدث عن ذلك في الفصل الخاص بالنصرانية عند العرب قبل الإسلام، ولم يشيروا إلى أمية بن أبي الصلت. ثم إن أمية نفسه لو كان يعلم ذلك أو يظن ان محمداً. انما اخذ منه، لما سكت عنه وهو خصم له، منافس عنيد، أراد ان تكون النبوة له، وإذا بها عند شخص آخر ينزل الوحي عليه، ثم يتبعه الناس فيؤمنون بدعوته. أما هو فلا يتبعه أحد. هل يعقل سكوت. أمية لو كان قد وجد اي ظن وإن كان بعيداً يفيد ان الرسول قد اخذ فكرة منه، أو من المورد الذي اخذ أمية نفسه منه ? لو كان شَعرَ بذلك، لنادى به حتماً، ولأعلن للناس انه هو ومحمد أخذا من منبع واحد،. وان محمداً أخذ منه، فليس له من الدعوة شئ، ولكانت قريش وثقيف اول القائلين بهذا القول والمنادين به.

نعم، لقد ورد في الحديث، كما قلت قبل قليل، ان الشريد بن سويد.كان قد أنشد الرسول شعر أمية، وانه كان كلما أنشده شيئاً منه طلب منه المزيد، حتى إذا ما أنشده مئة بيت، قال له الرسول: آمن شعره وكفر قلبه، أو آمن لسانه وكفر قلبه، ولكننا هنا بحاجة إلى تثبيت تاريخ هذا الإنشاد، وإثبات صحة الرواية وتدقيق رجال السند، لاثبات ان ما أنشد لم يكن قد نزل في مثله الوحي.

وممن ذهب إلى افتراض أخذ الرسول من أمية من المستشرقين "كلمان هوار" و "بور" Power زعم "بور" انه حيث يوجد تشابه بين شعر أمية والقرآن الكريم، فإن ذلك يدل على ان الرسول أخذ من "أمية"، لأن أمية أقدم من الرسول. وهذا الافتراض مقبول كما لو أثبتنا ان هذا النظم شعر أصيل صحيح" وانه نظم قبل نزول مشابهه في القران الكريم، وانه لم يضف اليه في الإسلام. فإن أثبتنا انه له، جاز لهما مثل هذا الادعاء.

وأما الرأي الثالث - وأعني به رأي من يرجع التشابه بين شعر امية وما ورد من مثل معانيه في القرآن الكريم إلى أخذ إلاثنين من التوراة والانجيل وتفاسيرهما، والى بعض "الصحف" و "المجلات" الني أشير إلى وجودها عند العرب - فهو رأي قديم، وليس بجديد. رأي قيل عن الوحي كله، لا عن القرآن وشعرّ امية أو غير امية، قبل ان يخلق المستشرقون بأكثر من 1300 سنة، فقد زُعم "ان النبي يتعلم من غلام نصراني اسمه جبر !!". وقد أشير إلى هذا الزعم في كتاب الله، وجاء الرد عليه في قوله تعالى: ) ولقد نعلم أنهم يقولون،إنما يعلمه بشر، لسان الذي يلحدون اليه أعجمي، وهذا لسان عربي مبين (. فلمُ يخْف القرآن الكريم ذلك الطعن والمغمز، ولم يتجاهل المفسرون اسم من قيل إنه كان يَعلمه، فذكروا جبراً هذا، وكان غلامأً مقيماً بمكة، وقال بعضهم بل هو رجل رومي اسمه غير ذلك.

ولو كان الرسول وأمية قد أخذا من منهل واحد، واستقيا من مورد واحد، لما سكتت قريش عن القول به، ولما سكت أمية نفسه وهو الغاضب الحاقد على الرسول عن الجهر به. وكيف يعقل سكوته عن هذا، وهو أمر مهم جدأَ بالنسبة اليه. وسيف يحارب به الإسلام? ولما سكت مسيلمة ومن كان على شاكلته من المتنبئين من الإشارة اليه في أثناء حروب الردّة، وقد كانت فرصة سانحة لإظهار هذه المقالة. ولما سكت "يوحنا الدمشقي" وأمثاله من التلميح إلى ذلك، وقد لمح بأمور كثيرة في طعنه على الإسلام.

ثم إنّ هذا التشابه، على ما يتبين من نقده وتمحيصه، ليس من نوع ما يحصل عن أخذ شخصين مستقلين من مورد معين، إنما هو من قبيل ما يحدث من اعتماد أحد الشخصين على الآخر، بدليل ورود أمور في القرآن الكريم، لم ترد في التوراة ولا في الانجيل، ولكنها وردت في شعر امية، وبدليل ورود أكثر قصص الأنبياء والآراء والمعتقدات في شعر أمية على شكل إسلامي، لا على النحو الوارد عند أهل الكتاب. واستعمال هذا الشخص لجمل وألفاظ وتراكيب اسلامية واردة في القرآن الكريم وفي الحديث لا في الكتب السماوية المذكورة. فلو كان مردً هذا التشابه الأخذ من مورد واحد، لوجب انحصار هذا التشابه في الأمور المشتركة التي ترد في الكتب المقدسة: التوراة والانجيل والقرآن، وفي شعر أمية حسب، لا في المسائل التي ترد في شعر أمية وفي القرآن الكريم، ولا ترد في الكتابين المقدسين أو في الكتب الأخرى.

ثم إن المقابلة بين نصين لمعرفة صله احدهما بالآخر،وأخذ احدهما من الآخر، تستوجب التأكد من صحة نسبة هذا الشعر إلى أمية. ففي هذا الشعر مقدار لا يمكن ان يشك في وضعه وصنعه، ومقدار نص العلماء نصاً على انه لغيره، وهم انما ذكروه في شعر أمية، لأن بعض اهل الأخبار نسبه اليه. ولذلك استدركوا هذا الخبر، بالاشارة إلى اسم قائله الصحيح. فلم يبق من هذا الشعر ما يصلح للمقابلة غير القليل منه، وهو القليل الذي له صلة بعقيدة ودين. وهذا القليل هو، في الغالب ايضاً، تبع لما ورد في القرآن وحده، لا لما ورد في الكتابين المقدسين. ولما كان القرآن محفوظاً ثابتأ، فلم يرتق اليه الشك. اما شعر امية، فليس كذلك، وهو غير معروف من حيث تعيين تأريخ النظم. فهذه المقابلة إن جازت، فانها تكون حجة على القائلين بالرأي المذكور، لا لهم. وقد كَان عليهم ان يثبتوا أولاً اثباتاً قاطعاً صحة رأيهمَ في أصالة هذا الشعر، لا ان يفترضوا مقدماً انه شعر أصيل صحيح، وان يذهبوا رأساً إلى انه هو والقرآن الكريم من وقت واحد، بل انه على حد قول بعضهم أقدم منه، فكتاب الله منتزع منه.

وممن قال باحتمال أخذ القرآن وأمية من مورد مشترك واحد، "فردرش شولثيس" Friedrich Schulthetz ناشر ديوان أمية. وقد زعم أيضاً احتمال أخذ أمية من بعض آيات الله التي كانتُ منزلة يوشذ، ونظمها في شعره. استند في زعمه القائل باقتباس الرسول من مورد مشترك إلى ورود بعض كلمات في القرآن الكريم وفي الحديث وفي كتب السير، يفهم منها على زعمه ان الرسول كان قارئاً كاتباً، لكنه لم يشترط في هذه المؤلفات كونها الانجيل و التوراة، بل ذهب الى انها "مجلة" و "صحيفة"، تتضن أحأديث وتفاسير وقصصاً دينياً قديما. أما دليله، فافتراض واحتمال، وليس له غير هذين. ولا يقوم علم إلإعلى دليل ملموس.

أما أنا، فاًرى ان مردّ هذا التشابه والاتفاق إلى الصنعة والافتعال. لقد كان أمية شاعراً، ما في ذلك شك، لاجماع الرواة على القول به. وقد كان ثائراً على قومه، ناقماً عليهم، لتعبدهم للأوثان. وقد كان على شيء من التوحيد والمعرفة باليهودية والنصرانية، ولكني لا أظن أنه كان واقفاً على كل التفاصيل المذكورة في القرآن وفي الحديث من العرش والكرسي وعن الله وملائكته وعن القيامة والجنة والنار والحساب والثواب والعقاب ونحو ذلك، إن هذا الذي ذكره شيء إسلامي خالص،لم ترد تفاصيله عند اليهود ولا النصارى، ولا عند الأحناف. فوروده في شعر أمية وبالكلمات والتعابير الاسلامية، هو عمل جماعة فعلته في عهد الإسلام: وضعته على لسانه، كما وضعوا أو وضع غيرهم على ألسنة غيره من الشعراء والخطباء، لاعتقادها أن ذلك مما يفيد الإسلام، ويثبت أن جماعة من الجاهليين كانوا عليه،وأنه لم يكن لذلك غريباً، وأن هؤلاء كانوا يعلمون الغيب، يعلمون بقرب ظهور نبيّ عربي، وأنهم لذلك بشروا به، وأنهم كانوا يتمنون لو عادوا فولدوا في أيامه، أو لو طال بهم العمر حتى يدركوه فيسلموا،وأمثال ذلك من قصص راج وانتشر، كما راج امثاله في كل دين من الأديان.

ولا بد وأن يكون هذا الوضع قد صنع في القرن الأول للاسلام، لأن أهل الأخبار القدامى يذكرون بعض هذا الشعر. وقد يكون قد وضع أ كثره في عهد الحجاج تقرباً اليه، لأنه من ثقيف، وفي ذلك العهد وضع الوضّاع أخباراً كثيرة في الغض من شأن قوم الحجاج، نكاية به فتقدم قوم آخرون اليه بالرفع من شأنها وبإضافة ذلك الشعر الى أمية وغيره، ليكون رداً على كارهي ومبغضى الحجاج.

وتتبين آية الوضع في شعر أمية في عدم اتساقه وفي اختلاف أسلوبه وروحه.

فبينما نجد شعره المنسوب اليه في المدح أو في الرثاء أو فيَ الأغراض الأخرى مما ليس لها صلة مباشرة بالدين، في ديباجة جاهلية على نسقى الشعر المنسوب إلى شعراء الجاهلية، نجد القسم الديني منه والحكمي في أسلوب بعيد عن هذا الأسلوب، بعيد عن الأساليب المعروفة عن الجاهليين، أسلوب يجعله قريباً من شعر الفقهاء والصوفين المتزمتين، ونسّاك النصارى، فهو بعيد جداً من أسلوب الجاهليين، حتى أسلوب مثل "عدي بن زيد "العبادي والأعشى ويقية من نسب إلى النصرانية من شعراء الجاهلية القريبين من الإسلام. يضاف إلى ذلك ما ذكره الرواة وأهل الأخبار من نسبة بعض ذلك الشعر إلى غيرة من الشعراء، وقد يقال إن أسلوب "أمية" في نظم الشعر الديني والحكمي، هو أسلوب صحيح لا يمكن إلا ان يكون على هذا الحال، هو أسلوب بعيد عن أسلوب الجاهليين في النظم، لأن الشعر الجاهلي المعروف نظم في أغراض أخرى لا صلة لها بالحكم وبالدين، وما جاء منه إلينا في الحكم وفي الدين هو على أسلوب آخر أيضاً، بدليل ان بعض الشعراء منهم حين نظموا في الحكم، رق شعرهم وبان عن نظمهم المألوف. وبدليل ان نظم "حسان بن ثابت" في الإسلام، هو دون نظمه في الجاهلية من حيث الجزالة والفخامه في النظم، وان شعر "لبيد".

في الإسلام، هو دون ما نظمه في الجاهلية، بسبب تغير الظروف واختلاف الموضوع. وهو اعتذار صحيح، ولكن أسلوب أمية في تعبيره عن الجنة والنار والبعث والحساب، أسلوب آخر، لا يفصح عن عقلية دينية جاهلية، وانما عن عقلية إسلامية. ومن هنا جاء شكنا في صحة هذا الشعر وفي أصالته، وليس من أسلوب النظم.

ولكن من الذي وضع هذا الشعر، ثم أنكره على نفسه وأسنده إلى أمية? ومن الذي وضع شعر أمية بأبيات من وزنه وقافيته، ولكنها أبيات إسلامية ? ومن كان أول من جمع شعر ذلك الشاعر في ديوان نسبه اليه ? هذه أسئلة يجب أن توجد لها أجوبة، ولكن أجوبتها كتاب يؤلف في حياة هذا الشاعر وفي شعره وديوانه،عندئذ يكون هناك مجال للتنقيب عن هذه الأمور، روي ان الحجّاج قال، وهو على المنبر: لا ذهب قوم يعرِفون شعر أمية. فهل ذهب العالمون به حقاً قبل ايام الحجاج ? وهل كان شعره ضخماً واسعاً ? أو هو قول من أقوال الحجاج، وهو ثقفي من قوم أمية، أو هو قول وزعم من زعم الرواة. وما أكثر مزاعم الرواة وحملة الأخبار.

وأثر الوضع على بعض شعر أمية واضح ظاهر لا يحتاج إلى دليل، وهو وضع يثبت أن صاحبه لم يكن يتقن صنعة الوضع جيداً. فالقصيدة التي مطلعها:

لك الحمد والمن ربّ العبا  د أنت المليك وأنت الحكم.

هي قصيدة إسلامية، لا يمكن أبداً أن تكون من نظم شاعر لم يؤمن بالإسلام إبماناً عميقاً من كل قلبه ولسانه. خذ هذا البيت منها مثلاً:ً محمداً أرسله بالهـدى  فعاش غنياً ولمُ يهتضم

ثم خذ الأبيات التالية له وفيها: عطـاء مـن الـلــه أعـــطـــيتـــه  وخـصّ بـه الـلّـه أهـلَ الـــحـــرم

وقـد عـلـمــوا انـــه خـــيرهـــم  وفـي بـيتـهـم ذي الـنـدى والـكـــرم

يعَـيبـون مـا قـال لـــمـــا دعـــا  وقـد فـرج الـلـه احـدى الـبـــهُـــم

به وهـو يدعـو بـصـــدق الـــحـــد  يث الـى الـلـه مـن قـبـل زيغ الـقــدم

أطـيعـوا الـرســـول عـــبـــادَ الإل  ه تـنـجـون مـــن شـــرّ يوم ألـــم

تنـجـون مـن ظـلـمـات الــعـــذاب  ومـن حـر نـار عـلـى مـنً ظـلـــم

دعـانـا الـنـبــيّ بـــه خـــاتـــم  فمـن لـمُ يجـبـه أســـر الـــنـــدم

نبـــي صـــدقً صـــادق طــــيب  رحـيم رؤوف بـوصــل الـــرحـــيم

به خـتـم الـلـه مــن قـــبـــلـــه  ومـن.بـعـده مـن نـبــي خـــتـــم

يمـوت كـمـا مـات مـن قـد مـضـــى  يردّ إلـى الـلـه بـاري الــنـــســـم

مع الأنـبـياء فـي جـنـان الـخــلـــود  همُ أهـلـهـا غـير حـلّ الـقـــســـم

وقدس فينا ا بحب الصلاة جميعاً وعلم خط القلم

كتاباً من اللهِ نقرأ به  فمـن يعـتـريه فـقـــدمـــاً أتـــم

اقرأ هذه المنظومة، ثم احكم على صاحبها " هل تستطيع ان تقول انه كان شاعراً مغاضباً للرسول، وإنه مات كافراً، وان صاحبها رثى كفار قريش في معركة بدر وأنه قال ما قال في الإسلام وفي الرسول ? اللهم، لا يمكن أن يقال ذلك أبداً فصاحب هذا النظم رجل مؤمن عميق الايمان، هو واعظ مبشر، يخاطب قومه فيدعوهم إلى الإسلام والى طاعة الله والرسول. إنه مؤمن قلباً وايماناً، مع أنهم يذكرون أن الرسول قال فيه: آمن شعره وكفر قلبه، أو آمن لسانه وكفر قلبه، وإنه مات وهو على كفره وعناده وحسده للرسول، ثم إن صاحب المنظومة رجل يتحدث عن وفاة الرسول، مع أن أمية، كان قد توفي في السنة التاسعة من الهجرة، فهل يعقل أن يكون إذن هو صاحبها وناظمها: أليست هذه المنظومة وأمثالها إذن دليلاً على وجود أيد لصناع الشعر ومنتجيه في شعر أمية. نحمد الله على أن صنّاعها لم يتقنوا صنعتها، ففضحوا أنفسهم بها، ودلوّا على مقاتل النظم.

ثم خذ قصيدة أخرى من القصائد المنسوبة لأمية، وهي في وصف الجنة والنار استهلت بهذا البيت: جهنم تلك لا تبقي بغيا وعدن لا يطالعها رجيمُ

ثم استمر في قراءتها، وفي ما جاء فيها من وصف للجنة والنار، ثم انعم النظر في هذه الأبيات: فذا عسل وذا لبـن وخـمـرٌ  وقمح في منابـتـه صَـريمُ

ونخل ساقط الأكتـاف عـد  خلال أصوله رطب قمـيمُ

وتـفـاح ورمـان ومـوز  وماء بـارد عـذب سـلـيم

وفيها لحم ساهـرة وبـحـر  وما فاهوا به لهُـمُ مـقـيم

وحور لا يربن الشمس فيهـا  على صور الدمى فيها سهوم

نواعم في الأرائك قاصـرات  فهنّ عقـائل وهُـمُ قـروم

على سرر ترى متقـابـلات  ألا، ثمَ النضارةُ والـنـعـيم

عليهم سنـدًس وجـياد رَيط  وديباج يُرىفـيهـا قـتـوم

وحلوا امن أساور منُ لجـين  ومن ذهب،وعسجده كـريم

ولا لغَوٌ ولا تـأثـيم فـيهـا  ولا غولٌ ولا فيهـا مُـلـيمُ

وكأس لا تصدع شاربـيهـا  يلذّ بحسن رؤيتهـا الـنـديم

تصفق في صحافٍ من لجين  ومن ذهب مـبـاَركة رذوم

ثم احكم بعد ذلك على صاحب هذه الأبيات" لقد حاول ناظمها ادخال بعض الكلمات الجاهلية فيها، لإلباسها ثوباً جاهلياً، ولاظهارها بمظهر الشعر الجاهلي الأصيل، ولكنه لم يتمكن من ذلك، بل صيرها في الواقع نظماً لوصف الجنة والنار في الإسلام. وما بي حاجة إلى ان أحيلك على الايات التي أخذ منها صاحب هذا الشعر.وصفه من القرآن الكريم.

ومن الغريب ان بعض الأخباربين اتخذ هذا النظم وأمثاله حجة لتبيان عقائد الجاهليين، فذكر مثلاً ان العرب في جاهليتها كانت تؤمن بالجزاء، وان منهم من نظر في الكتب وكِان مقراًَ بالجنة والنار. وحجته في ذلك هذه المنظومة المنسوبة إلى أمية. وقد نسي أن ما قاله على سبيل التعميم أو التغليب، يناقض ما جاء في القرآن الكريم وما أورده الأخباريون عن الجاهليين.

ثم خذ قصيدته في عيسى بن مريم وحمل أمه به، وسائر قصائده ألأخرى، تجد عليها هذه المسحة الاسلامية بارزة ظاهرة، ولكن هذا لا يمنع مع ذلك من القول بوجود أبيات قد تكون من نظم أمية حقاً، في هذا المنظوم الديني، غير ان هذا الموجود، هو على كل حال مما لا يتعارض مع عقائد الإسلام. ومن الممكن ادراكه بدراسة ألفاظه وأسلوبه وأفكاره،وبهذه الطريقة نتمكن من استخلاص الأصيل من شعره من الهجين.

ولأمية بن أبي الصلت اًخت، اسمها "فارعة". قدمت على النبي بعد فتح الطائف، وكانت ذات لبّ وعفاف وجمال، وكان يعجب بها. وقال لها يوماً: هل تحفظين من شعر أخيك شيئأَ ? فأخبرته خبره وقصت قصته في شق جوفه واخراج قلبه وردّ ه مكانه وهو نائم وأنشدته شعره، على ما يزعمه أهل الأخبار. وذكر أهل الأخبار اسماء أربعة بنين لأمية، هم: القاسم، ووهب، وعمرو "عمر"، وربيعة. فأما "القاسم"، فكان شاعراً، وله مرثية في عثمان بن عفّان. وأسلم "وهب بن أمية" كذلك. وذكر أن رجلاَ من ثقيف مات في عهد النبي عن غير ولد، فاختصموا في ميراثه، فأعطى النبى ميراثه لوهب. وأما "ربيعة"، فأسلم كذلك، وله شعر. وقد ذكر أهل الأخبار أن "حقة" بنت "وهب بن أمية بن أبي الصلت"، تزوجت "عبدالله بن صفوان الأكبر"، فولدت له صفوان بن عبدالله بن صفوان. وذكر أن "ربيعة"، قد ولي بعض الوظائف في الإسلام. وأنه صاحب "ربيعتان"، نهر بقرب الابلة. وأن من ولده "كلدة بن ربيعة"، وكان شريفاً شاعراً. وقد ذكر أن بغلاً قتل "ربيعة" على باب دار "عبدالله بن عباس".

وكل ما يعرف عن سويد بن عامر المصطلقي أنه كان على دين الحنيفية وملة ابراهيم، وأنه قال شعراً، وصلت منه بضعة أبيات في "المنايا" وفي المقدر على الإنسان، وان المنايا محتومة لا مفرّ منها، وأن الخير والشر مكتوبان على النواصي،وليس لامرىء يدٌ فيما يصيبه من مقدور. فهي في هذه المشكلة المعضلة التي شغلت بال الإنسان ولا تزال تشغله مشكلة: "الجبر والاختيار"، أو "القدر"، المشكلة التي احتلت منزلة الصدارة في "علم الكلام". والتي صارت من أهم موضوعات الجدل في الإسلام. ويقال انها أنشدت للرسول، فلما سمعها، قال: "لو أدركته لأسلم".

وآما ورقة بن نوفل. فهو ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي، يلتحم نسبه بنسب الرسول في جد جده. ذكروا انه ساح على شاكلة من شك في دين قومه، وتتبع اليهود والنصارى، وقرأ الكتب، وعدّ في جملة المتنصرين في أغلب الروايات، فقد ذكر انه " تنصر واستحكم في النصرانية، وقرأ الكتب ومات عليها". وهذا هو رأي اكثر اهل الأخبار.

ونسب اليه شعر ذكَر انه قاله في رثاء زيد بن عمرو بن نفيل، وفيه إشارة إلى النار والى الثواب والعقاب بعد الموت والى فكرة التوحيد والأيمان برب ليس رب كمثله والى التنديد بالأوثان.

وله أبيات من الشعر يحث فيها على مساعدة الضعيف ونصر المظلوم، وعلىفعل الخير للناس.

ولا نعلم عن حياة ورقة في ايام شبابه شيئاً، ولعله كان يعين اهله أو إقربائه في اتجارهم مع بلاد الشام أو اليمن شأن اكثر شبان أسر مكة المعروفة فىِ ذلك الوقت. فتَعلم بذلك سلوك الطرق الموصلة إلى العراق أو بلاد الثأم، ومن هنا اندفع نحو خارج الجزيرة يلتمس الحكمة والوصول إلى رأي يقنعه في الحياة. ويظهر انه لم يكن في شبابه من اولئك الشباب الخاملين الذين كانوا يصرفون وقتهم في فراغ دائم، دون عمل ولا تفكير، متوسدين الأرض يقتلون فراغهم في ترهات الكلام، كما انه لم يكن من اولئك الطائشين النزقين الذين يقضون وقتهم في النزاع والخصومة وشرب الخمر والاعتداء على الناس، والحصول على المال للانفاق على اللهو بأية طريقة كانت، بل كان شاباً متأملاً مفكراً منكمشاً على نفسه، مكنه علمه بالكتابة والقراءة من قراءة الكتب والاطلاع على آراء الماضين والحاضرين، حتى جاء يوم، دفعه اجتهاده الذي وصل اليه على الخروج على تقاليد قومه وانتقاد الأوضاع التي كانوا عليها، مما حمله على ترك مكة طوعاً أو قهراً، والتجول للبحث أو فراراً من غضب قومه عليه.

وهو ابن عم خديجة الكبرى زوج الرسول. وقد أشير اليه في خبر "مجيء جبريل إلى النبى في حراء"،وله كلام مع الرسول على ما ورد في بعض الروايات،يقال إنه قال للرسول و كَان قد ذهب اليه مع زوجته خديجة ليسأله رأيه فيما رآه من الرؤيا: "ليتني أكون حياً حين يخرجك قومك !" وان الرسول قال له: أمخرجي هم ? قال: نعم، إنه لم يجيء رجل قط بما جئت به إلا عودي، ولئن أدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً". وأشير اليه في خبر آخر، حيث ورد أن "خديجة" ذهبت وحدها إلى ابن عمها لتسأله عن الرؤيا التي رآها الرسول وعن هذا الناموس الأكبر" الذي تجلى له. فلما قصت عليه القصة قال: "لئن كنتِ صادقة، إنّ زوجك لنبي، وليلقينمن أمته.شدة، ولئن أدركته لأومنن به".

وذكر في خبر آخر أن الرسول قد رأى "ورقة" في منامه، وكان لابساً ثياباً بيضاً، وان الرسول ذكر ذلك لمن سأله عنه، وبين لهم انه لو كان من أهل النار لما ظهر له في منامه وهو بهذه الملابس. لأن أهل النار. لا يلبسون ثياباً بيضاً. ويروى أن الرسول قال:"لا تسبّوا ورقة بن نوفل، فإني رأيته في ثياب بيض". قيل إن شخصاً تساب مع أخ لورقة بن نوفل،فسب ورقة ليحرق قلب أخيه، فبلغ ذلك الرسول، فنهى عن سبّه.

وجاء في خبر ان "ورقة" كان يمر بمكة فيرى بلالاً وهو يعذَّب، يعْذبه المشركون برمضاء مكة، يلصقون ظهره بالرمضاء، ويضربونه يريدون منه ان يشرك بالله، فلا يشرك به. ويأبى إلا ان يقول: أحد أحد،فيرثي ورقة لحاله ويقول: أحد أحد والله يا بلال. والله لئن قتلتموه فأنتم من الخاسرين. أو "والله لئن قتلتموه، لاتخذن قبره حناناً".

ويظهر من الأخبار المتقدمة ان "ورقة بن نوفل"، كان قد أدرك ايام الرسول وعاش إلى يوم نزول الوحي عليه. بل يظهر من خبر رؤيته لبلال وهو في حالة تعذيبه،انه عاش مدة بعد نزول الوحي. غير إن الأخبار المذكورة لا تنص على اسلامه، ولم نجد أحداً قد نص على ذلك. أما خبر رؤيا الرسول له في منامه، فانه يدل على عدم إسلامه، وعلى انه كان قد توفي قبل نزول الوحي على الرسول. وهو الرأي الراجح. وهذا ما حمل أحد المؤرخين على القول: وقد اختلف فيه، فمنهم من زعم انه مات نصرانياً ولم يدرك ظهور النبي. ومنهم من رأى انه مات مسلماً وانه مدح النبي. وقد ورد في بعض الأخبار ان الرسول قال لما توفي ورقة: "لقد رأيت القس في الجنة عليه ثياب الحرير، لأنه آمن بي وصدقني". وورد مثل ذلك من أحاديث زعم ان الرسول قالها في حق ورقة، وهي كلها تشير إلى وفاة ورقة قبل المبعث، وعلى دينه، إذ لم يدرك الإسلام.

وورد في بعض الروايات أنه "كان يكتب الكتاب العربي، فكتب بالعربية من الانجيل ما شاء أن يكتب". وورد في رواية أخرى أنه "كان يكتب الكتاب العبراني، فكتب بالعبرانية من الإنجيل ما شاء أن يكتب". والخبران هما خبر واحد، كما يظهر من وحدة النص، غير إن اسم اللغة التي زعم أنه كان يكتب بها قد حرّ ف، فقرأه بعضهم العربي، وقرأه بعض آخر العبراني. ولما كان الانجيل باليونانية وبلغة بني إرم، فقد أخطأ الرواة بجعل لغة الانجيل هي العبرانية، وهم يتوهمون كثيراً فيخلطون بين العبرانية والسريانية. والغالب أنهم كانوا يريدون بالعبرانية لغة بني إرم التي كانت لغة العلم والأدب والدين في العراق وفي بلاد الشام، بل وبين مثقفي اليهود ورجال دينهم في ذلك الوقت.

وذكر أهل الأخبار أنه لم يعقب. ولم يذكروا سبب ذلك، هل كان قد تزوج، ولكنه كان عقيماً، فلم يعقب ? أو أنه عاش أعزبُ لم يتزوّج طول حياته ? وكان "أبو قيس صرمة بن أبي أنس" "صرمة بن أنس" وهو من بني النجار، قد ترهب ولبس المسوح، وهجر الأوثان، ودخل بيتاً واتخذه مسجداً لا تدخله طامث ولا جنب، وقال: أعبد رب ابراهيم، فلما قدم النبي المدينة أسلم وهو شيخ كبير، وحسن إسلامه. وفيه نزلت الآية. )وكلوا واشربوا حى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر(. ورووا له شعراً. وزعم أنه اغتسل من الجنابة، وهمَّ بالنصرانية، ثم أمسك عنها. وذكر أن "ابن عباس" كان يختلف اليه يأخذ عنه الشعر.

وأما "وكيع بن سلمة بن زهر الإيادي"، فهو من إياد، زعم "ابن الكلبي" انه ولي البيت بعد جرهم، فبنى صرحأَ بأسفل مكة، وجعل فيه أمة يقال لها "حزورة"، وبها سميت "حزورة مكة"، وجعل في الصرح سلّماً، فكان يرقاه ويزعم انه يناجي الله. وكان ينطق بكثير من الخبر، ويزعم الناس انه صدِّيق من الصدِّيقين، وقالوا كان كاهناً،. وذكروا له كلمات مسجعة، ليس فيها ما يشرح لنا معتقده الديني ويوضحه وضوحاً تاماً.

والصرح كما يقول علماء اللغة، بيت يبنى منفرداً ضخماً طويلاً في السماء وكل بناء عالٍ مرتفع. والحزورة الرابية الصغيرة والتل الصغير. ويظهر انه كان بنى صرحه فوق تل في محل منفرد، ليختلي هناك على طريقة الرهبان والنساك.

وكل ما عرفه أهل الأخبار عن "عمير بن جندب " الجُهني، انه كان من جهينة، وانه كان موحداً لم يشرك بربه احداً، وانه مات قبيل الإسلام.

وكان عامر بن الظرب العَدواني من الحكماء، نسبت اليه أقوال في الحكم والدين. منها: "إني ما رأيت شيئاً خلق نفسه، ولا رأيت موضوعاً إلا مصنوعاً، ولا جائياً إلا ذاهباً، ولو كان يميت الناس الداء، لأحياهم الدواء". ثم قال: "إني ارى أموراً شتى وحتى. قيل له: وما حتى? قال: حتى يرجع الميت حياً، ويعود اللاشيء شيئاً، ولذلك خلقت السماوات والأرض، فتولوا عنه ذاهبين".

وقد نسبوا اليه جملة أحكام، منها حكمه في "الخنثى"، وقد ذكروا أن حكمه هذا قد أقرّه الإسلام. وقالوا إن العرب كانت إذا أشكل عليها أمر في قضاء، أو حارت في أمر معضل ترى وجوب الحكم فيه برأي صائب وعقل وتدبير، ذهبت اليه، فإذا حكم كان حكمه الحكم الفصل، فلا راد له.

ونسبت إلى كل من عبد الطابخة بن ثعلب بن وبرة بن قضاعة وعلاف بن شهاب التميمي أبيات، فيها اقرار بوجود إلَه واحد خالق لهذا الكون، ويوجود الحساب والثواب والعقاب.

وأما "المتلمس بن أمية" الكناني، فذكروا انه كان قد اتخذ من فناء الكعبة موضعاً يخطب فيه، ويعظ قومه عظات دينية، فكان في جملة ما قاله لهم "انكم قد تفردتم بآلهة شتى، واني لأعلم ما الله راض به. وإن الله تعالى رب هذه الآلهة، وانه ليحب ان يعبد وحده"، فنفرت كلماته هذه وامثالها القوم منه وتجنبته، وقالوا عنه انه على دين بني تميم.

وفي أبيات منسوبة إلى زهير بن ابي سُلمى الشاعر المعروف إقرار بوجود الَه عالم بكل ما في النفوس، هو "الله"، لا تخفى عليه خافية، فلا يجوز كتمان شيء عنه،.وبوجود يوم حساب يحاسب فيه الناس على ما قاموا به من أعمال، وقد ينتقم الله من الظالم في الدنيا قبل الآخرة، فلا مخلص له.

ونسب الايمان بالله واليوم الآخر إلى أشخاص آخرين، منهم: عبدالله القضاعي والشاعرَ عبيد بن الأبرص الأسدي، وكعب بن لؤي بن غالب، والأول منهم هو ابن تغلب بن وبرة بن قضاعة، كان من الحكماء الخطباء، يتبع الحنيفية، وينهج على نهجها مثل الحنفاء.

واما الثاني، وهو عبيد بن الأبرص، فشاعر جاهلي شهير،له في قتله قصة،هي من ذيول قصة "الغريَين" للمنذر بن ماء السماء. نجد في الشعر المنسوب اليه اسم "الله" يتردد في كثير من المواضع، ونراه من المتشائمين المؤمنين بالمنايا وبالمحتم المكتوب، ونراه في القصيدة البائية يتوكل على الله، ويدعو الناس إلى الاعتماد عليه فيقول: من يسأل الناس يحرموه  وسائل اللّـه لا يخـيب

باللـه يدرك كـل خـير  والقول في بعضه تلغيب

والله لـيس لـه شـريك  علاّمُ ما أخفت القلـوب

ونراه يقول في المنايا: فاًبلغ بنيَّ وأعمامـهـم  بان المنايا هي الـوارده

لها مدة فنفوس العـبـاد  اليها وإن كرهت قاصده

فلا تجزعوا الحمام دنـا  فللموت ما تلد الوالـده

وفي كثير من مواضع شعره يذكر المنايا ويتذكر الموت، ثم هو يتجلد ويتصبر في ملاقاة الشدائد والأهوال، وينصح الناس بالسير على هذا المنوال. والذي يقرأ شعره، يشعر أنه أمام رجل حضري رقيق عاطفي المزاج، في نفس ميالة إلى التقشف والتصوّف، مؤمنً بالعدل، كاره للظلم، فهل كان عبيد على هذه الشاكلة ? وهل هذا الشعر وخاصة ما جاء منه في البائية هو نظم من منظومه ? أوهو من نظم من عاش بعده في الإسلام ? وأما "كعب بن لؤي بن غالب". فهو من أجداد النبى. وقد كان على الحنيفية،واليه كانت تجتمع قريش في كل جمعة،فكان يعظهم ويوجههم ويرشدهم ياًمرهم بالطاعة والتفكر في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار وتقلب الأحوال والاعتبار بما جرى على الأولين والآخرين، ويحثهم على صلة الأرحام وإفشاء السلام وحفظ العهد ومراعاة حق القربة والتصدق على الفقراء والأيتام.

هذه خلاصة موجزة لسير من حشرهم أهل الأخبار في زمرة الحنفاء، تريك آراء الجماعة تكاد تكون واحدة: كفر بالأصنام وبالشرك كله، وإعراض عن عادات قومهم، وثورة على عقائدهم، وترقب لحدوث تطورٍ واصلاح يقضي على الجهالة، وقد مهدوا له بدعوتهم تلك التي أشاعوها بين بني قومهم فجلبت عليهم السخط والغضب الشديد، مما حمل أكثرهم، وهم في الغالب من مكة وأطرافها، على الفرار من بلدتهم إلى أطرافها المنعزلة الآمنة وغيرها من الأماكن الخالية، ليكونوا في أمان من ايذاء قومهم لهم، وفي وسط يفكرون فيه في خلق السماوات والأرض تفكيراً هادئاً، فلا يزعجهم مزعج، ولا ينغص حياتهم هناك منغص.

لقد جعل أهل الأخبار معظم من تحدثنا عنهم إن لم نقل كلهم من القارئين الكاتبين، ونسبوا إلى بعضهم قراءة الكتب والصحف والزبور ومجلة لقمان. يريدون بذلك الكتب المقدسة. ويفهم من كلامهم في بعض الأحيان ان منهم من كان يحسن فهم العبرانية أو لغة بني ارم. ولكن الاْخباريين عفا الله عنهم لم يتبسطوا لنا في الحديث عن ماهية تلك الصحف وعن محتويات مجلة لقمان وعن الكتب المنُزلة، ولم يأتوا بنماذج مفصلة طويلة أو قطع ترشد إلى المظانّ التي نقلت منها. فأضاعوا علينا، باهمالهم الاشازة إلى هذه الأمور، أشياء كثيرة مهمة، بنا حاجة ماسة إلى معرفتها، للوقوف على الحالة الدينية في جزيرة العرب قبيل الإسلام وابان ظهوره.

وبؤكد أهل الأخبار ان بعض أولئك الحنفاء كانوا يسيرون على سنة ابراهيم وشريعته، وان بعضاً آخر منهم كان يلتمس كلماته ويسالء عنها، وانهم في سبيل ذلك تحملوا المشاق والأسفار والصعاب. وقد جعلوا وجهة أكثرهم أعالي الحجاز وبلاد الشام وأعالي العراق. اي المواضع التي كانت غالبية اهلها على النصرانية يومئذ، وجعلوا أكثر كلامهم وسؤالهم مع الرهبان. وقد أضافوا اليهم الأحبار أحياناً،. وذكروا ان الرهبان والأحبار أشاروا عليهم بوجوب البحث والتأمل، فليس عندهم ما يأملونه ويرجونه من دين ابراهيم واسماعيل، ولذلك لم يدخلوا في يهودية ولا نصرانية، بل ظلوا ينتظرون الوعد الحق، ومنهم من مات وهو على هذه العقيدة. مات معتقّداً بدين ابراهيم حنيفاً، غير مشرك بربه أحداً.

أما كيف كانت شريعة ابراهيم، وعلى أي نهج سار الحنفاء، وهل كان لهم كتاب أو كتب أو نحو ذلك ? فأسئلة لم يجب عنها أهل الأخبار إجابة صريحة واضحة. لذلك صرنا في جهل بأمر تلك الشريعة: شريعة ابراهيم، شريعة التوحيد الحق.

ويذكر أهل الأخبار أنه كان لأتباع ابراهيم من العرب علامات وعادات ميزوا أنفسهم بها عن غيرهم، منها: الختان، وحلق العانة، وقص الشارب، وهي علامات جعلها بعض المفسرين من "كلمات ابراهيم" التي ذكرت في القرآن الكريم، في الآية: )وإذ ابتلى ابراهيم ربّه بكلمات فاًتمهن(. ذهب القائلون بهذا الرأي إلى أن تلك الكلمات هي عشر: "خمس في الرأس، وخمس في الجسد. فاًما التي في الرأس، فالمضمضة والاستنشاق وقصّ الشارب وفرق الرأس والسواك. وأما التي.في الجسد فألاستنجاء وتقليم الأظافر ونتف الإبط وحلق العانة والختان". ومن سنن شريعة ابراهيم الاختتان. وهو من العادات القديمة الشائعة بين العرب الجاهليين الوثنيين. أما العرب النصارى، فلم يكونوا يختتنون. فالحنفاء في هذه العادة والوثنيون سواء. وفي أخبار معركة "حنين" آن الأنصار حينما أجهزوا على قتلى ثقيف ممن سقط في هذه المعركة مع هوازن وجدوا عبداً، عندما كشف ليستلب ما علية وجد أغرل. فلما تبين ذلك للانصار، نادى أحدهم بأعلى صوته: يعلم الله أن ثقيفاً غُرل ما تختتن. فقام اليه المغيرة بن شعبة، وهو من ثقيف، فأخذ بيده، وخشي أن يذهب ذلك عن قومه في العرب، فقال له: لا تقل تلك فداك أبي وأمي، إنما هو غلام لنا نصراني، ثم جعل يكشف له قتلى قومه ويقول له: ألا تراهم مختتنين ? ويتبين من هذا الخبر أن العرب كانوا يعدون الغرل شيئاً معيباً، ومنقصة تكون حديث الناس. وهناك خبر آخر يفيد أن العرب جميعاً كانوا يختتنون، وأن الاختتان كان من السمات التي تميزهم عن غيرهم، وأنهم في ذلك كاليهود. وقد ورد في الموارد اليهودية ما يفيد اختتان العرب. ولعل التوراة،التي ذكوت قصة اختتان اسماعيل، أخذت خبرها هذا من تقاليد العرب الشماليين التي كانت شائعة بينهم في ذلك العهد.

الاعتكاف

وقد نسب الاعتكاف في الكهوف وفي البراري وفي الجبال الى عدد من هؤلاء الحنفاء. فقد ذكر أهل الأخبار أنهم كانوا قد اعتكفوا في المواضع الخالية البعيدة عن الناس، وحبسوا أنفسهم فيها، فلا يخرجون منها إلا لحاجة شديدة وضرورة ماسة. يتحنثون فيها ويتأملون في الكون، يلتمسون الصدق والحق. والتحنث التعبد. فكانوا يتعبدون في تلك المواضع الهادئة الساكنة، مثل غار "حراء" وقد ذكر أن الرسول كان يتحنث فيه الليالي، يقضيها في ذلك الغار.

ويعبر عن التعبد ليلا ب "التهجد" أيضاً. وذكر ان التهجد الصلاة ليلاً. وقد كان الرسول يتهجد. والتهجد التيقظ والسهر بعد نومة من الليل. والهجود النوم عند العرب. ويظهر ان تفسير التهجد بالتعبد ليلاً، انما ورد من تفسيرهم لما ورد في القرآن الكريم: )ومن الليل فتهجد به نافلة، عسى ان يبعثك ربك مقاماً محموداً(. فخص العلماء التهجد بالتعبد ليلاً.

ويعبر عن التعبد بالنسك، والنسك: العبادة والطاعة وكل ما يتقرب به إلى الآلهة. والنسّاك: المتعبدون. وقد كان الحنفاء من النساك أي المتعبدين. وعدوا الذبائح من النسك. وجعلوا النسيكة: الذبيحة. و،الذبائح، أي النسائك، هي من أهم مظاهر التعبد والزهد عند الجاهليين.

وممن نسب إلى النسك والرهبنة من الجاهليين "أبو عامر عبد عمرو بن صيفي ابن مالك بن النعمان"، أحد "بني ضبيعة بن زيد". وكان في الجاهلية يسمى "الراهب"،. لأنه كان مترهباً، وقد كان من المقدمين بيثرب، إذ كان رأس الأوس فيها، فلما جاء رسول الله إلى المدينة، خاصمه، ثم خرج إلى مكة مباعداً له، ومعه خمسون غلاماً من الأوس، واشترك مع قريش يوم أًحد.

الفصل السادس والسبعون

اليهودية بين العرب

والحديث عن اليهودية بين العرب، وعن وجود يهود في أنحاء من جزيرتهم، لا يمكن ان يكون حديثاً تأريخياً مبني على العلم اذا ارتفعنا به إلى الميلاد والى ما قبل الميلاد. ولا يعني كلامي هذا عدم وصول يهود إلى جزيرة العرب،وعدم إقامتهم في أماكن منها. فهذا كلام لايمكن أن يقال، ولا يمكن قبوله. انما أريد ان أقول اننا لا نملك نصوصاً تأريخية تخولنا ان نتحدث عن اليهود في جزيرة العرب قبل الميلاد حديثاً،علمياً، بأن نعين المواضع التي نزلوا فيها، والأماكن التي وصلوا اليها، وما فعلوه هناك، وفي أي عهد كان ذلك، ومن قادهم إلى تلك الأنحاء، ومن استقبلهم استقبالاً حسناً، أو استقبلهم استقبالاً سيئاً من الجاهليين? وقد عرف اليهود عند الجاهليين، وورد ذكرهم في الشعر الجاهلي. ولا بد من وقوف الجاهليين على أحوالهم، لأنهم كانوا كما سنرى يسكنون في مواضع عديدة معروفة تقع ما بين فلسطين ويثرب، كما سكنوا في اليمن وفي اليمامة وفي العروض. وكان تجار منهم يقيمون فى مكة وفي مواضع أخرى من جزيرة العرب للاتجار واقراض المال بربا فاحش للمحتاجين اليه.

ومعارفنا عن يهود جزيرة العرب مستمدة من الموارد الإسلامية. والسبب في ورود خبرهم في هذه الموارد،هو اصطدامهم بالإسلام، ومقاومتهم له حينما دعاهم الرسول إلى الدخول فيه، فنزل فيهم الوحي، وأشير اليهم في الحديث، وذكروا في كتب التفسير والسير والتواريخ والأدب. ومن هنا تجمعت معارفنا عن يهود الجاهلية. ولهذا تجد الحديث عن يهود الجاهلية لا يرتقي كثيراً عن عصر النبوة، ولا يبتعد عنه ولكني لا استبعد احتمال تغير الحال، إذا ما عثرالمنقبون في المستقبل على كتابات جاهلية قد تكون مطمورة في الوقت الحاضر في باطن التربة، يكون لها صلة بيهود جزيرة العرب، أو إذا ما عثر على مؤلفات ووثائق مكتوبة عبرانية أو غير عبرانية قد تكون مجهولة عن ذوي العلم في الوقت الحاضر، تكون لها صلة وعلاقة بأمر يهود جزيرة العرب قبل الإسلام.

وقد وردت لفظة "يهود" معرفة في القرآن الكريم. أي على هذا الشكل:"اليهود". وردت في مواضع من سورة البقرة. ومن سورة المائدة ومن سورة التوبة. وكلها سور مدنية. ولم ترد في سورة من السور المكية. كما وردت لفظة "يهودياً" في سورة آل عمران، وردت في شرح ديانة "ابراهيم": )ما كان ابراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً". وهي من السور المدنية كذلك.

وعبر القرآن الكريم عن اليهود وعن معتنقي اليهودية ب " الذين هادوا"، وب "من كان هوداً" و "كونوا هوداً" و " كانوا هوداً" وسورتي الأنعام والنحل من السور المكيّة. وبناء على ذلك تكون جملة "الذين هادوا" قد نزلت قبل نزول لفظة "اليهود" في القرآن الكريم.

وقد عبر عن العبرانيين عامة ب "بني اسرائيل" في القرآن الكريم. عير عنهم في سور مكية وفي سور مدنية. ويلاحظ ان ورود هذا التعبير في القرآن الكريم، هو أكثر بكثير من ورود لفظة "اليهود" فيه.

ولما كانت فلسطين امتداداً طبيعياً للحجاز،كان من الطبيعي اتصال سكانها بالحجاز، واتصال سكان الحجاز بفلسطين، وذهاب جاليات يهودية إلى العربية الغربية،للاتجار وللاقامة هناك، خاصة بعد فتوح الدول الكبرى لفلسطين، واستيلائهاعليها، وهجرة اليهود إلى الخارج. فكانت العربية الغربية لاتصالها بفلسطين من الأماكن الملائمة المناسبة لهجرة اليهود اليها، واقامتهم فيها، ولا سيما عند مواضع المياه وفي الأرضين الخصبة العامرة. غير اننا لا نستطيع، كما قلت، التحدث عن هجرة اليهود هذه إلى هذه الأنحاء حديثاً علمياً معززاً بالكتابات وبالتواريخ.

ولم يترك يهود جزيرة العرب لهم أثراً مكتوباً يتحدث عن ماضيهم فيها. وكل ما عثر عليه منهم، نصوص معدودة، وجدت في اليمن، لا تفصح بشيء ذي بال عن اليهود واليهودية. كذلك لم يصل الينا ان أحداً من المؤلفين والكتبة العبرانيين ذكر شيئاً عن يهود الجاهلية. وليس لنا من تأريخ اليهود في جزيرة العرب إلا ما جاء في القرآن الكريم وفي الحديث وكتب التفسير والأخبار والسير.

فمادتنا عن تأريخ اليهودية في العربية، لا ترتقي إلى عهد بعيد عن الإسلام.

لقد ذهب بعض المؤرخين المحدثين إلى أن اليهود كانوا في جملة من كان في جيش "نبو نيد" يوم جاء إلى تيماء. فاًقاموا بها وبمواضع أخرى من الحجاز بلغت "يثرب". وأن هؤلاء اليهود أقاموا منذ ذلك الحين في تلك الأماكن واستوطنوا وادي القرى وأماكن أخرى إلى مجيء الإسلام. غير أن "نبونيد" لم يشر في أخباره المدونة إلى وجود اليهود في جيشه والى اسكانه لهم في هذه الأرضين كما أننا لم نعثر على كتابات تتحدث عن هذا العهد أو عن العهد الذي سبقه أو الذي جاء من بعده، لذلك فإننا لانستطيع أن نعزز هذا الكلام بنصوص وكتابات. وان كنا لا نريد نفي احتمال مجيء اليهود إلى هذه الديار في عهد "نبونيد"، أو في عهد "بخت نصر"، أو قبل العهدين.

نعم، لقد عثر على عدد من الكتابات النبطية في الحجر وفي مواضع أخرى من أرض النبط وردت فيها أسماء عبرانية تشير إلى أن أصحابها من يهود، ويعود بعضها إلى القرن الأول للميلاد، ويعود بعض آخر إلى ما بعد ذلك مثل الكتابة التي يعود عهدها إلى سنة 307 ميلادية، وصاحبها رجل اسمه "يحيى بر شمعون" اي "يحيى بن شمعون". غير أن هذه الكتابات شخصية، ولا تفصح بشيء ذي بال عن عقيدة أصحابها، ولا عن تأربخهم في هذين الأرضين.

وقد ذهب اليهود إلى العربية الشرقية، ذهبوا اليها من العراق، فسكنوا في مواضع من سواحل الخليج، وتاجروا مع أَهل هذه البلاد ومع باطن الجزيرة. وقد ساعدتهم بعض الحكومات على للذهاب اليها. وقد كانت ليهود العراق تجارات مع أهل الخليج، كما يفهم ذلك من مواضع من التلمود.

و يتبين من روايات المؤرخ اليهودي "يوسفوس فلافيوس" Iosephos Flavius ان اليهودية كانت قد وجدت لها سبيلاً بين العرب. وان بعض ملوك مملكة "حدياب" Adiabene كانوا قد دخلوا فيها. ويذكر المؤرخ "سوزومين" Souzomenos ان اليهود كانوا ينظرون إلى العرب الساكنين شرق الحد العربي Limes Arabicus على انهم من نسل اسماعيل، وانهم كانوا يرون انهم من نسل اسماعيل وابراهيم، فهم من ذوي رحمهم، ولهم بهم صلة قربى. وكانوا يرجون لذلك دخولهم في دينهم، واعتناقهم دين ابراهيم جد اليهود والعرب. وقد عملوا على تهويد اولئك العرب.

ويظهر من مواضع من التلمود ان نفراً من العرب دخلوا في اليهودية، وانهم جاءوا إلى الأحبار، فتهودوا أمامهم. وفي هذه المرويات "التلمودية"، تاًييد لروايات أهل الأخبار التي تذكر ان اليهودية كانت في حمير، وبني كنانة، وبني الحارث بن كعب، وكندة، وغسان. وذكر "اليعقوبي." ان ممن تهود من العرب "اليمن بأسرها. كان تُبّع حمل حبرين من أحبار يهود إلى اليمن، فاًبطل الأوثان، وتهود من باليمن، وتهود قوم من الأوس والخزرج بعد خروجهم من اليمن لمجاورتهم يهود خيبر وقريظة والنضير. وتهود قوم من بني الحارث بن كعب وقوم من غسان وقوم من جذام".

وقد ذكر علماء التفسير في تفسيرهم الاية: )لا اكراه في الدين. قد تبين الرشد من الغي(،أنها نزلت في الأنصار. كانت المرأة المقلات في الجاهلية تنذر إن عاش لها ولد أن تهوده، فتهود قوم منهم. فلما جاء الله بالاسلام أرادوا اكراههم عليه، فنهاهم اللّه عن ذلك، حتى يكونوا هم يختارون الدخول في الإسلام. أو أنهم لما يقوا،على يهوديتهم، وأمر اليهود بالجلاء، وفيهم منهم، شق على آبائهم ترك أبنائهم يذهبون مع اليهود، فقالوا:"يا رسول الله أبناؤنا واخواننا فيهم.. فسكت عنهم رسول الله، صلى الله عليه فسلم، فأنزل الله تعالى ذكره:)لا إكراه في الدين قد تبنن الرشد من الغيّ...( فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم،قد خيرّ أصحابكم، فإن إختاروكم فهم منكم، وإن اختاروهم فهم منهم". وذكر العلماء أيضاً ان ناساً من الأنصار كانوا مسترضعين في بني قريظة وغيرهم من يهود، فتهودوا، وأن من الأنصار من رأى في الجاهلية أن اليهودية أفضل الأديان، فهودوا أولادهم، فلما جاء الإسلام ودخلوا فيه، أرادوا اكراه أبنائهم الذين تهودوا على الدخول فيه، فنزل الوحي بالآية المذكورة. فقد كان اذن بين يهود جزيرة العرب، عرب دخلوا في دين يهود.

وذكر أهل الأخبار أن "جبل بن جوال بن صفوان" الثعلبي، من بني ثعلبة بن سعد بن ذبيان، كان يهودياً فأسلم. فهو عربي، يظهر أنه أو أهله قبله قد تهودوا، فكان على دين يهود، وعاش مع "بني قريظة"، حتى اعتنق الإسلام. وذكروا أسماء آخرين كَانوا من متهودة الجاهليين.

ويرى بعض المؤرخين اليهود أن يهود جزيرة العرب كانوا في معزل عن بقية أبناء دينهم وانفصال،وأن اليهود الاخرين لم يكونوا يرون أن يهود العربية مثلهم في العقيدة،بل رأوا أنهم لم يكونوا يهوداً، لأنهم لم يحافظوا على الشرائع الموسوية ولم يخضعوا لأحكام التلمود. ولهذا لم يرد عن يهود جزيرة العرب شيء في أخبار المؤلفين العبرانيين.

وعندي ان عدم ورود شيء عن يهود الحجاز في أخبار المؤلفين العبرانيين لا يمكن ان يكون دليلاً على عزلة يهود الحجاز عن بقية اليهود. فقد أهمل غيرهم أيضاً ولم يشر اليهم، لأن التأليف والنشاط الفكري. عند العبرانيين كانا قد تركزا في هذه العهود على المستوطنات اليهودية في العراق وعلى فلسطين، وعلى "طبريا" بصورة خاصة، ولم تشتهر الجاليات اليهودية التي انتشرت في مواضع أخرى بالتأليف، فكان من الطبيعي ان تنحصر أخبار اليهود في هذا العهد فىِ هذين القطرين. ولهذا لم يشر إلى يهود الحجاز والى يهود بقية جزيرة العرب. ثم إن الحجاز على اتصال بفلسطين، وفلسطين جزء من الحجاز متمم له جغرافباً، وهو متصل بفلسطين منذ القدم، وفلسطين منفذه التجاري، وميناء "غزة" من المواضع التي كان يقصدها تجار الحجاز للاتجار،والحركة مستمرة دوماً بين فلسطين والحجاز، وقد كان تجار اليهود من أهل الحجاز يتاجرون مع بلاد الشام وفي جملتها أرض فلسطين، فلا يعقل بالطبع ان يصير يهود الحجاز في عزلة عن يهود فلسطين،والا يكون بين اليهودين اتصال. أما من ناحية الآراء الدينية والاعتقادية، فقد يكون بين اليهودين بعض الاختلاف، فقد وقع اختلاف في الآراء بين أحبار يهود العراق وبين أحبار يهود فلسطين، فلا يستبعد اذن رأي من يقول بوجود اختلاف في وجهة نظر يهود فلسطين بالنسبة ليهود الحجاز، إذ قد يكون يهود الحجاز ويهود جزيرة العرب قد تاًثروا بالعرب الذين،نزلوا بينهم فاضطروا إلى التخفيف من التمسك يشعائر دينهم، لا سيما وان من بين يهود جزيرة العرب يهود متهودون، كانوا في الأصل من أدوم ومن النبط ومن العرب، دخلوا في اليهودية لعوامل متعددة،فلم يكونوا لذلك على سنّة اليهود الأصيلين في المحافظة على شريعتهم محافظة شديدة تامة.

وقد انتشر اليهود جماعات جماعات استقرت في مواضع المياه والعيون من وادي القرى وتيماء وخيبر إلى يثرب، فبنوا فيها الآطام لحماية أنفسهم وأرضهم وزرعهم من اعتداء الأعراب عليهم. وقد أمنوا على أنفسهم بالاتفاق مع رؤساء القبائل الساكنة في جوارهم على دفع إتاوة لهم، وعلى تقديم الهدايا اليهم لاسترضائهم. وكان من شأنهم أيضاً التفريق بين الرؤساء وإثارة الشحناء بين القبائل حتى لاتصفو الأحوال فيما بينها وتلتئم ولئلاء يكون اتفاقها والتئامها خطراً يتهدد اليهود.

وليس الذى يرويه أهل الأخبار عن إرسال موسى جيشاً إلى الحجاز،واستقرار ذلك الجيش في يثرب بعد فتكه بالعماليق وبعد وفاة موسى، ثم ما يذكرونه عن هجرة داوود مع سبط يهوذا إلى خيبر وتملكه هناك ثم عودته إلى اسرائيل وأمثال هذا إلا قصصاً من هذا النوع الذي ألفنا قراءته في كتب أهل الأخبار، لا أستبعد أن يكون مصدره يهود تلك المنطقة أو من أسلم منهم، لإثبات انهم ذوو نسب وحسب في هذه الأرضين قديم، وانهم كانوا ذوي باًس شديد، وأن تأريخهم في هذه البقعة يمتد إلى أيام الإنبياء وابتداء اسرائيل، وأنهم لذلك الصفوة المختارة من العبرانيين.

وقد زعم أهل الأخبار، ان العمالقة كانوا أصحاب عز وبقي شديد، وكانوا ينزلون الحجاز في جملة ما نزلوا من أماكن في ايام موسى. وكان منهم: بنو هف وبنو سعد وبنو الأزرق وبنو مطروق. وملكهم إذ ذاك رجل منهم اسمه "الأرقم"، ينزل ما بين تيماء وفدك. وكان سكان يثرب من العمالقة وكذلك سكان بقية القرى. فلما تغلب عليهم العبرانيون انتزعوا منهم مساكنهم، وأقاموا في مواطنهم في الحجاز.

وقد أخذ أهل الأخبار ما رووه عن دخول اليهود إلى يثرب في ايام موسى، وما ذكروه عن ارساله جيشاً إلى هذه المنطقة، ثم ما رووه عن سكنهم القديم في أطراف المدينة وفي أعالي الحجاز، من سفر "صموئيل الأول" من التوراة. وقد حسب اهل الأخبار العمالقة من سكان يثرب القدماء، ومن سكان أعالي الحجاز، فزعموا ان تلك الحروب قد وقعت في هذه المنطقة، وان اليهود قد سكنوها لذلك منذ ايام موسى. وقد أخذ الأخباريون رواياتهم هذه من اليهود، وممن دخل منهم في الإسلام.

ويري بعض الأخباريين أن ابتداء أمر اليهود في الحجاز ونزولهم وادي القرى وخيبر وتيماء ويثرب إنما كان في أيام "بخت نصر"، فلما جاء "بخت نصر" إلى فلسطين، هرب قسم منهم إلى هذه المواضع واستقروا بها إلى مجيء الإسلام. وليس في هذا الخبر ما يحملنا على استعباده، فهروب اليهود إلى اعالي الحجاز ودخولهم الحجاز أمر سهل يسير، فالأرض واحدة وهي متصلة والطرق مفتوحة مطروقة، ولا يوجد أي مانع بمنع اليهود أو غير اليهود من دخول الحجاز.

لا سيما وأن اليهود كانوا خائفين فارين بانفسهم من الرعب، فهم يبحثون عن أقرب ملجأ اليهم يحميهم من فتك ملك بابل بهم. وأقرب مكان مأمون اليهم هو الحجاز.

اما ما ورد في روايات أهل الأخبار عن هجرة بعض اليهود إلى أطراف يثرب وأعالي الحجاز على أثر ظهور الروم على بلاد الشام وفتكهم بالعبرانيين وتنكيلهم بهم مما اضطر ذلك بعضه إلى الفرار إلى تلك الأنحاء الامنة البعيدة عن مجالات الروم، فإنه يستند إلى أساس تأريخي صحيح. فالذي نعرفه أن فتح الرومان لفلسطين أدّى إلى هجرة عدد كبير من اليهود إلى الخارج، فلا يستبعد أن يكون أجداد يهود الحجاز من نسل أولئك المهاجرين.

وكان يقيم ب "مقنا" عند ظهور الإسلام قوم من اليهود اسمهم "بنوجنبة"، وقد كتب اليهم الرسول والى أهل "مقنا" يدعوهم إلى الإسلام، أو إلى دفع الجزية. وكتب إلى قوم من يهود اسمهم "بنو غاديا"، والى قوم آخرين اسم "بنو عريض".

ومن هؤلاء المهاجرين علي رأي الأخباربين بنو قريظة وبنو النضير وبنو بهدل. ساروا إلى الجنوب في اتجاه يثرب، فلما بلغوا موضع الغابة، وجدوه وبيّاً، فكرهوا الاقامة فيه، وبعثوا رائداً أمروه ان يلتمس، لهم منزلاً طيباً، وأرضاً عذبة، حتى إذا بلغ "العالية"، وهي بطحان ومهزور واديان من حرة على تلاع أرض عذبة. بها مياه وعيون غزيرة، رجع اليهم بأمرها، وأخبرهم بما راه منها، فقرّ رأيهم على الاقامة فيها. فنزل بنو النضير ومن معهم على بطحان، ونزلت قريظة وبهدل ومن معهم على مهزور، فكانت لهم تلاعه وما سقي من بعاث وسموات.

وسكن اليهود يثرب. سكنها منهم بنوعكرمة وبنو ثعلبة وبنومحمر وبنو زعورا وبنو قينقاع وينو زيد وبنو النضير وبنو قريظة وبنو بهدل وبنو عوف وبنو القصيص وبنو ماسلة، سكن هؤلاء المدينة واطرافها، وكان يسكن معهم من غير بني اسرائيل بطون من العرب، منهم: بنو الحرمان حي" من اليمن، وبنو مرثد حي من بلَيّ، وبنو نيف وهم من بلي أيضاً، وبنو معاوية حي من بنيُ سليم ثم من بني الحرث بن بهثة، وبنو الشظيّة حي من غسان. وظل اليهود أصحاب يثرب وسادتها، حتى جاء الأوس والخزرج، فنزلوها واستغلوا الخلافات التي كانت قد وقعت بين اليهود، فتغلبوا عليهم، وسيطروا على المدينة،وقسموها فيما بينهم، فلم يبق من يومئذ عليها سلطان.

وتذكر روايات أهل الأخبار أن مجيء الأوس والخزرج إلى يثرب كان بعد حادث سيل العرم. جاؤوا اليها لفقر حالهم، والتماساً لوطن صالح جديد، وأنهم حينما نزلوها لم يكن لهم حول ولا قوة. ولذلك قنعوا بالذي حصلوا عليه من أرض ضعيفة موات، ومن رزق شحيح. أما المال والثروة والملك والجاه، فلليهود. بقوا على ذلك أمداً حتى إذا ما ذهب مالك بن العجلان، وهو منهم، إلى أبي جبيلة الغساني رئيس غسان يومئذ، ونزل عنده، شكا لأمير غسان سوء حال قومه وما هم عليه من بؤس وضنك. فوعد أبو جبيلة أن يأتي على رأس جيش من قومه لمساعدته، على أن يقوم بعد عودته ببناء حائر عظيم، يعلن أنه بناه لاستقبال الأمير فيه، وأن يطلب من اليهود الخروج لاستقباله والتشرف بزيارته في ذلك الحائر، فإن فعلوه، فتك بهم وأبادهم. فلما تمّ البناء، ووصل الأمير في الأجل الموقوت، ودخل المدعوون رؤساء اليهود الحائر، فتكت عساكر أبي جبيلة بهم وأهلكتهم، وتمت الغلبة من يومئذ للأوس والخزرج، وعادأبو جبيلة الى مقر ملكه.

غير ان اليهود ظلوا مع هذه الغلبة يتهاترون مع الأوس والخزرج وبعترضونهم ويتناوبونهم، فعمد مالك بن العجلان الى الحيلة، فتظاهر انه يريد الصلح معهم، وانه عزم على تسوية العداوات وطمس الحزازات، وانه لذلك يدعو رؤساء يهود إلى طعام، ليتفاوضوا مع سادات قومه في أمر الصلح. فلما حضر رؤساء يهود،فتك بعشرات منهم ممن استجاب لدعوته، وفرّ أحدهم ليخبر قومه بما حدث، وحذر أصحابه الذين بقوا، فلم يأت منهم أحد.

"فلما قتل مالك من يهود من قتل، ذلوا،.وقلّ امتناعهم، وخافوا خوفاً شديداً، وجلعوا كلما هاجمهم أحد من الأوس والخزرج بشيء يكرهونه لم يمش بعضهم لبعض كما كانوا يفعلون قبل ذلك، ولكن يذهب اليهودي إلى جيرانه الذين هو بين أظهرهم،فيقول: انما نحن جيرانكم ومواليكم، فكان كل قوم من يهود لجأوا إلى بطن من الأوس والخزرج يتعززون بهم" ومنذ ذلك الزمن لم يبق لليهود على هذه الأرضين سلطان.

وورد في رواية أخرى ان "مالك بن عجلان"، كان من الخزرج، وكان سيد قومه يومئذ، وكان على اليهود رجل منهم اسمه "الفَطيون" ملك عليهم، واستبد يأمر الناس، وكان يهودياً ومن بني ثعلبة، وكان امرأ سوء فاجراً، قرر الا تدخل امرأة على زوجها إلا بعد دخولها عليه. فاغتاظ مالك من فعل الفَطيون ومن استذلاله للعرب، ولما كان زفاف اخته لزوجها، وكان لا بد من ادخالها على "الفطيون" أولاً ليستمتع بها، كبر ذلك عليه، فدخل معها في زي امرأة، فلما أراد "الفطيون" الخلو بها، وثب مالك عليه وعلاه بسيفه وقتله، وخلّص قومه منه، وفرّ عندئذ إلى ابي جبيلة ملك غسان.

وتذكر هذه الرواية أن "أبا جبيلة" لم يكن من غسان،بل كان من الخزرج، ُوكان عظيماً ذا منزلة كبيرة في الناس، حتى صار ملكاً على الغساسنة، ويرجح رواتها أنه لم يكن ملكاً على آل غسان، بل كان مقرباً عند ملكهم، عظيم الحظوة لديه. ودليلهم على ذلك عدم اعتراف الغساسنة بوجود ملك عليهم اسمه "عبيد بن سالم بن مالك بن سالم"،وهو اسم "أبو جبيلة" المذكور. ويذكرون أن "الرمق بن زيد الخزرجي" مدحه بشعر قاله فيه.

وتذكر رواية ان الفطيون اسم عبراني، واسمه "عامر بن عامر بن ثعلبة بن حارثة"، وكان تملك بيثرب. فلما قتل خرج مالك بن العجلان، حتى قدم على "أبي جبيلة" ملك غسان، فأعلمه غلبة يهود على يثرب وفعله بهم، فقدم "أبو جبيلة" يثرب، ثم صنع طعاماً، ومكن الأوس والخزرج ممن دعاهم إلى الطعام من قتل مائة من أشراف اليهود، فقويت الأوس والخزرج عليهم.

وجاء في رواية أخرى، أن "مالك بن العجلان"، إنما فرّ إلى "تبع"،بعد قتله "الفطيون" فأستصرخه على اليهود،فجاء حتى قتل ثلثمائة وخمسين رجلاً غيلة من سادات يهود ب "ذى حرض"، ولما أدبهم رجع إلى أرضه اليمن.

أما مالك بن العجلان،فقد صوره اليهود شيطاناً ملعوناً، وصوروه في بيعهم وكنائسهم ليلعنوه كلما دخلوا ورأوه، وذكروه في شعرهم في أقبح هجاء قالوه. وقد كان بين يهود يثرب قوم يقال لهم "بني الفطيون" بقوا حتى جاء الرسول إلى بثرب. فأجلاهم في السنة الثالثة من الهجرة. وذكر "ابن دريد" أن بعضاً من " بني الفطيون" الذين هم من نسل "الفطيون" ملك يثرب، قد شهد "بدراً" واستشهد بعضهم يوم اليمامة. وذكر أن نسب "الفطيون" في غسان. وان من ولد الفطيون: "ابو المقشعر" واسمه "أسيد بن عبد الله".

وقد فسّر أهل الأخبار كلمة "الفطيون" ب "مالك"، وقالوا إنها تقابل "النجاشي" عند الحبشة، و "خاقان" عند الترك. وذكروا أسماء نفر ممن كانوا يلقبون بالفطيون.

ويفهم من روايإت الأخباريين ان يهود الحجاز كانوا قبائل وعشائر وبطوناً، منهم: بنو النضير، وبنو قريظة، وبنو قينقاع، وبنو عكرمة، وبنو محمر، وبنو زعورا، وبنو زيد، وبنو الشظية، وبنو جشم، وبنو بهدل،وبنو عوف، وبنو القصيص "العصيص"، وبنو ثعلبة. غير انهم لم يكونوا أعراباً، اي بدواً يتنقلون من مكان إلى مكان، بل كانوا حضراً استقروا في الأماكن التي نزلوا فيها، ومارسوا مهن أهل المدر، كل جماعة مستقلة تحمل اسماً من تلك الأسماء التي ذكرها الأخباريون.

وقد عرف بنو قريظة وبنو النضير من بين اليهود ب "الكاهنين"، نسبوا ذلك إلى جدهم الذي يقال له "الكاهن". و "الكاهن" هو الكاهن بن هارون بن عمران على زعم بعض أهل الأخبار. فهم على هذه النسبة من أصل رفيع ومن نسب حسيب، يميزهم عن بقية طوائف يهود. ولهذا كانوا يفتخرون بنسبهم هذا، ويرون لهم السيادة والشرف على من سواهم من اخوانهم في الدين. ويرى "نولدكه" احتمال كون بني النضير وبني قريظة من طبقة الكهّان في الأصل. هاجروا من فسطين على أثر الحوادث التي وقعت فيها، فسكنوا في هذه الديار. وهناك جملة عشائر وأسر يهودية تفتخر بإلحاق نسبها بالكاهن هارون شقيق موسى النبي.

كذلك يرجع "أوليري" كاًمثاله من المستشرقين أصل بني قريظة وبني النضير إلى اليهود، ويرى انهم غادروا ديارهم وجاءوا إلى هذه المنطقة في الفترة الواقعة ما بين خراب الهيكل في عام 70 للميلاد وتنكيل "هدريان" باليهود في عام 123 للميلاد.

ويرجع بعض بقية يهود جزيرة العرب نسبهم إلى الكاهنين والى الأسباط العشرة. كذلك، فيدعون انهم من تلك الأسباط المفقودة، وانهم من نسل قدماء اليهود.

وقد كانت منازل بني النضير حينما غزاهم الرسول في وادي بطحان وبموضع البوُيرة. ووادي بطحان،.هو أحد أودية يثرب الثلاثة، وهي: العقيق وبطحان وقناة. وهو واد فيه مياه غزيرة وعيون، اتخذ به اليهود الحدائق والآطام. وقد كان موضع البوُيرة عامراً كذلك، وهو من تيماء، فيه نخل وزرع وأشجار. وقد غزاهم الرسول بعد ستة أشهر من غزوة أُحد، فأحرق نخلهم وقطعع زرعهم وشجرهم لتطاولهم على المسلمين. ومن ساداتهم: حيي بن أخطب، وأخوه ياسر بن اخطب، وسلام بن مشكم، وكنانة بن الربيع، وهو ابو رافع الأعور، والربيع بن أبي الحقيق. وعمرو بن جحاش.

ومن بني النضير، كعب ين الأشرف، وكان معاصراً للرسول، وكان صاحب لسان ونفوذ. أبوه من طيء على رواية، ومن بني النضير على رواية أخرى. أما أمه فهي من بني النضير بإجماع الرواة. توفي أبوه - على رأي من يقول إنه من طيء - وهو صغير، فحملته أمه إلى أخواله، فنشأ فيهم، وقال الشعر عندهم، وساد. ولما جاء الرسول إلى يثرب، كان كعب فيمن ناصب الرسول العداء فعلاً وقولآ، فهجا الرسول، وهجا أصحابه، وظل هذا شأنه بالرغم من محاولة المسلمين استصلاحه واسترضاءه. حتى جنى عليه لسانه، فأهدر النبي دمه، فذهب اليه نفر من المسلمين، فاقتحموا داره وقتلوه. وقد كانت له مناقضات مع حسان بن ثابت وغيره في الحروب التي كانت بين الأوس والخزرج.

وكان قد ذهب إلى مكة، فحرض قريشاًعلى الرسول، ولما عاد إلى موضعه،ألب المشركين من أهل يثرب عليه. ويرثا قتلى اقليب، فقتله المسلمون كما ذكر ت.

وكانت لبني قريظة حصون، يتحصنون بها وقت الخطر، ولهم آبار، ومنهم "محمد بن كعب القرظي". والزبير بن باطان بن وهب، وعزال بن شمويل، وكعب بن أسد، وشمويل بن زيد، وجبل بن عمرو بن سكينة.

وكان بنو قينقاع أول اليهود الذين ناصبوا الرسول العداء، وكانوا يسكنون في أحياء يثرب، وكانوا أغنياء على غير وفاق ووئام مع بقية أبناء قومهم بني قريظة وبني النضير، وقد اشتركوا في يوم بعُاث. ووقعت بينهم وبين بني النضير وبني قريظة معارك فتك فيها ببني قينقاع، وأصيبوا بخسائر كبيرة اضطرتهم على ما يظهر إلى الالتجاء إلى يثرب والإقامة فيها في حي واحد من المدينة.

ويرى "أوليري" احتمال كون بني قينقاع من أصل عريي متهود، أو من بني أدوم.

وقد تكون بعض القبائل اليهودية التي ذكر أسماءها الأخباريون قبائل يهودية حقاً، أي من الجماعات اليهودية التي هاجرت من فلسطين في ايام القيصر "طيطوس" "Titus"، أو "هدريان" Hadrian""، أو قبل ايامهما، أو بعدها، ولكن بعضاً آخر منها، لم يكن من أصل يهودي، انما كانت قبائل عريية دخلت في دين يهود، ولا سيما القبائل المسماة باسماء عربية أصيلة. ولبعض هذه الأسماء، صلة بالوثنية تشعر انها كانت على الوثنية قبل دخولها في دين يهود. والظاهر انها تهودت إما بتأثير التبشير، وإما باختلاطها ودخولها في عشائر يهودية جاورتها فتأثرت بديانتها. وقد ذكر البكري ان "بنى حشنة بن عكارمة"، وهم من بليّ قتلوا نفراً من بني الربعة، ثم لحقوا بتيماء "فأبت يهود ان يدخلوهم حصنهم وهم على غير دينهم، فتهودوا، فاًدخلوهم المدينة. فكانوا معهم زماناً، ثم خرج نفر إلى المدينة، فاظقر الله الإسلام، وبقية من أولادهم بها". وهنالك بطون أخرى عربية الأصل كانت على دين يهود.

وقد اشتهر يهود خيبر من بين سائر يهود الحجاز بشجاعتهم. وخيبر موضع غزير المياه كثيره، وقد عرف واشتهر بزراعته وبكثرة ما به من نخيل. وعند اجلاء اليهود عن خيبر، تفرقوا فذهب بعض منهم إلى العراق، وبعض آخر إلى الشام، وبعض منهم إلى مصر. وقد بقوا في كل هذه المواضع متعصبين لوطنهم القديم خيبر، ينادون بشعارهم الذي كانوا ينادون به قبل الإسلام، وهو: "يا آل خيبر".

وقد اشتهرت "خيبر" وعرفت بالحمى. حتى نسبت اليها، فقيل لها "حمى خيبرية". وكان من أساطيرهم إذ ذاكِ، أن من أراد دخولها فعليه بالتعشير ليتخلص منها. وكان من أوابدهم فيما يزعمون أن الرجل إذا ورد أرض وباء ووضع يده خلف اذنه، فنهق عشر نهقات نهيق الحمار، ثم دخلها أمن من الو باء.

وزعم أن يهود خيبر هم من نسل "ركاب" المذكور في التوراة، وأن "يونادب"،Jonadab "جندب" ابنه: تبدى مع أبنائه ومن اتبعه، وعاش عيشة تقشف وزهد وخشونة، وأن نسلهم هاجر بعد خراب الهيكل الأول إلى الحجاز حتى بلغوا خيبر، فاستقروا بها، واشتغلوا بزراعة النخيل والحبوب، وانهم اقاموا فيها قلاعاً وحصوناً تحميهم من غارات الأعراب عليهم. ذكر بعض الأخباريين أنها ولاية من سبعة حصون، منها: حصن ناعم، والقموص حصن ابن أبي الحقيق وهو أقواها وأعزها وقد أقيم على مرتفع من الأرض حماه وعزز دفاعه، وحصن الشق، وحصن النطاة، وحصن السلالم، وحصن وجده، وحصن الوطيح، وحصن الكتيبة "الكثيبة". وقد أخرجوا منها وأجلوا عنها زمان عمر بن الخطاب.

وقد زعم بعض الأخباريين ان خيبر لفظة عبرانية، وان معناها الحصن في عربيتنا. وزعم بعض آخر انها نسبة إلى رجل اسمه "خيبر بن فاتيه بن مهلاييل"، سميت خيبر باسمه، لأنه كان أول من نزلها. وذهب "وايل" Weil، إلى ان اللفظة لفظة عبرانية، وهي بمعنى مجموعة مستوطنات. أما "دوزي"، فقد أخذ بالرواية العربية، فزعم ان "خيبر"، كناية عن جماعة من اليهود هاجرت في أيام السبي من فلسطين الى هذا الموضع، وهي من نسل "شفطيا بن مهللئيل" من "بني فارص". وان "فاتيه"، هو تحريف "شفطيا" Shaftja المذكور في سفر "نحميا" من أسفار التوراة، وهو ابن "مهللئيل"، الذي هو "مهلاييل" عند أهل الأخبار. وزعم ان زمان هجرة هذه الجماعة يتناسب تماماً مع الرواية القائلة ان هجرة اليهود إلى جزيرة العرب كانت، في ايام "بخت نصر".

وذهب المستشرقون ان كلمة "خيبر"، كلمة عبرانية الأصل "خيبر" Kheber ومعناها الطائفة والجماعة. وذهب بعضهم إلى ان معناها الحصن والمعسكر. وهي من أقدم المواضع التي لجاً اليها اليهود في الحجاز.

ومن الصعب تعيين الزمن الذي هاجر فيه اليهود إلى هذا الموضع. لقد رجع بعضهم ذلك إلى ايام هجوم الرومان على فلسطين. غير ان من الجائز ان تكون هجرتهم اليها قد وقعت قبل ذلك، ومن الجائز ان تكون في اثناء السبي واستيلاء البابليين على القدس، وقد يجوز ان يكون قوم منهم قد جاءوا مع "نبونيد" ملك بابل إلى تيماء حين اتخذ "تيماء" عاصمة له. فهاجر قسم منهم إلى خيبر والى نواح أخرى من الحجاز.

وأقدم إشارة كتابية ورد فيها اسم خيبر، نص: حرّان اللجاة، ويرجع تأريخه إلى سنة أربع مئة وثلاث وستين من الأندقطية الأولى، وتقابل سنة 568 للميلاد. وقد ورد فيه: "بعد مفسد خيبر بعم". أي بعد خرب خيبر بعام. وهو يشير إلى غزو هذا الموضع أنزل به خسائر كبيرة، ولأهميته وفداحته في نفوس أهله أرخوا بوقوعه. ويعود النص المذكور المدون باليونانية والعربية إلى "شرحيل بن ظلمو" "شراحيل بن ظالم"، وقد دونه لمناسبة بنائه "مرطولاً"، فأرخ بتاريخ خيبر المذكور. وهو يشير إلى غزوة قام بها أحد أمراء غسان على خيبر.

وقد وجدت كتابات بحروف المسند وكتابات نبطية في خيبر، هي أقدم عهداً من نص "حر"ان اللجاة"، يفهم منها بوجود سكن في هذه الأرضين يعود بعضه إلى ما قبل الميلاد. ولم تكتشف تربة خيبر حتى الان، وكل ما عثر عليه من عاديات فيها هو من النوع الذي وجد ظاهرأ على سطح الأرض، وليس بمستبعد أن يعثر فيها على كتابات قد تكشف عن تأريخ هذه البقعة.

ولما بلغ أهل تيماء ما حدث لإخوانهم في خيبر ووادي القرى، وفدك، قبلوا الجزية، وصالحوا الرسول في سنة تسع للهجرة، فضمن بذلك لهم حرية بقائهم في دينهم. وعلى تيماء كان يشرف حصن السموأل "الأبلق الفرد". وقد نعتت تيماء في بعض الأشعار بتيماء اليهود.

وتيماء من المواضع القديمة. وقد مرّ إلحديث عنها في أماكن من هذا الكتاب.

وقد سبق أن قلت بأن الملك "نبو نيد" قد أقام زماناً فيها.، حيث اتخذها عاصمة له. وهي في موقع حسن، وملتقى طرق هامة يسلكها التجار. وقد استبد بها اليهود فأقاموا بها وجعلوها من أهم مستوطناتهم في الحجاز. استغلوا إرضها فزرعوها، واستنبطوا الماء من الآبار بالإضافة إلى واحتها ذات المياه العذبة الغزيرة التي كان لها الفضل في تكوين هذا الموضع واعماره. وقد ذكرت في شعر "امرىء القيس"، وفيها كان حصن السموأل بن عادياء المذكور في قصص امرىء القيس الشاعر.

ويرى بعض المستشرقين ان "شمعون التيماني" Simeon of Temanite المذكورفي التلمود والمدراش، هو من أهل "تيماء". ولا يستبعد ان يكون من بين أهل هذه المدينة من حصل على شهرة في العلم بفقه اليهود وبأحوال دينهم. فان مركزها وموقعها يجعل من السهل على سكانها الوصول إلى فلسطين وبقية بلاد الشام وأخذ العلم من علماء تلك البلاد.

وقد عثرالرحالة "اويتنك" Euting على كتابة مدونة بقلم بني إرم تعود إلى عهد كان الفرس قد استولوا فيه على هذا المكان، تتحدث عن أهمية تيماء ورقيها في هذا الهد. ولا يستبعد العثور على كتابات عديدة اذا ما قام العلماء بالتنقيب عنها في باطن الأرض، فإن موضعاً مثل هذا الموضع لا بد ان يكون غنياً بالكتابات والآثار. وقد وجد "أويتنك" آثار معبد قديم، وآثار مواضع عتيقة اخرى ترجع إلى ما قبل الإسلام. ووجد "جوسن" Jaussen و "سافينه".Savignac آثار مقابر على تلال من النوع الذي يطلق عليه الاثاريون اسم "تمولي" Tumuli، ومرقاة مدرجة تؤدي إلى بناء مربع لعله معبد من معابد القوم بني على هذا التل.

ولا توجد اليوم بقية للابلق الفرد، الذي افتخر السموأل وآل السموأل به، وكذلك يهود تيماء. وليس بمستبعد ان يكون ذلك الحصن من بقايا قصر "نبونيد" أو من بقايا قصر رجاله، أو من بقايا أبنية غيره ممن نزل هذا المكان. وقد يكون بناء أقامه السموأل وبناه بحجر تلك الأبنية القديمة. وقد اكسب قصر السموأل، هذا الموضع شهرة، وأكسبه خبر وفاء السموأل شهرة كذلك على النحو المذكور في كتب الأدب والأخبار.

وفدك موضع آخر من المواضع الذي غلب عليه اليهود. وسكانه مثل أغلب يهود الحجاز مزارعون عاشوا على الزراعة كما اشتغلوا بالتجارة وببعض الحرف التي تخصص فيها اليهود مثل الصياغة والحدادة والنجارة. والموضع من المواضع القديمة التي يعود عهدها إلى ما قبل الإسلام، وقد ذكره الملك "نبونيذ" في جملة المواضع التي زارها والتي. خضعت لحكمه في الحجاز. وكان رئيس فدك عند ظهور الإسلام وهجرة الرسول إلى يثرب يوشع بن نون.

ووادي القرى، هو من المواضع التي غصت باليهود، فكان أكثر أهله منهم. وقد كان يهوده من المزارعين، وقد حفروا به الآبار، وتحالفوا مع الآعراب، وعاشوا معهم متحالفين. يعملون بالزرع. وقد غزاهم الرسول مرجعه من خيبر سنة سبع للهجرة، على أثر اصابة "مدعم الأسود" مولى الرسول بسهم غارب قتله. وهو مولى مولد من "حسمى"، كان أهداه "رفاعة بن زيد الجذامي" أو "فروة بن عمرو الجذامي" إلى الرسول.

وكان بين أهل مقنا وأيلة في ايام الرسول قوم من اليهود كذلك، وكذلك أهل بقية القرى الواقعة في أعالي الحجاز وعلى ساحل البحر، وقد صالحوا الرسول على الجزية، وبذلك ضمنوا لهم البقاء في هذه الأنحاء. ومن هؤلاء اليهود "بنو جنبة"، وهم يهود ب "مقنا"،و "بنو غاديا"، و"بنو عريض". وكان بالطائف قوم من اليهود طردوا من اليمن ويثرب، فجاءوا اليها ولم تكن قد أسلمت بعد، فاًقاموا بها للتجارة. فلما صالح أهل الطائف الرسول - على ان يسلموا ويقرهم على ما في أيديهم من أموالهم وركازهم، واشترط عليهم ألا يربوا ولا يشربوا الخمر وكانوآ أصحاب ربا - وضعت الجزية على يهودها، وبقوا فيها، ومن بعضهم ابتاع معاوية أمواله بالطائف.

ويظهر انه لم تكن لليهود جاليات كبيرة في جنوب المدينة حتى اليمن، لعدم إشارة أهل الأخبار اليهم، وان كنت لا أستبعد وجود أفراد وأسر منهم في مكة وفي عدن وفي المدن التي اشتهرت بالتجارة كبعض موانىء البحر الأحمر وموانىء سواحل العربية الجنوبية. غير ان وجودهم في هذه المواضع، لم يكن له أثر واضح مهم، فلم يتجاوز محيط التجارة والاتجار وقد ذهب بعض المستشرقين، استناداً إلى دراسة أسماء يهود الحجاز عند ظهور الإسلام، ان اولئك اليهود لم يكونوا يهوداً حقاً، بل كانوا عرباً متهودين، تهودوا بتأثير الدعاة اليهود. ولكن الاستدلال من دراسة الأسماء على أصول الناس، لا يمكن ان يكون حجة للحكم على أصولهم وأجناسهم. فالفرس والروم والهنود وغيرهم ممن دخل في الإسلام، تسموا بأسماء عربية، وبعضها أسماء عربية خالصة. وتسمياتهم هذه لا تعني ان من تسمى بها كان عربي الأصل. ثم إن كثيراً من اليهود في الغرب وفي أمريكة وفي البلاد العربية والاسلامية، سموا أنفسهم بأسماء غير عبرانية، ولكنهم كانوا وما زالوا على دين يهود.

فالأسماء وحدها لا تكفي في اعطاء رأي علمي في تعيين الأصول والأجناس، ولا سيما في المواضع الكائنة على طرق التجارة والمواصلات وفي الأماكن التي يكثر فيها الاختلاط.

وللمستشرق "ونكلر" رأي في هذا الموضوع، خلاصته: ان اولئك اليهود لو كانوا يهوداً حقأَ هاجروا من فسطين إلى هذه المواضع، لكانت حالتهم وأوضاعهم ومستواهم الاجتماعي على خلاف ما كان عليه هؤلاء اليهود. كانت حالتهم أرقى وأرفع من الحالة التي كانوا عليها، إذ لا يعقل، على رأيه، وصول جماعة إلى ذلك المستوى الاجتماعي الذي كان عليه يهود جزيرة العرب لو كانوا من بلاد مستواها الثقافي والمدني أرقى من مستوى من هو دونهم كثيراً في شؤون الحياة. ومستوى الحياة في جميع نواحيها، في فلسطين، أرقى وأرفع من مستواها في الأماكن التي وجد فيها اليهود من بلاد العرب، فهم على رأيه عرب متهودون، لا يهود مهاجرون.

غير أن هنالك من يؤاخذ ونكلر على هذا الرأي، لأن رأيه لا يمكن ان ينطبق على من ترك دياره وهاجر، واستقر في موطن جديد لأمد طويل، لأن الأوضاع المحيطة بالوطن الجديد سرعان ما تؤثر في المهاجرين، ولا سيما إذا كانوا جماعات صغيرة أو جماعات ليست ذات بأس شديد، فتجعلها تنصاع للمحيط الذي نزلت به بعض الإنصياع، فتفقد بعض خصائصها، لتكتسب خصائص المجتمع الجديد. ثم إن اليهود الذين نزلوا في الحجاز كانوا يختلفون مع ذلك عمن كان في جوارهم أو بينهم، إذ كانوا يشتغلون بالزراعة ويمتهنون بعض المهن التي يأنفها العربي الأصيل، كما أنهم كانوا لا يرغبون في القتال، ولا يميلون إلى الغزو والحروب، ولم يشتركوا إلا اضطراراً وإلا بإلحاح المصالح الضرورية فيها، وهم يختلفون في هذه الناحية من الأعراب.

ويلاحظ أن يهود الجاهلية لم يحافظوا على يهوديتهم وعلى خصائصهم التي يمتازون بها ويحافظون عليها محافظة شديدة، كما حافظوا عليها في الأقطار الأخرى. فأكثر أسماء القبائل والبطون والأشخاص، هي أسماء عربية، والشعر المنسوب إلى شعراء منهم، يحمل الطابع العربي، والفكر العربي. وفي حياتهم الاجتماعية والسياسية لم يكونوا يختلفون اختلافاً كبيراً عن العرب، فهم في أكثر أمورهم كالعرب. فيما سوى الدين. ولعل هذا بسبب تأثير العرب المتهودة عليهم، وكثرتهم بالنسبة إلى من كان من أصل يهودي، مما سبب تأثيرهم،وهم ذوو أكثرية، في اليهود الأصيلين الذين أثروا فيهم فأدخلوهم في دينهم، فأثروا هم فيهم، وطبعوهم بطابع عربي.

وقد عاش اليهود في جزيرة العرب معيشة أهلها، فلبسوا لباسهم، وتصاهروا معهم، فتزوح اليهود عربيات، وتزوّ ج العرب يهوديات، ولعلّ كون بعض يهود من أصل عربي، هو الذي ساعد على تحطيم القيود التي تحول بين زواج اليهود بالعربيات وبالعكس. والفرق الوحيد الذي كان بين العرب واليهود عند ظهور الإسلام هو الاختلاف في الدين. وقد تمتع اليهود بحرية واسعة لم يحصلوا عليها في أي بلد آخر من البلاد التي كانوا بها في ذلك العهد.

ومن الأسماء التي قد تكون من أصل عبراني "زعورا"، وهو اسم عبراني متأثر بلهجة بني إرم، و "يساف"، وقد يكون من "يوسف"، و "نبتل" وقد يكون من نفتالي" Naftali، وأسماء أخرى لم تتمكن من المحافظة على أصلها العبراني، فتأثرت بخواص اللسان العربي. وليس بين أسماء البطون اليهودية الأحد عشر، التي كانت في الحجاز في أيام ظهور الإسلام، اسم تظهر عليه الملامح العبرانية غير الاسم الذي ذكرته وهو "زعوراء".

وكانت يثرب عند هجرة الرسول اليها، في أيدي أصحابها الأوس والخزرج، لهم السيطرة والسلطان، ولليهود آطامهم وقلاعهم في خيبر وفي تيماء وفي بعض قرى وادي القرى وفي أعالي الحجاز، يتاجرون، ويزرعون،ويقرضون الأموال بالربا الفاحش للاعراب، ويحترفون بعض الحرف مثل الصياغة، وهي حرفة اشتهروا بها منذ القديم، ويعقدون الأسواق ليقصدها الأعراب للامتيار.

ولكن اليهود مع ما كان لهم من قلاع واطام وقرى عاشوا فيها متكتلين مستقلين لم يتمكنوا من بسط نفوذهم وسلطانهم على الأرضين التي أنشأوا مستوطناتهم فيها، ولم يتمكنوا من انشاء ممالك وحكومات يحكمها حكام يهود، بل كانوا مستقلين في حماية سادات القبائل، يؤدون لهم إتاوة في كل عام مقابل حمايتهم لهم ودفاعهم عنهم ومنع الأعراب من التعدي عليهم. وقد لجأوا إلى عقد المحالفات معهم، فكان لكل زعيم يهودي حليف من الأعراب ومن رؤساء العرب المتحضرين.

وقد كان اليهود يخضعون في نظامهم السياسى والاجتماعي لرؤسائهم وساداتهم، يدفعون لهم ما هو مفروض عليهم أداؤه في كل سنة. وهؤلاء السادة هم أصحاب الآطام والحصون والأرض. ولمن يشتغل في الأرض تسديد ما عليه لصاحبها في مقابل استغلاله لها. وقد إعتنوا عناية خاصة بزراعة النخيل. وعرفت القطعة من الأرض المزروعة نخلاً عندهم ب "الصورين" "الصور". ولما كانت الأرضون المزروعة واسعة، كانت خارج الاطام والحصون، يحميها حراسها والمشتغلون بها أيام ثمرتها. وأما في أيام الغزو والحروب، فقد كانت معرضة لهجوم المهاجمين. وهذا ما كان يعرض أعظم غلة اليهود للخطر، ولهذا شق عليهم كثيراً،وانهارت مقاومتهم حين أمر الرسول بقطع النخل وتحربقه،وأخذوا يلتمسون منه وقف ذلك.

ويتولى الأحبار الأمور الدينية وتنفيذ الأحكام والنظر فيما يحدث بين الناس من خصومات. يقيمون لهم الصلوات وبقية شعائر دينهم، ويعلمونهم في بيوت ا لمدارس.

وقد أدى التنافس بين سادات يهود إلى نشوب معارك بينهم في الجاهلية. وقد أشار اليها القرآن الكريم وأنّبهم على ذلك. واضطرت بنو قينقاع بسبب ذلك وبضغط بني النضير وبني قريظة الى الالتجاء إلى أحياء يثرب والى محالفة الخزرج، وفي مقابل ذلك تحالفت بنو النضير وبنو قريظة مع الأوس، فصاروا فرقتين: فرقة مع الخزرج، وفرقة مع الأوس.

وفي تاًنيب يهود، لتخاصمهم وتنابذهم واخراجهم بعضهم بعضاً من ديارهم وأسٌر بعضهم بعضاً وافتداء الأسرى كالذي وقع بين بني قينقاع وبني النضير، نزل الوحي: )وإذ أخذنا ميثاقكم، لا تسفكون دماءكم، ولا تخرجون انفسكم من دياركم، ثم أقررتم و أنتم تشهدون، ثم أنتم هؤلاء تقتلون انفسكم، وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالاثم والعدوان. وإن يأتوكم أسرى، تفتدوهم وهو محرم عليكم اخراجهم، أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ? فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا، ويومَ القيامة يردّون إلى أشد العذاب، وما الله بغافلٍ عما تعملون (. أنبهم لأنهم فعلوا فعل المشركين والأعراب، مع انهم أهل دين واحد وكتاب. أما المشركون فلا لوم عليهم، لأنهم لم يكونوا على دين، وليس لهم كتاب ياْمرهم وينهاهم.

وفي المعارك والخصومات التي تقع بين يهود، كانوا يؤدون الدية. وهي على ما يظهر من روايات أهل الأخبار مختلفة، وغير متكافئة. فكان بنو النضير يؤدون الدية كاملة لشرفهم في يهود، أما بنو قريظة، فكانوا يؤدون نصف الدية. وفي خلاف في أداء الدية وقع بينهم، التجأوا إلى الرسول للحكم بين، فذكروا له هذا الاختلاف، فحكم بالدية متساوية. وفي هذا الحكم نزلت الاية: )سماعون للكذب، أكّالون للسحت، فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم، وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئاً، وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط، إن الله يحب المقسطين (. ذكر علماء التفسير عن "ابن عباس" أنه قال: "كانت قريظة والنضير، وكان النضير أشرف من قريظة، فكان إذا قتل رجل من قريظة رجلاً من النضير قتل به، وإذا قتل رجل من النضير رجلاً من قريظة ودى مائة وسق من تمر، فلما بعث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، قبل رجل من النضير رجلاً من قريظة فقالوا: ادفعوه الينا لنقتله، فقالوا: بيننا وبينكم النبي، صلى الله عليه وسلم، فنزلت: )وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط. النفس بالنفس، ونزلت أفحكم الجاهلية يبغون (.

وذكر علماء التفسير في تفسيرهم للايات المتقدمة، ان أحبار اليهود لم يكونوا يحكمون بالحق فيما بين الناس، كانوا يحابون ويتحزبون ويحكمون بالباطل وياًكلون "السحت" أي الرشا، جزاء حكمهم بالباطل. وكانوا يتساهلون في تطبيق أحكام الشريعة مع الشريف لشرفه، ويتشددون مع الدنيء لدناءته وفقر حاله. ولا يراعون التساوي في أخذ الديّات. "كان الشريف إذا زنى بالدنيئة رجموها هي وحموا وجه الشريف وحملوه على البعير، أو جعلوا وجهه من قبل ذنب البعير. وإذا زنى الدنيء بالشريفة: رجموه". و كان هذا شانهم " إلى ان زنى شاب منهم ذو شرف، فقال بعضهم لبعض لا يدعكم قومه تّرجمونه، ولكن اجلدوه ومثلوا به، فجلدوه وحملوه على حمار أكاف وجعلوا وجهه مستقبل ذنب الحمار. إلى ان زنى آخر وضيع ليس له شرف، فقالوا ارجموه. ثم قالوا فكيف لم ترجموا الذي قبله، ولكن مثل ما صنعتم به فاصنعوا بهذا"، واختلفوا فذهب فريق منهم إلى الرسول، فحكم بينهم بما جاء بحكم التوراة.

وذكر ان "حيي بن أخطب" كان قد حكم ان للنضري ديتان وللقرظي دية، لأنه كان من النضير.

وذكر أهل الأخبار انه كان لليهود حكام يحكمون بينهم، ويقيمون حدودهم عليهم. فلما جاء الرسول إلى يثرب، صار اليهود يعترضون على عدالة حكم بعضهم، ولا يرضون بتنفيذ أحكامهم عليهم. فكان الحكام أو هم يذهبون إلى الرسول لكي يحكم بينهم فيما هم فيه مختلفون وفق شريعتهم.

وكان جلّ اعتماد اليهود في هذه المنطقة عند ظهور الإسلام على التجارة، ومعاطاة الربا والزرع، وبعض أنواع الصناعة: كالصياغة، وتربية الماشية والدجاج، وصيد الأسماك في أعالي الحجاز على ساحل البحر الأحمر. واشتهروا بالاتجار بالبلح وبالبر والشعير والخمر، وكانوا يجلبون الخمر من بلاد الشام. وكانوا يبيعون بالرهن، يرهن المشترون بعض أمتعتهم عندهم ليستدينوا منهم ما يحتاجون اليه. وقد ورد ان الرسول رهن درعاً له عند يهودي من أهل يثرب في مقابل شعير كان به حاجة شديدة اليه، ومن الصناعات التي اشتغل بها اليهود، النسيج وهو من اختصاص نسائهم على الأكثر، والصياغة وقد اختص بها بنو قينقاع، والحدادة، وهي صناعة يإنف منها العرب ويزدرونها ويرونها من الحرف الممقوتة الحقيرة.

ولم يكن من مصلحة اليهود، وهم أهل زرع وضرع ومال وتجارة وأرض ثابتة وقصور وآطام، أن يشتركوا في الحروب أو يشجعوا وقوعها في ديارهم وفي جوارهم، بل كان من مصلحتهم أن يعمّ الاستقرار البلاد التي يقيمون فيها، ليعيشوا عيشة هنيئة، وليبيعوا ما عندهم من الأعراب وليشتروا منهم ما عندهم من سلع وليقبضوا أموالهم منهم والأرباح التي استحقت على تلك الأموال.

وفي النزاع الذي يقع بين القبائل، لم يكن من مصلحتهم تأييد حزب على حزب، خوفاً من الوقوع في أخطاء تجر عليهم أخطاراً ومهالك هم في غنى عنها وفي ماًمن من شرًها. ثم إنهم بتحزبهم لطرف يغضبون الطرف الاخر، فيضمر عندئذ شرأَ لهم، فيخسرون بذلك مشترياً وبائعاً. وهم أناس اصحاب سوق وتجارة. غير ان الظروف كانت تكرههم في بعض الأحيان على الاشتراك في الحرب، وعلى إثارة الحرب أيضاً متى وجدوا في إثارتها فائدة لهم ومصلحة ترتجى كاًن ينهكوا العدوّ بحرب مع عدو آخر بإيقاع الفتنة وإشعال النيران، كما أوقعوا بين الأوس والخزرج، لإضعاف الطرفين معاً، حتى لا تبقى لهم قوة تهددهم وتكون خطراً عليهم.

وفي يوم بعاث استعان الأوس ببني قريظة والنضير،فبلغ ذلك الخزرج فأرسلوا اليهم يحذرونهم من سوء عاقبة الإشتراك في هذا النزاع،فتوقفوا، غير أنهم عادوا فعاونوا الأوس، وانضم اليهم بنو النبيت. فلما كسب الأوس الحرب، كسب بنو قريظة والنضير والنبيت غنائم من الخزرج، وخرجوا في هذا اليوم منتصرين بانتصار الأوس.

ويذكر أهل السير والأخبار: ان يهود يثرب كانوا اذا تضايقوا من الأوس والخزرج هددوهم. بقرب ظهور نبي يستعلون به عليهم. ففي رواية عن بعض الصحابة انهم قالوا: "كنا قد علوناهم في الجاهلية، ونحن أهل شرك وهم أهك كتاب، فكانوا يقولون لنا: إن نبياً يبعث الان نتبعه، قد أطل زمانه، نقتلكم معه قتل عاد وإرم". ولما ذكّرهم معاذ بن جبل وبشر بن البرّاء بن معرور ونفر آخرون بدعواهم تلك، وبظهور النبى العربي بقولهم، لهم: "يا معشر يهود، اتقوا الله، واسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد، ونحن أهل شرك، وتخبروننا انه مبعوث وتصفونه لنا بصفته"، فكان جواب يهود لهم ما جاء على لسان سلام بن مشكم أحد بني النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو بالذي كنا نذكره لكم. وقد أشير إلى ذلك في القرآن الكريم: ) ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم، وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا. فلما جاءهم ما عرفوَا، كفروا به، فلعنة الله على الكافرين(. واستفتاح اليهود على المشركين، هو للتفريج عن أنفسهم ولتخويف الأوس والخزرج ولاعتقادهم حقاً بظهور مسيح منهم، أي من بني اسرائيل. ولهذا أنكروا نبوة الرسول، وأبوا التسليم بها، لأنه لم يكن منهم، ولأن النيوة لا تكون - على رأيهم - إلا في بني اسرائيل.فكيف يصدقون بنبي عربي من الأميين "نبيَ اموت ها عولام "Nebi'e Ummot ha -'Olam.

يهود اليمن

والموضع الثاني الذي عششت فيه اليهودية وباضت، هو اليمن. ففي هذه الأرض من جزيرة العرب ظهر اليهود فيها ظهوراً واضحأَ، وصارت اليهودية ديانة البلاد الرسمية. أما كيفية مجيئها وانتشارها هناك، ومتى كان ذلك، فليس لدينا علم واضح دقيق عن ذَلك. ويزعم أهل الأخبار ان تبعاً، وهو التبع "تبّان اسعد ابو كرب"، اهتدى إلى هذه الديانة عند اجتيازه بيثرب وهو عائد إلى اليمن من حرب قام بها في الشمال وفي ايران، وذلك بتاًثير بعض الأحبار عليه، ومنذ ذلك الحين صارت هذه الديانة ديانة رسمية للبلاد.

وتجعل بعض روايات الأخباربين اسم هذا التبع "تبع بن حسان " أو "حسان"، وهو "تبع الأصغر"، أو "أبو كرب بن حسان بن اسعد الحميري" أو غير ذلك. وتزعم ان حبرين من أحبار اليهود من بني قريظة عالمين راسخين في العلم، هما اللذان هديا التبع إلى اليهودية، وأبعداه عن عبادة الأوثان.

وقد يكون لهذه الروايات شيء من الصحة، غير أني أرى ان دخول اليهوديه إلى اليمن مردّه ايضاً إلى اتصال اليمن من عهد قديم بطرق القوافل التجارية البحرية والبرية ببلاد الشام. وفي قصة سليمان وملكة سبأ إشارة إلى تلك الصلات، والى هجرة جماعات من اليهود إلى هذا القطر عن طريق الحجاز، بعوامل متعددة، منها: التجارة والهجرة إلى الخارج،. وهروبهم من اضطهاد الرومان لهم، وعوامل أخرى جعلتهم يتجهون من الحجاز إلى اليمن، فأقاموا هناك.

وأما يهود اليمن المحدثون فإن أحبارهم ورجال العلم والفهم منهم يرجعون وجودهم في اليمن إلى أيام السبي، أي إلى ايام "بخت نصر"، وهم يزعمون أنهم بقوا في اليمن منذ ذلك الحين ولم يعودوا إلى فلسطين. وقد غادروا اليمن بعد التقسيم.

وقد أشار حبر يسمى "ربي عاقبة" "رباي عقيبة"Rabbi'Aqiba، في حوالى سنة "130 م"، إلى زبارته لملك عربي كوشي "مليخ عرابيم" كانت زوجته كوشية كذلك، وإلى تحدثه معه. ويراد ب "كوش" الأحباش غير ان بعضهم كان يقصد بها العربية الجنوبية،كذلك. ولا يستبعد ان يكون مراد الحبر بذلك اليمن،أو منطقة أخرى من العربية الجنوبية كان الحبش قد استولوا عليها. وربما قصد منطقة افريقية ساحلية كان يحكمها ملك عربي في ذلك الوقت.

وتدل رحلة "ربي عقيبة" R.Aqiba هذه إلى اليمن على وجود يهود فيها، إذ لا يعقل سفره هذا إلى تلك البقعة النائية وتجشمه مشقته، لو لم تكن هناك جالية يهودية فيها. وقد يجوز ان تكون سفرته إلى اليمن مجرد سفره استطراق وعبور، لغاية الذهاب من اليمن إلى الحبشة، ولكني لا أستبعد مع ذلك وجود اليهود في اليمن في هذا العهد، إذ كان "أوليوس غالوس" قد جاء بجمع منهم معه في حملته على اليمن، فيجوز ان يكون بعضهم قد فضّل البقاء في اليمن والسكن فيها لطيبها ولخصب أرضها وتعبهم من السفر، ففضلوا لذلك البقاء على الرجوع وتحمل المشقات والجوع والعطش والهلاك. وقد هلك بالفعل القسم الأكير من رجال الحملة بسبب صعوبة الطريق والحر الشديد والجوع والعطش.

وقد عثر على كتابة من كتابات القبور في "بيت شعا ريم" Beth She'arim في جنوب شرقي حيفا، ورد فيها:"منحم قولن حميرن" Mnhm Kwin hmyrn اي "مناحيم قيل حمير". والموضع الذي وجدت هذه الكتابة فيه، هو مقبرة من مقابر كبار الأحبار، وقد وجدت معها كتابات أخرى، تشير إلى أسماء أحبار معروفين، قبروا فيها. لذلك فإن "مناحيم" "قيل حمير" هو يهودي، قد كان جاء إلى فلسطين للزيارة أو للاتصال بعلماء اليهود الذين كانوا قد تجمعوا في "بيت شيعا ريم"،. فمرض ومات هناك. ودفن في مقبرة هذا الموضع. ويرجع الباحثون تأريخ الكتابة المذكورة إلى حوالى سنة "200 م".

واستدل بعض المستشرقين بنص دوّ نه "شرحبيل يعفر بن أبي كرب اسعد"على سد مأرب، وردت فيه جملة "بعل سمن وارضن"، أي "رب المسماء والأرض" على تهوده بحجة ان هذه العبارة تشير إلى التوحيد الخالص، والتوحيد الخالص هو عقيدة يهود.

وقد ذكر المؤرخ النصراني "فيلوستورجيوس"Philostorgius في حوالى سنة425 م، ان أهل سبأ كانوا يتبعون في "السبت" سنة "ابراهيم"، ولكنه ذكر أيضاً انهم كانوا يعبدون الشمس والقمر ومعبودات أخرى، وان بعضاً منهم كان على دين يهود،وانه قاوم رسالة "ثيوفيلس" Theophilus الذي أرسله القيصر قسطنطين "ه 340 - 361 م" للتبشبر بين الحميريين. وذكر المؤرخ "ثيودور لكتور" Theodorus Lecrtor، وهو من رجال النصف الأول للقرن السادس للميلاد، ان الحميريين كانوا في بادىء أمرهم على دين يهود، دخلوا فيه في ايام ملكة سبأ المعروفة بقصتها مع سليمان، بدعونها اياهم إلى هذا الدين. ولكنهم كما يقول هذا المؤرخ عادوا فارتدوا إلى الوثنية، ثم دخلوا بعدئذ في النصرانية في ايام القيصر "أنسطاس" Anstasius"491 - 518م". ولم يشر هذا المؤرخ إلى وجود اليهودية بين الحميريين، كما انه لم يشر ولا المؤرخ الآخر إلى تهود احد من ملوك حمير.

ويفهم من الجمل: "وان اليهود الكائنين في طبرية يرسلون سنة فسنة وقتاً فآخر كهنة منهم إلى هناك لإثارة السجس بين نصارى الحميريين. فلو كان الأساقفة نصارى وليسوا بشركاء لليهود، ويودّون ان تستقيم النصرانية، لرغبوا إلى الملك وعظمائه، ليلقوا القبض على رؤساء كهنة طبرية و بقية المدن،ويلقوهم في السجن. ولا نقول هذا لنجازي سيئة بسيئة، بل ليتوثقوا منهم بكفلاء حتى لا يعودوا يرسلون رسائل وأشخاصاً وجيهين إلى ملك الحميريين، فيصب صاعقة الأرزاء على شعب المسيح في حمير..."،وهي جمل اقتبسها من رسالة "شمعون" عن تعذيب نصارى نجران، ان يهود اليمن لم يكونوا بمعزل عن يهود فلسطين، بل كانوا على اتصال بهم، وان أحبار طبرية كانوا يرسلون رجالا منهم إلى اليمن ومعهم أموال ووجوه إلى يهودها وملكها وكبارها للتأثير فيهم ولتوثيق صلاتهم وروابطهم بهم، وقد نسب شمعون إلى أحبار طبربة، انهم كانوا يحرضون ملك حمير ويهود حمير على الضغط على نصارى اليمن وعلى اضطهادهم انتقاما منهم،فطالب الحكومة والنصارى على الضغط على يهود فلسطين وعلى أحبار طبرية بصورة خاصة، ليكتبوا إلى يهود حمير بالكف عن التحرش بنصارى اليمن، وعن تهديدهم بانزال العقوبات بهم انتقاما منهم إن لم يسدوا لهم النصح.

وورد في أخبار الشهداء الحميربين: أن أحبارا من فلسطين من "طبريا" Tiberias،كانوا قد جاؤوا أخوانهم في الدين يهود اليمن وسكنوا معهم. ومعنى هذا أن الصلات بين يهود اليمن وجهود فلسطين كانت موجودة، وأن يهود اليمن لم يكونوا بمعزل عن يهود فلسطين، ويجب أن يقال مثل ذلك عن يهود الحجاز، اذ لا بد وأن يكون ليهود الحجاز اتصال بيهود فلسطين وبيهود اليمن. وكيف لا يكون لهم اتصال بهم، وهم جيران فلسطين ولهم تجارات معهم، ثم إنهم على طريق اليمن وفلسطين، فإذا أراد يهود فلسطين الذهاب إلى اليمن، أو يهود اليمن الذهاب إلى فلسطين فلا بد من المرور بأرض يهود الحجاز والنزول بهم.

وقد عثر في اليمن على نص مكتوب بالمسند، وردت فيه كلمة "يسرائيل "و "رب يهود". ويدل هذا على أن صاحبه كان على دين يهود. عثر عليه المستشرق "كلاسر" ونشره المستشرق "ونكلر"، وهذا هو: "تبرك سم رحمنن ذ بسمين "سمن" ويسر ال والهمو رب يهود. ذ هرد عبد همو وشحرم وامهوبم "?" وحشكهتو شمسم واولدهمو ذمم "?" وابشعر ومار وكل ابهه".

وأما كتابته بلهجتنا، فعلى هذا المنوال: "تبارك اسم الرحمان الذي في السماء واسرائيل وإلهه رب يهود الذي ساعد عبده شحراً وأمه بم "?" وزوجته شمساً واولاده ذمم "?" وأبشعر ومئاراً وكل أهله "بيته".

غير أن من الباحثين من يشك في صحة نقل هذا النص نقلاً صحيحاً تاماً، ولم يتأكد من صحة نقل كلمة "اسرائيل".

واليهودية وإن ضعفت في اليمن بدخول الحبشة فيها، بقيت مع ذلك محافظة على كيانها، فلم تنهزم، ولم تجتث من أصولها، وبقيت قائمة في هذد البلاد في الإسلام كذلك فلم يجل أهلها عنها كما أجلي أهل خيبر، وظلت بقيتهم هناك إلى سُنيات قريبة حيث غادروها على أثر حوادث فلسطين.

وقد كانت "نجران" من المستوطنات المهمة التي نزل بها اليهود في اليمن. وهي مكان خصب، وقد عاش اليهود فيها مع غيرهم من العرب من نصارى وعبدة أصنام.

ووجد اليهود في مواضع أخرى من جزيرة العرب. وجدوا في العربية الشرقية وفي نجد وفي مواضع من العربية الجنوبية. ولما ارتد "بنو وليعة" والأشعث بن قيس بن معديكرب بن معاوية الكندي، وتحصن "الأشعث" في النجير"، وهو حصن لهم، كانت فيه امرأة من يهود، عرفت بشماتتها بوفاة الرسول، اسمها "هند بنت يامين" اليهودية. مماْ يدل على وجود اليهود في هذا المكان. وكان بالبحربن قوم من اليهود، صالحوا المسلمين مثل النصارى على دفع الجزية عن رؤوسهم. وقد كتب "المنذر بن ساوى" العبدي، يخبر الرسول أن بأرضه يهود ومجوس، فكتب اليه الرسول: "من أقام على يهودية، أو مجوسية فعليه الجز ية".

الفصل السابع والسبعون

اليهود والأسلام

ويتبين من القرآن الكريم، ان اتصال الرسول باليهود اتصالاً مباشراً إنما كان في يثرب. أما في مكة،فلم يكن لليهود فيها شأن يذكر، لذلك لا تجد في الايات المكّية ما نجده في الآيات المدنية،ولا سيما المتاًخر منها، من تقربع لليهود وتوبيخ لهم، لوقوفهم موقفاً معادياً من الإسلام، واتفاقهم مع المشركين في معارضة الرسول ومقاومته. وقد بدأ اليهود يعارضون الرسول والإسلام، حينما طلب اليهم الدخول في الإسلام والإبمان برسول اللّه، وحينما تبين لهم أن الأمر سيفلت من أيديهم، وأن الرسول ليس كبقية رجال قريش أو غير قريش سهل الانقياد مطواعاً لهم، وأن تعاليم الإسلام ستفسد العرب عليهم، ولا سيما بعد تحريم الربا. والربا مورد مهم كان يدر ربحاً عظيماً على يهود، لهذا وجدوا مصلحتهم في معارضته ومقاومته وفي الاتفاق مع المشركين عليه.

ويظهر أنه لم يكن لليهود نفوذ كبير ولا جاليات كبيرة في مكة. فلو كان لهم نفوذ فيها أو راي مسموع، لسمعنا به كما سمعنا بخبرهم في يثرب، ولكان لهم حيّ خاص بهم، ومكانة بين رجال قريش، كالذي كان عليه يهود يثرب في اتصالهم بالأوس والخزرج. ولأشير اليهم في السور المكية، على نحو ما أشير اليهم في السور المدنية، ثم لما ضطر رجال قريش للذهاب الي يثرب مراراً، لاستشارتهم في أمر سلوكهم مع المسلمين، ولما جاء سادات يهود يثرب إلى مكة، لتحريض اهلها على مقاومة الرسول، ولعقد حلف معهم عليه.

وقد أمل المسلمون ان يساعد اليهود الإسلام على الوثنية وان يقفوا منه موقف ود أو حياد، ذلك بأنهم أصحاب كتبُ منزلة ودين توحيد، والاسلام قريب منهم، وقد اعترف بالأديان السابقة له، ونزه الأنبياء والمرسلين، وهو دين توحيد كذلك. ثم إن الرسول تودد اليهم حين دخوله يثرب،وأمنهم على أموألهم وأنفسهم، وزارهم وطمأنهم، ثم تعاهد معهم في صحائف كتبت لهم، فيها العهد بالوفاء لما اشترط لهم، ما داموا موفين با الوعد وبالعهد وقد طلب إلى جميع المسلمين الوفاء بما جاء فيها، ومنعوا من التجاوز والتطاول على من في يثرب من يهود. وجعل لليهود نصيبأَ في المغنم إذا قاتلوا مع المسلمين كما شرط عليهم النفقة معهم في الحروب.

ولم تكن علاقات اليهود مع المسلمين سيئة في الأيام الأولى من مجيء الرسول إلى يثرب. رأت جمهرة يهود ان الإسلام دين اعترف بالأنبياء، وانه دين توحيد وانه في جملة أحكامه قريب من أحكام ديانتهم وقواعدهم،وانه يناهض الأوثان، وقد أشاد بفضل بني اسرائيل وبتفوقهم على غيرهم بظهور الأنبباء من بينهم، ثم إن قبلته إلى القدس، وقد تسامح معهم فأباح للمسلمين. طعام أهل الكتاب.

وهو دين اعترف بأبوة ابراهيم للعرب، وجعل سنته سنة له. وقد تسامح معهم وحفظ ذممهم، فلم ترَ في انتشاره بين أهل يثرب ما يضيرهم شيئاً أو يلحق بهم أذى، ولذلك أظهرت استعدادها لعقد حلف سياسى معه ووقوفها موقف ود منه أو موقف حياد على الأقل، على ألا يطلب منها تغيير دينها وتبديله والدخول في الاسلا م.

ولما دخل أهل يثرب في الإسلام أفواجاً، وتوجه المسلمون إلى اليهود يدعونهم إلى الدخول فيه والى مشاركتهم لهم في عقيدتهم باعتبار أنهم أهل دين يقول بالوحي ويؤمن بالتوراة، و برسالة الرسل،فهم لذلك أولى بقبول هذه الدعوة من الوثنيين، أدركت جمهرتهم ان الإسلام إذا ما استمر على هذا المنوال في المدينة من التوسع والانتشار ومن توجيه دعوته إلى اليهود أيضاً، فسيقضي على عقيدتهم التي ورثوها وهي عقيدة لا تعترف بقيام نبىّ من غير بني اسرائيل، ولا بكتب غير التوراة والكتب التي دونها علماؤهم، ثم هم يرون ان النبوة قد ختمت ولن يكون المسيح إلا منهم، فكيف يعتقدون بنبي عربي وهو من الأميين ? وقد رفض اليهود الدخول في الإسلام، وأبوا تغيير دينهم، ودافعوا عن عقيدتهم وتمسكوا بها، ورفضوا التسليم بما جاء في رسالة الرسول من أن الرسول نبي أرسل للعالمين كافة وأنه خاتم الأنبياء والمرسلين، وأن القرآن كتاب مصدق من الله، وأن أحكامه مؤيدة لما جاء في التوراة ناسخة لبعضها. وقد جادلوا في ذلك، وانبرى أحبارهم للدفاع عن عقيدتهم ولمجادلة من يأتي اليهم من المسليمن لاقناعهم في الدخول في الإسلام. وفي القرأن الكريم صور من جدلهم هذا ومن محاجّتهم الرسول في دعوته، كما نجد مثل ذلك في الحديث النبوي وفي كتب السير.

ويتبين من نتائج دراسة صور هذا الجدل والخصام الذي وقع بين اليهود والمسلمين، وهو خصام مهم خطير، أن الخصومة كانت في مرحلتها الأولى رفض لدعوة الرسول إياهم للدخول في الإسلام، وتمسكأَ شديداً بعقيدته وبدينهم وبما ورد عندهم من أن النبوة قد بدأت وانتهت في بني اسرائيل، ثم تطورت واشتدت عنفاً وقوة لما تبين لهم أن الإسلام يرفض نظريتهم هذه، وأنه قد حرم أموراً ستؤثر في مستقبلهم، وقد ألف بين قلوب أهل يثرب وأوجد منهم كتلة واحدة، وأنه سيحدّ من سلطانهم لامحالة، وأن ملكهم سيزول، فوسعوا مقاومتهم، واتصلوا بمن وجدوا فيه حقداً وبغضاً للرسول، وبمن تأثر سلطانه بدخول الإسلام في يثرب من أهلها، ثم لما وجدوا أن كل ذلك غير كاف، تراسلوا مع أعداء الرسول في خارج يثرب من قريش. لتوحيد خططهم معهم، ولجملهم على مهاجمة المسلمين في مدينتهم ومعقلهم قبل أن يستفحل أمرهم ويقوى مركزهم،فيعجزون جميعاً هم وأهل مكة عن التغلب عليهم والقضاء على الإسلام.

وهكذا بدأت خصومة اليهود للاسلام خصومة فكرية، هم يرفضون الاعتراف بنبوة الرسول، وباًن دعوته موجهة إليهم، ويرفضون نبوة في غير بني اسرائيل، والرسول يدعوهم إلى الايمان بالله والى الدخول في دعوته المبنية على الايمان بالله رب العالمين، رب العرب وبني اسرائيل والعجم، وعلى الايمان بنبوته وبنبوة الأنبياء السابقين، ثم تطورت هذه الخصومة إلى معارك وحروب، والحروب كما نعلم تبدأ نزاعاً في الآراء وألأفكار ثم تتحول الى صراع ونزاع وقتال.

ومن أشهر سادات يهود الذين وقفوا موقفاً معادياً من الرسول، وعارضوه معارضة شديدة، وصمموا على الايقاع به، حيي بن أخطب، وأخواه ياسر بن أخطب وجُدىَّ بن أخطب، وسلام بن مشكم، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقق، وسلام بن الربيع بن أبي الحقيق، وهو أبو رافع الأعور الذي قتله أصحاب الرسول يخيبر، والربيع بن الربيع بن أبي الحقيق، وعمرو بن جحاش، وكعب بن الأشرف، والحجاح بن عمرو حليف كعب ين الأشرف، وكردم بن قيس حليف كعب بن الأشرف، وكل هؤلاء من بني النضير، وعبدالله بن صوري الأعور، وابن صلوبا، وهما من بني "ثعلبة بن الفطيون"، وزيد ابن اللعيث "اللعيب"، وسعد بن حنيف، ومحمود بن سيحان "سبحان"، وعزير بن أبي عزير، وعبدالله بن صيف "ضيف"، وسويد بن الحارث، ورفاعة بن قيس، وفنحاص، وأشيع، ونعمان بن أضنا "أمنا ?"، وبحري ابن عمرو، وشاس بن عدي، وشاس بن قيس، وزيد بن الحارث، ونعمان ابن عمرو، وسكين بن أبي سكين، وعدي بن زيد، ونعمان بن أبي أوفى أبو أنس، ومحمود بن دحية، ومالك بن الصيف "الضيف"، وكعب بن راشد، وعازر، ورافع بن أبي رافع، وخالد، وإزار بن أبي إِزار "آزر بن أبي أزر"، ورافع بن حارثة، ورافع بن حريملة، ورافع بن خارجة، ومالك بن عوف، ورفاعة بن زيد بن التابوت، وكل هؤلاء من يهود بني قينقاع.

أما الذين حاربوا الإسلام من بني قريظة، فكانوا: الزبير بن باطا بن وهب، وعزّال بن شمويل "سموال"، وكعب بن أسد، وهو صاحب عقد بني قريظة الذي نقض عام الأحزاب، وشمويل بن زيد، ونافع بن أبي نافع، وأبونافع، وعدي بن زيد، والحارث بن عوف، وكردم بن زيد، وأسامة بن حبيب، ورافع بن رميلة "زميلة"، وجبل بن أبي قشير، ووهب بن يهوذا.

أما من بقية بطون يهود، فكانوا: لبيد بن أعصم،وهو من يهود بني زريق، وكنانة بن صورياء "صوريا"، وهو من بني حارثة، وفردم "قردم" بن عمرو، وهو من يهود بني عمرو بن عوف، وسلسلة بن برهام، وهو من يهود بني النجار.

ويظهر من أقوال علماء التفسير في تفسير لفظة "الطاغوت" الواردة في القرآن الكريم، أن "كعب بن الأشرف"، كان من أبرز سادات اليهود في أيام الرسول. فقد كانوا يتحاكمون اليه ويأخذون برأيه، وكان المقدم عندهم وعند الأوس والخزرج، حتى أن الأنصار كانوا يتحاكمون اليه.

ونجد في القرآن أمثلة من أسئلة وجهها اليهود إلى الرسول لاخراجه ولإظهار فساد دعوته بزعمهم. سألوه ان يأتي لهم بمعجزة، إِذ قالوا له: "إن الله عهد الينا ألا نؤمن لرسول حتى يؤتينا بقربان تأكله النار"، فنزل الرد عليهم: )قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم، فلِمَ قتلتموهم إن كنتم صادقين(. "نزلت في كعب بن الأشرف، ومالك بن الصيف، ووهب بن يهوذا، وفنحاص بن عازورا، وجماعة أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: له: أتزعم أن الله أرسلك الينا، وأنه أنزل علينا كتاباً عهد الينا فيه ألا نؤمن لرسول يزعم أنه من عند الله حتى يأتينا بقربان تأكله النار،فإذا جئنا به صدقناك، فأنزل الله هذه الآية". وسألوه "أن يصعد إلى السماء وهم يرونه فينزل عليهم كتاباً مكتوباً فيما يدعيه على صدقه دفعة واحدة، كما أتى موسى بالتوراة". وساًلوه أسئلة عن أشياء مذكورة في التوراة، وسألوه عن أشياء أخرى محرجة عديدة،وأوحوا إلى غيرهم من المشركين باسئلة مماثلة ليلقوها على الرسول لامتحانه وإحراجه، وقد نزل الوحي بالرد، عليهم، وبتأنيهم على اقوالهم هذه،وبتذكيرهم بما قام به أجدادهم إوأسلافهنم في مقام أنبيائهم من عدم التصديق برسالتهم ومن الطعن بهم ومن إصرارهم على عبادة الأوثان والكفر بالتوحيد.

ووقع جدل بين المسلمين وبين سادات يهود، أثار نزاعاً بين الطرفين. دخل أبو بكر " بيت المدراس، فوجد من يهود ناساً كثيراً قد اجتمع إلى رجل منهم يقال له "فنحاص" كان من علمائهم وأحبارهم ومعه حير يقال له: أشيع. فقال أبو بكر لفنحاص: ويحك يا فنحاص اتق الله وأسلم، فوالله انك لتعلم ان محمداً رسول الله قد جاءكم بالحق من عند الله تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة والانجيل. قال فنحاص: والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من فقر وانه الينا لفقير، وما نتضرع اليه، كما يتضرع الينا وإنا عنه لأغنياء. ولو كان عنا غنياً ما استقرض منا، كما يزعم صاحبكم. ينهاكم عن الربا ويعطيناه، ولو كان غنياً عنا ما اعطانا الربا، فغضب أبو بكر، فضرب وجه فنحاص ضربة شديدة وقال:. والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينك لضربت عنقك ". ووقع مثل ذلك في مناسبات أخرى، جعل اليهود يحقدون على المسلمين.

وعمد اليهود إلى استغلال الأحقاد والبغضاء الكمينة التي كانت كامنة في نفوس اهل يثرب من الأوس والخزرج من ايام الجاهلية، فأثاروها، كما استفادوا ممن كان بينهم وبين رجال من المسلمين من الحلف والجوار في الجاهلية للاحتماء بهم وللاتقاء بهم مما قد يلحق بهم من أذى في اثارة الفتنة.

وفي عهد "عمر" أمر بإجلاء اليهود ممن لم يكن لديهم عهد من رسول الله.

أما من كان له عهد منه، فقد بقي في وطنه وعلى دينه بالشروط التي ذكرت في الصحف. وقد كان في يثرب نفر من اليهود عاشوا فيها في زمن الرسول حتى بعد اجلاء بني النضير وبني قريظة وبعد غزوة خيبر. وقد ورد في رواية أن النبي لمّا أمر أصحابه بالتهيؤ لغزوة خيبر، شقّ ذلك على من بقي بالمدينة من يهود. ولما مرض عبدالله بن أبي، كان اليهود في جملة من التفّ حول سريره في مرضه الذي هلك فيه، ثم كانوا في جملة من شيعه إلى قبره ومن نثر التراب على رأسه حزناً على فراقه. وقد بقيت اسر يهودية في وادي القرى وفي تيماء قروناً عديدة بعد صدور أمر عمر بالإجلاء، بل ورد ان عدداً منهم عاش في المدينة أيضأَ.

. وقد كانت اليهودية قانعة بما أوتيت، وبما كسبته من مواطن وتجارة، إن وجدت سبيلاً إلى اقناع سادات القبائل والأمراء والملوك بالتهود وبالدخول في دعوتها، فذلك خير وتوفيق. وإن لم تجد في هؤلأء ميلاً إلى اليهودية، رضيت منهم باكتساب العطف والحماية ورعايتهم في تحصيل ديونهم والأرباح التي يحصلون عليها من الربا، وبالسماح لهم بالتجارة والبيع والشراء، وهو ما يصبو اليه كل يهو دي.

لذلك نستطيع ان نقول ان اليهودية كانت من ناحية التبشير عند ظهور الإسلام جامدة خامدة، لا يهمها نشر الدين بقدر ما تهمها المحافظة على الحياة وعلى المركز الذي توصلت اليه وعلى تجارتها التي تعود عليها بمال غزير. فكانت لهذا لا تهتم بحركة إلا إذا وجدت فيها فائدة لها، ومنفعة ترتجى منها، ولا تحارب رأياً إلا إذا وجدت انه سيكون خطراَ عليها، فحاربت النصرانية في اليمن لمّا وجدت الروم يسيرون على سياسة معادية لليهود، وان النصرانية مهما كانت كنيستها هي فرع من شجرة واحدة هي الشجرة التي يقدسها الروم، فامتداد اي فرع منها إلى اليمن، كفيل بالحاق الأذى الذي لاقاه اخوانهم من البيزنطين بهم. وحاربت الإسلام بعد هجرة الرسول إلى المدبنة، لمّا تبين لها انه يدعو إلى رب العالمين، وانه لم يكن على ما ظنته حينما سمعت بدعوة الرسول وهو في مكة، من انه سيخضع لها، أو سيميل اليها، فتستفيد منه على الأقل، فلما وجدت الأمر غير ما ظنت، عندئذ خاصمته وانضمت إلى المشركين في محاربة الإسلام.

ولسنا نجد بين القبائل العربية يهوداً وفدوا اليها وأحباراً سكنوا بينها لاقناعها بمختلف الوسائل والطرق للدخول في دين يهود. نعم لم يفعل اليهود هذا كمافعله ألنصارى، ولهذا انحصرت سكنى اليهود عند ظهور الإسلام في هذه المواضع الخصبة وطرق المواصلات والتجارة البرية والبحرية من جزيرة العرب، وانحصر عملهم في التجارة وفي الربا وفي الزراعة وفي بعض الصناعات التي تخصصوا بها.

وهي أمور جعلت لهم نفوذاً عند سادات القبائل والأمراء والملوك.

وقد كانت لليهود مواضع يتدارس فيها رجال دينهم أحكام شريعتهم، وأيامهم الماضية، وأخبار الرسل والأنبياء، وما جاء في التوراة والمشنا، وغير ذلك. عرفت بين الجاهليين ب "المدراس" و "بيت المدراس" "والمدراش". وأطلق الجاهليون على الموضع الذي يتعبد اليهود فيه "الكنيس" و "كنيسة اليهود" تمييزاً لهذه الكنيسة عن "الكنيسة" التي هي لفظة خاصة بموضع عبادة النصمارى. وقد ذكر بعض علماء اللغة أن الكنيسة كلمة معربة من "كنشت" وهي لليهود، والبيعة للنصارى. وذهب بعض آخر إلى أنها متعبد الكفّار مطلقاً. وقد أخذ الجاهليون مصطلح "المدراس" من العبرانيين، من لفظة "مدراش" Midrash التي هي من أصل "درش"Darash التي تقابل "درس" في العربية، وتؤدي هذه الكلمة المعنى المفهوم من لفظة "درس" العربية تمام الأداء. ويقصد بالمدراش درس نصوص التوراة وشرحها وتفسيرها وإيضاح الغامض منها وأسرارها وامثال ذلك، وينهض بذلك المفسر الشارح "درشن" Darshan، ولكل طريقة واسلوب. وقد نجمت عن هذه الدراسة ثروة أدبية ودينية طائلة للعبرانيين. نتجت من اتباع جملة طرق في الشرح والتفسير، منها "مدراش هلاخه" Midrash Halachah و "مدراش هاكاده " Midrash، Haggadah، وتختلف هذه في كيفية اتباع طرق العرض والشرح والتفسير.

ولم يكن المدراس "المدراش" موضع عبادة وصلوات حسب، بل كان إلى ذلك دار ندوة ليهود يجتمعون فيه في أوقات فراغهم لاستئناس بعضهم ببعض وللبحث في شؤونهم، وللبت في القضايا الجسيمة الخطرة على اختلاف درجاتها.

فهو اذن مجمع الأحبار ومجمع الرؤساء والسادات وأصحاب الشرف فيهم، واليه كان يقصد الجاهليون حين يريدون أمراً من الأمور أو الاستفهام عن شيء يريدون الوقوف عليه، والية ذهب الرسول وكبار المسلمين لمحادثة يهود ومجادلتم فيما كان يحدث بينهم من خلاف أو من أمر يريدون البت فيه. ويقال انهم عرضوا أمام الرسول كتبهم، فكان يقرأها له بعضهم ممن دخل في الإسلام كعبدالله بن سلام أو بعض المسلمين ممن كان له علم وفهم في العبرانية لغة يهود.

قال "ابن عباس": "دخل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بيت المدراس على جماعة من يهود، فدعاهم إلى الله، فقال له نعيم بن سرو، والحارث بن زبد: على أي دين أنت يا محمد ? فقال على ملة ابراهيم ودينه. فقالا: فإن ابراهيم كان يهودياً. فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهلموا إلى التوراة، فهي بيننا وبينكم، فأبوا عليه". ويظهر ان هذا المدراس كان من بيوت مدراسهم بيثرب.

وعرفت مساجد اليهود، أي المواضع التي كان يصلّون بها، بالمحاريب جمع محراب. وقد جاءت الاشارة اليها في بيت شعر منسوب إلى "قيس بن الخطيم". أما في النصرانية، فقد خصصت الكلمة بصدر الكنائس، وذلك على ما يفهم من الكلمة في الإسلام.

وعرف علماء اليهود ورجال دينهم ب "الأحبار" جمع "الحبر" وب "الربانيين" وقد وردت الكلمتان في القرآن الكريم". وللاسلاميين آراء في أصل "الحبر"، وهم يذكرون أن من معانيها العالم، والرجل الصالح. واللفظة من الألفاظ المعرية عن العبرانية أصلها "حبر" Haber وجمعها حبريم Habarim، ومعناها "الرفيق" Camrade و associate، وكانت ذات مدلول خاص ومعنى معين. وقد أطلقت في العهد التلمودي على العضوية في جمعية معينة، فاًطلقت في العصر الأول والثاني للميلاد على من كان من "الفروشيم"، وهم شيعة يهودية أقسمت على نفسها بمراعاة النصوص الدينية "اللاوية" على نحو ما نزلت وعلى نحو ما يفعله اللاويون.

وللفظة "حبر" أهمية كبيرة عند اليهود، فإنها تشير إلى العلم والمعرفة، وان كانت لا تصل إلى درجة "رابي" "ربي" Rabbi. ولا تزال مستعملة عندهم فيمن درس الشريعة اليهودية والعلوم الشرعية وتقدم فيها وأتقن الأحكام، وقضى بين الناس، غير أنها دون درجة Rabbi. فهي في العبرانية بمعنى عالم ولكن دون المعنى المفهوم في العربية عند علماء اللغة الاسلاميين، فهذا المعنى هو في مقابل لفظة Rabbi أي "ربّان" لا "حبر".

وقد وردت لفظة "حبر" في شعر للشماخ: كما خطّ عبرانية بـيمـينـه  بتيماء حبر ثم عرض أسطرا

أما "الربانيون"، فهم العلماء بالحلال والحرام والأمر والنهي، على رأي بعض العلماء الاسلاميين. وقال بعض آخر: الربّان العالم الراسخ. في العلم والدين، أو العالم العامل المعلّم، أو العالي الدرجة في العلم. وفرّق بعضهم بين الربانيون وبين الأحبار باًن جعل الأحبار أهل المعرفة بأنباء الأمم وبما كان ويكون، وذهبوا إلى انها من الألفاظ المعربة العبرانية أو السريانية. وهي من الألفاط التي وردت في القرآن الكريم في اثناء الكلام على علماء يهود.

ويتبين من القرآن الكَريم انه قد كان للأحبار والربّانيين نفوذ عظيم على ا اليهود، فكانوا يطيعون أوامرهم ويفعلون ما يأمرونهم به، وان غالبيتهم لم تكن تفقه شيئاً ولا تعرف من أحكام دينها إلا ما يقوله لهم اولئك الأحبار. وبعض هؤلاء الأحبار هم من المقيمين في جزيرة العرب في المواطن التي أقامت فيها يهود،. وبعض منهم كان ياًتي إلى يهود العرب من. فلسطين: ولا سيما من "طبرية" التي اكتسبت شهرة عظيمة بعد خراب القدس "اورشليم" حيث استقر فيها "السنهدريم" وغدت مركراٌ عظيماً للعلوم عند اليهود، وفيها جمعت "المشنه" "المشنا" Mishna و "الماسورة" الكتاب الذي يبين كيفية تحريك كلمات التوراة.

وقد ذكر أهل الأخبار أسماء عدد من رجال يهود ممن أدركوا الإسلام، ذكر عنهم انهم كانوا أحباراً، وانهم كانوا أصحاب علم بالتوراة وبكتب الأنبياء.

وفي مقدمة من ذكروا، عبدالله بن صوري الأعور، قالوا:.انه لم يكن بالحجاز في زمانه من كان أعلم بالتوراة منه، وانه كان من بني ثعلبة بن الفطيون. ويقولون: إن الفطيون كلمة تقال لمن يلي امر اليهود وملكهم، كما ان النجاشي تقال لمن يلي ملك الحبشة.

وذكر "القلقشندي" أن المشهور من ألقاب أرباب الوظائف عند اليهود ثلاثة ألقاب: الأول الرئيس، وهو القائم فيهم مقام البطرك في النصارى، والثاني الحزّان، وهو فيهم بمثابة الخطيب يصعد المنير ويعظهم، والثالث الشَّيلحصبور، وهو الإمام الذي يصلي بهم.

وقد أطلق القرآن الكريم على أسفار اليهود، أي كتبهم المقدسة "التوراة".

وعرفت بهذه التسمية في الحديث وفي كتب التفسير، وصارت علماً لها في الإسلام. كذلك أطلقت هذه اللفظة على معابد اليهود، ولم يعرف ورودها في الشعر الجاهلي خلا بيتاً ينسب إلى شاعر جاهلي يهودي اسمه "سماك".

ولعلماء اللغة الإسلاميين آراء في أصل كلمة "التوراة"، حتى ذهب بعضهم إلى أنها عربية. ولكن ذوي اكثريتهم ترى أنها عبرانية، لأن لغة موسى كانت العبرانية، وبهذه اللغة نزلت التوراة. ثم هم يختلفون في تعيين حدود التوراة، فيرى بعضهم أنها خمسة أسفار، ويرى بعض آخر أنها أكثر من ذلك، وأنها تشمل الزبور ونبوة أشعيا وسائر النبوات، لا يستثنى إلا" الأناجبل.

وليس في القرآن الكريم تحديد لإسفار التوراة، ولكن اقتران لسم موسى بها في بعض الموارد منه يشير إلى ان المراد بها ما يقال له ب "الأسفار الخمسة" Pentateuch عند الغربيين. وهذه الأسفار الخمسة هي الأسفار المُنزلة المكتوبة التي نزلت على موسى على رأي قدماء العبرانيين. ثم توسعوا في مدلول اللفظة فيما بعد، فاًطلقوها على جميع الأسفار التي يقال لها العهد القديم. وأطلقتها بعض الفرق على غيرها من الأسفار مثل الأنبياء "نبيم" Nebiim، والكتب "كتوبيم" Kettubim.

وقد أورد القرآن في مخاطبة يهود وتقريعهم قصصاً عن الأنبياء والمرسلين والأمم القديمة، منه ما هو مذكور عندهم في الأسفار الخمسة،ومنه ما هو وارد عندهم في "الهكاده" وفي "المشنه". ولما كان في احتكاك الإسلام بيهود كان لأول مرة في منطقة يثرب، صارت معظم الاشارات الواردة في القرآن الكريم إلى التوراة في السور المدنية لمخاطبة الوحي لهم، وتوجيه الكلام مباشرة اليهم، ولم ترد تلك التسمية في الايات المكية إلا في موضع واحد هو في سورة الأعراف.

والمراد من "الكتاب" الذي أنزل على موسى، والمذكور في مواضع من القرآن الكريم التوراة، أي هذه الأسفار الخمسة التي نتحدث عنها. وهو تعبير قرآني لا نستطيع أن نقول إنه كان من مصطلحات الجاهليين، كما أننا لا نستطيع نفي ذلك، إذ يجوز أن يكون الجاهليون. قد أطلقوه على تلك الأسفإر، أو على العهد القديم كله، بمعنى هذه الأسفار وبقية مما ورد فيها من أخبار الأيام والملوك و الأنبياء.

وقد ورد في الأخبار عن "أبي هريرة"، أنه "كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لا تصدقوا أهل الكتاب، ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله".

وقصد بعبارة أهل الكتاب، اليهود، لأنهم أصحاب كتاب موسى، وبينهم كان نزوله، ولذلك عرفوا به. ويظهر من خبر أبي هريرة هذا ومن أخبار أخرى في هذا المعنى ان اليهود كانوا يقرؤون على المسلمين كتبهم وهي بالعبرانية، ثم يفسرونها لهم بالعربية، وذلك في أيام حياة الرسول.

اما الزبور والزبر، فقد وردتا في القرآن الكريم. ويراد ب "الزبر" في بعض الآيات مثل: )وانه لفيُ زبر الأولين( الكتب المُنزلة القديمة. وقد وردت الكلمتان في بعض الشعر المنسوب إلى الجاهليين كامرىء القيس والمرقش الأكبر وأمية بن أبي الصلت. وذكر علماء اللغة ان معنى زبر كتب ونقش. ويرى بعض المستشرقين احتمال.كونها من الكلمات العربية الجنوبية. ويرى بعض آخر إنها من أصل "مزمور" Mazmor العبراني. و "مزمور"Mazmor في اللهجة السريانية، و "مزمور" Mazmur في الحبشية. أخذت الكلمة وأجري عليها بعض التغيير حتى صارت على هذا الشكل.

وقد وردت لفظة "الزبور" مفردة في موضعين من القرآن الكريم، في سورة النساء وفي سورة الأنبياء. أما في الموضع الأول، فقّد ورد فيه: )وآتينا داوود زبوراً (، ومعنى هذا أن زبوراً أو كتاباً من الكتب المنزلة نزل على داوود. أما الموضع الثاني، فقد أشير فيه إلى "زبور" معرف بأداة التعريف "ال": )ولقَد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ان الأرض يرثها عبادي الصالحون(. ولكن لم يضف إلى اسم نبي من الأنبياء، كما رأينا في الموضع السابق. وفد فسر بعض المفسرين كلمة "الزبور" في هذا الموضع بمعنى الكتاب وكتب الله المنزلة، أي على التعميم لا التخصيص.

ويراد بالزبور ما يقال له "المزامير" في الترجمات العربية للتوراة، و Psalms في الانكليزية، من أصل Psalmos اليونانية التي هي ترجمة لفظة "مزمور" Mizmor العبرانية، ومعناها المدائح والأناشيد. وهي أناشيد شعرية تُرَنّم في حمد الإله وتمجيده، ولذلك قيل لهذه المزامير "تحلّيم". tehillim في العبرانية. وtillim على سبيل الاختصار، و tillin في لهجة بني إرم.

وقد "قال أبو هريرة: الزبور ما أنزل على داوود، من بعد الذكر من بعد التوراة". وذكر بعض العلماء ان الزبور خص بالكتاب المنزل على داوود. وقد ذهب الشعبي إلى ان الزبور، الكتاب المنزل على داوود، أما الذكر فما نزل على موسى. وذهب آخرون مذاهب أخرى في تفسير المراد من الزبور ومن الذكر. ولكن الرأي الغالب ان المراد من الزبور، مزامير داوود. وذلك لنص القرآن على ذلك.

وقد أشار القرآن الكريم إلى وجود اختلاف بين بني اسرائيل في فهم كتاب اللّه وتفسيره، وأنهم انقسموا لذلك شيعاً وأحزاباً. ولا يستبعد أن يكون هذا الاختلاف شاملاً ليهود الحجاز أيضاً، كأن يكون أحبارهم قد ساروا في اتجاهات مختلفة في التفاسير وفي شرح الأحكام وكان أصحابهم يتعصبون لهم ويتحزبون، على نمط الأعراب في عصبيتهم لقبائلهم، وفي اتباع أقوال ساداتهم دون تعقل وتفكير. أما مواضع الاختلاف ومواطن الفرقة التي كانت تفرق فيما بينهم، فلا نعرف اليوم من أمرها شيئاً، لأنها لم تدون ولم تذكر، ولم يشر القرآن اليها، ولكنها على كل لا تخرج ولا شك عما نعرفه من خلاف في أوجه النظر في المسائل المعروفة حتى اليوم في أمور الفروع.

ونحن لا نستطيع أن نتصور أن سواد يهود الجاهلية كانوا على علم بالكتابة وبالقراءة ثم بأحوال دينهم وأموره. وفي القرآن الكريم أن هذا السواد كان جاهلا ليس له علم ولا خبر باًمور دينه وشريعته، وأنه مقلد تابع لما يقوله له أحباره وربّانيوه. فكل ما كانوا يقولونه له، كانوا يرونه حقاً وعلماً. مع ان من بين أولئك من كان دجّالاً ليس على درجة من دراية وعلم، ومن كان ينطق بالباطل ولا يخشى الكذب، لينال بذلك كسباً ومالاً، وأنه كان لهؤلاء على أتباعهم ومقلّديهم سلطان عظيم.

وقد تعرض "ابن خلدون" لموضوع علم اليهود العرب وثقافتهم، فقال: "ذا تشوقت العرب إلى معرفة شيء مما تتشوق اليه النفوس البشرية في أسباب المكونات وبد الخليقة وأسرار الوجود، فإنما يساًلون عنه أهل الكتاب قبلهم ويستفيدونه منهم. وهم أهل التوراة من اليهود، ومن تبع دينهم من النصارى.

وأهل التوراة الذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم، ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب، ومعظمهم من حمير الذين أخذوا بدين اليهودية.

فلما أسلموا بقوا على ما كان عندهم مما لا تعلق له بالأحكام الشرعية التي يحتاطون لها مثل أخبار بدء الخليقة وما يرجع إلى الحدثان والملاحم وأمثال ذلك". فغالبية يهود جزيرة العرب في الجاهلية، هم في مستوى، يعد،دون مستوى يهود البلاد الأخرى، بسبب تبدّيهم وانقطاعهم عن غيرهم من اليهود.

وقد كانت لليهود مدارس تدارسوا فيها أحكام شريعتهم، وكان لهم أحبار وحاخامون علموهم أمور دينهم. ذكر أهل الأخبار انهم كانوا يكتبون بالعرانية أو بالسريانية، وذلك لاختلاف أهل الأخبار في تعيين تلك اللغة، وعدم تمكنهم من التمييز بينهما. وفي كتب الأخبار والتواريخ اشارات إلى اتصال بعض رجال مكة ويثرب باليهود والاستفسار منهم عن أمور الرسل والأنبياء و الماضين وعن بعض الأحكام. وفيها قصص اسرائيلي وجد له سبيلاً الىالعربية، يرويه القصاصون عن الرسل والاْنبياء، وأساطير لا يشك في كونها اسرائيلية الأصل. كما نجدألفاظاً عبرانية لاشك في أصلها وجدت لها سبيلاً إلى عربية الجاهليين بسبب اتصال اليهود بهم، واستعمالهم اياها، فتأثر بهم الجاهليون وأخذوها منهم واستعملوها أيضاً فصارت من المعربات.

وينسب إلى الشاعر "الأسود بن يعفر" بيت شعر هو: سُطورُ يهوديين في مهرقيهمـا  مُجيدين من تيماء أو أهل مدين

واذا صحت نسبة هذا البيت اليه، يكون قد تعرف على يهوديين اثنين، وجدهما يجيدان الكتابة، وقد كتبا على المهارق. ولم يكن الشاعر على علم أكيد بموطنهما، فلم يدرِ اذا كانا من أهل تيماء أو من أهل مدين.

ولتعبير "مجيدين" أهمية خاصة، إذ يشير إلى تمييزه بين الكتابة الجيدة والكتابة الرديئة، والى وجود مصطلح "مجيد" عند الجاهليين، يطلقونه كما نطلقه اليوم على من يجيد الكتابة ويتقنها.

ولما كانت اللغة العبرانية لغة الدين عند العبرانيين، وبها نزل الوحي على موسى، فلا بد أن يكون لعلمائهم ورجال دينهم في جزبرة العرب علم بتلك اللغة وفقه بها. ولكن هذا لا يعني ضرورة كونهم كعلماء طبرية أو قيصرية في فلسطين أو بعض المواضع التي اشتهرت بعلمائها في التلمود"بالعراق، ولست أستبعد أن يكون لهم علم بلغة بني إرم أيضاً، لأن هذه اللغة كما نعلم كانت لغة العلم والثقافة قبل الميلاد وبعده، وبها كتبت كتب عدة من التلمودين، ثم إنها انتشرت بين سواد الناس حتى صارت لغة سواد يهود يتكلمون بها ولو برطانة وبلهجة خاصة هي اللهجة التي يمتاز بها سواد اليهود في كل قطر يعيشون فيه.

أما سواد يهود جزيرة العرب في الجاهلية: فلا أظن أنهم كانوا يتكلمون العبرانية أو لغة بني إرم، إنما أرى أنهم كانواّ يتكلمون لهجة من هذه اللهجات العربية. اًعني لهجة العرب الذين كانوا يعيشون بينهم وينزلون بين أظهرهم، ولم يرد في الأخبار ما يفيد أنهم كانوا يتحادثون بالعبرانية، بل الذي ورد أن عامتهم لم تكن تعرف تلك اللغة، وأن الخاصة منهم والمزاولين لحرفة الكتابة والسحر كانوا يعرفونها ويكتبون بها، وبها يعوذون أنفسهم وغيرهم من الناس. وكانوا يفسرون التوَراة والتلمود والكتب المقدسة لسواد الناس من العبرانية إلى العريية،لأنهم لم يكونوا يعرفون العبرانية، لا سيما وقد كان بينهم عرب متهودة. ولم يظهر في يهود جزيرة العرب من حاز على شهرة في العلم والفقه والتأليف والخطابة على نحو ما ظهر بين يهود العراق أو فلسطين أو مصر، وإلا لاشتهر أمره وذاع خبره، كما ذاع خبر علماء يهود بابل وفلسطين ومصر. ولا يمكن ان تكون عزلتهم عن بقية يهود الأقطار المذكورة سبباً كافياً في تعليل عدم شيوع اسم أحد من هؤلاء، إن قضية عزلتهم عن بقية اخوانهم في الدين، هي نفسها تحتاج إلى سند يثبت وجود تلك العزلة. فمواضعهم في أعالي الحجاز، على اتصال ببلاد الشام، وهي لا تبعد كثيراً عن مساكن اخوانهم في فلسطين. ثم انهم كانوا على اتصال مستمر بهم بالتجارة، وقد كانوا يشترون حاصل بلاد الشام من خمور وحبوب وما شاكل ذلك، وينقلونه إلى يثرب، يذهبون اليها للتعامل والاتجار، فكيف يكون يهود جزيرة العرب في معزل عن غيرهم مع وجود الأسفار والتجارة لا سيما ان احبار "طبرية" كانوا ياتون إلى يهود اليمن ليلقنوهم أمور الدين، ولا يستبعد ان يكون من بين اولئك الأحبار من ذهب إلى يهود يثرب أو خيبر أو تيماء.

فالقضية على ما يظهر، ليست قضية عزلة يهود جزيرة العرب عن بقية يهود وانفصالهم بذلك ثقافيأَ وعلمياً عن بني دينهم انفصالاً يؤثر في مستواهم الثقافي والعلمي، فيجعلهم دون غيرهم من اخوانهم في العلم والثقافة، انما يظهر ان هنالك جملة عوامل حالت دون نبوغ أحد فيهم. فيهود جزيرة العرب مهما قيل عنهم وعن رقيهم وارتفاع مستواهم عن مستوى من كان في جوارهم، لم يكونوا في ثقافتهم وفي مستواهم إلاجتماعي أرقى من الفلاحين وسكان القرى وما اليها في العراق او فلسطين أو مصر، كما ان حالتهم المادية لم تكن على مستوى عالٍ بحيث يمكن ان تقاس بالأحوال المادية التي كان عليها اليهود الآخرين في الأرضين المشار اليها، أو أصحاب تلك الأرضين من غير يهود. ثم ان عددهم مهما قيل فيه، لم يكن كبيراً. وقد رأينا ان رجالهم المحاربين لم يكونوا يتجاوزون كلهم في الحجاز كله بضعة آلاف، وفي مثل هذا العدد والظروف والأحوال لا يمكن بالطبع ان تتوفر الامكانيات المساعدة على البحث والتتبع والتعمق في العلم.

وقد عرف يهود يثرب بمعرفتهم السحر والاتقاء منه، وبعلمهم بالتعاويذ، فكان المشركون يلجؤون اليهم إذا احتاجوا إلى السحر أو اذا اعترضتهم مشكلات يرون أنها لا تحل إلا بقراءة التعاويذ عليها. وقد ذكر المفسرون أن اليهود عملوا السحر للنبى، عمله رجل اسمه "لبيد بن الأعصم" أو بناته وهو من يهود يثرب.

وقد اشير إلى سحر اليهود في الحديث.

وقد لجأ العرب إلى اليهود يأخذون منهم الرقى والتعاويذ. فقد ورد في الأخبار"أن أبا بكر دخل على عائشة وهي تشتكي ويهودية ترقيها، فقال ابو بكر: أرقيها بكتاب الله. يعني: بالتوراة والانجبل 000"

وقد حافظ يهود جزيرة العرب على حرمة السبت، ويوم السبت من الأيام المقدسة التي يجب مراعاة حرمتها مراعاة تامة، فلا يجوز ليهودي الاشتغال فيه، والقيام ببعض الأعمال. ومن خالف حرمة هذا اليوم ودنسه بالإشتغال فيه يكون قد ارتكب جرماً عظيماً.

وقد وردت إشارات إلى يوم السبت في مواضع من القرآن الكريم، في معرض الكلام على بني اسرائيل، واشير في بعضها إلى أخذ موسى العهد منهم بوجوب مراعاة حرمة هذا اليوم، والى نقضهم له وعدم مراعاتهم جميعاً لهذا العهد، والى أنهم اعتدوا فيه. وفي هذه الإشارات دلالة على أن من اليهود عامة من خالف حرمة هذا اليوم، فلم ينفذ ما ورد في أحكام شريعته عنه. ولكن هذا عام غير خاص بيهود العرب الجاهليين، وإنما يشير إلى خروج بعض بني اسرائيل على أحكام دينهم وعدم مراعاتهم لها، وهذا اليوم من أقدس الأيام في نظرهم.

وقد وقف العرب الذين كانوا على اتصال باليهود على بعض أحكام دينهم مثل: الرجم بالنسبة للزنا، واعتزال النساء في المحيض. فذكر العلماء ان حكم الإسلام في الحيض " اقتصاد بين افراط اليهود الاخذين في ذلك باخراجهن من البيوت، وتفريط النصارى. فانهم كانوا يجامعوهن ولا يبالون بالحيض"، ومثل الدعاء إلى الصلاة عند اليهود بالنفخ في "الشبور"، وذلك كما تحدثت عنه في موضع آخر، ومثل صوم "عاشوراء" وأعيادهم، ومثل الصلاة وأوقاتهم عندهم.

واستعمل يهود يثرب "القرن" في معابدهم، لاعلان صلواتهم وأعيادهم واعلان احتفالاتهم والحوادث المهمة التي قد تقع لهم. وقد كانوا يستعملون آلتين، يقال لاحداهما ال "شوفار" Shophar ومعناها القرن، ويقال للاخرى القرن، وتصنع من القرون كذلك. ولذلك اختلط الاْمر بينهما. والظاهر انهما كانتا تختلفان في نوع قرون الحيوانات التي تتخذان منها.

وقد اختلف يهود جزيرة العرب عن الجاهليين في الأمور التي حرمتها شريعتهم عليهم في مثل المأكولات، كما اختلفوا عنهم في عبادتهم وفي اعتقادهم بوجود إلهَ واحد، هو "إله اسرائيل"، وفي أمور عقائدية أخرى، واختلفوا عنهم في بعض العادات والمظإهر الخارجية، فكان اليهود مثلاً يسدلون شعورهم، اًما المشركون فكانوا يفرقون رؤوسهم. ورد عن ابن عباس: "أن النبي، صلى الله م عليه وسلم، كان يسدل شعره وكان المشركون يفرقون رؤوسهم، وكان أهل الكتاب يسدلون رؤوسهم، وكان النبي، صلى الله عليه وسلم، يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، ثم فرق النبي،صلى الله عليه وسلم،رأسه". ولا يستبعد اختلافهم عنهم في لبس بعض الملابس التي لم تكن مألوفة عند الجاهليين. وقد ظهر بين اليهود شعراء، نظموا الشعر بالعربية وعلى طريقة العرب في. نظم الشعر. منهم السموأل المشهور، و "كعب بن الأشرف" وسمّاك اليهودي، وسأتكلم عنهم في أثناء حديثي عن الشعر.

لم يسلم من يهود في ايام الرسول غير عدد قليل من المتبينين منهم. مثل: عبدالله بن سلام، ولم يتعاون معه غير عدد قليل منهم مثل يامين بن عمير بن كعب النضري، ويامين بن يامين الاسرائيلي، ومخيريق، وكان رجلاً غنياً صاحب نخيل، وهو أحد بني ثعلبة بن الفطيون، حث قومه على مساعدة الرسول ومعاونته في غزوة أحد. وكان الرسول قد طلب مساعدتهم لوجود صحيفة بينه وبينهم. فلما اعتذروا له بالسبت، خالفهم مخيريق قائلاً لهم: لا سبت لكم، وقاتل معه حتى قتل، فقال الرسول: مخيريق خير اليهود. وقد وصف بالعلم، وذكر انه كان حبراً عالماً فيهم. آمن بالرسول وجعل ماله له، وهو سبعة حوائط فجعلها الرسول صدقة.

أما عبدالله بن سلام، فكان يدعى، وهو في يهوديته، الحصين بن سلام بن الحارث. وسلام اسم والده. فلما أسلم سمّاه رسول الله "عبدالله"، وهو من بني قينقاع، أسلم والرسول في مكة لم يهاجر بعد، وذلك في رواية من الروايات. وأسلم بعد الهجرة على أكثر الروايات. ذكر انه كان شريفاً في قومه، سيداً، صاحب نسب وحسب، وانه كان حبراً عالمأَ. فلما أسلم، نبذه قومه، وتحدثوا فيه. وقد نزلت فيه بضع آيات.

أما أنه كان حبراً من الأحبار، عالماً في شريعتهم، فلا يمكن البت فيه، فقد جرت عادة أهل الأخبار على إطلاق كلمة "الحبر" على نفر ممن أسلم من يهود في أيام الرسول، كما أطلقت على نفر ممن أسلم بعده، مثل كعب الذي عرف بكعب الأحبار. ولا يمكن في نظري البت في درجات علم أمثال هؤلاء وفي مقدار فهمهم للتوراة ولكتب يهود إلا بجمع ما نسب اليهم من قول،ودراسته. عندثذ نستطيع أن نحكم على علمهم إن كان لهم علم بأحكام ديانة يهود وبالعالم وبها كان يتدارسه علماء ذلك العهد. ورأيي أن هذه الدرجات إنما منحها لهم بعض ذوي ا القلوب الطيبة من المسلمين الأولين، لما رأوه فيهم، ولما سمعوه منهم من أقوال نسبوها إلى الأنبياء والعلماء والى كتب الله القديمة، ولم يكن لهم بطبيعة الحال علم بها، لعدم وقوفهم على ما كان يتداوله الأحبار، فعجبوا من علمهم هذا، ومن إحاطتهم بأحوال الماضين، فعدّوهم أحباراً لهم في قومهم علم ورأي. وقد تساهل بعضهم في ذلك لظنه أن في منح هؤلاء أمثال هذه النعوت مما يفيد الإسلام، إذ يعني هذا تقدير أولئك الأحبار أصحاب العلم الأول له، وان تقديرهم هذا شهادة مزكية له. وقد يكون لهم نصيب أيضاً في منحهم هذه الدرجة لأنفسهم للتباهي وللتصدر بذلك بين المسلمين.

وقد نسب أهل الأخبار أقوالاً لابن سلام، نجد بعضها في كتب التفسير والحديث، ونجد بعضها في كتب السير و الأخبار. لبعضها طابع إسرائيلي، فهو من القصص المعروفة بالإسرائيليات، ولبعضها طابع الأقاصيص،. قد يكون "ابن سلام" صاحبها ومرجعها، وقد يكون غيره قد نسبها اليه.

وقد كان له ابنان، هما يوسف ومحمد، رويا عنه الحديث. وقد كنّي بأسم ولده يوسف، فعرف بأبي يوسف. ويعد يوسف من الصحابة، وله حديث عن الرسول، ويقال إن الرسول هو الذي سماه يوسفَ، وقيل ليست له صحبة. وقد روى عن جماعة من الصحابة.

وقد أسلم يامين بن يامين الاسرائيلي، على أثر إسلام عبدالله بن سلامْ.

وأما يامين بن عمير بن كعب، أبو كعب النضري، فهو من بني النضير. وقد ساعد اثنين من فقراء أصحاب رسول الله على تجهيزهما بشيء من التمر ليتمكنا بذلك من الالتحاق بالجيش الذي سار في السنة التاسعة من الهجرة لغزوة تبوك. أسلم فأحرز ماله من بني النضير، ولم يحرز ماله من بني النضير غيره وغير أبي سعيد بن عمرو بن وهب، فأحرزا أموالهما. وذكر أن النبي قال ليامين: ألم ترَ إلى ابن عمك عمرو بن جحاش وما همّ به من قتلي ? وكان أراد أن يلقي على النبى رحى فيقتله. فجعل يامين لرجل جعلا على أن يقتل عمرو بن جحاش فقتله.

وكان فيمن أسلم من بني قريظة "كعب بن سليم القرظي"، وهو من سبيهم فيَ الإسلام، ويعد في الصحابة، ولكن لا تعرف له رواية، وهو والد محمد بن كعب القرظي المعروف بروايته عن أحداث يهود مع النبي، وعن بعض أخبار بني اسرائيل. وله روايات في حديث الرسول عن بعض الصحابة، ويعد من التابعين. يقال: انه ولد في حياة الرسول، وتوفي ما بين سنة ثمان ومئة وسنة عشرين ومئة. وقد عدّه علماء الحديث في طبقة الثقات الورعين.

وفيمن أسلم من يهود بني قريظة رفاعة القرظي،وهو رفاعة بن سموأل "سموال"، وقيل: رفاعة بن رفاعة القرظي من بني قريظة، وهو خال صفية زوجة النبي، لأن أمها برة بنت سموأل "سموال"، أما أبوها، فهو "حيى بن أخطب" من رؤساء يهود، وكان من كبار المعارضين له، وهو من بني النضير.

ويعدّ "زيد بن سَعٌية" "سعنة" في طبقة الصحابة، ويقال انه كان أحد أحبار اليهود الذين أسلموا، وانه كان أكثرهم علماً ومالاً، وقد شهد مع النبي مشاهد كثيرة، وتوفي في غزوة تبوك مقبلاً إلى المدينة.

ويعدّ "عطية القرظي" من الصحابة كذلك، كان صغيراً حين غزا النبي بني قريظة، ولذلك لم يقتل، فاسلم، وصحب النبي.

ولم يظهر من يهود اليمن في الإسلام ممن عرفوا برواية الإسرائيليات سوى رجلين، هما: كعب الأحبار، ووهب بن منبه. فأما كعب الأحبارر، فقد ادرك زمن الرسول، غيرأنه لم يره، ولم يدخل في الإسلام إِلا في ايام أبي بكر أو عمر، وهو أبو اسحاق كعب بن ماتع بن هينوع "هيسوع"، وقد عرف بين المسلمين بكعب الأحبار وبكعب الحبر من باب التعظيم والتقدير لعلمه. وقد أتاه هذا اللقب من علمه بالشريعة وبكتب الأنبياء وباخبار الماضين، وهو علم لا نستطيع أن نحكم على درجته ومقدار بعده أو قربه من العلم الذي كان منتشراً بين أحبار ذلك العهد ما لم نقف على الأقوال الصحيحة التي صدرت عن ذلك الحبر. أما هذا المروي عنه والمذكور في تفسير الطبري وفي تاًريخه وفي كتب من كان يعنى بجمع القصص ولا سيما قصص الرسل والأنبياء،فليس في استطاعتنا التصديق بأنه كله صادر من فم كعب، إذ يجوز أن يكون من رواية أناس آخرين ثم حمل على كعب.

ولم ينسب أحد إلى كعب مؤلفاً،وكل ما نسب اليه فهو مما ورد عنه بالمشافهة والسماع. وهو بين صحيح بمكن أن يكون قد صدر منه، وبين مشكوك في أمره وضع عليه، وفيه ما هو اسرائيلي صحيح، أي انه مما هو وارد في التوراة أو في التلمود أو في الكتب الاسرائيلية الأخرى وفيه ما هو قصص اسرائيلي نصراني، وما هو محض افتعال وخلط. وبالجملة، إن هذا الوارد عنه يصلح أن يكون موضوعاً لدراسة، لمعرفة أصوله وموارده والمنابع التي أخذت منه. وعندئذ يمكن الحكم على درجة أصله ونسبه في علم بني اسرائيل، وامكان صدوره من كعب أو من غيره، ومقدار علم كعب ووقوفه على الإسرائيليات.

وأما وهب بن منبه، فيعدّ من التابعين، ويعد مرجعاً مهما في القصص الاسرائيلية ويقال انه حصل على علمه من كتب الأولين، وإن أخاً له كان يذهب إلى الشام للتجارة فيشتري له الكتب ليطالعها، وانه كان على علم غزير بأحوال الماضين، وكان ملماً بجملة لغات. وإذ كان وهب من المتأخرين وكان نشاطه في الحركة الفكرية في الإسلام لا في الجاهلية، لم نجعل له في هذا الموضع مكاناً، انما مكانه في الأجزاء المتعاقبة بتأريخ الإسلام.

هذه قصهْ يهود جزيرة العرب قبل الإسلام، قصة لا تستند إلى مؤلفات تأريخية كتبت في تلك الأيام، ولا إلى نصوص جاهلية عربية أو أعجمية لها علاقة بيهود كتبت في ذلك العهد، ولكن استند، في أكثر ما حكيناه،إلى موارد اسلامية، ذكرتهم وأشارت اليهم لمناسبة ما وقع بينهم وبين الرسول من خلاف، وقد ورد شيء كثير بحقهم في القرآن الكريم وفي الحديث وفي الأخبار ولا سيما اخبار الغزوات، يتعلق معظمه بأمر الخصومة التي وقعت بينهم وبين النبي عند قدومه يثرب، فهو لا صلة له لذلك إلا بما له علاقة بهذه الناحية. وما ورد عنهم إذن هو من مورد واحد وطرف واحد. أما الطرف الثاني من أصحاب العلاقة بهذا التأريخ والشأن، وأعني بهم اليهود، فلا صوت لهم فيه، ولا رأي. فلم تصل الينا منهم كتابة ما عنهم في علاقتهم بالاسلام. كذلك لم تصل الينا كتابة أو رواية أو خبر عن أولئك اليهود في الموارد التأريخية التي دونها غيرهم من مؤرخي يهود وكتابهم عن علاقة يهود جزيرة العرب بالاسلام، وعن اجلاء يهود الحجاز من مواضعهم إلى بلاد الشام، لافي العربية ولا في العبرانية ولا في بقية اللغات، مع ما لهذا الحادث من خطر في تأريخ اليهود في جزيرة العرب. ولعل الأيام تكشف لنا عن موارد في العبرانية أو في لغة بني إرم تذكر أحوال يهود جزيرة العرب قبل الإسلام وعند ظهوره، وتكشف عن اثار يهود في المواضع التي كانوا يسكنونها في الحجاز، فتبتّ في أمور كثيرة عن حياة هؤلاء. وليس احتمال عثورنا على مثل هذه الاثار ببعيد، فلا بد ان يعثر حجر من الحجارة المكتوبة التي توضع فوق القبور، فنعرف منه ما لغة الكتابة التي كان يستعملها أولئلك اليهود، أهي العبرانية، أو العربية، أو لغة بني إرم، أو أبجدية من الأبجديات المشتقة من القلم المسند ? وقد يعثر على نصوص أطول من هذه النصوص التي توضع على القبور، تكشف النقاب عن أمور أخرى مهمة تفيدنا في معرفة أحوال اليهود ببلاد العرب قبل الإسلام.

وما دمنا لا نملك نصوصاً يهودية جاهلية، ولا نصوصاً عربية جاهلية تتعرض ليهود، فليس في وسعنا إذن أن نتحدث باطمئنان عن أثر اليهود في الجاهليين أو أثر الجاهليين في اليهود. لقد تحدث عدد من المستشرقين عن أثر اليهود في الجاهليين، فزعموا أن لليهود أثراَ عميقاً فيهم، فالختان مثلاً هو أثر من آثار يهود في العرب، وشعائر الحج عند الوثنيين أكثرها هي من اسرائيل، فالطواف حول البيت يرجع أصله إلى بني اسرائبل، ذلك أن قدماءهم كانوا يطوفون حول خيمة الإلَه "يهوه" إله اسرائيل ومنهم تعلمه الجاهليون واتبعوه في طوافهم بالبيت. والاجازة بعرفة يهودية كذلك، لأن الذي كان يجيز الحجاج بعرفة فيأمر الحجيج بالرمي بعد أن يلاحظ الشمس، وقت الغروب يعرف ب "صوفة"، وصرفة تسمية عبرانية لها علاقة وصلة بهذه الوظيفة وظيفة مراقبة غروب الشمس وتثبيت وقته، فالإجازة اذن عبرانية الأصل. و "منى" صنم من أصنام اسرائيل،ووادي منى على اسم هذا الصنم الإسرائيلي، وأسماء أيام الاسبوع هي تسميات أخذت من يهود، ولفظة "المدينة" التي تطلق على يثرب، أطلقها اليهود على هذا الموضع قبل الإسلام، وقد أخذوها من الإرمية، لتميز هذا المكان عن "وادي القرى". وأشياء أخرى عديدة من هذا القبيل.

وقد غالى بعض اليهود في تقدير يهود جزيرة العرب، فذهب إلى أن أولئك اليهود جلهم إن لم يكونوا كلهم كانوا يحسنون قراءة الكتاب المقدس، بدليل اطلاق القرآن الكريم عليهم "أهل الكتاب". وقد فاته أن عبارة "أهل انكتاب" لا "تعني أهل الكتابة، بمعنى أنهم كانوا أصحاب علم بالكتابة، وإنما المراد من ذلك أهل كتاب منزل سماويّ. ويدخل في ذلك النصارى أيضاً لوجود كتاب سماوي لديهم كذلك هو الانجيل. وقد رأيت أن القرآن الكريم قد وصف بعضى الأحبار بالعلم، كما رمى أكثرهم بالجهل. أما السواد الأعظم منهم، فقد جعلهم عامةً تتبع أقوال رجالها، فلا علم لها ولا معرفة بأمور الماضين أو الحاضرين.

وأنا لا أريد هنا أن أجادل في نفي هذه الأمور، أو اثباتها، فأخذ الشعوب واقتباسها بعضها عن بعض، من القضايا التي لا يمكن أن ينكرها إلا المعاندون الجاهلون المتعصبون. وقد رأيت ان ابن الكلبي وغيره من قدامى الأخباريين قد أشاروا إلى أن أصل بعض الأصنام عند العرب هو من الشمال،استورد في مناسبات أشاروا اليها، كما أن التنقيبات الأثرية قد أثبتت وجود صلات فكرية بين جزيرة العرب وبين العالم الخارجي، وأن ما يزعمه القائلون بعزلة الجاهليين عن بقية العالم هو هراء لا يستند إلى دليل. ولكني في هذه الأمور من الحذرين. أكره الجزم في بشيء من غير برهان قاطع ودليل محسوس. فكلام أهل الأخبار، أكثره مما لا يمكن الاعتماد عليه، وقد رأينا طبيعة أكثره ونوعه. ثم إن الكثير مما له علاقهّ بيهود وبالدين هو مما أخذ من أهل الكتاب في الإسلام أو من أفواه مسلمة أهل الكتاب. فهو متأخر عن الجاهلية، فلا يمكن أن يشمل الجاهليين من اهل الكتاب ومن وثننين. وعلينا الان التمييز بين هذا الذي أدخل بين العرب بعد أيام الجاهلية وبين ذلك الذي كان معروفاً عند الجاهليين وقد ورد عنهم، وذلك لنتمكن من ابداء رأي في هذه القضايا المعقدة.

ثم إن العرب كانوا شعباً سامياً، كاليهود في اصطلاح العلم،وتشترك البطون السامية في كثير من أصول التفكير والعقيدة، ومعنى هذا ان ما تجده عند يهود قد يكون عند العرب وعند غيرهم ممن يدخلهم المستشرقون في هذه الزمرة. فلم كل شيء ليهود، ونحكم على ان الجاهليين قد أخذوه منهم، ولا نقول إن هذا من فلك التراث القديم الموروث ? أنا لا أقول ذلك متأثراً.بدافع من للعصبية، انما أقول ذلك لأني أدين بفكرة هي ان الاستعجال في اصدار الأحكام بغير دليل خطأ فاحش لا يجوز لانسان يشعر بانسانيته اًن يوقع نفسه فيه.

هذا ولا بد بالطبع من ان يتأثر الجاهليون المجاورون لليهود بعض للتأثر بهم، بأن يأخذوا منهم بعض الأشياء ويتعلموا منهم بعض الأشياء التي تنقصهم. والتي هم في حاجة ماسة اليها. فذلك أمر لا بد منه. بهما ولا بد وان يكون اليهود قد اقتبسوا أشياء من جيرانهم العرب، وعملوا على محاكاتهم في حيانهم الاجتماعية، لاسيما ويينهم يهود من أصول عربية.

الفصل الثامن والسبعون

شعر اليهود

واللغة التي كان يتكلم بها اليهود، هي اللهجات العربية التي كان يتكلم بها أهل المناطق التي ينزلونها. ولتكلم اليهود في كل قطر بحلون فيه بشيء من الرطانة، لا يستبعد أن تكون لغتهم العربية التي كانوا يتكلمون بها عربية. تشوبها الرطانة العبرانية. ولكن هذا لا بمنع من وجود أناس فيما بينهم كانوا يتكلمون ويكتبون بالعبرانية، ولا سيما أنهم كانوا يستعملون العبرانية في دراسة أمورهم الدينية وفي كتابة النشرات والتعاويذ، كما كانوا يستعملونها في السحر. وقد وردت إشارات إلى ذلك في كتب الحديث. وقد ورد أيضاً أنهم كانوا يعلمون أطفالهم العبرانية في الكتاب.

ويروي رواة الشعر شعراً جاهلياً زعموا ان قائليه هم من يهود. وأكثره ابيات لشعراء لا نعرف من امرهم شيئاً، لعلها بقايا قصاثد. أما القصائد، فينسب أكثرها إلى السموأل بن عادباء صاحب حصن الأبلق في تيماء، وصاحب قصة الوفاء المشهورة. وهذا الشعر المنسوب إلى اليهود، لا يختلف في طريقة نظمه وفي تراكيبه ونسقه عن شعر الشعراء الجاهليين، ولا نكاد نلمس فيه أثراً لليهودية ولا للعبرانية. فالفاظه عربية صافية نقية مثل ألفاظ أهل الجاهلية، وأفكاره على نمط أفكار الجاهليين. ويصعب ان تجد فيه أثراً للتوراة والتلمود، مما يحملنا على التفكير في صحة هذا الشعر وفي درجة تعمق صاحبه وتفهمه لدين يهود.

ومن الشعراء الذين روى الأخباريون شيئاً من شعرهم بعد للسموأل: "أوس ابن دنن"، وهو من بني قريظة، و "كعب بن سعد القرظي"، و "سارة القريظية"، و "سعية بن غريض بن عادباء" "شعية ين غريض بن عادباء"، و "الربيع بن أبي الحقيق"، و "أبو الديال" "أبو الزناد"، وله شعر في رثاء يهود تيماء الذين أجلاهم الرسول و "شريح بن عمران"، و "كعب ابن الاشرف"، و "أبو رافع اليهودي".

وروى ان "جعفر ين محمد الطيلسي" جمع أشعار اليهود في ديوان، ويظهر انه أخذ ذلك من كتاب للسكري. ويقال إن الموفق بالله أخا الخليفة المعتمد العباس طلب من الوزير اسماعيل بن بلبل" ان يقدم اليه ديواناً في شعر اليهود، فطلب الوزير من العالم اللغوي الأديب "المبردّ" ان يقدم اليه ديواناً في شعر يهود، فاًخبره المبرد انه لا يعرف شعراً لليهود. فطلب الوزير من العالم "ثعلب" ان يقدم اليه ما عنده من شعر لليهود، فأجابه ان لديه ديواناً من شعرهم، فقدمه اليه.

وقد كانت بين المبرد" وثعلب خصومة شديدة ومنافسة عنيفة، فلعل هذا الخبر هو من مرويات الجماعة المتعصبة لأحد الطرفين في الطعن في أحدهما والحط من شأنه، فقد تحزّب طلاب العلم وانقسموا جماعتين، كل جماعة كانت تنتصر لصاحبها، إذ لا يعقل ألا يكون للمبرد علم بشعر لليهود، وقد ذكر من سبقه مثل أبي تمام في حماسته والجمحي في طبقات الشعراء كما ورد في الأصمعيات شعراً لهم، كما ان في كتابه الكامل، نتفاً من شعرهم، أو لعل إنكاره لشعرهم بمعنى ان أكثر ما نسب اليهم من شعر هو في نظره مزيف مصنوع، ولهذا لم يُعن بجمع ما ورد عنهم، ولا يمكن ان يكون ديواناً في شعر يهود.

والشعراء اليهود الذين ذكرهم إلجمحي في كتابه، "طبقات الشعراء"، هم: السموأل بن عادباء، والربيع بن أبي الحقيق، وهو من "بني النضير"، وكعب بن الأشرف، وشريح بن عمران، وشعبة بن غريض "شعية بن غريض" وأبو قيس بن رفاعة، وأبو الذيال، ودرهم بن زيد. وقد ذكر لهم أبياتاً مما قالوه من الشعر.

والسموأل، وهو من سادات يهود الحجاز ومن أثريائهم وملاكهم، أحسن الشعراء اليهود حظاً في الخلود. بقيت أشعاره َ وحفظت قصائده، ولم يبخل علماء الشعر عليه، فجمعوا شعره في ديوان. ولم يشأ الزمان أن يبخل عليه فهيأ له من طبعه. ولا تزال تلك القصة: قصته مع مخلفات امرئء القيس مضرب الأمثال. وصير هذا الشاعر الملاك المرابي مثلاً وقدوة للاوفياء، فضرب به المثل وقيل: أوفى من السموأل، ولعل القصيدة المبتدئة بهذه الأبيات: وفيت باًدرع الكندي، إنـي  إذا ما ذمً أقـوام وفـيت

وأوصى عادياً يومـاً بـأل  اّ تهدمَ يا سموأل ما بنيت

بنى لي عادياً حصناً حصينا  وماء كلما شئت استقـيت

هي التي خلدت هذه القصة، وصيرت لها فروعاً وذيولاً، وهي قصة تجعل الكندي المقصود بها هو الشاعر الشهير امرأ القيس وهي التي خلدت اسم صاحب ذلك الحصن.

ونجد هذه القصة في قصيدة "للاعشى، يقال إنه قالها مستجيراً بابن السموأل شريح، ليفكه من أسره، وكان قد وقع أسيراً في يد رجل كلبي كان الأعشى قد هجاه، ثم ظفر به الكلبي، فأسره وهو لا يعرفه، فنزل بشريح بن السموأل وأحسن ضيافته، فلما مرّ بالأسرى، قال الاعشى أبياتأَ يمدحه فيها، ويمدح اباه، ويذكر كيف أن أباه اختار أدراع اإلكندي، وأبى إلا أن يسلمها إلى آله وذويه، على "أن يسلمها إلى آسري ابنه إذا أطلقوه. وهي أبيات نجته من أسر الكلبي، ففر منه بعد أن وهبه لشريح وهو لا يعرف به. فلما عرف به، ندم. ولكن ندمه هذا لم يفده شيئا لانه جاء بعد فوات الوقت.

ويروي الأخباريون ورواة الشعر أشعاراً أخرى للاعشى قالها في مدح السموأل وفي وصف حصنه وفي سرد قصة وفائه، تجد فيها مصطلحات وجملا وكلمات ترد أيضاً في الشعر المنسوب إلى السموأل. وهذا ما يحملنا على التفكير في كيفية حدوث ذلك ووقوعه. هل حدث دْلك لوقوف الأعشى على شعر السموأل واقتباسه منه، باعتبار أن السموأل أقدم عهداً منه أم حدث بتوارد الخواطر والمعاني فهو من قبيل المصادفة ليس غير، ام صنع فيما بعد على لسان السموأل بعد شيوع هذا الشعر المنسوب إلى الأعشى صاحب الأبلق الفرد، ام الشعران مصنوعان صنعا في الإسلام ووضعا على لسان الرجلين ? وبالجملة ان أكثر ما ينسب إلى السموأل، هو من النوع المصنوع الذي شك فيه، وبعضه مما نسب إلى غيره من الشعراء.

أما جامع شعر السموأل في ديوان، فهو ابراهيم بن عرفة الملقب بنفطويه 323-324ه، من مشاهير علماء العربية: وبعض ما هو مذكورفي هذا الديوان، مثل قصيدته الشهيرة: اذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه  فكـل رداء يرتـديه جـمــيل

مذكور في حماسة أبي تمام، وبعضه من مرويات الأصمعي ولم يذكر نفطويه جامع الديوان سنده في رواية هذا الشعر. وهذا السند مهم جداً عند المؤرخ للوقوف على كيفية حصول هذا العالم على شعر السموأل، ولمعرفة صحة نسبته اليه.

وفي الشعر المنسوب إلى السموأل جزء منحول مصنوع، وضع عليه، وجزء منسوب إلى غيره، وقد أشار اليه العلاء. ونحن أذا قمنا بغربلته وتنقيته نجد أقله له.وأكثره لغيره،. قد يكون من صنعة شاعر آخر، وقد يكون من وضع وضَعَة الشعر ومفتعليه. ثم اذا فحصنا هذا القليل الذي بتفق أهل الأخبار على انه له، لا نجد فيه ما يشير إلى وجود أثر لدين يهود في هذا الشعر.

وقد استدل الأب "شيخو" على نصرانية ذلك الشاعر، من قصيدة نسبت الى السموأل، ورد فيها شيء من القصص الديني، والأب شيخو لا يكتفي بنصرانية للسموأل وحده، بل يرى ان للنصرانية هي ديانة جميع الشعراء الجاهليين، ولهذا ألف فيهم كتابه "شعراء النصرانية" وتحدث فيه عنهم على انهم نصارى مؤمنون بدين المسيح. وقد فاته شيء واحد لا أدري كيف عزب عن باله، عفا الله عنه، هو: تعيين " مذههبم في النصرانية، ونصه على ترهبهم وتنسكهم ولبسهم المسوح على طريقة الرهبان.

ومن القصائد المنسوبة إلى السموأل، قصيدة مطلعها: الا أيها الضيف الذي عاب سادتي  ألا اسمع جوابي لست عنك بغافل

ختمها بهذا البيت: وفي آخر الأيام جاء مسيحنـا  فاًهدى بني الدنيا سلامَ التكامل

وهي قصيدة تختلف في أسلوب نظمها وفي العرض العام عن طرق النظم المألوفة في الشعر قبل الإسلام، والشعر المنسوب إلى السمواْل. وقد وردت فيه كلمة "رحمانهم" وأشير فيها إلى قصة ابراهيم الخليل، والذبيح ابنه، والى تسميته باسرائيل، ثم إلى الأسباط. وقصة بني اسرائيل مع فرعون مصر. وفد أغرق الله فرعون في البحر. والى القدس والطور، وأمثال ذلك.

وهذه القصيدة هي رد لأقوال رجل يظهر أنه عاب بني اسرائيل، وتهجم عليهم، فأثار هذا التطاول صاحب هذه الأبيات فنظمها في الردّ عليه، وفي الفخر بقومه، مستشهداً على ذلك بالقصص الوارد في التوراة عن بني اسرائيل وعن الأنبياء: ابراهيم وإِسحاق ويوسف، وختمها بالبيت الذي روبته منها عن مجيء المسيح، وقد دعاه ب "مسيحنا" لأن المسيح من اليهود. ذكر المسيح فيها بعد حديثه عن موسى وتكليم الربّ له على جبل الطور، وهو انتقال فجائي غريب ليست له صلةٌ ما بالأبيات المتقدمة.

والحوادث المذكورة في هذه القصيدة والاستشهادات التي استشهد بها الشاعر، وإن كانت مما هو مذكور في "الكتاب المقدس." بجزءيه، تدل على أن ناظمها قد استعان في نظم المصطلحات التي استعملها وطريقة تعبيره عن الحوادث بالقرآن الكريم، وبالقصص الوارد في كتب سير الرسل والأنبياء، وأن الغاية من نظَمها هو إثبات مجيء المسيح، وقد جاء وشهادة شاعر يهودي مفيدة ولا شك في هذا الباب.

ولم ترد هذه القصة في ديوان السموأل ولا في كتب الأدب القديمة. وعدم ورودها في تلك الموارد، دليل بالطبع على أنها مما وضع بعد تدوين شعر السموأل في الديوان المنسوب اليه وفي كتب الأدب القديمة، وأن هذه القصيدة هي من للشعر المصنوع المتأخر بالنسّبة إلى بقية ما نسب اليه.

وللسموأل آراء دينية تراها في هذا الشعر المنسوب اليه، في بعضه إقرار بالبعث والحساب، وأن المليك وهو الرب يجازي الإنسان على ما قام به وما فعله من خير أو شرّ، وأن اللّه قد قدّر كل شيء وقضى به، وان كل ما قدره كائن ولكل رزقه وان الإنسان ميت من يوم يولد، وفيه جرثومة الموت،ولد من ميت، ثم يموت،ثم يبعث تارة أخرى للحساب والكتاب،ولكل أجل.

وفي قصيدة تائية: نطفة ما منيت يوم منـيت  أمرت أمرها وفيها بريت

كنّها اللّه في مكانٍ خفـي  وخفيّ مكانها لو خفـيت

وهي فىِ كيفية نشوء الإنسان منَ منيُ يمنى، وهي فكرة يظهر ان صاحب هذا الشعر اقتبسها من القرآن الكربم، نظراً لمظهر التأثر به في تعبيره عن كيفية خلق الإنسان. وقد تطرق في هذه القصيدة إلى ما ذكرته من اعتقاده بالموت وبالبعث بعده وبالحساب والثواب والعقاب، والى سليمان والحواري، يحيى وبقايا الأسباط أسباط يعقوب دارس التوراة والتابوت. والى انفلاق البحر لموسى وأشار إلى طالوت وجالوت. والاشارات الموجزة هذه، وإن كانت لقصص موجود في التوراة، لم يعتمد الشاعر عليها، بل اعتمد على القرآن الكريم. ف "طالوت مثلاً غير مذكور في التوراة، انما ذكر في القرآن الكريم. وهو اسم الملك "شاؤول" في التوراة. وفي أخذ الشاعر بهذه التسمية القرآنية التي لا وجود لها في التوراة دليل على انه وضع شعره بعد نزول القرآن، أي في الإسلام. وأما "جالوت" فلفظة وردت في كتاب الله كذلك، وهي تقابل Galiath في العهد القديم. ويلاحظ ان صاحب القصيدة قد أخذ مصاب "جالوت" من القرآن الكريم، كما انه سار على نهجه في ذكر طالوت وجالوت، وهو ينفرد بذلك عن التوراة، وشعر فيه هذه المصطلحات وهذه المعاني، لا يمكن أن يكون شعرا يهوديا جاهليا، بل لا بد أن يكون من الشعر المصنوع المنظوم في الإسلام.

فليس في شعر السموأل إذن شيء خاص من الأشياء الني انفردت بها يهود، وهذا الفخر الذي نراه في اسرائيل وفي الأسباط هو فخر يقوم على نمط فخر القباثل بقبائلهم، وليس شيئاً فن دين. ثم إن بنا حاجةً إلى اثبات أنه من نظم السموأل حقاً، وأنه ليس من نظم إنسان آخر قاله على لسان السموأل في مدح اليهود وفي الفخر بهم. ولا عجب أن يقوم إنسان بوضع شعر على لسان السموأل أو غيره من الشعراء الجاهليين، فكتب الأدب مليئة بشواهد تذكر أسماء قصائد منتحلة، وضعت. على ألسنة شعراء جاهليين، وأسماء من انتحل ذلك الشعر. ولم يكن انتحال ذلك الشعر عملاً سهلاً، إذ لا بد له من قدرة وعلم ومعرفة بأساليب شعر الماضين. وقد كان حمّاد الراوية، وهو أديب كبير وراوية شهير، على رأست طبقة المنتحلين الوضاعين للشعر.

واشهر للقصائد والأشعار المنسوبة إلى للسموأل، للقصيدة المقولة في الفخر التي مطلعها: إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه  فكـل رداءً يرتـديه جـمــيل

وهي قصيدة شهيرة معروفة تعد نموذجاً في الفخر والحماسة وفي حسن النظم، ولذلك تحفظ في المدارس حنى اليوم، ويضيف اليها بعض العلماء هذا الييت: هو الأبلق الفرد الذي سارذكره  يعز على من رامه ويطـول

وبعض العلماء يزيد عليها وينقص منها أبياتاً أخرى. وهي مع ذلك مما يعزوه بعض العلماء إلى شعراء آخرين، فعزاها بعضهم إلى عبد الملك بن عبد الرحيم الحارني، أو عبدالله بن عبد الرحمان، وقيل ابن عبد الرحيم الأزدي، وهو شاعر شامي إسلامي.

وينسب بعض الرواة القصيدة المذكورة إلى شاعر إسلامي آخر يسمى "دكن" الراجز، فترى من هذا مبلغ الاختلاف في صحة نسبة هذه القصيدة إلى السموأل.

ولم يرد في ديوان السموأل. ولا في بعض الكتب الأخرى البيت المتقدم، وأعني به قوله: هو الأبلق الفرد الذي ساز ذكره  يعزّ على من رامـه ويطـول

ولعدم وروده في ديوانه أهمية بالطبع، إذ يجوز ان تكون هذه الزيادة متعمدة لثابات انها من شعر السموأل حقاً، وآية ذلك " ورود "الأبلق الفرد" في هذه القصيدة، وليس هناك حصن اشتهر وعرف بهذه التسمية غير هذا الحصن.

وينسب إلى السموأل قوله معتذراً لرجل من ملوك كندة: وإن كنت ما بلغت عني فلامني  صديقي وحزت من يدي الأنامل

وقد ذكر هذا البيت، وكذلك بيت آخر معه في ديوانه. غير ان بعض العلماء ينسبها إلى معدان بن نجواس بن فروة السكوني.

ولللاخباريين روايات تختلف بعض الاختلاف في اسم والد السموأل فمنهم من جعله عادباء، ومنهم من دعاه أوفى، ومنهم من سهاه حيّان، "حسان"، ومنهم من قال له "السموأل بن غريض بن عادبا". وهم يقولون انه يهودي، ويقولون أحياناً انه من غسان، وغسان بالطبع ليست من يهود. ومنهم من قال ان والده من يهود، أما أمه فكانت من غسان. فهو اذن ذو نصفين - اذا صح التعبير - نصف يهودي، ونصف اخر عربي. ثم هم يذكرون انه كانت له صلات وثيقة بأمراء غسان، ولصلته هذه بهم قصد امرؤ القيس، طالبا وساطته له عند الحارث بن أبي شمر الغساني، ليوصله إلى قيصر، فينال بمساعدته حقه من خصومه 0 اًما نحن، فلا يهمنا من أمر السموأل في هذا المكان شيء، وكل ما يهمنا هو ما له صلة بدين اليهود، وعقيدة يهود الجاهلية في الحجاز. ويستشهد الذين يذكرون ان اسم والد السموأل هو "عاديا" ببيت شعر نسبوه إلى السموأل هو: بني لي عاديا حصنا حصينا  وعيناً كلما شئت استقـيت

فقالوا أن أباه "عاديا" اليهودي، وهو باني ذلك الحصن.

وقد جعل "ابن دريد" نسب "السموأل" في "بني غسان"، وجعل عمود نسبه على هذا النحو: "السموأل بن حيّا بن عادياء بن رفاعه بن الحارث،بن ثعلبه بن كعب".

ولا يستبعد بعض المستشرقين.احتمال كون السموأل من اصل عربي، هو من غسلن. تهود في جملة من تهود من العرب، لا سيما أن في منطقة يثرب أحياء نص على أصلها العربي، دخلت في هذا الدين. وقد ذهب بعضهم إلى احتمال وجود رجلين بهذا الاسم: رجل غساني عربي، وأخر يهودي.

وفي هذا البيت المنسوب إلى الأعشى: أرى عاديا لم يمنع الـمـوت  ما له وفرد بتيماء اليهودي أبلق

ما يشير إلى يهودية السموأل، وهو يشير أيضاً إلى غنى عادياء وكثرة ماله. وقت عرف حصن السموأل بالأبلق، وبالأبلق الفرد، وهو حصن مشرف على تيماء، وقد ذكر الأخباريون أنه إنما دعي بالأبلق لأنه كان في بنائه بياض وحمرة. وكان أول من بناه عادياء أبو السموأل. وقد ذكر ياقوت الحموي أن موضعه على رابية فيها"آثار أبنية من لين لا تدل على ما يحكى عنه من العظمة والحصانة، وهو خراب ولست أرى أن الأبلق أو الأبلق الفرد هي تسمية ذلك الحصن، إنما هي صفة له، أخذت من البيت: هو الأبلق الفردالذي سار ذكره  يعز على من رامه ويطـول

وهو بيت ينسب قوله إلى السموأل. ومن أبيات أخرى تنسب إلى الأعشى. وورد في أبيات منسوبة إلى الأعشى ان باني الأبلق هو "سليمان"، قال: ولا عاديا لم يمنع الموت ما له  وحصن بتيماء اليهودي أبلق

بناه سليمان بن داوود حقبة له  أزجٌ عال وطيء مـوثـق

يوازي كبيدات السماء ودونـه  بلاط وداراتً وكلس وخندق

ولكن هذا البيت يناقض ما ينسب إلى السموأل من شعر فيه ان باني ذلك الحصن، هو أبوه "عاديا" "عادياء". ولست أستبعد ان يكون أكثر هذا الشعر من الشعر المصنوع في الإسلام. وأما نسبة بناء الحصن إلى سليمان، فهي من الأمور الماًلوفة التي رواها أهل الأخبار عن أبنية. سليمان قي جزيرة العرب. وردت من أساطير روجها اليهود بين العرب في الجاهلية وفي الإسلام عن عظمة سليمان وبنائه الأبنية العظيمة. وقد خصصوا سليمان دون سائر رجال اليهود بالبناء، لبنائه الهيكل الذي أدهش العبرانيين ولا شك، ولم يكن لهم عهد بمثل هذا العهد من قبل. ومن يدري، فلعل هذه الأبيات المنسوبة إلى الأعشى هي من عمل أناس في الإسلام كلفهم اليهود صنعها، للتفاخر والتباهي بمآثرهم الماضية، انها حقاً من قول الأعشى، صنعها لليهود بعد ان فك شريح أسره وأعطاه شيئاً من المال، والمال مالك لكل لسان.

وزعم أهل الأخبار ان الملكة "الزباء" قصدت هذا الحصن، وحصن مارد، فعجزت عنهما، فقالت: "تمرد مارد وعزّ الأبلق"، فسيرته العرب مثلاً لكل عزيز ممتنع. و " مارد" حصن بدومة الجندل.

ونحن إذا تتبعنا الشعر المنسوب إلى السموأل، نجد معظمه كما قلت منتحلاً موضوعاً، صنع فيما بعد. وإذا تتبعنا سيرة هذا الشخص وما قيل فيه، نجد أكثره مما لا يستطيع الثبات للنقد. ولعل هذا هو الذي حمل بعض المستشرقين على الشك لا في شعر السموأل وحده، بل في شخصية السموأل نفسها، فذهبوا إلى أنها من اختراع أهل الاخبار، اخترعوها لما سمعوه من قصص مذكورة في التوراة عن "صموئيل".

وقد نسب بعض المستشرقين بقاء شعر السموأل وعدم ذهابه في الإسلام إلى أهله الذين دخلوا في الإسلام، ويقوا في أماكنهم من تيماء، فلم يكن من الهين عليهم نبذ شعره وتركه، ولهذا حافظوا عليه، فكانت محافظتهم هذه عليه سبب بقائه حتى اليوم.

وقد ذكر الأخباريون أسماء ثلاثة أولاد للسموأل. أولهم شريح الذي مر ذكره. وثانيهما حوط، وثالثها منذر. ولا نعرف من أمرهما غير الاسم. وبظن أن حوطا هو الذي وقع في الأسر فذبح.

أما "سعية بن غريض" "شعية بن غريض بن السموأل" "شعبة"، فهو أخو السموأل على رواية لأبي الفرج الاصبهاني، جعلت اسم والد السموأل: "غريض بن عادياء"،وهو حفيده على رواية أخرى. وقد أورد له الاصبهاني جملة ابيات في أثناء كلامه على السموأل.. ويذكر أنه كان غنياً صاحب أملاك وأموال، يعقد المجالس، وينادمه قوم من الأوس واالخزرج، وأن بعض ملوك اليمن أغار عليه فانتصف من ماله حتى افتقر ولم يبق له مال، ثم عاد اليه حاله، وأنه عاش طويلا إلى أيام معاوية، وانه دخل في الإسلام، وأن معاوية رآه يصلي في المسجد الحرام، فطلب حضوره، وسأله عن شعر ابيه الذي يرثي به نفسه، فأنشده قصيدته: يا ليت شعري حين أندب هالكا  ماذا تؤبنني بـه أنـواحـي

ويذكر رواة هذا الخبر ان "سعية" كان شيخاً طاعناً في السن يومئذ. وانه لم يكن يرى حقاً لمعاوبة في الخلافة، ولذلك لم يقبل ان يسلم عليه بالخلافة، وانه أجاب أجوبة فيها خشونة وجفاء، وان الخليفة كف أصحابه من الإساءة اليه قائلاً لهم: قد خرف الشيخ، فأقيموه. فاًخذ بيده فأقيم.

والقصيدة المذكورة ينسبها بعض الرواة إلى السموأل،وهذه النسبة تجعل السموأل أبا لسعية لا أخاً له. أما اذا جعلناها من شعر غريض "عريض"، والد سعية، فلا يكون هناك إشكال ما من ناحية نسبة القصيدة، غير ان علينا حينئذ جعل "سعية" "شعية" حفيدا للسموأل، في رواية من جعله "شعية بن غريض بن السموأل". باضافة ولد اخر على أولاد السموأل، اسمه "غريض" "الغر يض".

وذكر البحتري في "حماسته" اسم شاعر يهودي آخر، هو: عريض بن شعبة، ونسب اليه هذا الشعر: ليس يعطى القوي فضلاً من الرز  ق ولا يحرم الضعيف الخبـيث

بل لكلّ رزقه ماقـضـى الـل  ه ولو كد"نفسه المـسـتـمـيت

وهو من شعر السموأل نفسه على رواية بعض الاْخباريين، يرروونه له مع شيء من الاختلاف.

أما "الربيع بن أبي الحقيق"، فهو من بني قريظة على رواية، أو من بنْي النضير على رواية أخرى. وقد اشترك في يوم بعاث، وعاصر النابغة الشاعر الشهير، وخلف جملة أولاد ناصبوا الرسول العداء.

ومن بقية شعراء يهود: "أوس بن دنى" م ن قريظة، و "كعب.ن الأشرف"، و "سمّاك اليهودي". وهو شاعر قوي في ردهء لى المسلمين عنيف.

وكان "كعب بن الأشرف" رجلاً شاعراً يهجو النبي وأصحابه ويحرض عليه ويؤذيهم. خرج إلى مكة ونزل على "المطلب بن أبي وداعة السهمي"، بعد معركة "بدر" وجعل يحرض على رسول الله وينشد الاشعار ويبكي اصحاب القليب. فكان حاصل هجائه القتل.

وكان "ابو عفك" اليهودي ممن يحرض على رسول اللّه ويقول الشعر، وكان شيخاً كبيراً. فقتل لتحريضه على رسول الله وقوله الشعر فيه.

الفصل التاسع والسبعون

النصرانية بين الجاهليين

ولم تكن اليهودية، الديانة السماوية الوحيدة التي وجدت لها سبيلاَ إلى جزيرة العرب، بل وجدت ديانة سماوية أخرى طريقاً لها إلى العرب، هي الديانة النصرانية. وهي ديانة أحدث عهدأ من الديانة الأولى، لأنها قامت بعدها، ونشأت على أسسها ومبادئها، ولكنها كانت أوسع أفقاً وتفكيراً من الأولى. فبينما حبست اليهودية نفسها في بني اسرائيل، وجعلت إلهها إلَه بني اسرائيل شعب الله المختار، جعلت النصرانية ديانتها ديانة عالمية جاءت لجميع البشر. وبينما قيّدت اليهودية أبنائها بقيود تكاد تضبط حركاتهم وسكناتهم، وفرضت عليهم فروضاً ثقيلة، نجد النصرانية أكثر تساهلاً وتسامحاً، فلم تقيد أبنائها بقيود شديدة، ولم تفرض عليهم أحكاماً اشترطت عليهم وجوب تنفيذها. وقد قام رجال الدين النصارى منذ أول نشأتها بالتبشير بها،وبنشرها بين الشعوب، وبذلك تميزت عن اليهودية التي جمدت، واقتصرت على بني اسرائيل.

ولفظة "النصرانية" و "نصارى" التي تطلق في العربية على أتباع المسيح، من الألفاط المعربة.يرى بعضى المستشرقين أنها من أصل سرباني هو: "نصرويو" Nosroyo، "نصرايا" Nasraya، ويرى بعض آخر أنها من Nazerenes التسمية العبرانية التي أطلقها اليهود على من اتبع ديانة المسيح. وقد وردت في العهد الجديد في "أعمال الرسل" حكاية على لسان يهود. وبرى بعض المؤرخين أن لها صلة "بالناصرة" التي كان منها "يسوع" حيث يقال: "يسوع الناصري" أو أن لها صلة ب "الناصريين" Nasarenes=Nazarenesاحدى الفرق القديمة اليهودية المتنصرة. وقد بقي اليهود يطلقون على من اتبع ديانة المسيح "النصارى"، وبهذا المعنى وردت الكلمة في القرآن الكريم، ومن هنا صارت النصرانية علماً لديانة المسيح عند المسلمين.

ولعلماء اللغة الاسلاميين آراء في معنى هذه الكلمة وفي أصلها، هي من قبيل التفسيرات المألوفة المعروفة عنهم في الكلمات الغريبة التي لا يعرفون لها أصلاً. وقد ذهب بعضهم إلى أنها نسبة إلى الناصرة التي نسب اليها المسيح. وزعم بعض منهم أنها نسبة إلى قرية يقال لها "نصران"، فقبل نصراني وجمعه نصارى. وذكر أن "النصرانة" هي مؤنث النصراني.

ولم أعثر حتى الآن على نص جاهلي منشور وردت فيه هذه التسمية. أما في الشعر الجاهلي، وفي شعر المخضرمين، فقد ذُكر ان أمية بن أبي الصلت ذكرهم في هذا البيت: أيام يلقى نصاراهم مسيحهم  والكائنين له وداً وقربانـا

وذكر ان شاعراً جاهلياً ذكر النصارى في شعر له، هو: اليكَ تعدو قلقا وضينـهـا  معترضاً في بطنها جنينها

مخالفاً دين النصارى دينها

وذكر ان جابر بن حُنىّ قال: وقد زعمت بهراء ان رماحـنـا  رماح نصارى لا تخوض إلى دم

وان حاتماً الطائي قال في شعر له: ومازلت أسعى بين نابٍ ودارة  بلحيانَ حتى خفت أن أتنصرا

وان " طخيم بن أبي الطخماء" قال في شعر له في مدح بني تميم: وإني وإن كانوا نصارى أحبهّم  ويرتاح قلبى نحوهم ويُتَـوَّق

وان حسان بن ثابت قال: فرحت نصارى يثرب ويهودها  لما توارى في الضريح الملحد

غير ان هذه الأبيات وأمثالها إن صح انها لشعراء جاهليين حقاً،هي من الشعر المتأخر الذي قيل قبيل الإسلام. أما قبل ذلك، فليس لنا علم بما كان العرب يسمّون به النصارى من تسميات.

والذي نعرفه أن قدماء النصارى حينما كانوا يتحدثون عن أنفسهم كانوا يقولون "تلاميذ" Discipies، و "تلاميذ المسيح"، ذلك أنهم كانوا ينظرون،إلى المسيح نظرتهم إلى معلم يعلمهم وكذلك نظروا إلى حوارييه، فورد "تلاميذ يوحنا" وقصدوا بذلك النصارى. وهذه التعابير من أقدم التعابير التي استعملها النصارى للتعبير عن أنفسهم.

كذلك دعا قدماء النصارى جماعتهم ب "الاخوة" وب "الاخوة في الله" Brethren in Lord للدلالة على الجماعة، وب "الأخ" للتعبير عن المفرد، ذلك لأن العقيدة قد آخت بينهم، فصار النصارى كلهم اخوة في الله وفي الدين. ثم تخصصت كلمة "الأخ" برجل الدين. ودعوا أنفسهم "القديسين" Saintsوالمؤمنين والمختارين الأصفياء والمدعوّ ين، ويظهر أنها لم تكن علمية، وإنما وردت للأشارة إلى التسمية التي تليها.

وقد كنى عن مجتمع النصارى ب "الكنيسة" Ecclesia وتعني "المجمع"في الاغريقية، بمعنى المحل الذي يجتمع فيه المواطنون. فكنى بها عن المؤمنين وعن الجماعة التابعة للمسيح. كما عبر عن النصارى ب "الفقراء" وب "الأصدقاء".

وقد عرف النصارى ب Christians نسبة إلى Christos اليونانية التي تعني "المسيح" Messiah، أي المنتظر المخلص الذي على يديه يتم خلاص الشعب المختار. ويسوع هو المسيح، أي المنتظر المخلص الذي جاء للخلاص كما جاء في عقيدة أتباعه، ولذلك قيل لهم اتباع المسيح. فأطلقت عليهم اللفظة اليونانية، وعرفوا بها، تمييزاً لهم عن اليهود. وقد وردت الكلمة في أعمال الرسل وفي رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنتوس.

أما في القرآن الكريم وفي الأخبار، فلم ترد هذه اللفظة اليونانية الأصل. ولهذا نجد ان العربية اقتصرت على إطلاق "نصارى" و "نصراني" و "نصرانية " على النصارى تمييزاً لهم عن أهل الأديان الأخرى. أما مصطلح "عيسوي" و "مسيحي"، فلم يعرفا في المؤلفات العربية القديمة وفي الشعر الجاهلي، فهما من المصطلحات المتأخرة التي أطلقت على النصارى. وقد قصد في القرآن الكريم ب "أهل الأنجيل"2 النصارى، إذ لا يعترف اليهود بالانجيل. وقد أدخل علماء اللغة اللفظة في المعربات.

وأهم علامة فارقة ميزت نصارى عرب الجاهلية عن العرب الوثنيين، هي أكل النصارى للخنازير، وحملهم الصليب وتقديسه. ورد ان الرسول قال لراهبين أتياه من نجران ليبحثا فيما عنده: "يمنعكما عن الإسلام ثلاث: أكلكما الخنزير، وعبادتكما الصليب، وقولكما لله ولد". وورد انه رأى "عدي بن حاتم الطائي" وفي عنقه صليب من ذهب، لأنه كان على النصرانية.

وورد في شعر ذي الرمة: ولكن أصل امرىء القيس معشرٌ  يحل لهم أكل الخنازيروالخمـر

يريد انهم نصارى في الأصل،فهم يختلفون عن المسلمين في أكلهم لحم الخنزير وفي شربهم الخمر.

وفد أقسم النصارى بالصليب. هذا "عدي بن زيد" يحلف به في شعر ينسب اليه،فيقول: سعى الأعداء لا يألون شراً  عليك ورب مكة والصليب

ليس في استطاعتنا تعيين الزمن الذي دخلت فيه النصرانية إلى جزيرة العرب.

وتحاول مؤلفات رجال الكنائس رد ذلك التاريخ الى الأيام الأولى من التأريخ النصراني، غير اننا لا نستطيع اقرارهم على ذلك، لأن حججهم في ذلك غير كافية للاقناع. ولذلك، فليس من الممكن تثبيت تأريخ لانتشارها في هذه الأماكن في الزمن الحاضر، وليس لنا إلا التفتيش عن أقدم الوثاثق المكتوبة للوقوف عليها بوجه لا يقبل الشك ولا التأويل. ونحن أمام بحث علمي، يجب ان تكون العاطفة بعيدة عنه كل البعد.

واذا كانت اليهودية قد دخلت جزيرة العرب بالهجرة والتجارة، فإن دخول النصرانية اليها كان بالتبشير وبدخول بعض النساك والرهبان اليها للعيش فيها بعيدين عن ملذات الدنيا، وبالتجارة،وبالرقيق ولا سيما الرقيق الأبيض المستورد من أقطار كانت ذات ثقافة وحضارة. أما هجرة نصرانية كهجرة يهود إلى الحجاز أو اليمن أو البحرين، فلم تحدث، ذلك لأن النصرانية انتشرت في انبراطورية الروم والساسانيين بالتدريج،ثم صارت ديانة رسمية للقياصرة والروم وللشعوب التي خضعت لهم، فلم تظلّ النصرانية أقلية هناك، لتضطر إلى الهجرة جماعة وكتلة الى بلد غريب. لذلك كان حديثنا عن نصارى العرب من حيث الأصل والأرومة، يختلف عن حديثنا عن أصل يهود اليمن أو الحجاز.

وبفضل ما كان لكثير من المبشرين من علم ومن وقوف على الطب والمنطق ووسائل الإقناع وكيفية التاثير في النفوس، تمكنوا من اكتساب بعض سادات القبائل فأدخلوهم في دينهم،أو حصلوا منهم على مساعدتهم وحمايتهم. فنسب دخول بعض سادات القبائل ممن تنصر إلى مداواة الرهبان لهم ومعالجتهم حتى تمكنوا من شفائهم مما كانوا يشكون منه من أمراض. وقد نسبوا ذلك إلى فعل المعجزات والبركات الإلهية، وذكر بعض مؤرخي الكنيسة أن بعض أولئك الرهبان القديسين شفوا بدعواتهم وببركات الربّ النساء العقيمات من مرض العقم فأولدن أولاداً، ومنهم من توسل الى الله أن يهب لهن ولداً ذكراً، فاستجاب دعوتهم، فوهب لهم ولداَ ذكراً، كما حدث ذلك لضجعم سيد الضجاعمة، اذ توسل أحد الرهبان الى الله أن يهب له ولداً ذكراً، فاستجاب له. فلما رأى ضجعم ذلك، دخل في دينه وتعمد هو وأفراد قبيلته. ومنهم من شفى بعض الملوك العرب من أمراض كانت به مثل "مارايشو عزخا" الراهب. ذكروا أنه شفى النعمان ملك الحيرة من مرض عصبي ألم به، وذلك بإخراجه الشيطان من جسده.

وفي تواريخ الكنيسة قصص عن امثال هذه المعجزات المنسوبة إلى القديسين، كالتي نسبوها إلى القديس "سمعان العمودي" "المولود نحو سنة 360 م" يذكرونها على انها كانت سبباً في هداية عدد من الأمراء وسادات القبائل إلى النصرانية،وبفضل تنصرهم دخل كثير من أتباعهم في هذا الدين. وكالتي نسبوها الى القديس "أفتميوس" الذي نصر بفضل هذه المعجزات جمعاً من الأعراب وأسكنهم في أماكن خاصة أنشأ فيها كنائس أطلق عليها في اليونانية ما معناه "المحلة" أو "المعسكر".

ولم يعبأ المبشرون بالمصاعب والمشقات التي كانوا يتعرضون لها، فدخلوا مواضع نائية في جزيرة العرب، ومنهم من رافقوا الأعراب، وعاشوا عيشتهم،وجاروهم في طراز حياتهم، فسكنوا معهم الخيام، حتى عرفوا ب "أساقفة الخيام" وب "أساقفة أهل الوبر"، وبأساقفة القبائل الشرقية المتحالفة وبأساقفة العرب البادية. وقد ذكر ان مطران "بصرى" كان يشرف على نحو عشرين أسقفاً انتشروا بين عرب حوران وعرب غسان وقد نعتوا بالنعوت الذكورة، لأنهم كانوا يعيشون في البادية مع القبائل عيشة أهل الوبر.

وقد دخل أناس من العرب بالنصرانية باتصالهم بالتجار النصارى وبمجالستهم لهم. روي ان رجلاً من الأنصار، يقال له "أبو الحصين"، كان له ابنان،فقدم تجار من الشام إلى المدينة يحملون الزيت، فلما باعوا وأرادوا ان يرجعوا،أتاهم ابنا أبي الحصين، فدعوهما الى النصرانية،فتنصرا فرجعا إلى الشام معهم.

ودخلت النصرانية جزيرة العرب مع بضاعة مستوردة من الخارج، هي تجارة الرقيق من الجنسين، فقد كان تجار هذه المادة المهمة الرابحة يستوردون بضاعتهم من أسواق عالمية مختلفة، ولكن أثمن هذه البضاعة وأغلاها هي البضاعة المستوردة من انبراطوريتي الروم والفرس، لمميزات كثيرة امتازت بها عن الأنواع المستوردة من إفريقية مثلاً. فقد كان صنفها من النوع الغالي الممتاز بالجمال والحسن والاتقان ثم بالابتكار وبالقيام بأعمال لا يعرفها من هم من اهل إفريقية. ومن الروميّات والصقليات والجرمانيات من صرن أمهات لأولاد عدوا من صميم العرب. وقد كان أكثرهن، ولا سيما قبيل ظهور الإسلام، على النصرانية. ومن بينهن من خلدت أسماؤهن لتتحدث للقادمين من بعدهم من الأجيال عن أصولهن في العجم وعن الدين الذي كنّ عليه.

وقد كان في مكة وفي الطائف وفي يثرب وفي مواضع اخرى من جزيرة العرب رقيق نصراني كان يقرأ ويكتب ويفسرللناس ما جاء في التوراة والأناجيل،ويقص عليهم قصصاً نصرانياً ويتحدث اليهم عن النصرانية، ومنهم من تمكن من اقناع بعض العرب في الدخول في النصرانية، ومنهم من أثر على بعضهم، فأبعده عن الوثنية، وسفه رأيها عندهم، لكنهم لم يفلحوا في ادخالهم في دينهم، فبقوا في شك من أمر الديانتين، يرون أن الحق في توحيد الله وفي اجتناب الأوثان، لكنهم لم يدخلوا في نصرانية، لأنها لم تكن على نحو ما كانوا يريدون من التوحيد وتحريم الخمر وغير ذلك مما كانوا يبتغون ويشترطون.

وقد أثرت الأديرة تاًثيراً مهماً في تعريف التجار العرب والأعراب بالنصرانية.

فقد وجد التجار في أكثر هذه الأديرة ملاجىء يرتاحون فيها ومحلات يتجهزون منها بالماء، كما وجدوا فيها أماكن للهو والشرب: يأنسون بأزهارها ويخضرة مزارعها التي أنشأها الرهبان، ويطربون بشرب ما فيها من خمور ونبيذ معتق امتاز بصنعه الرهبان. وقد بقيت شهرة تلك الأديرة بالخمور والنبيذ قائمة حتى في ايام الإسلام. ومن هؤلاء الرهبان ومن قيامهم بشعائرهم الدينية، عرف هؤلاء الضيوف شيئاً عن ديانتهم وعما كانوا يؤدونه من شعائر. وقد أشير إلى هؤلإء الرهبان الناسكين في الشعر الجاهلي،وذكر عنهم انهم كانوا يأخذون المصابيح بأيديهم لهداية القوافل في ظلمات الليل.

وقد كانت هذه الأديرة، وهي بيوت خلوة وعبادة وانقطاع إلى عبادة الله والتفكير فيه، مواطن تبشير ونشر دعوة. وقد انتشرت حتى في المواضع القصية من البوادي. واذا طالعنا ما كتب فيها وما سجله أهل الأخبار أو مؤرخو الكنائس عن أسمائها،نعجب من هذا النشاط الذي عرف به الرهبان في نشر الدعوة وفي اقامة الأديرة للاقامة فيها في مواضع لا تستهوي أحداً. وهي متقاربة عديدة في بلاد العراق وفي بلاد الشام. بل نجد لها ذكراً حتى في الحجاز وفي ونجد وفي جنوبي جزيرة العرب وشرقيها: تتلقى الاعانات من كنائس العراق والشأم ومن الروم، حتى تمكنت من التبشير بين أكثر القبائل. ولولا ظهور الإسلام ونزول الوحي على الرسول في الحرمين، لكان وجه العالم العربي ولا شك غير ما نراه ألآن. كان العرب على دين النصرانية وتحت مؤثرات ثقافية اجنبية، هي الثقافة التي اتسمت بها هذه الشيع النصرانية المعروفة حتى اليوم.

وقد ذكر "ابن قتيببة الدينوري": ان النصرانية كانت في ربيعهَ، وغسان،وبعض قضاعة. وقال "اليعقوبي": "وأما من تنصر من أحياء العرب، فقوم من قريش من بني أسد بن عبد العزى، منهم عثمان بن الحويرث بن أسد بن عبد العزى، وورقة بن نوفل بن أسد. ومن بني تميم: بنو امرىء القيس بن زيد مناة،ومن ربيعة:بنو تغلب، ومن اليمن:طيء ومذحج وبهراء وسليح وتنوخ وغسان ولخم".

وطبيعي أن يكون انتشار النصرانية في العرب ببلاد الشام واضحاً ظاهراً أكثر منه في أي مكان آخر. وأقصد ببلاد الشام ما يقصده علماء الجغرافيا العرب من هذا المصطلح. فقد كان لعرب هذه الديار علاقة مباشرة واتصال ثقافي بغيرهم من سكان هذه الأرضين الذين دخل أكثرهم في الديانة النصرانية، والذين صارت هذه الديانة ديانة بلادهم الرسمية بعد دخول الروم فيها واتخاذهم النصرانية ديناً رسمياً للدولة منذ تنصر أول قيصر من القياصرة، فكان من أولى واجبات الروم السعي في تنصير الشعوب الخاضعة لهم، لا تقرباً إلى الله وحده، بل لتمكين سلطانهم عليهم، واخضاعهم روحياً لهم. ولهذا كان من سياسة البيزنطيين نشر النصرانية بين أتباعها وفي الخارج وارسال، المبشرين والاغداق عليهم ومدهم بالأموال لنشر الدعوة وتأسيس مكاتب للتبشير، وبالفعلة لبناء الكنائس الفخمة الجميلة على طراز فني أنيق جميل غير معروف بين من سيبشر بهذا الدين بينهم. وبذلك تبهر عقولهم، فتشعر أن للدين الجديد مزايا ليست في دينهم، وأن معابده أفخم من معابدهم،ورجال دينه أرقى من رجال دينهم. وبذلك يأتون اليها. وللبهرجة والفخفخة أثر عظيم في كثير من الناس، فالعين عند أكثرالبشر، تقوم مقام العقل. وقد يكون ما قام به الأحباش في اليمن من انشاء الكنائس العظيمة فيها وتفننهم في تزويقها وتجميلها وفي فرشها بأفخر الرياش والفراش لصرف الناس عن الكعبة كما يزعم أهل الأخبار دليلاً على ما أقول.

وقد وجدت النصرانية لها سبيلاً بين عرب بلاد الشام وعرب بادية الشام والعراق. فدخلت بين "سليح"، و "الغساسنة"، و "تغلب"، و "تنوخ"،و "لخم"،و "إياد". وقد انتشرت بين عرب بلاد الشام بنسبة تزيد على نسبة انتشارها بين عرب بلاد العراق، وهو شيء طبيعي، فقد كانت بلادالشاًم تحت حكم البيزنطيين، وديانتهم الرسمية، هي الديانة النصرانية، وكانوا يعملون على نشرها وترويجها بين شعوب "انبراطوريتهم"، وبين الشعوب الأخرى،لا سيما الشعوب التي لهم مصالح اقتصادية معها. ففي نشر النصرانية بينهم وادخالهم فيها، تقريب لتلك الشعوب منهم، وتوسيع لنفوذهم السياسى بينهم،. وتقوية لمعسكرهم المناهض لخصومهم الفرس، أقوى دولة معادية لهم في ذلك الوقت.

ولهذا سعت القسطنطنية لادخال عربهم في النصرانية، وعملت كل ما أمكنها عمله للتأثير على سادات القبائل لادخالهم في دينهم، بدعوتهم لزيارة كنائسهم وبارسال المبشرين اللبقين اليهم، لاقناعهم بالدخول فيها، وبارسال الأطباء الحاذقين اليهم لمعالجتهم، وللتأثير عليهم بذلك في اعتناق النصرانية. كما دعوهم لزيارة العاصمة، لمشاهدة معالمها ولابهار عقولهم بمشاهدة كنائسها، والاتصال بكبار رجال الدين فيها، لتعليمهم أصول النصرانية. وأظهروا لهم مختلف وسائل المعونة والمساعدة إن دخلوا في ديانتهم، وبذلك أدخلوهم في النصرانية فصاروا اخواناً للروم في الدين.

نعم، دخل سادات القبائل والحكام العرب التابعون لهم في هذه الديانة، فصاروا نصارى، ولكنهم لم يأخذوا نصرانية الروم، بل أخذوا نصرانية شرقية مخالفة لكنيسة "القسطنطنية"،فاعتنقوها مذهباً لهم. وهي نصرانية عدت "هرطقة" وخروجاً على النصرانية الصحيحة "الأرثوذكسية" في نظر الروم. نصرانية متأثرة بالتربة الشرقية، وبعقلية شعوب الشرق الأدنى، نبتت من "التفكير الشرقي في الدين، ولهذا تأثرت بها عقلية هذه الشعوب فانتشرت بينها، ولم تجد لها اقبالاً عند الروم وعند شعوب أوروبة. وكان من جملة مميزاتها عكوفها على دراسة العهد القديم، أي التوراة، أكئر من عكوفها على دراسة الأناجيل.

والنصرانية التي شاعت بين عرب بلاد الشام، هي النصرانية اليعقوبية، أو المذهب اليعقوبي بتعبير أصح. وهو مذهب اعتنقه أمراء الغساسنة وتعصبوا له، ودافعوا عنه، وجادوا رجال الدين في القسطنطنية وفي بلاد الشام في الذب عنه.

فزعم مثلاً أن "الحارث بن جبلة" "ملك العرب النصارى" تغلب في مناظرة جرت له مع "البطريرك افرام" "526 - 545م" على "البطريرك" وأفحمه في جوابه. وكان افرام، وهو على مذهب "الملكيين"، قد قصده لاقناعه بترك المذهب "المنوفيزيتي" والدخول في مذهبه. ونسبوا إلى "المنذر بن الحارث" دفاعاً شديداً عن "المنوفيزيتية"،أي المذهب الذى كان عليه الغساسنة من مذاهب النصرانية، وذكروا أنه أنب "البطريرك دوميان" وهو في القسطنطنية على تهجمه على المنوفيزيتيين"، وعمل جهده في التقريب بين مذهبه ومذهب القيصر، واتصل بالقيصر "طيباريوس" "578 - 582م" ليعمل على بث روح التسامح بين المذاهب النصرانية وترك الحرية للافراد في دخول المذهب الذي يريدونه والصلاة في أية كنيسة يريدها النصراني.

ويظهر ان بعض الضجاعمة الذين كانوا يتولون حكم عرب الشام قبل الغساسنة كانوا على دين النصرانية. غير اننا لانستطيع ان نحكم على اي مذهب من مذاهب النصرانية كانوا. فذكروا ان "زوكوموس"، وهو "ضجعم" جد الضجاعمة تنصر على يد أحد الرهبان، وذلك ان هذا الرئيس كان متلهفاً إلى مولود ذكر، فجاءه هذا الراهب، وتضرع إلى الله ان يهبه ولداً ذكراً، فلما استجاب الله له تعمدّ وتبعته قبيلته.

وقد كان مشهد القديس "سرجيوس" في "الرصافة"، من أهم المزارات التي تقصدها المتنصرة من عرب الشام، مثل الغساسنه وتغلب. وقد تقرب إليه بعض ملوك ألغساسنة بتقديم الهدايا والنذور اليه وبتزيينه وبزيارته، وبالاعتناء بالمدينة وبصهاريجها تكربماً له، وتقرباً اليه، وظل هذا المزار مقصوداً مدة في الإسلام. وقد عدّ التغلبيون هذا القديس شفيعهم،جعلوا له راية حملوها معهم في الحروب، وكانوا يحملونها مع الصليب تبركاً وتيمناً بالنصر.

وكان حاضر "قنسرين" لتنوخ. أقاموا في طرفها هذا منذ زمن قديم، مذ أول نزولهم بالشأم. نزلوا في طرفها وتنصروا. فلما حاصر "أبو عبيدة" المدينة، دعاهم إلى الإسلام، فاسلم بعضهم، وأقام على النصرانية بنو سليح. كذلك كان في طرف قنسرين عشائر من طيء، نزلوا بها في الجاهلية على أثر الحروب التي وقعت فيما بينهم، واستدعت تفرقهم، فأقاموا عند قنسرين مع القبائل العربية الأخرى التي جاءت إلى هذا المكان.

وكان بقرب مدينة "حلب" حاضر يدعى "حاضر حلب" يجمع أصنافاً من العرب من تنوخ وغيرهم. فلما جاء "أبو عبيدة" إلى المدينة، صالح من فضّل البقاء منهم على دينه على الجزية، ثم أسلم الكثير منهم فيما بعد.

وتعد بهراء في جملة القبائل العربية المتنصرة عند ظهور الإسلام. تنصرت كما تنصرت غسان وسليح وتنوخ وقوم من كندة، وذلك لنزولها في بلاد الشام ولاتصالها بالروم.

وقد سكن قوم من "إباد" السواد والجزيرة، وسكن قوم منهم بلاد الشام، فخضعوا للغساسنة وللروم وتنصروا. وهم في جملة القبائل التي لم يأخذ علماء العربية اللسان عنها لمجاورتها اهل الشام، ولتأثرها بهم،وهم قوم يقرؤون ويكتبون بالسريانية، فتاثروا بهم، لروابط الاحتكاك والثقافة والدين.

وقد ترك لنا رجل من نصارى الشام نصاً قصيرأَ مؤرخاً بسنة "463" المقابلة لسنة "568" للميلاد، وهي غير بعيدة عن ميلاد الرسول جاء فيها: "نا شرحيل بر ظلمو بنيت ذا المرطول سنت 463 بعد مفسد خيبر بعم"،أي "أنا شراحيل بن ظالم بنت ذا المرطول بعد مفسد"خيبر" بعام". هوعلى قصره ذو أهمية عظيمة من الناحية اللغوية، إذ هو النص الجاهلي الوحيد الذي وصل الينا مكتوباً باللهجة التي نزل بها القرآن الكريم. وهو على ما أعلم النص الجاهلي الوحيد أيضاً الذي وصل الينا مكتوباً بصيغة المتكلم،فالنصوص الأخرى التي وصلت الينا والمكتوبة يمختلف اللهجات العربية مدوّ نة كلها بضمير الغائب. وهو أيضاً من النصوص العربية القليلة التي تركها النصارى العرب لمن بعدهم في بلاد الشام.

وقد استغل الروم العربَ المتنصرة بأن أثاروا في نفوسهم العواطف الدينية على المسلمين، حينما عزم المسلمون على فتح بلاد الشام وطرد البيزنطيين منها، وأغروا سادات القبائل بالمال وبالهدايا وبالوعود حتى اشتروهم فصاروا إلى جانبهم.

والمصالح الشخصية هي فوق كل مصلحة عند سادات القبائل، لا تعلوها عندهم مصلحة، فانضموا اليهم، وجاءوا بقبائلهم لتحارب معهم. ومن هذه القبائل العربية التي حاربت مع الروم، غسان. حاربوا معهم في معارك عديدة. ففي يوم اليرموك كانوا في صفوف الروم، وكان رئيسهم "جبلة بن الأيهم الغساني" في مقدمة الجيش الذي أرسله هرقل لمحاربة المسلمين. كان على رأس مستعربة الشام من غسان ولخم وجذام. وقد اشترك مع الروم في حروب أخرى ضد المسلمين.

وكانت "سليح" في جملة القبائل العربية المتنصرة التي حاربت المسلمين. ولما تقهقر الروم وانهزموا، دفعوا الجزية لاحتفاظهم بدينهم. وكذلك كانت عاملة ولخم وجذام في جملة القبائل المتنصرة التي ساعدت الروم، وآزرتهم. كانوا مع الروم مثلاً حين مجيء الرسول إلى "تبوك". وظلوا إلى جانبهم يؤيدونهم حتى تبين لهم أن النصر قد تحول للمسلمين، وأن الهزائم قد حالفت الروم، عندئذ انضمت في جملة من انضم من منتصرة العرب إلى المسلمين لمحاربة الروم.

وكادت قبيلة "تغلب " الساكنة غرب الفرات، أن تفر إلى بلاد الروم وتلحق بأرض الروم، لما غلب البيزنطيون على أمرهم وفتحت بلاد الشام والعراق أمام المسلمين. ولما خيرت بين البقاء على دينها ودفع الجزية وبين الدخول في الإسلام، أنفت من دفع الجزية، ورضيت بدفع ضعف الصدقة التي تؤخذ من المسلمين في كل سائمة وأرض.

وقد نزحت "إياد" إلى بلاد الروم ويقيت بها، ثم عاد جمع منها لاخراج القيصر إياهم، فنزلوا بلاد الشام والجزيرة وانضموا إلى اخوانهم في الجنس.

ويلي هؤلاء عربُ العراق، لاحتكاكهم بالنصارى ولانتشار النصرانية في العراق بالرغم من ان ديانة الحاكمين لهذا القطر كانت "ديانة أخرى، وان النصرانية لم تكن في مصلحة الفرس. غير ان الفرس لم يكونوا يبشرون بدينهم، ولم يكن يهمهم دخول الناس فيه، إذ عدت المجوسية ديانة خاصة بهم، وهذا مما صرف الحكومة عن الاهتمام بأمر أديان الخاضعين لها من غير أبناء جنسها، إلا اذا وجدتها تتعارض مع سياستها، وتدعو إلى الابتعاد عنها. ثم إن النصرانية التي انتشرت فيها لم تكن من النصرانية المتشيعة للروم، ولهذا لم تجد الدولة الساسانية من هذه الناحية ما يهدد سياستها بالأخطار، فغضت النظر عنها، وان قاومتها مراراً واضطهدتها، وفتك ملوكها بعدد من الداخلين فيها، أشارت اليهم كتب مؤرخوالكنيسة في تواريخهم عن الشهداء القديسين.

وقد أشار أهل الأخبار إلى تنصر بعض ملوك الحيرة،ونسيوا اليهم بناء الأديرة والكنائس، كما أشار إلى ذلك بعض مؤرخي الكنيسة. كالذي ذكروه عن "المنذر" وعن "النعمان بن المنذر". غير اننا لا نستطيع اقرار ذلك بوجه عام، ولا بد من التريث، إذ يظهر ان أكثر ملوك الحيرة كانوا على الوثنية وإذا كان كثير من ملوك الغساسنة قد دخلوا في النصرانية فان ظروفهم تختلف عن ظروف ملوك الحيرة. فقد كان الروم، وهم سادة بلاد الشام، على هذه الديانة، وكانوا يشجعون انتشار النصرانية ويسعون لها، ولهذا كان لهذه السياسة أثر في الغساسنة اصحاب الروم، وهم على اتصال دائم بهم بطبيعة حكمهم لبلاد الشام. أما في ا العراق، فلم تكن هذه الديانة ديانة رسمية للحكومة،انما انتشرت بفضل المبشرين، ولهذا انتشرت بين سواد الشعب،ولم تنتشر بين الملوك. ولم تضغط الحكومة الساسانيةعلى ملوك الحيرة للدخول في هذه الديانة.التي لم يكونوا أنفسهم داخلين فيها، فهي بالاضافة اليهم ديانة غريبة، لا يعنيهم موضوع انتشارها،ولا يهمهم موضوع انتشارها، ولا يهمهم شأنها ما دامت لا تتعارض وحكمهم في العراق.

وقد كان "هانىء بن قبيصة الشيباني، ممن كان على النصرانية، وهو من سادات "بني شيبان"، ومات وهو على هذا الدين. وكان في جملة من فاوض "خالد بن الوليد" باسم قومه على دفع الجزية للمسلمين.

ومن متنصرة العراق بنو عجل بنُ لجيم من قبائل بكر بن وائل. وقدعرف منهم "حنظلة بن ثعلبة بن سيار العجلي" الذي سادهم في معركة ذي قار.

وقد حاربت "خالد بن الوليد"، وكان قائدها جابر بن بجير وعبد الأسود.

وكان منها في أيام بني أمية أبجر بن جابر. وهو والد حجّار. وقد بقي على نصرانيته في الإسلام.

وكان في الحيرة سراة نصارى اشتركوا مع سراة قريش في الأعمال التجارية مثل "كعب بن عدي التنوخي"، وهو من سراة نصارى الحيرة، وكان أبوه اسقفاً على المدينة، وكان هو يتعاطى التجارة، وله شركة في التجارة في الجاهلية مع "عمر بن الخطاّب" في تجارة البز، وكان "عقيداً " له، قدم المدينة في وفد من أهل الحيرة إلى النبي ورأى الرسول، فأسلم في رواية، ولم يسلم في رواية أخرى. ولما توفي الرسول، ثبت على الإسلام على رواية من صيره مسلماً في ايام الرسول. واشترك في جيش اليمامة الذي أرسله "أبو بكر"،ووجهه "أبو بكر" في رسالة إلى "المقوقس"، ثم وجهه "عمر" برسالة اليه في أيامه. وشهد فتح مصر.

وقد أخرجت مدينة الحيرة عدداً من رجال الدين، مثل مار إيليا وأصله من الحيرة، والقديس حنانيشوع، وهو من عرب الحيرة ومن عشيرة الملك النعمان، والقديس مار يوحنا، و "هوشاع" الذي حضر مجمع اسحاق الجاثليق عام 410 م، وشمعون الذي أمضى أعمال مجمع "يهبالا" الذي انعقد سنة 486 م، وشمعون الذي حضر مجمع "أقاق"، و "ايليا" المنعقد سنة 486 م وأمضى في سنة 97 4 م مجمع "اباي"، و "ترساي" الذي تحزب سنة 4 52م لنرساي الجاثليق ضد "اليشاع" و "افرام" و "يوسف"، وقد حضر مجمع "أيشوعياب الأرزني" الذي انعقد سنة585م، وشمعون بن جابر الذي نصرّ الملك النعمان الرابع في سنة 594على ما يذكره مؤرخو الكنيسة.

وقد كان "مار يشوعياب الأرزوني" Jesujab I.Arzunita المتوفي سنة 596.م من أصل عربي. درس الديانة في "نصيبين" Nisibis، ثم تقّدم فصار أسقفاً على " أرزون" Arzun، ثم ترقى حتى صار "بطريكاً" "بطريقاً " على النساطرة سنة580 م. وقد زار الملك "النعمان". وتوسط عند الروم لمساعدة "خسرو ابرويز" Chosroes Abruizus، ضد "بهرام" Varames -Beheram. وقد توفي في خيم "بني معدّ" "المعديين" Maadenes، ونقل إلى الحيرة فدفن في دير "هند" ابنة النعمانْ.

وقد عثر على آثار كنائس في خرائب الحيرة، وأشار أهل الأخبار إلى وجود الكنائس والبيع والأديرة في الحيرة. وذكر "ياقوت الحموي" أسماء عدد من الأديرة كانت بالحيرة أو بأطرافها وبالبادية، منها: "دير ابن برّاق " بظاهر الحيرة، و " دير ابن وضّاح" بنواحي الحيرة، وديارات ألأساقف، وهي جملة أديرة كانت بالنجف ظاهر الكوفة بحضرتها نهر الغدير، ودير الأسكون "وهو بالحيرة راكب على النجف وفيه قلألي وهياكل وفيه رهبان يضيفون من ورد عليهم". ودير الأعور، بظاهر الكوفة بناة رجل بن إياد يقال له الأعور من بني حذافة بن زهر بن إياد، ودير بني مرينا، بظاهر الحيرة عند موضع جفر الأملاك، ودير حنظلة، منسوب إلى حنظلة بن أبي عفراء بن النعمان، وهم عم إياس بن قبيصة، وكان من رهط "أبي زبيذ" الطائي، وكان من شعراء الجاهلية، ثم تنصر وفارق قومه، ونزل الجزيرة مع النصارى حتى فقه دينهم وبلغ نهايته، وبنى ديراً عرف باسمه، هو هذا الدير، وترهب حتى مات. ودير حنظلة بالحيرة،وهو منسوب إلى حنظلة بن عبد المسيح ين علقمة، ودير حنة، وهو بالحيرةّ كذلك بناه المنذر لقوم من تنوخ يقال لهم بنو ساطع، تقابله منارة عالية كالمرقب تسمى القائم، لبني أوس بن عمرو بن عامر، ودير السوا بظاهر الحيرة يتحالفون عنده، ودير الشاء، ودير عبد المسيح وهو بظاهر الحيرة بموضع الجرعة بناه عبد المسيح بن عمرو بن بقيلة، ودير علقمة بالحيرة منسوب إلى علقمة بن عدي بن الرميك بن توب بن أسس بن دبي بن نمارة بن لخم، ودير قرة وهو دير بإزاء دير الجماجم بناه رجل اسمه قرة من بني حذافة ابن زهر بن إياد في أيام المنذر بن ماء السماء، ودير اللُجّ وهو بالحيرة بناه النعمان بن المنذر أبو قابوس، و "كان يركب في كل أحد اليه، وفي كل عيد، ومعه أهل بيته، خاصة من آل المنذر، عليهم حلل الديباج المذهبة، وعلى رؤوسهم أكاليل الذهب، وفي أوساطهم الزنانير المفصصة بالجوهر، وبين أيديهم أعلام فوقها صلبان، وإذا قضوا صلاتهم، انصرفوا إلى مستشرفه على النجف، فشرب النعمان وأصحابه فيه بقية يومه، وخلع ووهب، وحمل ووصل وكان ذلك أحسن منظر وأجمله".

ودير مارت "مارة" مريم. وهو دير قديم من أبنية آل المنذر بنواحي الحيرة بين الخورنق والسدير وبين قصر أبي الخصيب مشرف على النجف، ودير مار فايثون بالحيرة أسفل النجف، ودير مر عبدا بذات الأكيراح من نواحي الحيرة منسوب إلى مر عبدا بن حنيف بن وضاح اللحياني كان مع ملوك الحيرة، دير ابن المزعوق، وهو دير قديم بظاهر الحيرة، ودير هند الصغرى بنت النعمان بن المنذر المعروفة بالخَرقٌة، وكانت به قبور أهلها، بنته هند في ايام "خسرو أنو شروان" في زمنْ مار افريم الأسقف. وأما الدير إلمعروف بدير هند الأقدم، فنسب بناؤه إلى هند الكبرى، أم عمرو بن هند.

هذه أسماء اخترتها من بين أسماء أديرة أخرى كثيرة ذكرها "الشنابشتي"، وياقوت الحموي والبكري، لأن لها صلة بالحيرة وبما جاورها وبالعرب سكان هذه الأرضين. ونجد في بلاد الشام أديرة أخرى بناها عربها في تلك الديار قبل الإسلام. ونجد على تسميات بعضها الصبغة الإرمية كما في تسمية "مار افريم" "مار افرايم" و "مار عبدا" و "مار فايثون"، وغيرها. وكلمة "مار" من كلمات بني إرم، كما نجد الصبغة النصرانية للاعلام واضحة على بعضها كما في عبد المسيح وحنة ومارت مريم وأمثال ذلك، وهي من الأعلام التي اختصت بالنصارى. وذلك بسبب ان النصرانية كانت متاًثرة بثقافة بني إرم، وكانت تستعل اللغة الإرمية في الصلوات وفي تأدية الشعائر الدينية الأخرى. ولغة بني إرم هي لغة العلم عند النصارى الشرقيين، فكان من الطبيعي استعمال نصارى العرب لهذه اللغة في كنائسهم وبيعهم وأديرتهم وفي دراستهم للدين وما يتصل باللاهوت من علوم. ومن هنا استعمل كتاّبهم قلم بني إِرم في كتاباتهم، ومن هذا القلم تولد القلم النبطي المتأخر الذي تفرع منه القلم العربي الذي كتب به اًهل الحجاز عند ظهور الإسلام، فصار القلم الرسمي للمسلمين.

وقد نعت الرواة وأهل الأخبار العرب التي دانت بالنصرانية ب "العرب المتنصرة"، تمييزاً لها عن العرب الآخرين الذين لم يدخلوا في هذه الديانة، بل بقيت على اخلاصها ووفائها لديانة آبائها وأجدادها، وهي عبادة الأوثان. ومن القبائل التي يحشرها أهل الأخبار في جملة "العرب المتنصرة" غسان وتغلب وتنوخ ولخم وجذام وسليح وعاملة. ويلاحظ ان الأخباريين يطلقون على هذه القبائل أو على أكثرها "العرب المستعربة"، وهم لا يقصدون بذلك نسبها، لأن من بينها كما نعلم من هو من أصل قحطاني على حسب مذهب أهل الأنساب في نسب القبائل. وإنما يريدون من هذا المصطلح القبائل التي كانت قد سكنت ببلادالشام والساكنة في أطراف الانبراطورية البيزنطية وفي سيف العراق. من حدود نهر الفرات إلى بادية الشام، فهو يشمل إذن القبائل النازلة على طرفي الهلال الخصيب وفي طرفي القوس التي تحيط بحدود الانبراطوريتين. وخاصة تلك القبائل التي دانت بالنصرانية وتأثرت بثقافة بني إرم وبلهجتها، وذلك لظهور هذا الأثر فيها، وعلى لهجتها خاصة، مما حدا بعلماء اللغة أن يتحرجوا في الاستشهاد بشعرها في قواعد اللغة. والاستشهاد بشعر قبيلة لاثبات القواعد هو أوثق شاهد في نظر العلماءالتسليم بنقاوة لغة القبيلة التي يستشهد بشعرها وأصالتها.

"وجدت النصرانية بعد بلاد الشام والعراق لها مواضع أخرى دخلت اليها، هي أطراف جزيرة العرب، كالعربية الغربية والجنوبية والشرقية. وتفسير دخولها الى هذه الأرضين واضح، هو اتصالها بطرق القوافل البرية والبحرية في البلاد التي انتشرت فيها النصرانية، ومجيء التجار النصارى والمبشرين مع القوافل اليها. وتجار النصارى، لم يكونوا على شاكلة تجار يهود: كانوا يرون أن التجارة هي كسب مادي، ولكن التبشير مع التجارة ربح مضاعف، هو ربح في الدارين:.الدنيا والاخرة، فكانوا يغتنمون فرصة وجودهم في البلاد التي ينزلونها لنشر دينهم فيها ثم إن في انتشار دينهم بين سكان هذه المواضع التي يطرقونها كسباً لهم ولبلادهم، وأكثرهم من الروم. فإنهم يجدون بتنصر الغرباء، إخواناً لهم يرون رأيهم، ويعطفون عليهم. ثم إنهم سيفضلونهم في تعاملهم معهم على غيرهم، وسيتساهلون معهم ولاشك. ثم إنهم سيقربونهم بتنصيرهم من العالم النصراني، وممثل هذا العالم وحماته هم الروم.

وكان أهل دومة الجندل خليط، فهم نصارى، قال عنهم أهل الأخبار انهم "من عباد الكوفة". ويظهر من خبر أسر خالد للاكيدر ومجيئه به على رسول الله، ومن مصالحة الرسول له على الجزية، انه كان على النصرانية، إذ لاتؤخذ الجزية من مشرك.

أما "أيلة"، فكان اسم صاحبها في ايام الرسول "يحنة بن رؤبة" "يوحنا بن رؤبة" وهو نصراني كما يدل اسمه عليه، جاء إلى تبوك في السنة التاسعة من الهجرة، وكان الرسول بها، فصالحه على الجزية وبقي في محله. وقد دعاه المسعودي "أسقف أيلة". وورد في محاضر بعض المجامع الدينية "أسقف أيلة ولشراة".

وكان في وادي القرى نفر"من الرهبان، كما ورد ذلك في شعر جعفر بن سراقة أحد بني قرة، وهو: فريقان: رهبان بأسفل ذي القرى  وبالشاًم عرافون فيمن تنصـرا

وتعد طيء من القبائل التي وجدت النصرانية سبيلاً اليها. وقد ورد ان "أحودما" "المغريان" تنقل بين طيء في سنة "870" لليونان المقابلة لسنة "559 " للميلاد. وقد كان عدي بن حاتم الطائي في جملة الداخلين في النصرانية من طيء.

ويذكر انه كان "ركوسيّاً"، وفد على الرسول، وأعلن إسلامه. غير ان هذا لا يعني ان النصرانية كانت هي الغالبة على هذه القبيلة، فقد كان قوم منها يتعبدون للصنم "الفلس"، أي على الشرك.

ولم يذكر أهل الأخبار شيئاً يستحق الذكر عن النصرانية في يثرب. وقد أشار القرآن الكريم في مواضع عديدة من الآيات المدنية إلى النصارى، غير ان تلك الاشارات عامة في طبيعة المسيح وفي النصرانية نفسها لا في نصارى يثرب وفي صلانهم بالاسلام. ثم إن أهل السير لم يشيروا إلى تصادم وقع بين النصارى والمسلمين ولا إلى مقاومة نصارى يثرب للرسول كالذي وقع بين يهود يثرب وللرسول، مما يدل على ان النصرانية لم تكن قوية في المدينة،وان جاليتها لم تكن كثيرة العدد فيها. غير ان هذا لا يعني عدم وجود النصارى في هذا الموضع الزراعي المهم. فكما كان في مكة رقيق وموالي يقومون بخدمة ساداتهم، كذلك كان في المدينة نفر منهم أيضا يقومون بمختلف الأعمال التي يعهد أصحابهم إليهم القيام بها. ولا بد ان تكون لهذه الطبقة من البشر مكانة في هذه المدينة وفي أي موضع آخر من جزيرة العرب. فقد كانت هذه الطبقة عموداً خطيراً من الأعمدة التي يقوم عليها نجيان الاقتصاد في ذلك العهد، فهي بالنسبة لذلك العهد الآلات المنتجة والمعامل المهمة لأساب الأموال وللسادة الأثرياء، تؤدي ما يطلب منها القيام به وما يراد منها إنتاجه بأجور زهيدة وبدقة ومهارة لا تتوفر عند الأحرار من العرب. ثم إن الأحرار مهما يلغ حالهم من الفقر والفاقة كانوا يأنفون من الأعمال الحرفية ونحوها مما يوكل إلى هذه الطبقة القيام به، لأنها في نظرهم من المهن المنحطة التي لا تليق بالرجل الحر مهما كان عليه من فقر وبؤس، ولهذا كان لا بد من الاستعانة بالموالي والرقيق للقيام بأكثر متطلبات حياة الإنسان.

ويفهم من بيت للشاعر حسان بن ثابت في قصيدة رثى بها النبي، وهو: فرحت نصارى يثرب ويهودها  لما توارى في الضريح الملجد

أنه كان في يثرب نفر من النصارى كما كان بها قوم من يهود. وذكر أن النصارى كانوا يسكنون في يثرب في موضع يقال له: سوق النبط.

ولعل هذه السوق هي الموضع الذي كان ينزل فيه نبط الشام الذين كانوا يقصدون المدينة للاتجار في الحبوب، فصارت موضعاً لسكنى هؤلاء النصارى، ونسب إليهم. وقد ورد أن عمر بن الخطاب استعمل أبا زبيد الشاعر النصراني على صدقات قومه، وأن أبا زبيد هذا كان مقرباً من الخليفة عثمان بن عفان من بعده.

وقد كان "أبو عامر" الراهب، الذي تحدثت عنه أثناء حديثي عن الأحناف، ممن اعتنق النصرانية، ومن أهل يثرب. ويظهر أنه كان قد تمكن من إقناع بعض شباب الأوس من اعتناق دينه، بدليل ما ذكره علماء التفسير من أنه لما خرج من يثرب مغاضباً للرسول، وذهب إلى مكة، مؤيداً إياهم ومحرضأ لهم على محاربة الرسول أخذ معه خمسين أو خمسة عشر رجلاً من الأوس، على ما ذكره علماء التفسير، فلما أيس من نجاح أهل مكة في القضاء على الرسول فرّ إلى بلاد الشام على نحو ما ذكرت، ليطلب مدداً من الروم يعينه في زحفه على المدينة. وأنا لا استبعد احتمال وجود أناس آخرين من أهل يثرب كانوا قد دخلوا في النصرانية ودعوا اليها، واحتمال وجود مبشرين فيها، كانوا يسعون لادخال أهلها في دين عيسى، يؤيدهم ويمدّهم بالمال والمعونة الروم حكام بلاد الشام.

وكان بين سكاّن مكة عند ظهور الإسلام جماعة من النصارى هم من الغرباء النازحين اليها، لأسباب، منها: الرق، والاتجار، والتبشير، والحرفة.

فأما الرقيق، فمنهم الأسود والأبيض:الأسود من إفريقية، والأبيض من أوروبة، أو من أقطار الشرق الأدنى، وهم أعلى في المنزلة وفي السعر من النوع الأول، وهم بحكم قانون ذلك العهد وعرفه تبع لسادتهم وفي ملك يمينهم، يقومون بالأعمال التي توكل اليهم، ليس لهم التصرف إلا بأمرهم، فهم في الواقع بضاعة يتصرف بها صاحبها كيف يشاء، ليس لها صوت ولارأي، إن أبق المملوك قتل" أو أنزل به العقاب الذي يراه ويختاره صاحبه ومالكه.

وبين الرقيق الأبيض خاصة نفر كانوا على درجة من الفهم والمعرفة، يعرفون القراءة والكتابة، ولهم اطلاع في شؤون دينهم ومعارف ذلك العهد.. ولهذا أوكل اليهم القيام بالأعمال التي تحتاج إلى مهارة وخبرة وذكاء. وقد كان حالهم لذلك أحسن "من حال غيرهم من الأرقاء. ومنهم من كان يشرح لسادتهم أمور دينهم وأحوال بلادهم، ويقصون عليهم ما حفظوه ووعوه من أخبار الماضين وقصص الراحلين، وأكثرهم ممن كانت ألسنتهم لم تتروض بعد على النطق بالعربية، فكانوا يرطنون بها، أو يتلعثمون، ومنهم من كان لا يعرف شيئاً منها، أو لا يعرف منها إلا القليل من الكلمات.

ومن،هؤلاء رجل نصراني كان بمكة قيل. إن اسمه: سلمان: أو يسار، أو جبر، أو يعيش، أو بلعام، ادعى أهل مكة أنه كان هو الذي يلقن الرسول ما كان يقوله للناس من رسالته، وأنه هو الذي كان يعلمه. وقد أشير إلى قول قريش هذا في الاية: ) ولقد نعلم انهم يقولون إنما يعلمه بشر،،لسان الذي يلحدون اليه أعجميً، وهذا لسان عربي مبين(. ومن روى من المفسرين ان اسمه جبر، قال: إنه كان غلاماً لعامر بن الحضرمي، وأنه كان قد قرأ التوراة والانجبل، وكان الرسول يجلس اليه عند المروة إلى مبيعته، "فكانوا: والله ما يعلم محمداً كثيراً مما يأتي به إلا جبر النصراني، غلام الحضرمي".

ومن هؤلاء من زعم انه كان قيناً لبني الحضرمي، وانه كان قد جمع الكتب، وهو رومي، فكان رسول الله ياتي اليه ويجتمع به، فكان المشركون يقولون: انه يتعلم من هذا الرومي ! وذكر بعض الرواة ان "آل الحضرمي" كانوا يملكون عبدين، هما: جبر ويسار، فكانا يقرآن التوراة والكتب بلسانهما، فكان الرسول يمر عليهما فيقوم يستمع منهما. وقيل انهما كانا من أهل "عين التمر"، وانهما كانا يصنعان السيوف بمكة، وكانا يقرآن التوراة والانجيل، فريما مر بهما النبي، وهما يقرآن فيقف ويستمع.وأما من قال ان اسمه "يعيش"، فذكر انه كان مولى لحويطب بن عبد العزى. وأما من ذكر ان اسمه "بلعام"، فقال انه كان قيناً رومياً بمكة وكان نصرانياً أعجمي اللسان، " فكان المشركون يرون رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حين يدخل عليه وحين يخرج من عنده، فقالوا انما يعلمه بلعام". ومهما اختلف المفسرون في اسم هذا الرجل فإنهم اتفقوا على انه كان أعجمي الأصل، نصرانياً، يقرأ الكتب، وانه كان بمكة نفر من الموالي كانوا على دين النصرانية يقرأون ويكتبون.

والى هذا الشخص أو هؤلاء الأشخاص، أعني: يعيش ويقال عائش أو عدّاس مولى حويطب بن عبد العزى ويسار مولى العلاء بن الحضرمي وجبر مولى عامر، أشير في القرآن الكريم، في الآية: )وقال الذين كفروا: إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون". وقد ذكر المفسرون ان هؤلاء "كانوا كتابيين يقرأون التوراة، أسلموا، ركان رسول الله، صلى الله عليه وسلم يتعهدهم، فقيل ما قيل".

وعرفت أسماء جملة رجال ونساء من هذا الرقيق الذي جيء به إلى مكة والى مواضع أخرى من جزيرة العرب. من هؤلإء نسطاس، ويقصد بذلك أنستاس، وكان من موالي صفوان بن أمية. و "مينا" "ميناس"، و "يوحنا" عبد" صهيب الرومى"، و "صهيب." نفسه لم يكن عربياً، انما كان من بلاد الشام في إلأصل، وهو رومي الأصل ولذلك قيل له "صهيب الرومي". وكان قد جاء مكة فقيراً لا يملك شيئاً، فأقام بها، ثم اتصل بعبدالله بن جُدعان الثري المعروف، و صار في خدمته، ولذلك قيل انه كان مولى من موالي عبدالله بن جدعان. وفي رواية انه كان من "النمر بن قاسط"، سقط أسيراً في الروم فباعوه، فاشترى منهم. وقد ورد في حديث: "صهيب سابق الروم"، فهذا يدل على انه من أصل رومي. وهو من أوائل المسلمين، يذكر انه حينما همَّ بترك مكة والذهاب إلى المدينة بعد هجرة الرسول اليها "قال له كفار قريش:أتيتنا صعلوكاً حقيراً، فكثر مالك عندنا، وبلغت الذي بلغت، ثم تريد ان تخرج بمالك ونفسلك !! والله، لا يكون ذلك. فقال لهم صهيب: أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلون سبيلي ? قالوا: نعم، قال: فإني جعلت لكم مالي"، وترك قريشاً ليذهب إلى الرسول.

وكان لبني مخزوم الأثرياء جملة جوار يونانيات، كما كان لدى العبّاس عم النبي جوار يونانيات، وأشير إلى وجود جوار فارسيات. وكان هذا الرقيق الأبيض ذكوراً وإناثاً من جنسيات متعددة، منهم من كان من أصل رومي، ومنهم من كان من عنصر أوروبي آخر، ومنهم من كان من الفرس أو من أهل العراق مثل نينوى وعين التمر، ومنهم من كان من بلاد الشام أو من أقباط مصر، وهم على النصراّنية في الغالب.

وفد كانت في مكة عند ظهور الإسلام جالية كبيرة كثيرة العدد من العبيد، عرفوا ب " الأحابيش". وبين هؤلاء عدد كبير من النصارى، استوردوا للخدمة وللقيام بالأعمال اللازمة لسراة مكة. وقد ترك هؤلاء الأحابيش أثرأ في لغة أهل مكة، يظهر في وجود عدد من الكلمات الحبشية فيها في مثل المصطلحات الدينية والأدوات التي يحتاج اليها في الصناعات وفي الأعمال اليدوية التي يقوم بادائها العبيد. وقد أشار العلماء إلى عدد من هذه الكلمات ذكروا أنها تعربت، فصارت من الكلام العربي. وقد أشاروا إلى ورود بعضها في القرآن الكريم وفي الحديث. ويشير أهل الأخبار إلى ورود بعض الرهبان والشمامسة إلى مكة. وقد كان من بينهم من يقوم بالتطبيب. وقد ذكر الأخباريون أن شماساً كان قد قصد مكة، فعجب الناس به، وقد سمّوا أحدهم به، هو عثمان بن الشّريد ين سويد ابن هرمي بن عامر بن مخزوم، فقالوا له: "شماس".

وذكر "اليعقوبي"، ان ممن تنصر من أحياء العرب، قوم من قريش من بني "أسد بن عبد العزى"، منهم "عثمان بن الحويرث بن أسد بن عبد العزى". وقد ورد في بعض الأخبار انه قدم على قيصر، فتنصر، وحسنت منزلته عنده. وان قيصر ملكه على مكة. ومنحه براءة بذلك، واعترف به. وقد سبق ان تحدثت عنه في اثناء كلامي على مكة. وقد ذكرت ان من الصعب تصور بلوغ نفوذ القيصر هذا الحد من جزيرة العرب،فلم يتجاوز نفوذ الروم الفعلي في وقت ما من الأوقات أعالي الحجاز. ولكن ذلك لا يمنع من تقرب السادات وتزلفهمً إلى عمال الروم وموظفيهم في بلاد الشام، باظهار انهم من المخلصين لهم المحبين للروم، وانهم من كبار السادات ذوي المكانة والنفوذ، للحصول على مكاسب مادية ومعنوية منهم، تجعل لهم مكانة عند أتباعهم وجاهاً ومنزلة ونفوذاً على القبائل الأخرى. وقد كان الروم يعرفون ذلك معرفة جيدة، بفضل دراستهم لنفسية الأعراب، ووقوفهم على طبائع سادات القبائل، فكانوا يشجعون هذا النوع من التودد السياسي لكسب العرب وجرهم إلى جانبهم.

وعد "ورقة بن نوفل" في جملة المتنصرين في بعض الروايات، فقد ذكر انه "تنصر واستحكم في النصرانية، وقراً الكتب، ومات عليها".

وقد استدل "شيخو" من الخبر المروى عن الصور التيً قيل إنها صور الرسل، والأنبياء وبينها صورة المسيح ومريم، والتي ذكر أنها كانت مرسومة على جدران الكعبة، على أنها هي الدليل على أثر النصرانية بمكة. استدل على فكرته هذه بخبر خلاصته أن الرسول حينما أمر فطمست تلك الصور، استثنى منها صورة عيسى وامه مريم، وبخبر ثان ورد عن تمثال لمريم مزوّق بالحلي وفي حجرها عيسى، باد في الحريق الذي شب في عصر "ابن الزبير"، وبخبر ثالث عن امرأة من غسان قيل إنها "حجت في حاج العرب، فلما رأت صورة مريم في الكعبة، قالت: بأبي أنتِ وأمي: إنك لعربية. فأمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بمحو تلك الصور، إلا ماَ كان من صورة عيسى ومريم".

وكان في الطائف نفر من الموالي كانوا على دين النصرانية، لم يتعرض سادتهم كسائر رجال الأماكن الأخرى من الحجاز لدينهم، فتركوهم على دينهم يقيمون شعائرهم الدينية على نحو ما يشاؤون. من هؤلاء "عدّ اس"، وكان من أهل نينوى، أوقعه حظه في الأسر، فبيع في سوق الرقيق، وجي به إلى الطائف فصار مملوكاً لعتبة وشيبة ابني ربيعة. وعند مجيء الرسول إلى الطائف عارضاً نفسه على ثقيف أهلها، كان هو في جملة من تكلم اليه. ومنهم الأزرق، ذكر أنه كان عبداً رومياً حداداً، وانه هو أبو نافع الأزرق الخارجي الذي ينتمي اليه الأزأرقّة. وهناك روايات تنفي وجود صلة لهذا الأزرق بالأزرق والد نافع المذكور.

وأما الحديث عن النصرانية في اليمن،فهو حديث غامض أوله، مبهم أصله، لا نعرف متى نبدأ به على وجه التحقيق. فليس لدينا نص بالمسند يشير إلى مبدأ دخول النصرانية العربية الجنوبية. وما لدينا من كتابات مما له بعض العلاقة بالنصرانية إنما دوّن في الحقبة المتأخرة من تأريخ اليمن، وفي أيام الحبشة في اليمن، وهو ساكت في الجملة عن المبدأ وعن المبشرين بالنصرانية في العربية الجنوبية. فليس لدينا من بين نصوص المسند في هذا.الباب عون ولا سند.

وليس لنا اذن إلاّ أن نفعل ما فعلناه بالنسبة إلى اليهودية، فنرجع إلى الموارد الإسلامية والنصرانية لنرى رأيها في هذا الباب.

وتزعم الموارد. الإسلامية ان الذي نشر النصرانية في اليمين رجل صالح من بقايا أهل دين عيسى اسمه "فيميون" "Phemion=Faymiyon، وكان رجلاً زاهداً في الدنيا مجاب الدعوة سائحاً ينزل القرى لا يعرف بقرية إلا خرج منها إلى قرية لا يعرف فيها، وكان لا يأكل إلا من كسب يده، وكان بناء يعمل الطين وكان يعظم الأحد: إذا كان الأحد لم يعمل فيه شيئاً. ففطن لشأنه في قرية من قرى الشام رجل من أهلها أسمه "صالح"، فأحبه واتبعه على دينه ورافقه. وانصرف ومعه صالح من ضواحي الشام حتى وطئا بعض أرض العرب، فعدا عليهما، فاختطفتهما سيارة من بعض العرب، فخرجوا بهما حتى باعوهما بنجران. وأهلها من بني الحارث بن كعب من بني كهلان. وكانوا يعبدون الغزى على صورة نخلة طويلة بين أظهرهم. فابتاع رجل من أشرافهم "فيميون"، وابتاع رجل آخر صالحاً، وقد أعجب صاحب فيميون به، لما رآه فيه من صلاح وورع، فآمن بدينه، وآمن أهل نجران منذ ذلك الحين بالنصرانية لمعجزة قام بها "فيميون"، حينما دعا الله يوم عيد العزى ان يرسل عليها ريحاً صرصراً عاتية تخنى عليها. فأتت الريح عليها فجعفتها من أصلها فألقتها، فآمن بدينه أهل نجران. فمن هنالك كانت النصرانية بنجران. ويذكر الطبري ان أهل نجران كانوا يعيدون كل سنة، "إذا كان ذلك العيد علقوا عليها كل ثوب حسن وجدوه، وحليّ النساء. ثم خرجوا، فعكفوا عليها يوماً".

ويظن أن "فيميون" كلمة يونانية في الأصل حرفت من أصل Euphemion. وزعم أن "فيميون" عين أحد النجرانيين واسمه "عبدالله بن الثامر" رئيساً عليهم، وجعلهم تحت رعاية أسقف اسمه "بولس".

وقد ذكر "الأزرقي" أن أهل نجران كانوا من أشلاء سبأ "وكانوا على دين النصرانية على أصل حكم الانجيل، وبقايا من دين الحواريين، ولهم رأس يقال له: عبدالله بن ثامر".

وتذكر رواية اسلامية أخرى أن أهل نجران كانوا أهل شرك، يعبدون الأوثان وكان في قرية من قراها قريباً من نجران ساحر يعلم غلمان أهل نجران السحر، وكان أحد رجال نجران واسمه "الثامر" يرسل ابنه "عبدالله" مع غلمان أهل نجران إلى ذلك الساحر يعلمهم السحر، فكان يمر على صاحب خبمة بين نجران وتلك القرية، وقد أعجبه ما رآه من صلاته وعبادته وتقواه، فجعل يجلس اليه ويسمع منه حتى دخل في دينه، وصار يدعو اليه بين أهل بلده. فمن ثم انتشرت النصرانية في نجران، وظهرت على الوثنية.

وتذكر هذه الرواية، ان "عبدالله بن الثامر"، أخذ من ثم يبشر بالنصرانية، ويأتى بالمعجزات إذ يشفي المرضى "حتى لم يبق أحد بنجران به ضر إلا أتاه فاتبعه على أمره، ودعا له فعوفي، حتى رفع شأنه إلى ملك نجران. فدعاه فقال له: أفسدت عليّ أهل قريتي، وخالفت ديني ودين آبائي، لأمثلن بك ! قال: لا تقدر على ذلك، فجعل يرسل به إلى الجبل الطويل فيطرح عن رأسه فيقع على الأرض، ليس به بأس، وجعل يبعث به إلى مياه بنجران، بحور لا يقع فيها شيء إلا هلك، فيُلقى فيها فيخرج ليس به بأس، فما غلبه، قال عبدالله بن الثامر: انك والله لا تقدر على قتلي حتى توحد الله فتؤمن بما آمنت به، فإنك إن فعلت ذلك سلطت علي فقتلتني، فوحد الله ذلك الملك، وشهد بشهادة عبدالله بن الثامر، ثم ضربه بعصاً في يده فشجّه شجة غير كبيرة، فقتله، فهلك الملك مكانه، واستجمع أهل نجران على دين عبدالله بن الثامر".

ولم تصرح هذه الرواية التي يرجع سندها إلى "محمد بن كعب بن القرظي" وبعض أهل نجران، باسم الرجل الصالح الذي أخذ منه "عبداللّه بن الثامر" نصرانيته. وقد نبّه إلى ذلك الطبري، في اثناء سرده لها، فقال: "ولم يسموه باسمه الذي سمّاه به وهب بن منبه".

وقد صيرت بعض الروايات "عبدالله بن الثامر" في جملة من قتلهم "ذو نواس" من النصارى، غير ان "الطبري"، نبه إلى خطل هذا البعض، وبينّ ان "عبدالله" كان قد قتل قبل ذلك، قتله ملك كان قبله، هو كان أصل ذلك الدين.

وهناك قصة ذكرها "ابن اسحاق"، تزعم أن رجلاً حفر خربة من خرب نجران لبعض حاجاته، فوجد عبداللّه بن الثامر تحت دفن منها قاعداً واضعاً يده على ضربة في رأسه ممسكآ عليها بيده، فإذا أخرت يده عنها انبعثت دماً، واذا أرسلت يده ردّها عليها،. فأمسك دمها،وفي يده خاتم، فأقر على حاله وردّوا عليه الدفن الذي كان عليه، وكان ذلك بأمر عمر بن الخطاب.

والظاهر أن النجرانيين، لم ينسوا رئيسهم "عبدالله بن الثامر" حتى بعد اسلامهم، فرووا عنه هذا القصص وصيروه على هذه الصورة التي روتها القصة.

ويظهر أنه قتل، فصير شهيداَ من الشهداء، لأنه قتل في سبيل دينه وفي سبيل نشره بين النجرانيين.

وزعم بعض الأخباريين أن الذي أدخل النصرانية ونشرها في الحميريين، هو التبع عبد كلال بن مثوب: أخذ التبع نصرانيته بزعمهم من رجل من غسان ذكروا أنه كان قد قدم عليه من الشام. فما علمت حمير بتنصر التبع وبتغيير دينه وإعراضه عن عبادتها، وثبت بالغساني فقتلته. وقد أشير الى تنصره في القصيدة الحميرية.

أما الرواية الأولى فتنسب الى "وهب بن منبه". وأما الرواية الثانية فتنسب الى "محمد بن كعب القرضي" والى بعض أهل نجران لم يصرح "ابن اسحاق" بذكر أسمائهم، فالروايتان اذن من مورد واحد هو أهل الكتاب. فوهب بن منبه من مسلمة يهود. وأما محمد بن كعب بن أسد القرظي المتوفي بين سنة 18 1 - 0 2 1 للهجرة، فهو من أصل يهودي كذلك، من قريظة حلفاء ألأوس، وقريظة يهود. وكان مثل وهب قاصأَ من القصاص يقص في المسجد. وقد جرّ قصصه.هذا عليه البلايا، فكان يقص في المسجد فسقط عليه السقف فمات.

وجدت أقوال محمد بن كعب القرظي سبيلها إلى تأريخ الطبري عن طريق سيرة ابن اسحاق، وهو طريق ابن حميد عن سلمة بن الفضل عن ابن اسحاق صاحب السيرة الذي أخذ منه بلا واسطة كما أخذ منه بالواسطة. أما الأخبار المروية عنه، فهي في سير الرسل والأنبياء، وفي انتشار اليهودية والنصرانية في اليمن، وفي الأمور التي تخص اليهود في الححاز. وكان من المقربين الى الخليفة عمر بن عبد العزيز، لأنه كانت له به معرفة سابقة قبل توليه الخلافة. فلما ولي الخلافة، كان يذهب اليه ويتحدث معه في الزهد وفي القصص الذي يحمل طايع الاسرائيليات وفي التفسير الذي اشتهر به.

فناقل النصرانية إلى نجران اذن رجل غريب جاء إلى البلد من ديار الشام على رواية "وهب بن منبه". ويرجع "أوليري" هذه الروابة إلى أصل يرى جذوره في السريانية. واسم هذا الرجل الصالح غير عربي بالطبع. فلعله من المبشربن الذين كانوا يطوفون بين ديار العرب للتبشير.

ولا يستبعد أن يكون المبشرون قد أدخلوا النصرانية إلى اليمن عن طريق الحجاز، فقد كانوا يتنقلون بين العرب لنشر هذا الدين. وليس بمستبعد أيضاً أن يكون قد دخل عن طريق الساحل أيضأَ مع السفن. فقد كان المبشرون يتنقلون مع البحارة والتجار لنشر النصرانية، وقد تمكنوا بمعونة الحكومة البيزنطية من تأسيس جملة كنائس على سواحل جزيرة العرب وفي سقطرى والهند. كما لا يستبعد أن يكون للمبشرين الذين جاؤوا من العراق كما تذكر بعض الموارد النصرانية السريانية دخل في نشر النصرانية في اليمن. و لا سيما نشر النسطورية في تلك البلاد.

وأما الموارد النصرانية، فإنها مختلفة فيما بينها في أول من أدخل النصرانية الى اليمن، فالموارد اليونانية ترى رأياً، والموارد السريانية ترى رأياً، والموارد الحبشية ترى رأياً آخر، يختلف عن الرأيين. وكل رأي من هذه الأراء الثلاثة يرجع شرف نشر النصرانية في اليمن اليه.

يحدثنا كتبة التواريخ الكنسية من اليونان أن القيصر "قسطنطين" الثاني أرسل في عام "354" للميلاد "ثيوفيلوس اندس"، Theophilus Indus، أي "ثيوفيلوس الهندي"، من جزبرة سرنديب أي سيلان إلى العربية الجنوبية للتبشير بالنصرانية بين الناس. وقد تمكن من انشاء كنيسة في عدن وأخرى في ظفار وثالثة في هرمز،وعين للمتنصرين رئيساً ثم رحل. وصارت ظفار في سنة 356م مقراً لرئيس اًساقفة يشرف على شؤون نصارى نجران وهرمز وسقطرى. وقد عثر على مقربة من خرائب ظفار على أعمدة من الطراز "الكورنثي" وعلى بقايا تيجانها وعليها نقوش صلبان يظهر أنها من مخلفات تلك الكنائس القديمة التي شيدت بمساعدة البعثات التبشيرية وفي أيام الحبشة في اليمن.

وزعم "فيلوستورجيوس" Philostorgius ان هذا الشعب الذي بشّر "ثيوفلوس" بين أفراده بالنصرانية، شعب هندي، وكان يدعى سابقاً باسم شعب "سبأ" نسبة إلى عاصمته سبأ ويعرف اليوم باسم حمير Homeritae. وقد توهم عدد من الكتبة "الكلاسيكيين" فحسبوا الحميريين من الهنود، كما ان بعضاً منهم ظنوا ان السبئيين من "الكوشيين" الحبش، والذي أوقعهم في هذا الوهم هو صلات هؤلاء بافريقية وبالهند، ولوقوع بلادهم على المحيط الهندي وعلى مقربة من افريقية.

وجاء في رواية أخرى ان القيصر"قسطنطين" الثاني أرسل "ثيوفيلوس" إلى ملك حمير Homeritae ونجاشي الحبشةAxume وذلك في عام "356"للميلاد. برسائل كتبها القيصر إلى الملكين. فلما أنهى مهمته لدى ملك حمير، انتهز هذه الفرصة فزار وطنه الهند، ثم عاد فذهب إلى الحبشة. وعاد منها فذهب إلى أنطاكية Antiochia ومنها إلى القسطنطنية. ويظهر من هذه الرواية ان مهمته هذه لم تكن مهمة دينية، انما كانت ذات طابع سياسي، الغاية منها ضم حمير والأحباش إلى معسكر البيزنطيين.

وقد كان من مصلحة الحكومة البيزنطية بعد دخول القيصر"قسطنطين"في النصرانية عام "313" م للميلاد واتخاذها ديانة رسمية للدولة، ان ينشر هذا الدين ويكثر أتباعه، لما في ذلك من فوائد سياسية ومصالح اقتصادية،فضلا عن الأثر العميق الذي يتركه هذا العمل في نفوس أتباعه المؤمنين مما يرفع من مكانة القياصرة في نفوس الشعب ويقوي من مراكزهم ونفوذهم على الكنيسة والرعية. وبمساعدة هؤلاء القياصرة تمكن المبشرون من انشاء ثلاث كنائس في "ظفار" و "عدن" و"هرمز".

ولم يكن يقصد "قسطنطين" كما يرى المستشرق "روسيني" من إرسال الوفد الذي ترأسه "ثيوفيلوس" إلى ملك حمير، هدفاً دينياً محضاً، وإنما أراد أن يعقد معاهدة تجارية مع الحميربين ويحقق له منافع اقتصادية وسياسية، بأن يحقق له التجارة البحرية، ويحرض اليمانيين على الفرس ويدخلهم في معسكره بدخولهم في النصرانية التي تجمع عندئذ بينهم وبين الروم.

وورد في رواية أخرى ان الحميربين Homeritae دخلوا في عهد"انسطاس" "انسطاسيوس" "491 - 8 1ه م" في النصرانية. وذكر أيضاً أنه كان في جملة من قصدوا القديس "سمعان العمودي" رجال من عرب حمير، وقد رآهم "تاودوريطس" في القرن الخامس للميلاد.

وأما الموارد السريانية، ومنها الموارد النسطورية، فتزعم أن تاجراً من أهل نجران اسمه "حنان" أو "حيّان"، قام في أيام "يزدجرد " الأول "399 - 420 للميلاد" بسفرة تجارية إلى القسطنطنية، ثم ذهب منها إلى الحيرة،وفيها تلقن مبادىء النصرانية ودخل فيها. فلما عاد منها إلى نجران، بشر فيها بالنصرانية حتى تمكن من نشرها بين حمير. وترجع تواريخ البطارقة هذه الحادثة إلى أيام بطرقة "معنى" Ma'na الموافقة لحوالى سنة"420" بعد الميلاد. وذكر أنه في عهد البطريق "سيلاس" Silas "505 - 523م"، هرب لاجئون من اليعاقبة Jakobiten الى الحيرة، غير أن النساطرة أجلوهم عنها،فذهب قسم منهم إلى نجران، فنشروا مذهبهم بين السكان.

وتشير الأخبار الكنسية أيضاً إلى أن رسولي الكلدان الأولين: "ادي" و "ماري" كانا قد سارا إلى بلاد العرب سكان الخيام. والى نجران وجزائر بحر اليمن. وجاء في المصحف الناموسي: "وبشر الجزيرة والموصل وأرض السواد كلها وما يليها من أرض التيمن كلها وبلاد العرب، سكان الخيام والى ناحية نجران والجزائر التي في بحر اليمن مارى الذي من السبعين".

وللحبش قصص عن انتشار النصرانية في نجران، خلاصتها: ان قديساً اسمه "ازفير" Azkir، أقام كنيسة ورفع الصليب وبشّر بالنصرانية في نجران، وذلك في ايام الملك "شرحبيل ينكف" ملك حمير، فاستاء من ذلك "ذو ثعليان" و "ذو قيفان"، وأرسلا رجالهما إلى المدينة لهدم الكنيسة وانزال الصليب والقبض على القديس، ففعلوا وألقوا به في غياهب السجن. وفي اثناء اقامته فيه هدى قوماً من السجناء إلى النصرانية بفعل المعجزات التي قام بها، فغضب الملك "شرحببل" عليه، وأرسل إلى القيلين اللذين كانا في نجران ان يرسلا اليه هذا الرجل الذي فتن الناس، فأرسل مخفوراً اليه. وفي اثناء اجتيازه الطريق إلى عاصمة الملك ظهرت منه معجزات خارقة، آمن بها عدد ممن رافقوه أو وقفوا على احواله وتعمّدوا على يديه. فلما وصل إلى "ظفار" عاصمة "شرحبيل"، انتهره الملك وحاجه في دينه وعرض عليه كتب "يهود"، ثم أغراه بالذهب والمال، فقال له القديس: "الذهب والفضة فانيان، أما كرستس ساكن السماء فباق". وقد حرضه عليه أحد الأحبار، فأمر الملك عندئذ بارساله إلى نجران لقتله. فلما بلغ المدينة، قتله اليهود، فمات شهيداً في سبيل دينه.

وتزعم الرواية الحبشية ان نصارى اليمن كانوا يرسلون بهداياهم إلى النجاشى بالضرائب يدفعونها اليه.

وذكر ان احد الاساقفة ممن كان في اليمن، كان قد اشترك في أعمال مجمع "نيقية" الذي انعقد سنة325 للميلاد. وإذا صح هذا الخبر، فإنه يعني ان النصرانية كانت قد وجدت لها سبيلاً إلى اليمن في القرن الرابع للميلاد.

يتبين من هذه الأخبار أن النصرانية لم تدخل العربية الجنوبية من طريق واحد، وإنما دخلتها من البر ومن البحر، دخلتها من البر من ديار الشام إلى الحجاز فاليمن، ومن العراق أيضاً مع القوافل التجارية المستمرة التي كانت بين اليمن والعراق. ودخلتها من البحر بواسطة السفن اليونانية ودخلتها مع الحبشة كذلك الذين كانوا على اتصال دائم باليمن وببقية العربية الجنوبية منذ أيام ما قبل الميلاد.

وقد كانت نجران أهم موطن للنصرانية في اليمن، ولعلها الموطن الوحيد الذي رسخت هذه الديانة فيه في هذه البلاد. وقد اشتهرت نجران بالحادثة التي وقعت فيها، حادثة تعذيب النصارى، وبما ذكره أهل الأخبار عن الكنيسة التي أنشأها الأحباش فيها وعرفت ب "كعبة نجران" عند الأخباريين كما عرفت ب "بيعة نجران" أيضاً. وفي رواية تنسب إلى ابن الكلبي "أنها كانت قبةّ من أدم من ثلاث مئة جلد، كان اذا جاءها الخائف أمن، أو طالب حاجة قضيت، أو مسترفد أرفد. وكانت لعظمتها عندهم يسمونها كعبة نجران، وكانت على نهر نجران، وكانت لعبد المسيح بن دارس بن عدي بن معقل، وكان يستغل من ذلك النهر عشرة آلاف دينار، وكانت القبّة تستغرقها". وكان ينفق عليها من غلّة ذلك النهر.

ووردفي رواية أخرى أنها كانت بناء بني على بناء الكعبة.وقد بناها بنو عبد المدّان بن الدياّن الحارثي، بنوها على بناء الكعبة، وعظموها مضاهاة لها.

وكان فيها أساقفة معتمون، وهم الذين جاؤوا إلى النبي، ودعاهم إلى المباهلة.

وتذكرنا قصة "ابن الكلبي" عن أصل كعبة نجران، وأنها كانت من أدم، بما نعرفه عن خيمة "يهوه" إله العبرانيين، وتعبد الاسرائيليين له فيها قبل بناء الهيكل، واعتقادهم أنها خيمة مقدسة، وبما نعرفه من خيم القبائل المقدسة، وذلك لأنها كانت بيوتاً توضع فيها الأصنام ويتعبد أفراد القبيلة بها، فإذا ارتحلوا إلى مكان جديد نقلوا خيمتهم معهم. والظاهر ان كعبة نجران المذكورة،إن صحت رواية ابن الكلبي، كانت من هذا النوع، خيمة مقدسة في الأصل وذلك قبل دخول أهل نجران في النصرانية، فلما دخلوها، لم تذهب عنها قدسيتها، بل حولوها إلى كنيسة، ثم بنوا بيعة في موضعها فيما بعد.

وفي رواية ان قُس بن ساعدة الايادي كان أسقفاً على نجران، وهي رواية تحتاح إلى سند موثوق به، وقد أخذ بها "شيخو" وأمثاله ممن يرجع كل شيء من هذا القبيل في الجاهلية إلى النصرانية.

وقد كانت نجران المركز الرئيس للنصرانية في اليمن عند ظهور الإسلام، لها نظام سياسى واداري خاص تخضع له، وعليها: "العاقب"، وهو كما يقول أهل السير: "أمير القوم، وذو رأيهم، وصاحب مشورتهم،والذي لا يصدرون إلا عن رأيه"، و "السيد"، وهو "ثمالهم، وصاحب رحلهم ومجتمعهم"، و "الأسقف"، وهو " حبرهم، و إمامهم، وصاحب مدر اسهم". ويقصدو ن به رئيس نجران الديني الذي اليه يرجعون في أمور الدين. أما العاقب والسيد، فإليهما ادارة الجماعة، والإشراف على شؤونهم السياسية والمالية، وتدبير ما يحتاج المجتمع اليه من بقية الشؤون.

وقد صالح أهل نجران خالد بن الوليد، في زمن النبي، في السنة العاشرة من الهجرة، وبذلك دخل أكثر سكان المدينة في الإسلام. أما من بقي على دينه من النصارى، فقدفرضت عليه الجزية.

ويذكر أهل السير ان اسم عاقب نجران في ايام النبي، هو "عبد المسيح" رجل من كندة. وقد قدم على رأس وفد من أهل نجران إلى يثرب، فقابل الرسول، وتحدث معه. وكان معه "الأيهم" وهو سيد نجران يومئذ، وأبو حارثة بن علقمة احد بني بكر بن وائل، وكان أسقفهم وحبرهم وإمامهم يومئذ، وله مقام عظيم عندهم، "وقد شرف فيهم، ودرس كتبهم حتى حسن علمه بدينهم، فكانت ملوك الروم من أهل النصرانية قد شرفوه وموّ لوه، وأخدموه، وبنوا له الكنائس، وبسطوا عليه الكرامات، لما يبلغهم عنه من علمه وأجتهاده في دينه".

وإذا صح ما رًواه أهل الأخبار من أن عاقب نجران كان كندياً، وأن اسقفها كان من "بكر بن وائل"،فإن ذلك يدل على أن الرئاسة عند النصارى العرب، لم تكن تتبع العرف القبلي في الزعامة، وإنما كانت عن تنسيب واختيار، وأنا لا استبعد احتمال وجود مراجع دينية عليا، كانت هي التي تتولى النظر في ادارة الكنائس وفي تعيين رجال الدين وفي النظر في المشكلات التي تقع بين النصارى، أو بين النصارى وغيرهم، وفي أمر مساهمة النصارى العرب في المجامع الكنسية التي تنظر في المسائل العامة للطوائف.

ويرى بعض أهل الأخبار أن "السيد والعاقب أسقفي نجران اللذين أرادا مباهلة رسول الله" هما من ولد الأفعى بن الحصين بن غنم بن رهم بن الحارث الجرهمي، الذي حكم بين بني نزار بن معد في ميراثهم، وكان منزله بنجران.

ويذكر علماء اللغة، أن "العاقب" من كل شيء آخره، والعاقب السيد، وقيل الذي دون السيد، وقيل الذي يخلف السيد، وقيل: الذي يخلف من كان قبله في الخير كالعقوب. والذي أوحى اليهم بهذا التأويل والتفسير، ظاهرلفظة "عقب" في عربيتنا التي منها اشتقت لفظة "العاقب" على رأيهم، والصحيح أنها لفظة عربية جنوبية وردت في المسند، بمعنى "رئيس" وممثل قوم، أي رسول قوم، فورد "عقبت نشقم"، أي "رئيس" مدينة "نشق"، وبمعنى ممثل مدينة"نشق".

وذكر ان نصارى نجران، أرسلوأ العاقب والسيد في نفر لمحاججة رسول الله فيما نزل عليه في المسيح، من انه عبدالله، حيث كبر ذلك عليهم سماعه،فاخذوا يخاصمونه ويجادلونه فيه، وألحوا عليه بالجدل والخصومة، فدعاهم إلى الملاعنة، فامتنعوا ودعوا إلى المصالحة، فصالحهم. وانه إلى ذلك أشير في القرآن الكريم: ) فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم. فقل: تعالوا: ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساء كم وأنفسنا وأنفسكم، ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين (.

وورد ايضاً انه لما بعث رسول الله وسمع به أهل نجران أتاه منهم أربعة نفر من خيارهم منهم العاقب والسيد، و "مار سرجس"، و "مار يحز"، "فسألوه ما يقول في عيسى. فقال: هو عبد الله وروحه وكلمته. قالوا هم: لا، ولكنه هو الله نزل من ملكه، فدخل في جوف مريم، ثم خرج منها، فأرانا قدرته وأمره، فهل رأيت قط انساناً خلق من غير أب ? فأنزل الله، عز وجل، إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب، ثم قال له: كن فيكون".

وقد كان لنصارى اليمن كنائس أخرى غير كنيسة "نجران": فقد كانت لهم كنيسة عظيمة في "صنعاء"، هي "القليس" التي اكتسبت شهرة عظيمة في كتب الأخبار والتواريخ وهي كنيسة "أبرهة"، من أصل "اكلسيا"Ecclysia اليوناني بمعنى الكنيسة، وموضعها الآن جامع "صنعاء" على ما يظن. وقد أبدع الأحباش في تزيينها وتجميلها، وأنفقوا عليها مبالغ طائلة.

كما كانت لهم كنائس في "مأرب" و "ظفار". وقد عهد الأحباش بتدبير شؤون كنيسة "ظفار" إلى أسقف شهير يقال له "جرجنسيوس" "جورجيسيوس" "جرجيسيوس". وهو مؤلف كتاب شرائع الحميريين. وله مناظرات مع اليهود.

وقد بقيت النصرانية قائمة في اليمن في أيام الإسلام، ففي الأخبار الكنسية أن رئيس البطارقة النساطرة "طيموثاوس"، نصب في أواخر القرن الثامن للميلاد أسقفاً لنجران وصنعاء، اسمه "بطرس". وفي "الفهرست" لابن النديم، أنه التقى براهب من نجران يدعى حساّن، كان قد انفذه الجاثليق إلى الصين، ليتفقد مع خمسة أناسي من النصارى أحوال نصاراها، فعاد منها سنة "377" للهجرة، وأخبره بعجائب تلك البلاد. وذكر أنه في حوالي سنة1210 للميلاد كان في منطقة صنعاء خمسة أساقفة، وأسقف في مدينة زبيد وأسقف في نجران، وأنه كان في حوالى سنة 1250 للميلاد أسقف في عدن.

إن بقاء النصرانية في نجران وفي مواضع من اليمن وأنحاء أخرى من جزبرة العرب، وبقاء اليهودفي اليمن إلى زمن غير بعيد، يشير إلى أن ما ذهب اليه كثير من المؤرخين من إجلاء أهل الكتاب بأمر الخليفة "عمر" عن جزيرة العرب ثم بقية الخلفاء الذين ساروا على حكم: "لا يجتمع دينان في جزبرة العرب" فيه مبالغة. والظاهر أن الاجلاء كان قاصراً على المواضع التي تعرضت فيها جاليات أهل الكتاب فيها للاسلام بسوء. فطبق على جاليات يهود يثرب ومن كان يسكن إلى الشمال منهم، لوقوفهم موقفاً معادياً شديداً من الإسلام، ولعملهم في إثارة الفتن على المسلمين. ومن يدري فلعلهم،ولعل أهل الكتاب عموماً ساعدوا في قيام الردة وتشجيع المتنبين والمرتدين للقضاء على الخطر الذي زعموه، خطر ظهور الإسلام وانتشاره في جزيرة العرب وفي خارجها، وقيام دولة موحدة كبيرة فيها.

ومن يدري أيضاً، فلعل الروم والأحباش كانوا أيضأ في جملة من كان محرض أهل الكتاب على الدس للاسلام،وأن بعض من أعلن الردة مثل "النعمان الغرور" وهو نصراني، وغيره ممن ارتد معه من النصارى، كانوا قد تلقوا عوناً من الخارج، وهذا ما حمل الخليفة على اتباع قاعدة إجلاء الدساسين من اهل الكتاب مهما كان نوعهم عن جزيرة العرب لحماية الإسلام من خطر الفتنة ومن الردة، ولم تكن قواعده قد تركزت واستقرت استقراراً تاماً بعد.

إن الذي افهمه من سياسة إجلاء "عمر" لأهل الكتاب، هو ان ذلك الإجلاء كان خاصأَ بالجاليات اليهودية التي كانت تقيم فيما بين فلسطين ويثرب، وقاصراً عليها، بسبب وقوفها موقفاً معادياً من الإسلام، أما النصارى فلم تكن لهم جاليات هناك، فلم يقع أجلاء لهم فيها. ولكن "عمر" ومن جاء بعده لم يطبقوا الإجلاء على الأسر وألأفراد، بدليل ما نجده في أخبار أهل الأخبار من وجود أسر وأفراد من يهود ونصارى في يثرب وفي مكة وفي الطائف بعد وفاة عمر.

أما في غير الحجاز من بقية أنحاء جزيرة العرب، فلم يطبق قانون "عمر" على أهل الكتاب، بدليل دفع جالياتهم "الجزية" عن رؤوسهم في ايامه إلى وفاته، ثم في ايام من جاء بعده من الخلفاء. فكاًن الخليفة، قد طبق أمر الإجلاء على يهود الحجاز لخوفه من خطر بقائهم في مقر الإسلام وفي مدينة الرسول ومن احتمال عودة من هاجر منهم إلى أرضهم وتكتلهم من جديد، وإثارتهم من لم يكن قد تمكن الإسلام من قلبه بعد، فيقع للاسلام ما وقع في ايام الرسول من اتصالهم سراً بكفار قريش، ومن حدوث ردة جديدة، فقرر إجلاءهم جماعة عن تلك الديار.

النصرانية في بقية مواضع جزيرة العرب

وكان التجار الروم ينزلون سواحل العربية الجنوبية للتزود منها بالماء وبالطعام وللاتجار مع سكانها، ومنهم من أقام بها وقضى حياته فيها، وتعرب. وكان منهم من بشر بالنصرانية وعمل على نشرها بين السكان. ولعل الحكومة البيزنطية كانت ترسل المبشرين إلى هذه المواضع للتبشير، كذلك أرسل نصارى الحيرة المبشرين لنشر نصرانيتهم في العربية الجنوبيةّ. وبعد دخول هذه البلاد في الإسلام احتفظ قوم من النصارى بدينهم، مقابل دفع الجزبة للمسلمين.

وأما اليمامة، فكانت النصرانية قد وجدت لها سبيلاً بين قراها وقبائلها. ويظهر من شعر للاعشى مدح به "هوذة بن على" حاكمها عند مبعث الرسول، انه كان نصرانياً منّ على قوم من "تميم" ففك وثاقهم يوم أسروا،ويوم قتلوا وسط "المشقر"، ومنّ عليهم "يوم الفصح"، يرجو الإلهَ بما سدى وما صنعا.

وأما العربية الشرقية، فقد دخلت النصرانية اليها من الشمال، من العراق في الغالب. ولكن بعض الروم كانوا قد وجدوا سبيلهم اليها، فدخلوها من البحر أيضاً. فعششت في مواضع منها مثل البحربن، وقطر، وهجر، وبعض جزرالخليج. وكانت غالبية نصارى هذه الأرضين على مذهب نسطور آخذين هذا المذهب من نصارى الحيرة الذين كانوا على اتصال وثيق بهم، كما كان رجال دينهم يسافرون إلى هذه المنطقة للتبشير بها، فزرعوا فيها بذور مذهبهم، ونشروه بين من أقبل على النصرانية من العرب.

ومن رجال البحرين النصارى "الجارود بن عمرو بن حنش المعلى"1، قدم على النبي بالمدينة،فأسلم وأسلم معه أصحابه. وكان حسن الإسلام صلباً حتى هلك،وقد لام قومه ممن انضم الى "المنذر بن النعمان بن المنذر" الغرور، فارتد عن الإسلام وعاد إلى دينه الأول. وقد بقي إلى أيام "عمر" في أغلب الروايات والى خلافة عثمان في رواية. واشترك في حروب فارس، فقتل بها ب "عقبة الطين"، التي عرفت باسمه، فقيل لها عقبة الجارود، وذلك سنة احدى وعشرين في خلافة عمر، وقيل قتل بنهاوند مع النعمان بن مقرن. وقد رووا له شعراً. وكان ولده "المنذر بن الجارود" من رؤساء "عبد القيس" بالبصرة. وحفيده " الحكم بن المنذر" الذي مدحه "الأعشى الحرمازي" بشعر حسده الحجاج عليه.

الفصل الثمانون

المذاهب النصرانية

لقد أصيبت النصرانية بما أصيبت به أكثر الأديان من تشقق وتصدع وانفصام، فظهر فيها شيع وفرق، تخاصمت فيما بينها وتجادلت. وكان أكثر جدالها في موضوع طبيعة المسيح وعلاقة الأم بالابن، وفي موضوع النفس، وقدعقدت لذلك جملة مجامع كنسية للنظر في هذه الآراء والحكم على صحتها أو فسادها، وفي أمر اًصحابها، اجتمع فيها مندوبون من مختلف الأماكن وبينهم بعض ا الأساقفة العرب. غير انها لم تتمكن من القضاء على النزعات المختلفة، فظهرت فيها جملة مذاهب، حرمت المجامع أصحابها، وحكمت ببدعتهم وبخروجهم على التعاليم الصحيحة، وطلبت من بعضهم الرجوع إلى الدين الصحيح، غير ان منهم من أصر على رأيه، وتحزب له، وبشّر به، فوجد أنصاراً وأعواناً انتموا اليه وتسموّا به.

والواقع انه لم يكن من السهل على الداخلين في النصرانية فهم قضية معقدة كهذه القضية، وهي قضية فلسفية جدلية أكثر منها عقيدة دينيه. ولذلك كان من الطبيعي وقوع الاختلاف فيها، و تشتت آراء النصرانية بالقياس اليها، خاصة وهي حديثة عهد، وأكثر الداخلين فيها هم ممن دخلوا حديثاً في هذا الدين، وليس لهم الإدراك العميق والخيال الواسع لفهم موضوع كهذا الموضوع. ثم إن النصرانية ديانة عالمية، لم توجه لأمة خاصة من الأمم، وقد جاءت ككل الأديان بأحكام لا بد وان يختلف الناس في فهمها، لاختلاف المدارك والثقافات، وهذا الاختلاف في الفهم، يؤدي إلى ظهور المذاهب والشيع،والى تناحر هذه المذاهب، وادعاء كل واحد منها انه وحده على الحق، وان ما دونه على الباطل والهرطقة و الكفر.

لقد فتح "بولس الرسول" وأتباع المسيح الآخرون ميداناً واسعاً من الجدل في موضوع المسيح: هل المسيح إنسان، أو هو ربّ، أو هو من خلق الرب ? و هل هو والربّ سواء، أو هو منفصل عن الربّ? هذه الأسئلة وأمثالها مما يتصل بطبيعة المسيح شغلت رجال الكنيسة، وكتّلتهم كتلاً: كل كتلة ترى أن رأيها في الطبيعة هو الرأي الصواب، وأنه هو الدين الحق القويم، وأن ما دونه ضلال وباطل. فظهرت المذاهب: شرقية وغربية، وانقسمت الكنيسة على نفسها، فظهرت من الكنيسة الواحدة كنائس. ولا تزال تنشق، ويزيد عددها وتظهر أسماء جديدة لمذاهب لم تكن معروفة في النصرانية القديمة.

لقد كان الناصريون الأولون، وهي التسمية القديمة التي عرف بها النصارى، في فوضى فكرية. فلم تكن تعاليم المسيح مفهومة عندهم ولا مهضومة، وكانت تفاسير تلاميذه غير منسقة ولا مركزة تركيزاً يكفي لتوجيه الناصريين وجهة معينة واحدة. ثم إن تعقب اليهود والرومان للنصارى وتنكيلهم بهم، وخوف الناصري على حياته وعلى ماله إذا تظاهر بدينه: كل هذه كان لها أثر خطير في المجتمع النصراني الأول. ولولا جلد بعض التلاميذ وتفانيهم في الدعوة، وتركيزهم لتعاليمها وتبويبها وصقلها، لما كان للنصرانية ذكر باق حتى الان.

وليس في استطاعة أحد الزعمُ بأن هذه النصرانية التي تركّزت وتثبتت على هذه الصورة التي نشهدها،هي النصرانية التي جاء بها المسيح وكان عليها الناصريون، أي أقدم أتباع عيسى. فالنصرانية هي سلسلة تطورات وأفكار وآراء وضعها البارزون من الاباء، ثم إنها كأكثر الأديان تأثرت بمؤثرات عديدة لم يكن من الممكن على الداخلين فيها التخلص منها. فدخلت فيها وصارت جزءاً منها، مع أن بعضها مناهض ومناقض لمبادئ هذا الدين.

وتولد عن هذا الجدل ظهور "الآربوسية" أتباع "آريوس"، و"السبيلية" Sabellians وأتباع "الثالوث" Trinitarians ومذاهب أخرى نبعت من تلك البلبلة الفكرية التي أظهرها الاختلاف في طبيعة المسيح. ونظراً إلى ما أحدثته هذه الآراء اللاهوتية من انقسام وتفرق في صفوف النصارى، وما تركته من أثر خطير في الأحوال الداخلية للانبراطورية. عزم الانبراطور "قسطنطين" باني القسطنطنية على عقد مؤتمر للتوفيق بين هذه الآراء وتنسيقها، فعقد مجمع "نيقية" Nicaea حضره "آريوس" للدفاع عن نفسه وحضره جمع من الأساقفة المخالفين له لمحاكمته ولاثبات هرطقته وخروجه على الايمان الصحيح. وكانت النتيجة الوحيدة لهذا المؤتمر وضع بيان دقيق عن الثالوث، وآلحكم بفساد رأي آريوس وبخروجه على عقيدة النصرانية الصحيحة، ووضع تعريف للايمان الصحيح.

وعقب هذا المجمع الذي انعقد في سنة "325" للميلاد وحدد معنى النصرانية وأصولها، عدة مجامع عقدت للنظر في أمثال هذه المشكلات الخطيرة التي جابهت الكنيسة، عقد بعضها في القسطنطنية فعرفت بها، وعقد بعض آخر في "أفسوس""431 م" وفي "خلقدونيا" Chalcedon "451 م"، ولكنها لم تستطع ان تعيد الوحدة إلى الكنيسة، فانقسمت إلى عدة كنائس، وحدث الانفصال الأكبر في سنة "1054 م" حيث تجزأت الكنيسة الكبرى للانبراطورية إلى كنيستين: كنيسة غربية استعملت اللغة اللاتينية لغة رسمية لها، وكنيسة أرثوذكسية هي الكنيسة الإغريقية الأصلية، وذلك بسبب خلافات بسيطة ليس لها أثر خطير في جوهر العقيدة. أما الشرق، أي آسية وافريقية، فقد سبق نصاراه نصارى الغرب في تحطيم وحدة الكنيسة، فظهرت عندهم الكنيسة النسطورية والكنيسة اليعقوبية، في زمان مبكر سبق انفصال الكنيسة اللانينية عن الإغريقية بزمان طويل.

وقد وصلت الينا أسماء من حضر بعض تلك المجامع الكنيسية، واشترك في جدالها ومناقشاتها ووقع على قراراتها ومحاضرها، وبينها أسماء أساقفة بشروا بين العرب، وأساقفة يظهر أنهم كانوا من أصل عربي بدليل أسمائهم العربية الخالصة أو المنقولة إلى اليونانية والسريانية. وقد عرف بعضهم بأساقفة الخيام، لمرافقتهم للاعراب ومعيشتهم بينهم في الخيام معيشة الأعراب.

ومن أساقفة الأعراب أسقف عرف باسم "بطرس"، وقد وقع على أعمال مجمع "أفسوس" بصفة كونه "أسقف محلة العرب"، والأسقف "تاوتيموس أسقف العرب" الذي وقع على أعمال مجمع انطاكية الذي انعقد عام 363 للميلاد.

وقد كان بين أساقفة القدس في نهاية القرن الخامس وبداية القرن السادس للميلاد، أسقف من أصل عربي، اسمه الياس "494- 513م".

فالأساقفة الذين كانوا يديرون أمور النصارى العرب ويبشرون بين القبائل الوثنية، أسهموا في الجدل الديني الذي قام أكثره على بحث موضوع طبيعة المسيح واشتركوا فيه، وبذلك نقلوا إلى العرب هذه الأبحاث اللاهوتية التي شغلت بال العالم المتمدن منذ القرن الأول للميلاد فما بعده، وكانت أهم مشكلات النصرانية يومئذ مشكلة شغلت بال المؤمنين، ثم بال الحكومة البيزنطية بعد تنصرها وبال أتباعها المؤمنين، وشغلت العالم الغربي حتى بعد عصر النهضة، مشكلة أطاحت برؤوس الالاف من الناس باسم الكفر والايمان، البدعة والحق. وكان في جملة ما أسهم فيه رؤساء أديرة اقليم العربية وضع رسالة مضمونها دستور الايمان، كتبها أولئك الرؤساء، ووجهوها الى يعقوب البرادعي، ردّوا فيها على رأي يحيى النحوي في تثليث الجوهر الفرد، وذلك بين السنتين 570و 578للميلاد. وقد وقعها 137 رئيساً ل 137 ديراً في اقليم العربية الممتد من شرقي بلاد الشام إلى الفرات.

ومن المذاهب النصرانية التي تدخل في حدود موضوعنا: المذهب النسطوري والمذهب اليعقوبي، وهما من المذاهب الشرقية، أي من المذاهب النصرانية التي ظهرت وانتشرت في الشرق، ووجدت لها مجالاً وانتشاراً في العراق وفي بلاد الشام ومصر والحبشة وجزيرة العرب.

أما المذهب النسطوري، فينسب ان البطريق "نسطوريوس" "نسطور" Nestorius من "جرمانيقية" Germanicia، و هي "مرعش" المتوفى سنة "450 م"، وله رأي ومقالة في طبيعة المسيح، فجعل للمسيح طبيعتين "اقنومين": أقنوم الإنسان يسوع، وأقنوم الله الكلمة، وذكر ان مريم هي بشر ولدت بشراً هو المسيح الذي هو إلَه من ناحيهَ الأب الإلَه فقط.

وتستند تعاليم نسطور وآراؤه إلى الجدل الذيَ أثاره من تقدمه من الأباء في موضوع طبيعة المسيح، والانشقاق الذي حدث نتيجة لهذا الجدل. وأكثر من أثر فيه وكو ن له رأياً في المسيح هو "ديودورس" Diodorus أسقف "طرسوس"Tarsus و "ثيودور المصيصي" "393 - 28 4 م" تلميذ "ديودورس".

وفي انطاكية وقف "نسطور" على آراء هذين العالمين، وكان قد ترهب وسكن هذه المدينة في عام "428 م" وتحمس لها وّبشر بها بين الناس، فأثار غضب رجال الكنيسة المعارضين لتلك الآراء، فصاروا ينددون به. وبما يقوله ويبشر به، وعدٌوه ملحداَ خارجا على تعاليم الكنيسة الصحيحة وعلى مبادىء الدين القويم.

ولنشاط "نسطور" في بث هذه الأفكار وعدم تراجعه عنها، طلب اليه المثول أمام مجلس اجتمع فيه كبار رجال الدين لمحاكمته عرف ب "مجمع أفسوس" انعقد في عيد العنصرة من عام "431 م"،وبعد محاكمات ومناظرات قرر المجتمعون الحكم بهرطقة هذه الآراء وبمخالفتها للمبادىء العامة التي تدين بها الكنيسة، وبذلك كان الحكم على نسطور وأتباعه بالضلال والإلحاد وبعزله من أسقفية القسطنطنية حكماً رسمياً. ومعنى ذلك مقاومة القائلين بهذه الآراء واضطهادهم والتضييق عليهم في حكومة لها كنيسة خاصة ترى أنها على الحق وأن ما دونها على عمى وضلال.

و كانت "الرها" Edessa أهم مركز ثقافي للنساطرة، ومن أهم معاقل الأدب السرياني. أمَّها كثير من طلبة العلم السريان للتثقف بها، ولا سيما في عهد الأسَقف "ايباس" Ibas "436-457 م" الذي انتخب أسقفاً لهذه المدينة بعد وفاة أسقفها "ر بولا" Rabbula في عام "436 م". ثم نالت "نصيبين" Nisibis مكانة كبيرة في النسطورية، خاصة بعد وفاة ايباس، وانتخاب "نونوس" Nounus أسقفاً للمدينة، وكان هذا متأثراً بالآراء البيزنطبة كارهاً للنسطورية، لذلك رأى النساطرة الانتقال عن "الرها" إلى أماكن أخرى لا أثر لنفوذ هذا الأسقف عليها، فكانت "نصيبن" الموقع المختار من بين هذه الأماكن، ونالت الحظوة عند رجالهم، واحتلت مكانة "الرها" في العلم.

ولكن الأسقف "نونوس" كان أسقفاً واحداً من عدد عديد من رجال الدين الرسميين الذين يمثلون كنيسة الروم، الكنيسة التي حكمت حكماً رسمياً بهرطقة "نسطور"، لذلك كان على النسطورية مواجهة الاضطهاد والمقاومة في أي مكان من الأماكن الخاضعة للروم، أو التابعة لكنيستهم، وللكنائس المعارضة لآراء نسطور. لذلك فكر النساطرة في حمل آرائهم ومعتقداتهم إلى بلد أملوا ان يتمتعوا فيه بحربتهم في ممارسة شعائرهم الدينية، لمعارضته للانبراطورية البيزنطية وتشجيعه كل حركة مناوئة لها، ثم لأن له حكومة ذات دين آخر بعيد عن النصرانية، فهي اذن لا تتدخل في أمور المذاهب النصرانية إلا إذا كانت مشايعة للروم، وليست النسطورية من هذه المذاهب.

وقد أظهر "الشاهنشاه" ملك الملوك، استعداده لحماية،النساطرة ومنحهم الحرية الدينية وحرية التبشير بمذهبهم بين رعاياه، كما أظهر رغبته في الاستفادة من علمهم ودرايتهم، فاختارهم للاعمال التي لم يكن فيها متخصصون من أتباعه، وسمح لهم بالتدريس وبتهذيب الناس وبتعليمهم الفلسفة اليونانية، ولا سيما فلسفة أرسطو والطب،وغدت "سلوقية" Seleucia على نهر دجلة قبالة العاصمة "طيسفون" مركزاً ثقافياً خطيراً ينافس "الرها" و "نصيبين"، وصار هذا المركر من أهم معاقل النسطورية والتبشير في العراق وفي سائر اًنحاء انبراطورية الفرس.

ومن هؤلاء النساطرة تعلم عرب بلاد العراق وعلى رأسهم أهل الحيرة النسطورية، ومن أهل الحيرة انتقلت إلى جزيرة العرب. ولما كانت السريانية هي اللغة الرسمية لهذه الكنيسة، صارت هذه اللغة بهذه الصفة لغة نصارى العرب، بها يرتلون صلواتهم في الكنيسة وبها يكتبون، وإن كانت بعيدة عنهم غير مفهومة لدى الأكثرية منهم. لقد كانت على كل حال لغة رجال الدين. وجلهّم من رجال العلم في ذلك الزمن. فهي عندهم لغة للدين وللعلم، كما كانت اللاتينية لغة للدين والعلم عند الرومان، والإغريقية لغة للدين والعلم عند اليونان، والعربية عند المسلمين.

وأنا حين أقول ان النسطورية كانت قد وجدت لها سبيلاً إلى أهل الحيرة، فدخلت بينهم، فأنا لا أقصد بقولي هذا ان أهل الحيرةَ كانوا جميعاً على هذا المذهب، أو انهم كانوا كلهم نصارى. فقد كان جلّ أهل الحيرة على دين أكثر ملوكهم، أي على الوثنية، اًما الذين اعتنقوا النصرانية، فهم العباديون، وبينهم قوم كانوا على مذهب القائلين بالطبيعة الواحدة، أي مذهب اليعاقبة، وبينهم من كان على مذهب آخر.

وقد تسربت النسطورية إلى العربية الشرقية من العراق وايران، فدخلت إلى "قطر" والى جزر البحرين وعمان واليمامة ومواضع أخرى. وورد في أسماء من حضر المجامع النسطورية اسم اسقف يدعى "اسحاق" اشترك في مجمع النساطرة الذي عقد سنة 576م، كما ذكر اسم أسقف آخر يدعى "قوسي" اشترك في مجمع سنة 676 م. وقد كانا أسقفين على "هجر". كذلك وردت أسماء أساقفة من النساطرة تولّوا رعاية شؤون أبناء طائفتهم في جزيرة "دارين" وفي جزيرة "سماهيج" وفي مواضع أخرى من الخليح، تولى بعضهم أعماله قبيل الإسلام وعند ظهوره، وتولى بعضهم رعاية شؤون أتباعه في أوائل عهد الإسلام.

ومن الحيرة انتقلت النسطوربة إلى اليمامة فالأفلاج فوادي الدواسر إلى نجران واليمن، وصلت اليها بالتبشير وبواسطة القوافل التجاربة، فقد كانت بين اليمن والحيرة علاقات تجارية وثيقة، وكانت القوافل التجارية تسلك جملة طرق في تنمية هذه العلاقات وتوثيقها. وقد قوي هذا المذهب ولا شك بعد دخول الفرس إلى اليمن، لما عرف من موقف رجاله من كنيسة الروم، ولما كان لأصحابه من نفوذ في بلاط "الشاهنشاه" ومن صداقته لهم.

وتعزو التواريخ النسطورية انتشار النصرانية في نجران إلى رجل اسمه "حسّان " أو "حنّان" أو "حيّان" " ذكرت أنه ذهب في أيام "يزدجرد" "399 - 420 م" إلى القسطنطنية للاتجار. فلما أنجز ما ذهب اليه، عاد الى وطنه سالكاً اليه طربق "الحيرة"، وهناك اتصل بنصاراها، ودخل في النصرانية ألتي استهوته. فلما بلغ نجران مدينته، نشط فيها بنشر الدعوة بين الناس حتى دخل فيها كثير منها ومن بقية حمير.

وقد ور د ان البطريق "تيموثيوس" Timotheos الأول "780 - 823 م" كان قد نصّب أسقفأ نسطوريأ على اليمن. وقد سعى الفرس لنشر مذهب النساطرة بين أهل نجران، كما سعوأ في تقوية الصلات بين الحيرة ونجران. واذا علمنا ان الفرس أنفسهم لم يكونوا على دين المسيح، عرفنا الأهداف السياسية البعيدة التي كانوا يبتغونها من هذا التقارب ومن نشر المذهب النسطوري في اليمن.

وقد بقيت النسطورية قائمة في اليمن في ايام الإسلام، ففي الأخبار الكنسية ان رئيس البطارقة النساطرة "طيموثاوس"، نصّب في أواخر القرن الثامن للميلاد أسقفاً لنجران وصنعاء، اممه " مار بطرس". وان أساقفة من النساطرة كانوا في مواضع متعددة من اليمن وفي عدن، وذلك في القرن الثالث عشر للميلاد.

أما اليعاقبة، فقد انتشر مذهبهم بين عرب بلاد الشام والبادية، وقد اصطدم هذا المذهب بالكنيسة الرسمية للبيزنطيين، واعتبرته من المذاهب المنشقة الباطلة، لذلك حاربته الحكومة، وقاومت رجاله. كما عارضه النساطرة، لاختلافه معهم في القول بطبيعة المسيح، وفي أمور أخرى، وهذا ما حمل النساطرة على الحكم بهرطقة اليعاقبة، كما حمل هذا الاختلاف اليعاقبة على الحكم بهرطقة النساطرة، حتى صار اختلاف الرأي هذا سببأ في وقوع معارك كلامية وجدل طويل عربض بين رجال المذهبين.

واليعاقبة Jacobite church، و يدعون ب "المنوفسيتيين" Monophystte=Monophysite أيضاً، أى القائلين بالطبيعة الواحدة، لقولهم إن للمسيح طبيعة واحدة وأقنوماً واحداً، فقيل لهم من أجل ذلك "أصحاب الطبيعة ألواحدة"، هم مذهب من مذاهب الكنيسة الشرقية، نسبوا إلى "يعقوب البرادعي" Jacabus Baradaeus ويسمى ب "جيمس" James أيضاً، المولود في حوالى سنة "500" للميلاد في مدينة "الأجمة" Tela=Tella من أعمال "نصيبين" في شرقي "الرها" Edessa والمتوفى سنة 578للميلاد. ولد في أسرة كهنوتية، وتتلمذ ل "ساويرس" الذي صار رئيساً على بطريركية أنطا كية في عام 514 للميلاد. ثم اضطر إلى مغادرة انطاكية الى مصر لاختلافه مع رجال الدين في هذه المدينة في طبيعة المسيح، إذ كان يقول بوجود طبيعة واحدة فيه، ومنه أخذ يعقوب رأيه هذا في المسيح.

وذهب "يعقوب" في حوالى سنة 528للميلاد إلى القسطنطنية، لحمل القيصرة "ثيودورة" Theodora علي التأثير في الكنيسة وحملها على الكف عن اضطهاد القائلين برأيه في طبيعة المسيح. وقد مكث في القسطنطنية خمسة عشر عاماً، وسعى سعياً حثيثاً في نشر مذهبه والتبشير به، وهذا ما أوقعه في نزاع مع بقية رجال الدين هناك لخروجه على تعاليم المجمع الخلقيدوني الذي عين التعاليم الثابتة في طبيعة المسيح.

وكان "يعقوب" أسقفاً على "الرها" Edessa في حوالى سنة "541م". وكان "الحارث بن جبلة" من المقدرين له، والمحبوبين عنده، لذلك كان ممن توسطوا لدى بلاط "القسطنطنية" للسماح له بالخروج منها، وللتوفيق بين آرائه وآراء الكنيسة البيزنطية، كما توسط "المنذر" لدى البيزنطيين للغرض نفسه.

وكان من جملة تلاميذ "يعقوب" والمبشرين بتعاليمه "أحودمة" "أحودمى" الذي اغتيل بأمر كسرى أنو شروان في 2 آب من سنة575م. وكان من المبشرين النشيطين، ذهب الى بني تغلب وبشّر بينهم، وقد عرف هؤلاء عند السريانيين بالأعراب سكنة الخيام، وأقام بينهم كهانأَ ورهباناً، وبنى لهم ديراً عرف فى السريانية ب "عين قنا" أي "عين الوكر" وديراً آخر بتكريت سمي "دير جلتاني". وكانت في ايامه أسقفيتان على العرب: أسقفية عرفت بأسقفية العرب، وأسقفية التغلبيين أو "السن" وكرسيها ب "عاقولا" "عاقول". وعاقولا هي موضع الكوفة. أما كرسي أسقفية العرب، فكان في الحيرة.

كذلك كان من تلاميذه "جيورجيوس" "جرجيس" و "غريغور"، وقد تمكنا بنشاطهما وتبشيرهما من نشر هذا المذهب في بلاد الشام وبين الأقباط و ا لأرمن.

وقد بذل "شمعون الأرشامي" Shem'on of Beth Arsham و "مراثا" Muratha جهداً كبيراً في نشر هذا المذهب بين أهل العراق،وصارت "تكريت" القاعدة الكبرى للمذهب اليعقوبي في العراق. بقيت محافظة على هذا المركز في ا لاسلام.

وقد دخل أكثر الغساسنة في هذا المذهب، وتعصبوا له، وطالما توسطوا لدى الروم في سبيل حملهم على الكف عن اضطهادهم والتنكيل بهم. ظلوا مخلصين لهذا المذهب إلى ظهور الإسلام. وقد نعت بعض ملوكهم بنعوت تدل على تنصرهم وتدينهم، مثل: المحبين للمسيح والمؤمنين. وقد وردت في بعض المخطوطات اشارة إلى كاهن نعت ب "كاهن ذي العزة والمحب للمسيح البطريق المنذر بن الحارث"، كما أنعم القياصرة على بعض ملوك الغساسنة بألقاب لا تمنح في العادة إِلا لمن كان على دين النصرانية.

وتذكر تواريخ اليعاقبة قصصاً عن بعض هؤلاء الملوك يشير إلى ذكائهم وتمسكهم في قواعد هذا المذهب وتعلقهم به، ودفاعهم عنه، وافحامهم بذكائهم وبعلمهم أيضاً لخصوم هذا المذهب من أصحاب المذاهب الأخرى ممن أرادوا اقناعهم بالخروج من المذهب اليعقوبي ونبذه، مع ميلهم إلى التوفيق بين المذاهب ومع الفرقة بين النصارى، كالذي ذكروه مع مناظرة وقعت بين البطريرك "البطريق" افرام "526 - 545م"، وهو من بطاركة الملكيين والحارث بن جبلة ملك الغساسنة وهو على اليعقوبية، وقد أفحم فيها الملك الحارث خصمه على ما يدعيه اليعاقبة بذكائه وبقوة بديهته وحجته، وكالذي رووه عن تعنيف المنذر بن الحأرث للبطريرك "دوميان" في أثناء زيارته للقسطنطنية، لتهجمه على اليعاقبة واثارته بهذا الهجوم الفرقة بين النصارى، وطلبه منه الاتفاق مع "فولا" بطريرك اليعاقبة على التآخي وتوحيد المساعي، وكالذي ذكروه عن هذا المنذر أيضاً من كتابته إلى القيصر "طيباريوس" للتدخل في حمل البطريرك والأساقفة على ايقاف حملاتهم على اليعاقبة، ولكي يسعى في اطلاق الحربة لجميع النصارى، وأن يصلي كل واحد منهم أينما شاء وحيثما شاء.

وكان لليعاقبة مشهد مقدس يحجون اليه للتبرك به والنذر له، هو مشهد القديس "سرجيوس" "سرجيس" في مدينة "سرجيوبوليس" Sergiopolis، و هي الرصافة. وكان عرب بلاد الشام اليعاقبة يتيمنون به، ويضعون صورته مع الصليب على راياتهم أملاٌ في الفوز في المعارك. والى هذا القديس أشار الشاعر الأخطل بقوله: لما رأونا والصليب طالعـاً  ومار سرجيس وموتاً ناقعا

وأبصروا راياتنا لوامـعـاً  خلوّا لنا راذان والمزارعا

مما يدل على أن شهرة هذا القديس ظلت بين النصارى حتى في أيام الإسلام. وطالما قصد الأعراب كنيسة هذا القديس لتعميد أبنائهم هناك. وقد كانوا يعقدرن العقود عند قبره،ويقسمون الايمان عنده، دلالة على التشديد فيها وصدقهم في الوفاء. وكان أمراء الغساسنة يبالغون في تعظيمه والاحتفاء به، ويقصدونه للتبرك به، على عكس نصارى الحيرة الذين امتهنوا القبر في حروبهم مع الغساسنة، واعتدوا على المدينة. وقد كان نصارى الحيرة على مذهب "نسطور" في الأغلب، كما كانوا من الوثنيين، ولذلك لم تكن لسرجيوس في نفوسهم منزلة ومكانة. وقد أشار المؤرخ "يوسبيوس القيصري" "أويسبيوس"، الى رأي كان عند بعض نصارى العرب، خالفوا به مذهب الكنيسة إذ قال: "ونحو هذا الوقت فام آخرون في بلاد العرب منادين بتعليم غريب عن الحق. إذ قالوا إن النفس البشرية في الوقت الحاضر تموت وتبيد مع الجسد. ولكنهما يتجددان معاً يوم وقت القيامة". وليس في هذا الكلام كما نرى، أية اشارة إلى أولئك النصارى العرب، ولا إلى مواضع سكنهم. وكل ما يفهم منه ان خلافهم وقع في زمن قريب من زمنه، وانه كان في موضوع الروح.

وقد جودل القائلون بهذا الرأي، ونوقشوا في مجمع انعقد سنة "246 م"، عرف ب "مجمع العربية" Council of Arabia.

وقد كان ل "بولس السميساطي" Paul of Samosata، رأي في المسيح، حتى قيل انه رأى نفسه في منزلة المسيح، وقد حكمت الكنيسة عليه بالهرطقة، وحرمته، وأعلنت خلعه عن أسقفية "أنطاكية"، وكان من المقربين إلى الملكة "الزباّء"، لهذا لم تنفذ ما جاء في حكم الكنيسة عليه.

وذكر أهل الأخبار أن من بين فرق النصرانية، أو الفرق التي هي بين بين: بين النصرانية والصابئة دين يقال له "الركوسية"، وذكروا أن الرسول قال لحاتم الطائي: إنك من أهل دين يقال لهم الركوسية. ولكني أشك في صحة هذا الحديث، إذ كانت وفاة حاتم قبل مبعث الرسول، ولم يثبت أنه التقى به.

وهناك شيع عقائدها مزيج من اليهودية والنصرانية. وجدت سبيلها في جزيرة العرب، مثل "الابيونيين" Ebionites و "الناصربين" Zazarenes و "ا لكسا ئيين" Elkesaites.

أما "الأبيونيون" Ebionites، فجماعة من قدماء اليهود المتنصرين عرفوا بهذه التسمية العبرانية الأصل التي تعني "الفقراء"، لا يعرف عن كيفية ظهورهم ونشوء عقيدتهم على وجه صحيح أكيد، وكل ما يمكن أن يقال عن معتقداتها إنها مزيج من اليهودية والنصرانية، وإنها نصرانية بنيت على أسس ودعائم يهودية، فهي نصرانية يهودية في وقت واحد.

وقد ذهب بعض قدماء المؤرخين إلى انهم انما دعوا بهذه التسمية نسبة إلى مؤسس هذا المذهب المسمى "ابيون" Ebion. غير ان من الصعب اثبات صحة هذا الرأي. وهم يعتقدون بوجود الله الواحد خالق الكون، وينكرون رأي "بولس" الرسول في المسيح، ويحافظون على حرمة يوم السبت Sabbath وحرمة يوم الرب. وقد ذهب بعض قدماء من تحدث عنهم إلى انهم فرقتان بالقياس إلى مولد الابن المسيح من الأم العذراء. ويُعتقد أكثرهم ان المسيح بشر مثلنا، امتاز على غيره بالنبوة، وبأنه رسول الله، أرسله إلى الناس أجمعين. فهو رسوله ولسانه الناطق برسالته للعالمين. وهو نبي كبقية من سبقه من الأنبياء المرسلين. وقد آمن بعض منهم بعقيدة "العذراء" وولادتها للمسيح من غير اتصال ببشر، غير ان بعضاً آخر منهم، آمن بان المسيح ابن مريم من "يوسف" فهو بشر تمامأَ، وأنكر الصلب المعروف، وذهب إلى ان من صلب، كان غير المسيح، وقد شبه على من صلبه، فظن انه المسيج حقاً. ورجعوا إلى انجيل متى بالعبرانية "The Gospel of Mathew " وأنكروا رسالة "باولس" Paul على النحو المعروف عند بقية النصارى.

وأما "الناصريين" "Nazarenes"، فهم فرقة معارفنا عن أصلها وعن كيفية ظهورها قليلة كذلك. وأكثر ما نعرفه عنها مستمد مما كتبه عنها "أفيفانيوس" "Epiphanius" و "جيروم" "Jerome". وقد أدخلهم "أفيفانيوس" في جملة "الهراطقة" "Heratics"، وذكر انهم كانوا يقرأون النسخة العبرانية لانجيل متى، The Gospel of Mathew وانهم ظهروا في غور الأردن.

وقدا اعترفوا بألوهية المسيح "ابن الله"، قائلين انه ولد من العذراء مريم، واعترفوا برسالة القديس "بولس" كما حافظوا على ناموس موسى "Mosaic Law " "شريعة موسى"، وهم يرون ان ميلاد المسيح شيء خارق للعادة، وانه "المولود الأول من الروح القدس"، وان تعاليمه، هي متممة للرسالات السابقة ومكملة لها. وقد راعوا حرمة السبت، وما يختص بالأكل وبالختان.

وأما "الكسائيون" "Elkesaites"، ففرقة يظهر أنها ظهرت في أواخر القرن الأول وأوائل القرن الثاني للميلاد في وادي الأردن، ومعناها اللغوي "القوى الخفية"، في لغة بني إرم، و "المتخفون"، أو المتسترون تحت الكساء في لغتنا. وقد نبعت من اليهودية. وهي تنسب إلى رجل اسمه "Elkesai " "الكسائي" صاحب كتاب نسب اليه، ويحافظ الكسائيون على الختان وعلى حرمة السبت وعلى سائر أحكام الشريعة الموسوية، وينسب اليه أنه كان يرى تحريم أكل اللحوم. والظاهر ان ذلك من وضع المستخفين بتعاليمه. وإنما كان يحرم أكل ذبائح الوثنيين وما أهلَّ للاوثان. وقد حتم على"أتباعه التوجه إلى بيت المقدس في صلواتهم، ومنع التوجه إلى الشرق. وهو يعتقد بوجود إلَه واحد، وباليوم الاخر،وبملائكته. ويرى أن الشياطين هي النجوم الكائنة في المناطق الشمالية من السماء.

ومن أهم تعاليم "الكسائيين" الإغتسال،أو ما يقال له "التعميد" "Babtism " وذلك بالاغتسال في النهر أو في البئر لغسل الأدران من الأجسام وتطهيرها. ويسمي المغتسلُ "باسم الله العلي العظيم" "بسم الله الرحمن الرحيم"، ويستعمل الغسل في الشفاء من الافات كذلك، مثل عض الكلب المكلوب أو الحيوانات المؤذية واخراج الأرواح الشريرة من الجسم. ولذلك يمكن تسمية هذه الفرقة بالمغتسلة، لجعلها الغسل من أهم أركان الدين.

وللخبز والملح اهمية خاصه لدى أصحاب هذا المذهب، فهما بمثابة العهد عندهم.

وهم في ذلك على شاكلة يهود، حيث يتمثل العهد "Convenant" عندهم بالملح والخبز. ويقسمون بهما الايمان. وللايمان عندهم قدسية كييرة، فلا يجوز لأي إنسان كان أن يحنث بيمينه، وأن يخالف ما أقسم عليه، وإلا كان عقابه عند الله عظمياً.

والعرب من الذين يقيمون للقسم بالخبز والملح وزناً عظيماً عندهم. فكانوا يحلفون بهما كما يحلفون بالله وبأصنامهم. ولا يجوز الحلف كذباً بهما. ولا زال الناس يقسمون بالخبز والملح قسمهم بالمقدسات.

وقريب من مذهب "الكسائيين" في الاغتسال ما يذهب اليه الصابئون فيه. فللغسل لتطهير الجسم من الآثام الظاهرة والباطنة ومن الأرواح الشريرة مقام كبيرعند الصابئة، ولهذا نراهم يختارون السكنى عند الآبار والأنهار.

ووجدت فرقة عرفت ب "الفطائريين" "Collyridiens " بالغ أصحابها في عبادة مريم وفي تأليهها، وكانوا يقدمون لها نوعاً من القرابين أخصها أقراص العجين والفطائر، لذلك عرفوا بالفطائريين. وقد ذكرهم "أفيفانيوس" في كتاب الهرطقات.

وعلى عكس هؤلاء كان من دعوا ب " Antidicomariantes"، وهم الذين أنكروا على مريم دوامها في التبتل، فسموا لذلك بالمعادين لمريم.

وذكر أن فرعاً من الأريوسية، أي من أتباع "أريوس"، كان معروفاً بين العرب أطلق عليهم القديس "ايلاريوس" اسم "أقاقيين" نسبة إلى "أقاقيوس". كانوا يقولون إن المسيح ليس هو ابن الله، لأن من قال ذلك جعل لله زوجة.

وقد تحدث أهل الأخبار عن قوم قالوا لهم "الأريريسيون". ذكروا أنهم "فلاحو السواد الذ ين لا كتاب لهم. وقيل الاريسيون: قوم من المجوس، لا يعبدون النار، ويزعمون أنهم على دين ابراهيم... وقيل إنهم أتباع عبدالله ابن أريس رجل كان فيِ الزمان الأول قتلوا نبياً بعثه اللّه اليهم"، " وقال بعضهم في رهط هرقل فرقة تعرف بالأروسية.

الفصل الحادي والثمانون

التنظيم الديني

وكان لنصارى العرب تنظيمهم الخاص بدور العبادة وبالتعليم والإرشاد، وهو تنظيم أخذ من تنظيم الكنيسة العام، ومن التقاليد التي سار عليها آباء الكنيسة منذ أوائل ايام النصرانية حتى صارت قوانين عامة. فللكنيسة درجات ورتب،وللمشرفين عليها منازل وسلالم، وقد اقتبست هذه التنظيمات من الأوضاع السياسية والاجتماعية التي عاشت فيها النصرانية منذ يوم ولادتها، والتي وضعها رؤساؤها لنشر الديانة ولتنظيم شؤون الرعية، حتى صارت الكنيسة وكأنها حكومة من الحكومات الزمنية، لها رئيس أعلى، وتحته جماعة من الموظفين، لها ملابس خاصة تتناسب مع درجاتهم ومنازلهم في مراتب الحكومة، ولهم معابد وبيوت وأوقاف وسيطرة على أتباعهم، جاوزت أحياناً سيطرة الحكومات.

ومن الألفاظ التي لها علاقة بالدرجات والرتب الدينية عند النصارى لفظة"البطرك" و "البطريق". وقد وردت لفظة "البطريق" في شعر ينسب إلى "أمية بن أبي الصلت".

وقد ذهب علماء اللغة إلى ان "البطرك"، هو مقدم النصارى، وهو في معنى "البطريق" أيضاً. وقالوا أيضاً إن البطريق مقدم جيش الروم. و "البطرك" من أصل يوناني هو؛Patriakhis، "بثريارخيس"، ومعناه "أبو الآباء"، وذلك لأنه الأب الأول والأعلى للرعية، فهو أب الاباء ورئيس رجال الدين. اما لفظة البطريق، فإنها من أصل لاتيني، هو Patrikios، وهو يعني وظيفة حكومية وتعني درجة "قائد" في المملكة البيزنطية. فلا علاقة لها اذن بالتنظيم الديني للنصرانية.

وبين البطريق "البطرك" والأسقف منزلة يقال لشاغلها "المطران"، وقد عرف بأنه دون البطرك وفوق الأسقف. وقد وسمه "القلقشندي"، بأنه القاضي الذي يفصل الخصومات بين النصارى. واللفظة من الألفاظ المعربة عن اليونانية، أخذت من "متروبوليتيسى"، Mtropolitis، أي مختص بالعاصمة، أو المدينة. وقد ذكر علماء اللغة ان لفظة "المطران"، ليست بعربية محضة. والأسقف من الألفاظ التي تدل على منزلة دينية عند النصارى، وقد وردت في كتب الحديث. وقد ذكر بعض علماء اللغة انه انما سمي أسقف النصارى أسقفاً لأنه يتخاشع. واللفظة من الألفاظ المعربة المأخوذة عن اليونانية،فهي "ابسكبوس" " Episkopos، في الإغريقية، وقد نقلت منها إلى السريانية، ثم نقلت منها إلى العربية. وقد وردت في كتب التواريخ والسير، حيث ورد في شروط الصلح الني عقدما الرسول مع أهل في ان، شرط هو: "لا يغير أسقف عن أسقفيته ولا راهب عن رهبانيته.

والقس من الألفاظ الشائعة ببن النصارى، ولا تزال مستعملة حتى الآن. ويقال لها "قسيس" في الوقت الحاضر أيضاً. وهي من أصل آرامي هو، Gachicho، ومعناه، كاهن وشيخ ا. وقد جمعها "أمية بن أبي الصلت" على "قساقسة". وذكر بعض علماء اللغة أن القس والقسيس العالم العابد من رؤوس النصارى" وأن " أصل القس تتبع الشيء وطلبه بالليل. يقال تقسست أصواتهم بالليل، أي تتبعتها. وقد وردت لفظة "قسيسين" في القرآن الكريم: )ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا انا نصارى. ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون(. ويدل ذلك على أن موقف النصارى تجاه الإسلام كان أكثر مودة من موقف يهود. وقد نسب ذلك إلى القسيسين والرهبان.

وترد لفظة "شماس" في جملة الألفاظ التي لها معان دينية عند نصارى الجاهلية. وهي من الألفاظ الحية التي لا تزال تستعمل في هذا اليوم أيضاً. وتعد من الألفاظ المعربة عن السريانية. وهي "5 Chamacho، في الأصل، وتعني خادم،. ومنها البيعة. فهي اذن ليست من الوظائف الدينية الكبيرة، وإنما هي من المراتب الثانوية في الكنيسةْ. وقد ذكر بعض العلماء بأن الشماس يحلق وسط رأسه ويجعل شعره من جوانب رأسه على شكل دائرة، وهو الذي يكون مسؤولاً عن الكنيسة، ويكون مساعداً للقسيس في أداء واجباته الدينية، وفي تقديس القداس أيام الاحاد والأعياد. يعمل كل ذلك للتعبد، وليس لأخذ المال والتكسب.

وورد في كتاب رسول الله إلى سادة نجران: "لا يغير أسقف.عن سقيفاه، ولا راهب عن رهبانيته، ولا واقف عن وقفانيته". و يظهر من هذا الكتاب ان للواقف منزلة من المنازل الدينية " التي كانت في مدينة نجران. والظاهر انها تعني الواقف على أمور ا لكنيسة، أي الأمور الادارية والمالية والمشرف على أوقافها وأملاكها. فهو في الواقع.مسؤول اداري، اختصاصه الاشراف على الامور المتعلقة بامور الكنيسة واموالها اذ لا يعقل ان يكون الواقف بمعنى خادم البيعة الذي يقوم بالخدمة بمعنى التنظيف والاعمال البسيطة الاخرى اذ لا يعقل النص على مثل هذه الدرجة في كتاب صلح الرسول مع سادة نجران وقد ذكر بعض علماء اللغة الواقف خادم البيعة لأنه وقف نفسه على خدمتها ولا يعني هذا هذا التفسير بالضرورة الخدمة على النحو المفهوم من الخدمة في الاصطلاح المتعارف.

فقد كان الملوك.والسادات يلقبون أنفسهم ب "خادم الكنيسة" و "خادم ألمعبد"، أي بالمعنى المجازي. ولا يكون خادما صارفاَ وقته كله في تنظيف الكنيسة وفي القيام بالأعمال التي يقوم بها لخادم الاعتيادي.

وهناك لفظة أخرى لها علاقة بالكنيسة وبالبيعة وبالنواحي الادارية منها، هي لفظة "الوافه" و "الواقه". وقد عرفوا صاحبها ب "قيم البيعة التي بها صليب النصارى، وفي هذا المعنى ايضا لفظة "الواهف" حيث قالوا: "الواهف سادن البيعة التي فيها صليبهم و وقيمها كالوافه وعملهم الوهافة"،والوهفية والهُفيّة. والظاهر انها كلها في الأصل شيء واحد، وانما اختاف علماء اللغة في ضبط الكلمة، فوقع من ثم هذا الاختلاف بينهم الوظيفة إذن هي بمنزلة الخازن القيم على شؤون الصليب، يحفظه من السرقة، ويضعه في خزانة أمينة"، فإذا حانت أوقات العبادة وضعه في موضعه. فالصليب ثمين،فيه ذهب في الغالب، لذلك يكون هدفاً للسراق.

ويلاحظ أن علماء الحديث والتأريخ والسير، ليسوا على اتفاق فيما بينهم في تدوين نص كتاب الصلح الذي أعطاه الرسول لأهل نجران، إذ تراهم يختلفون في ضبط نصه: وفي جملة ما اختلفوا فيه جملة: "ولا واقه من وقاهيته"، فقد كتبوها بصور شتى كما رأيت، كما كتبوا. النص بأشكال متباينة، مما يدل على أن الرواة قد اعتمدوا على نسخ متعددة للكتاب، وعلى أن أهل نجران كانوا قد نسخوا منه نسخاً، تحرفت نصوصها بالاستنساخ، لعدم تمكن الناسخ من ضبط العبارات ضبطا صحيحاً. فلما دون العلماء صورة النص تباينوا في تدوينه، وأوجدوا لهم تفاسير للفظة "واقف" و "وافه" و "واقه"، وهي لفظة واحدة في الأصل، قرأها النساخ ثلاث قراءات.، فظهرت وكأنها ألفاظ مختلفة. وحاروا في تعليل المعنى، فقال بعضهم الوافه: قيم البيعة بلغة أهل الجزيرة، وقال بعض آخر بلغة أهل الحيرة، وقال بعض: كلها في معنى واحد. وهناك مصطلحات دينة أخرى استعملها النصارى للدلالة على درجات رجال دينهم، مثل "بابا"،وهي كلمة "رومية" وهو أعلى مرجع في نظر النصارى "الكاثوليك"، و "والجاثليق"، وهو رئيس أساقفة بلد ما، والأعلى مقاماً بينهم، وقد أطلقت اللفظة على رئيس نصارى بغداد في العهد العباسي وهي من أصل يوناني هو "كاثوليكوس"،، Katholikos ومعناه عامْ. والساعي من الألفاظ التي تتناول المنازل والدرجات عند النصارى، وتشمل اليهود أيضاً. ويقصد بها الرئيس المتولي لشؤون اليهود أو النصارى، فلا يصدرون رأياً إلا بعد استشارته، ولا يقضون أمراً دونه. وقد ورد في حديث حذيفة في الأمانة:".إن كان يهودياً أو نصرانياً ليردنه على ساعيه".

ولفظة "بابا" وما بعدها، هي من الألفاظ التي شاع استعمالها في العربية في الإسلام، وليس لدينا ما يفيد استعمالها بين الجاهليين.

وذكر علماء اللغة أن من الألفاظ المعروفة بين النصارى لفظة "العسطوس"، و يراد بها القائم بأمور الدين، وهو رئيس النصارى.

أما "الراهب"، فهو المتبتل المنقطع إلى العبادة. وعمله هو الرهبانية. وقد ذكر بعض علماء، اللغة ان الرهبانية غلوٌ في تحمّل التعبد من فرط الرهبنة. وقد ذكرت الرهبانية في القرآن الكريم، وذكرت في الحديث. وقد نهى عنها الإسلام: ) لا رهبانية في الإسلام (. وقد ندد القران الكريم في كثير من الأحبار والرهبان، فورد: )إن كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل(. ويظهر من ذلك ان جماعة منهم كانت تتصرف بأموال الناس التي تقدم إلى الأديرة و البيع، فيعيشون منها عيشة مترفة، لا تتفق مع ما ينادون به من التقشف والزهد والعبادة. كما ان منهم من عاش عيشة رفيهة وبطر، فتكبر عن الناس وترفّع، حتى جعلوا أتباعهم يحيطونهم بهالة من التقديس والتعظيم، إلى درجة صيرتهم أرباباً على هذه الأرض. فتقربوا اليهم وقدّسوهم قدسية لا تليق إلا للخالق. ) اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أرباباً من دون اللّه ْ(. ذلك انهم كانوا يحلّون لهم ما حرم اللّه فيستحلونه ويحرّمون ما أحل الله لهم فيحرمونه. أما انهم لم يكونوا يصومون لهم ولا يصلون لهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه واذا حرموا عليهم شيئاً أحله الله لهم حرموه، فذلك كانت ربوبيتهم. وكانوا يطيعونهم طاعة عمياء، ويأخذون عنهم،ويقدسونهم، ويقبلون أيديهم ولا يعصون أمراً لهم. وذكر ان "عدي بن حاتم" الطائي، قال لرسول الله لما سمعه يقرأ: )اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله(، " يا رسول الله ! إنّا لسنا نعبدهم. فقال: أ ليسو يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله، فتحلونه قال: قلت بلى. قال فتلك عبادتهم". ويظهر من روايات أهل الأخبار، أن من الرهبان من بالغ في الترهب وفي الزهد، فخصى نفسه ووضع السلاسل في عنقه أو في يديه أو رجليه ليحبس نفسه، وامتنع عن المأكل والأطايب، مكتفياً بقليل من الماء وبشيء من الخز الخشن، وأن منهم من امتنع عن الكلام وصام معظم أوقاته، وابتعد عن الناس متخذا من الكهوف والجبال والمواضع النائية الخالبة أماكن للتأمل واتعبد. وذلك كما يظهر من نهي الرسول عن الرهبنة و الرهابنة، وحمل الإسلام عليها. لأنها تبعد الناس عما أحل اللّه وقد عوض الإسلام عنها بالجهاد في سبيل الله.

ومن عادات الرهبان وتقاليدهم التي وقف عليها أهل الجاهلية، الامتناع عن أكل اللحوم والودك، أبداً أو أمداً، وحبس النفس في الأديرة والصوامع، والكهوف، والاقتصاد على أكل الصعب من الطعام والخشن من الملبس، ولبس السواد والمسوح. وهي عادة انتقلت الى الأحناف أيضاً والى الزهّاد من الجاهليين الذين نظروا نظرة زهد وتقشف إلى هذه الحياة. كما كانوا لا يهتمون بشعورهم فكانوا يطلقونها ولا يعتنون بها ولذلك كانت شعورهم شعثاً. وعبّر عن الراهب بالأشعث، لأنه كان يطلق شعر رأسه ولا يحلقه ولا يعتني به.

ومن الرهبان من ساح في الأرض، فطاف بلاد العرب وأماكن أخرى،وهام على وجهه في البوادي وبين القبائل، لا يهمه ما سيلاقيه من أخطار ومكاره، ومنهم من ابتنى له بناءً في الفيافي وفي الأماكن النائية، واحتفر الآبار وحرث البقول، وعاش عيشة جماعية، حيث يعاون بعضهم بعضاً في تمشية أمور الدير الذي يعيشون فيه. ومنهم من عاش في قلل الجبال، بعيداً عن المارة والناس.

قال الشاعر: لو عاينت رهبان دير في القلل  لانحدر الرهبان يمشي وينزل

وقد وقف بعض أهل الجاهلية على أخبار هؤلاء الرهبان وعرفوا بعض الشيء عنهم، وبهم تأثر بعض الحنفاء على ما يظهر فأخذوا عنهم عادة التحنث والتعبد والانزواء والانطواء في الكهوف والمغاور والأماكن النائية البعيدة للتنسك والتعبد مبتعدين بذلك عن الناس منصرفين إلى التأمل والتفهم في خلق هذا الكون دون أن يدخلوا النصرانية.

وقد نهى الرسول بعض الصحابة مثل "عثمان بن مظعون"،وهو من النصارى في الأصل من تقليد الرهبان في الاخصاء وفي الاقناع عن الزواج ومن التشدد في أمور أحلها الله للناس. ويظهر أن هذا التشدد إنما جاء به وإلى أمثاله من وقوفهم على حياة الرهبان وعلى رأيهم وفلسفتهم بالنسبة لهذه الحياة. وفي حق هؤلاء نزلت الآية: ) يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحلّ الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين(. وذكر أن الرسول لما سمع بابتعاد "عثمان" من أهله، دعاه، فنهاه عن ذلك. ثم قال: "ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والنوم ألا اني أنام وأقوم وأفطر وأصوم وأنكح النساء، فمن رغب عن سنتي، فليس مني. فنزلة الآية: )يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا(. يقول لعثمان لا تجب نفسك،فإن هذا هو الاعتداء. وورد في الحديث: "لا صرورة في الإسلام"، والصرورة التبتل وترك النكاح، أي ليس ينبغي لأحد أن يقول لا أتزوج، لأن هذا ليس من أخلاق المسلمين، بل هو من فعل الرهبان. وهو معروف في كلام العرب. ومنه قول النابغة: لو أنها عرضت لأشمط راهب  عبد الإله صرورة متعـبـد

يعني الراهب الذي ترك النساء.

وقد أشير إلى الرهبان في شعر امرىء القيس، اذ أشار فيه إلى منارة الراهب الذيّ يمسي بها يتبتل فيها إلى الله، وعنده مصباح يستنير بنوره. كما أشار فيه اليه وهو في صومعته يتلو الزبور ونجم الصبح ما طلعا، دلالة على تهجده وتعبده في وقت لا يكون الناس فيه نياماً. كما أشير الهم في شعر شعراء جاهليين اخرين مثل "النابغة الذبياني"، الذي أشار إلى ركوع الراهب يدعو ربه فيه ويتوسل اليه. كما أشار إلى موقف الراهب من رؤية امرأة جمِيلة، وكيف سيرنو اليها حتى وان كان راهباً اشمط. وقد أشار إلى "ثوبي راهب الدير" والى الحلف بثوبيه.

وورد في الشعر ما يفيد بانقطاع الرهبان في الأماكن الصعبة القصيّة مثل قلل الجبال وذراها، حيث لا يأتيهم الناس، فيعيشون في خلوة وانقطاع عن البشر. ومن الأماكن التي اشتهرت بوجود الرهبان فيها أرض مدين. ووادي القرى ومنازل تنوخ وصوران وزبدْ.

وقد سبح الرهبان ورجال الدبن، اللَه، في الكنائس وفي الاديرة بألحان عذبة جميلة، ورتلوا الزبور والأسفار المقدسة الأخرى. وقد عرف الجاهليون ذلك عنهم، وأشاروا الى ذلك في شعرهم، وربما كان بعضهم يحضر تلك التراقي ويستأنس بها على الرغم من وثنيته وعدم اعتقاده بالنصرانية.

ويقال للراهب الزاهد، الذي ربط نفسه عن الدنيا الربيط. وقيل له: الحبيس. وذكر أن الربيط، هو المتقشف الحكيم وأن الحبيس هو اللذي حبس نفسه في سبيل الله، فقبعوا في الأديرة وابتعدوا عن الناس. فصاروا كالحبساء.

ويقال للراهب: المقدسي. والمقدس الراهب. وصبيان النصارى يتبركون به،ويتمسحون بملابسه تبركاً. كما قيل له: المتعبد، و الأعابد ونسب الى امرئ القيس هذا البيت: فأدركنه يأخذن بالساق والنسا كما  شبرق الولدان ثوب المقدسـي

ويروى المقدس، وهو الراهب ينزل من صومعته الى بيت المقدس، فيمزق الصبيان ثيابه تبركا به.

وأما "النهامي"، فهو صاحب الدير، أو الراهب في الدير.

ومن الألفاظ التي شاعت بين النصارى ووصل خبرها إلى الجاهليين، لفظة: "الأبيل"، وقد اتخذوهها للدلالة على رئيس النصارى. وذكر بعض أهل الأخبار انها تعني أيضاً "المسيح"، وقد كانوا يعظمون الأبيل فيحلفون به كما يحلفون بالله. وهي من الألفاظ المعربة عن السريانية "كابيلو" Abilo، و معناها في السريانية الزاهد والناسك والراهب. وكانوا يتخذون عادة رؤساءهم من الرهبان المتبتلينْ. وقد وردت لفظة "الأبياط" في الشعر الجاهلي، في شعر: الأععشى وفي شعر عدي بن زيد. وورد "أبيل الأبيلين"، وأريد بذلك المسيح. وذكر ان "إلابيل" هو صاحب الناقوس، والراهب أيضا. وان "الأببلي"، هو صاحب الناقوس. و "ا الأيبل"، العصا التي يدق بها الناقوس. قال الأعشى: وما أيبلي عـلـى هـيكـل  بناه وصلب فـيه وصـارا

يراوح من صلوات الملـيك  طوراً سجوداً وطوراً جؤارا

يعني بالجؤار الصياح. إما بالدعاء وإما بالقراءة.

والساعور من أسماء المسيح وهو من أصل "سوعورو" Soouro، بمعنى زائر. وتطلق اللفظة على من يزور القرى ويطلع على أحوالها وذلك بأمر من الأسقف. وذكر علماء اللغة أن اللفظة من الألفاظ المعربة عن السريانية،وأن الأصل "ساعورا"، ومعناه متفقد المرضى، وتطلق اللفظة على مقدم النصارى في معرفة علم الطب.

و يقال لخادم البيعة: الجلاذي. وذكر أن "الجلذي" الراهب والصانع والخادم في الكنيسة. قال ابن مقبل صوت النواقيس فيه ما يفرطه  أيدي الجلاذيّ جون ما يغضبناْ

و "الكنيس" و "الكنيسة" موضع عبادة اليهود والنصارى، فهما في مقابل "المسجد والجامع" عند المسلمين. والكلمة من الألفاظ المعربة عن الآرامية، وتعني لفظة، Knouchto "كنشتو" "كنشت" في السريانية، اجتماع، ومجمع وأطلقت بصورة خاصة على كنيس اليهود. ولهذا نجد العرب يطلقونها على معبد اليهود كذلك. ويقال في العبرانية للكنيس "كنيستا"،بمعنى محل الصلاة. ونجد الكتب العربية تفرق بين موضع عبادة اليهود وموضع عبادة النصارى، فتطلق الكنيس" على موضع عبادة اليهود و"ا!كنيسة" على موضع عبادة النصارى. وقد ذهب بعض علماء اللغة، إلى أن الكنيسة، هي متعبد اليهود، وأما "البيعة"،، فهي متعبد النصارى. وقد عرف علماء اللغة العرب، أنها من الألفاظ المعربة فقالوا:وهي معربة،أصلها كنست.

وقد زوّق النصارى كنائسهم، وجملوها، وزينِّوها بالصور وبالتماثيل ووضعوا الصلبان على أبوابها وفي داخلها. ووضعوا بها المصابيح لإنارتها في الليل وكانوا يسرجون فيها السرج، وجعلوا بها النواقيس، لتقرع، فترشد المؤمن بأوقات الصلوات، ولتشير اليهم بوجود مناسبات دينية، كوفاة، أو ميلاد مولود، أو عرس وأمثال ذلك. ومن اللكنائس التي اكتسبت حرمة كبيرة عند النصارى العرب: كنيسة القيامة، وكنيسة نجران، وكنيسة الرصافة. وقد أشير في شعر للنابغة إلى "صليب على الزوراء منصوب"، أي على كنيسة.

والتمثال الشيء المصنوع مشبهاً بخلق من خلق اللّه، أي من انسان أو حيوان أو جماد. وأدخل العلماء الصور في التماثيل. وقد كانت الكنائس مزينهْ بالتماثيل والصور، نمثل حوادث الكتاب المقدس وحياة المسيح. ونظراً إلى محاربة الإسلام للاصنام، والى كل ما يعيد إلى ذاكرة الإنسان عبادة الأصنام والصهور، وا النهي عنها في الإسلام. جاء في الحديث: "أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون".

وقد كان الروم يمدون الكنائس والمبشرين بالمال وبالفعلة وبالمساعدات المادية لبناء الكنائس والأديرة. والكنائس والأديرة وإن كانت بيوت تقوى وعبادة كانت بيوت سياسة ودعوة وتوجبه. ونشر النصرانية مهما كان مذهبها ولونها مفيد للروم، فالنصراني مهما كان مذهبه لا بد ان يميل إلى اخوانه في العقيدة والدين، فقي انتشار النصرانية فائدة من هذه الناحية كبيرة للبيزنطيين.

وفي العربية لفظة أخرى للكنيسة، الا أنها لفظة خصصت بكنيسة معينة،و الكنيسة التي بناها أبرهة بمدينة صنعاء، واللفظة هي: "القُلّيس". وللاخباريين اراء في معناها وفي أصلها، بنيت على طريقتهم الخاصة في ايجاد التفاسير للكلمات القديمة من عربية ومن معربة، التي لا يعرفون من أمرها شيئاً. وهي لذلك لا تفيدنا شيئاً. والكلمة أعجمية الأصل، عربت، وشاع استعمالها، حتى ظن انها اسم تلك الكنيسة. أخذت هذه اللفظة من أصل يوناني هو "أكليسيا" "Ekklesia، ومعناه في اليونانية المجمع، أي الكنيسة. والظاهر أن أهل صنعاء سمعوا اللفظة من الحبش. حينما كانوا يذهبون إلى الكنيسة، فصيروها اسم علم على هذه الكنيسة ولم يدروا أنها تعني الكنيسة، أي موضع عبادة. والصوامع والبيع هما من الألفاظ الي استعملها الجاهليون للدلالة. على مواضع العبادة عند النصارى. وقد ذهب العلماء إلى أن البيعة من الألفاظ المعربة أخذت من السريانية. وأصل اللفظة في السريانية، هو "بعتو" بمعنى بيعة، وقبة، لأنها كانت قبة في كثير من الكنائس القديمة. وقد استعملت في الحبشية كذلك ولذلك ذهب بعضهم إلى أنها من الحبشية. وقال علماء اللغة العرب: الصومعة كل بناء متصمع الرأس،، أي متلاصقه، والأصمع اللاصقة اذنه برأسه. وقد أشير إلى "البيع" في القران: )ولولا دفع الله الناس، بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع (. وقد ذهب بعض علماء اللغة، إلى أن البيعة متعبد اليهود. ولكن اغلبهم على انها متعبد النصارى.

وقد وردت لفظة "بيعة".في نص "أبرهة" الشهير الذي دوّنه على سد مأرب. ففي هذا النص جملة: "وقدس.البيعة"، أي "وقدس البيعة". وذكر ان لفظة "البيعة" قد وردت في شعر ينسب إلى ورقهّ بن نوفل، حيث زعم انه قال: أقول إذا صليت في كل بـيعة  تباركت قد أكثرتَ باسمك داعياً

كما ذكر انها وردت في كلام أناس من الجاهليين والمخضرمين. وقد أشير إلى ورودها في الشعر الجاهلي وفي بعض الأخبار المنسوبة إلى الجاهليين. وردت في شعر منسوب إلى "عبد المسيح بن بقيلة"، و هو كما يظهر من اسمه من النصارى. ووردت في بيت منسوب إلى لقيط. بن معبد، وفي شعر يحسب إلى الزبرقان بن بدر التميمي. ولا بد،ان تكون هذه الكلمة من الكلمات المألوفة عند الجاهليين المتنصرين، وعند غيرهم ممن كانوا على الوثنية، غير انهم كانوا على اتصال بالنصارى، ذلك لأنها من الألفاظ الشائعة المعروفة عند النصارى وقد كانت البيع منتشرة في المدن وفي القرى والبوادي، وطالما قصدها الأعراب للاحتماء بها من الحر والبرد وللاستعانة برجالها لتزويدهم بما عندهم من ماء أو زاد أو للتنزه بها واحتساء الشراب.

والصومعة من أصل حبشي هو"صومعت"على رأي بعض المستشرقين وقد خصصت ب "قلاية" الراهبْ. أي مسكن الرهبان. وبهذا المعنى وردت في القران. ويقول علماء اللغة، أنها على وزن فوعلة، أي صومعة، لأنهي دقيقة الرأس. وهي صومعة النصارى. وذكر بعض منهم أن الصومعة كل بناء متصمع الرأس، أي متلاصقة. وقد سميت صومعة لتلطيف أعلاها. ويدل ورود هذه اللفظة بصورة الجمع في القرآن الكريم، على وقوف الجاهليين على الصوامع ووجودها بينهم. وقد كان الرهبان قد ابتنوا الصوامع وأقاموا بها للعبادة بعيدين في مختلف انحاء جزيرة العرب، ومنها الحجاز. وقد وقف الجاهليون عليها، ودخلوا فيها. أما تجارهم ممن قصد بلاد الشام والعراق، فقد رأوا في طريقهم إلى تلك الأرضين، وفي تلك الارضين بالذات، حيث انتشرت فيها النصرانية صوامع كثيرة. وتجد في كتب الأخبار أمثلة عديدة تشير إلى دخول تجار مكة الصوامع في بلاد الشام وفي وادي القرى، للحصول على ملجأ أو عون. والقلاّية، وهي كالصومعة، يتعبد فيها الرهبان، وهي من الألفاظ المعربة، عربت من أصل يوناني هو "Kelliyon "ومعناه غرفة راهب أو ناسك. ومن هذا الأصل انتقلت اللفظة إلى السريانية فصارت "قلّيتا"، فانتشرت بين نصارى بلاد الشام بصورة خاصة ثم بقية النصارى، منها دخلت العربية. وقد عرف علماء العربية انها من الألفاظ المعربة، فقالوا: هي تعريب كلاذة، وهي من بيوت عباداتهم، أي عبادات النصارى. وقد وردت في الحديث، كما ورد ذكرها في صلح عمر مع نصارى الشام، حيث كتبوا له كتاباً: إنّا لا نحدث في مدينتنا كنيسة ولا قلية. والظاهر ان النصارى توسعوا في المعنى، فأطلقوها على المنازل التي يسكنها الرهبان، ثم توسعوا فيها فأطلقوها على دور المطارنة والبطارقة، وأصلها بمعنى الأكواخ.

ولفظة "الدير" هي من الألفاظ النصرانية الشهيرة المعروفة بين العرب. وهي أكثر اشتهاراً من الألفاظ الأخرى التي لها علاقة بمواضع العبادة أو السكن عند النصارى، وذلك لانتشارها ووجودها في مواضع كثيرة من العراق وبلاد الشام وجزيرة العرب. ولمرور ااتجار وأصحاب القوافل والمارة بها، واضطرارهم إلى الاستعانة بأصحابها وباللجوء اليها في بعض الأحيان. كما كانت محلاً ممتازاً للشعراء ولأصحاب الذوق والكيف،حيث كانوا يجدون فيها لذة ومتعة تسر العبن والقلب، من خضرة ومن ماء بارد عذب ومن خمر يبعث فيهم الطرب والخيال، ولذلك أكثر الشعراء في الجاهلية والاسلام من ذكر الأديرة في شعرهم. حتى الشعراء النصارى مثل "عدي بن زيد العبادي"، يترنم في شعره بذكر الدير، لأنه نادم فيه "بني علقما"، وعاطاهم الخمر ممزوجة بماء السماء.

ولفطة "الدير" هي مثل أكثر الألفاظ النصرانية من الألفاظ المعربة. عربت من أصل سرياني، هو "دير" Dayr ""، بمعنى دار، أي بيت الراهب. ومسكنه، ولا سيما المحصن، ثم خصوا بها مسكن الرهبان. وقد عرف علماء العربية أن الدير هو مسكن النصارى، يتعبد فيه الرهبان ويسكنون به، وقد ذكر "ياقوت الحموي" أن الدير بيت يتعبد فيه الرهبان، ولا يكاد يكون في المصر الأعظم، وإنما يكون في الصحاري ورؤوس الجبال، فإن كان في المصر الأعظم فإنه كنيسة أو بيعة غير أن الأديرة تكون في كل مكان، تكون في القرى وتكون في المدن كما تكون في البوادي وفي رؤوس الجبالْ.

و "الديراني"، صاحب الدير، وقد ذكر بعض العلماء أن الديراني صاحب الدير الذي يسكنه ويعمره. نسب على غير قياس. ويقال للرجل اذا رأس أصحابه هو رأس الدير.

ولا تقتصر الأديرة على الرجال، فللراهبات أديرة أيضاً. ويقضي أصحاب الأديرة وقتهم في الزهد والتقشف والعبادة. والقيام بالأعمال اليدوية التي يوكلها رئيس الدير اليهم. وقد عرف الراهب المعتكف بالدير ب "الديراني" و"الديرانية"، هي الراهبة. وقد عرفت أديرة الراهبات ب "أديرة ألعذارى" كذلك.

واذ كان لهذه الأديرة حرمة في نفوسهم، فقد كانوا يعقدون فيها عقودهم ويحلفون بها على نحو ما كان يفعله الوثنيون في.معابدهم حيث كانوا يقسمون الايمان ويتعاقدون أمام الأوثان، فكان للنصارى في الحرة دير السوا، وفي هذا الدير كانوا يتناصفون ويحلفون بعضهم لبعض على الحقوق.

وفي الارامية لفظة هي "عمرو" Oumro، و قد صارت "العمر" في العربية. ويراد بها البيعة والكنيسة والدير ودار. وقد وردت في شعر "المتلمس"، حيث جاء: أ لك السد يرُ وبارق ومبايض ولك الخورنق

والعمر ذو الأحساء واللذات من صاع وديسق

وعرفت العربية لفظة "الكرح"،. و "الأكيراح"،وقد عرفها علماء العربية بقولهم: "الأكيراح: بيوت ومواضع تخرج اليها النصارى في بعض أعيادهم". واللفظة من أصل سرياني هو "كرحو" "Kourho "، بمعنى كوخ، ومسكن حبيس، وبيت ناسك وراهبْ. وذكر ياقوت الحموي: ان " الأكيراح بيوت صغار تسكنها الرهبان الذين لا قلالي لهم". هناك دير اسمه "الأكيراح"،ورد في شعر لأبي نؤاس، ويقع بظاهر الكوفة كثير البساتين والرياحين، وبالقرب منه ديران، يقال لأحدهما دير عبد، وللآخر دير هند.

والمحراب من الألفاظ التي استعملها النصارى في أمور دينهم كذلك،إذ أطلقوها على صدر كنائسهم. وقد استعملت في الإسلام أيضاً،حيث يشير إلى القبلة، ويؤم الإمام فيه المصلّين. وقد ذكر بعض علماء اللغة، ان محاريب بني اسرائيل مساجدهم التي كانوا يصلون فيها. وقد وردت لفظة المحراب في أشعار بعض الجاهليين. كما وردت في القرآن الكريم، وفي الشعر الجاهلي. وذكر علماء التفسير أن المحراب كل موضع مرتفع. وقيل الذي يصلي فيه: محراب، وذكروا أن المحاريب دون القصور، وأشرف بيوت الدار. قال عدي ابن زيد العبادي: كدمى العاج في الـمـحـاريب أو  كالبيض في الروض زهره مستنير

وذكر علماء العربية لفظة "التامور" "التأمور"، في جملة الألفاظ المتعلقة بالرهبان والرهبنة. وقد عرفها بعضهم بأنها صومعة الراهب وناموسه.

وذكر أن "القوس"، بمعنى الدير والصومعة أو موضع الراهب. أو معبد الراهب. وذكر أن أصل الكلمة من الفارسية.

وذكر أن "الغربال"، هو مكان أيضاً من أمكنة الرهبان، وأنه كهيئة الصومعة في هندسة بنائه وارتفاعه. وأنه كل بناء مرتفع. ويظهر أنها من الألفاظ المعربة.

والاسطوانة، وهي السارية من الألفاظ النصرانية التي وقف عليها الجاهليون. وقد اتخذها العرب بمعنى العمود الذي كان يتعبد فوقه بعض الرهبان المعروفين بالعموديين Stylites. وقد أشير إلى "اسطوان" في شعر نسبوه إلى "ذي الجدن". وفسرت لفظة "الاسطوان"، و "الاسطوانة"، بأنها موضع الراهب المرتفع.

و "المنهمة" مسكن النّهام،والنهامي،هو الراهب. وأما المنهمة فموضع الراهب.

ووردت في شعر للأعشى لفظة "الهيكل". إذ قال: وما أيبلى على هيكـل  بناه وصلب فيه وصارا

ويذكر علماء اللغة، ان الهيكل: بيت النصارى فيه صورة مريم وعيسى، وربما سميّ به.ديرهم. وان الهيكل:العظيم واستعمل للبناء العظيم، ولكل كبير، ومنه سمي بيت النصارى الهيكل. واللفظة من الألفاظ المعربة، وهي ترد في العبرانية "هيكل" وفي الآرامية "هيكلو". وتعني في اللغتين المعبد الكبير ومعبد الوثنيين.

وقد كان الرهبان وبقبة رجال الدين وكذلك الأديرة والكنائس يستعملون المصابيح. والقناديل للاستضاءة بهما. ويعبر عن المصباح بالسراج كذلكْ. وقد تركت مصابيحهم وقناديلهم أثراً ملحوظاً في مخيلة الشعراء فأشير اليها في شعر "مزرد بن ضرار الذبياني" حيث قيل انه قال: كأن شعاع الشمس في حجراتها  مصابيح رهبان زهتها القنادل

وذكر علماء اللغة ان الزيت الذي له دخان صالح ويوقد في الكنائس،، هو "1لسليط".

ولفظة: قنديل من الألفاظ ألمعربة، أصلها يوناني هو Candela. وقد دخلت إلى العربية قبل الإسلام، عن طريق الاتصال التجاري بين جزيرة العرب ببلاد الشام.

وكان النصارى العرب يتقربون إلى رجال دينهم ويتبركون بهم ويحترمونهم حتى قيل إن الصبيان منهم كانوا إذا رأوا الراهب ينزل ليذهب إلى بيت المقدس أو غيره خرجوا له فتمسحوا به ولثموا ثيابه، حتى يمزقوا ثيابه. والى ذلك أشير كما يقول أهل الأخبار في شعر امرىء القيس: فأدركنه يأخذن بالساق والنـسـا  كما شبرق الولدان ثوب المقدس

ولبس رجال.الدين ملابس خاصة لتميزهم عن غيرهم، غلب عليها السواد. وقد اختصت لفظة "المسح" و "المسوح" بالملابس التي كان بلبسها الزهّاد و الرهبان.

ومن أهم العلامات الفارقة التي ميزت معابد النصارى عن معابد اليهود والوثنيين: "الناقوس"، الذي ينصب فوق سطوح الكنائس وفي منائرها، للاعلان عن أوقات العبادات ولأداء الفروض الدينية، وهو عند الجاهليين خشبة طويلة يقرع عليها بخشبة أخرى قصيرة يطلقون عليها لفظة "الوبيلة" و "الوبيل". وهو في مقابل البوق عند يهود يثرب، أذا أرادوا الاعلان عن موعد العبادة. وقد عرف هذا البوق بين عرب يثرب ب "القنع" أيضاً، وب "الشبور". وقد ذكر علماء اللغة ان الشبور "شيء يتعاطاه النصارى بعضهم لبعض كالقربان يتقربون به. وقال بعضهم: هو القربان بعينه " وذكروا ان الشبور شيء ينفح فيه، فهو البوق عند اليهود، وهو معرّب وأصله عبراني.

وقد وردت كلمة "الناقوس" في الشعر الجاهلي. وردت في بيت للشاعر المتلمسْ، وفي شعر للمرقش الأكبر، وللاعشى، وللاسود بن يعفر. وقد أشير في هذه الأبيات إلى قرع النواقيس بعد الهدوء إيذاناً بدنو الفجر وحلول وقت الصلاة.

وقد كانت هذه النواقيس في القرى وفي الأديرة، يقرعها الرهبان والراهبات و القسيسون. وقد أدخل بعض علماء اللغة هذه الكلمة في جملة الألفاظ المعربة التي دخلت العربية من أصول أعجميةْ. واللفظة من أصل "سرياني" هو "ناقوشا"،

اعياد النصارى

وقد ذكر أهل الأخبار أسماء أعياد نصرانية ترجع أصول تسميتها في الأكثر إلى لغة بني إرم، و يظهر أن أولئك الأخباريين تعرفوا عليها في الإسلام باختلاطهم وباتصالهم بالنصارى، إذ لم يشيروا إلى ورود أكثرها في الشعر الجاهلي، ومن عادتهم أنهم إذا عرفوا شيئاً كان معروفاً عند الجاهليين جاءوا ببيت أو أبيات يستشهدون بها على ورودها عند الجاهليين.

ومن الأعياد التي ورد فيها شاهد في الشعر الجاهلي، "السباسب"، وهو "يوم السعانين" و "الشعانين". وقد وردت كلمة السباسب في بيت للنابغة قاله في عيد السعانين عند بني غساّن، هو: رقاق النعال طيب حجزاتهـم  يحيون بالريحان يوم السباسب

و."السعانين" و "الشعانين" من أصل عبراني "هو شعنا". وقد وردت هذه الكلمة في صحيفة صلح "عمر" مع نصارى الشام، وردت معها لفظة أخرى من الألفاظ النصرانية كذلك هي "الباعوث"، و هي رتبة تقام في اليوم الثاني من عيدَ الفصح، وصلاة لثاني عيد الفصح في بعض الطوائف. وقد ذكرها علماء اللغة في جملة الألفاظ المعربة، والإرمية الأصل، وجعلها بعضهم "الباعوث". وذكروا انها "استسقاء النصارى"، وان "عمر" لما صالح نصارى الشام، كتبوا له ان لا نحدث كنيسة ولا قلية ولا نخرج سعانين ولا باعوثا.

و "خميس الفصح" من أعياد النصارى كذلك. وهو بعد السعانين بثلاثة أيام، وكانوا يتقربون فيه بالذهاب إلى الكنائس والبيع..

وقد أشير إلى عيد "الفصح" في بيت للاعشى يمدح فيه "هوذة بن علي" لتوسطه لدىَ الفرس بالافراج عن مئة أسير من أسرى بني تميم هم الفرس بقتلهم، وذلك لمناسبة يوم الفصح. وقد كان نصارى الجاهلية يحتفلون به، فيوقدون المشاعل، ويعمرون القناديل، و يضيئون الكنائس بالمسارج ويقصدونها للاحتفال بها، حتى قيل للقنديل الذي يعمر لهذا اليوم "قنديل الفصح".

وقيل لاجتماع النصارى واحتفالهم "الهنزمن"، و ذكر أن هذه اللفظة من أصل فارسي هو "هنجمن" أو "أنجمن"، ومنها دخلت إلى السريانية فأطلقت على اجتماع النصارى واحتفالهم وتعييدهم.

وقد أشار امرؤ القيس في بعض شعره إلى عيد النصارى، ولبس الرهبان فيه ملابس طويلة ذات أذيال.

وكانت الكنائس والأديرة والأضرحة والمقابر الأماكن التي يقصدها النصارى في أعيادهم. فتكون موضع تجمع ولقاء. كانوا يقصدونها للتقرب إلى الرب وللصلوات له. وللتوسل اليه بان يمن عليهم ويبارك فيهم. وكانوا يقصدون المقابر اظهاراً لشعورهم بأن موتاهم وان فارقوهم وليتعبدوا عنهم، غير انهم لا زالوا في قلوبهم. وأيام الأعياد من أعز الأيام على الإنسان،. لذلك فهي أجدر الأيام بأن تخصص لزيارة بيوت الأرباب وبيوت الموتى: القبور.

الفصل الثاني والثمانون

اثر النصرانية في الجاهليين

وإذا لَنا قد حُرمنا من الموارد الأصلية الني يجب أن نستعين بها في معرفة أثر النصرانية عند نصارى الجاهلية والجاهليين، فإن في الشعر المنسوب إلى بعض نصارى الجاهلية مثل عدي بن زيد العبادي والى بعض الشعراء ممن كان لهم اتصال بالنصارى مثل الأعشى، فائدة في تكوين صورة يتوقف صفاؤها ووضوحها وقربها أو بعدها من الواقع والحق على مقدار قرب ذلك الشاعر من الصدق والصواب والواقع والافتعال.

وعدي بن زيد هو أشهر من وصل الينا خبره من شعراء النصارى الجاهليين. هو من العباديين، أي من نصارى الحيرة، ونلك عرف بالعبادي وكان من أسرة اكتسبت نفوذاً واسعاً ونالت حظاً كبيراً عند الفرس وعند ملوك الحرة، فكان لها أثر خطير في سياسة عرب العراق في ذلك الزمن. ولما كانت السياسة ارتفاعاً وهبوطاً، سعادة وشقاء، لاقى عدي منها الاثنين: ارتفع حتى بلغ أعلى المنازل، ثم انخفض حتى تلقاه قابض الأرواح وهو في سجنه فقضى عليه بعد أن ترك أثراً خطيراً في سياسة الحيرة وفي تقرير مصير الملك فيها. وعدي، على ما يذكر أهل الأخبار، من أهل اليمامة في الأصل: هاجر أحد أجداده من اليمامة إلى الحيرة بسبب دم اهرقه هناك، فخاف على نفسه من الثأر، ولم يجد محلاٌ أصلح له وآمن مقاماً من الحيرة، لوجود".أوس بن قلام" أحد رؤساء بني الحارث بن الكعب فيها وهو من اصخاب الجاه والنفوذ وبينه وبين اوس نسب من النساء، وهو نسب يضمن له الحماية والعيش بسلام، فجاء إلى الحيرة وأقام بها حيث أكرمه أوس وقربه إلى آل لخم، واكتسب منزلة عالية عند ملوك الحيرة، انتقلت من بعده إلى أبنائه الذين كوّنوا لهم صلات وثيقة مع آل لخم ومع ملوك الفرس، بما كان لهم من علم وذكاء ومن سياسة. ويذكر الأخباريون أن جدّ عدي قد تعلم الكتابة في الحيرة، فصار من أكتب الناس فيها، وأنه لذلك انتخب كاتباً لملك الحيرة، واتصل بحكم وظيفته المهمة هذه بدهاقين الفرس، وأنه لما توفي أوصى بابنه زيد والد عدي إلى واحد منهم يعرف ب "فروخ ماهان" فأخذه هذا إلى بيته، ورباه مع ولده. فتعلم عندهم الفارسية، وحذقها وكتب بها وبرز، وكان قد، حذق الكتابة بالعربية كذلك، فأوصله الدهقان الى كسرى، "لعلمه هذا باللغتين ولذكائه، فعينه في وظيفة مهمة لم يكن الفرس يعينون لها أحداً من غيرهم هي وظيفة البريد. وقد مكث في هذه الوظيفة زماناً جعلته يكتسب منزلة محترمة عند عرب الحيرة والفرس.

وعني زيد بتربية ولده عدياً: أرسله إلى الكتاب ليتعلم به العربية. فلما برع فيها، أرسله الى كتاب الفارسيه حيث تعلم مع أبناء المرازبة فنون القول والكتابة، ثم تعلم الرماية ولعب الفرس حتى صار من المبرزين فيها. وقد قربه علمه وعقله من آل لخم ومن الفرس، حتى وصل الى مناصب عالية جعلت لقوله أهمية كبيرة حتى في "تثبيت ملك ملوك الحيرة.

وقد أرسله "هرمز بن أنو شروان" في سفارة مهمة إلى القيصر "طيباريوس" فأدّاها على خير وجه. وعاد فأقام أمداً بالشام، ووقف على ما كان فيها من علم،ومعالم. وقد زادت هذه الأسفار بالطبع في سعة أفقه وفي ثقافته. ثم عاد إلى الحيرة، فوجد والده قد توفيَ بعد ان صار المهيمن الحقيقي على البلاد. وزار كسرى ليقدم اليه هدايا قيصر. وارتفع نجمه في البلاطين. وتزوج هنداً بنت الملك النعمان. غير ان تقدمه هذا أوجد له خصومة شديدة من منافسيه "بني مرينا" وهم نصارى مثله ومن أهل الجاه والحسب، فأغرى خصمه ومنافسه العنيد "عدي بن مرينا" قلب النعمان عليه. وكان عدي بن زيد صاحب الفضل في حصول النعمان على التاج وظل ابن مرينا يعمل في الخفاء للقضاء على عدي حتى تمكن من ذلك، إذ سجنه النعمان، ثم أمر فاغتيل وهو في السجن.

و ذكر ان "كسرى" جعله كاتباً على ما يجتبى من الغور، وكان هو سبب ملك النعمان بن المنذر.

والذي يهمنا في هذا الموضع من أمر عدي هو مدى وقوف عدي على النصرانية ومبلغ تسربها في نفسه وفي نفوس أهل الحيرة. أما النواحي الأخرى من حياته، فليس لها محل في هذا المكان. وشعر عدي و اضرابه من العباد بين هو سندنا الوحيد الذي نستخرج منه رأينا في النصرانية عند عدي وعند اخوانه العباديين.

والشعر المنسوب إلى عدي أقرب إلى نفوسنا وأسهل علينا فهماً من الشعر المنسوب إلى بقية الجاهليين، معانيه وألفاظه حضرية متحررة من الأساليب البدوية التي يميل إلى استعمال الجزل من الكلمات، وهو يخالف مذاهب أولئك الشعراء في كثير من الأمور. ولهذا " كانت الرواة لا تروي شعر أبيُ دؤاد ولا عدي بن زيد لمخالفتهما مذاهب الشعراء"، و "لأن ألفاظه ليست بنجدية". وقد ورد في شعره بعض المعربات مما يدل على أثر الفارسية والإرمية فيهْ. وكثير من شعره هو في الزهد، وفي التذمر من هذه الدنيا التي لا تدوم حالها على حال، وفي تذكير الأحياء بنهاية الأموات بالرغم مما أقاموه وشيّدوه من أبنية ضخمة وقصور شاهقة. وهذا الشعر يتناسب مع ما يذكره أهل الأخبار عن حياة هذا الشاعر،وتألق نجمه وبلوغه أعلى المراتب ثم سقوطه فجأة ودخوله السجن واغتياله فيه.

وفي شعره قصائد في القيان وفي الخمر تتحدث عن الحياة التي قضاها قائلها، وهي حياة لذيذة ولكنها لا تدوم بالطبع إلى الأبد، ولا بد لها ان تزول ثم تنتهي بما يوجب الأسف عليها والألم والتوجع من فنائها ومن ذهاب تلك الأيام.

أما صميم الديانة والآراء النصرانية الخاصة.، وهي ضالتنا في هذا الفصل وهدفنا الذي نقصده، فلا تجد منها في شعره الموثوق بصحته شيئاً كثيراً. ونحن لا نستطيع بالطبع ان نلوم عديّاً على ذلك، فعدي كما نعلم رجل شعر وسياسة،وليس برجل دين ولا كهانة فيتعمق في شعره بإيراد تواريخ الأنبياء والأوامر والنواهي الإلهية الواردة في التوراة والانجيل. ولم يذكر أحد من الاخباريين عنه انه كان كاهناً أو قسيساً فنأمل منه التطرق في شعره إلى موضوعات اللاهوت والكهنوت. فما نجده في شعره عن النصرانية هو من حاصل المناسبات والظروف، وليس من حاصل بحث متعمد قصد به البحث في الدين من أجل الدين.

ولو كان عديّ قد تعرض للنصرانية عنده وبين قومه لأفادنا ولا شك كثيراً. وما زلنا في الواقع فقراء في ناحية علمنا بمبلغ فهم أهل الحيرة وغير أهل الحيرة من نصارى العرب في الجاهلية لأحكام النصرانية وقواعدها، ومقدار رسوخها في نفوس أولئك النصارى ولا سيما الأعراب منهم. ولكن عذره كما قلت بينَ واضح، وليس لنا أن نلومه. وما جاء به عن النصرانية في شعره على كل حال مفيد، أفادنا ولا شك. فلنكن قنوعين غير طامعين، مكتفين مما أورده عدي عنها في شعره، ولننظر إلى المستقبل، فهو أملنا الوحيد، فنجده يكشف عن مصادر كتابية مطمورة، يبعثها من قبورها المغمورة بالأتربة المتراكمة، وعندئذ تكون أمام المؤرخ ثروة تغنيه،يستطيع أن يظهرها العشاق للمولعين بمعرفة أحوال الماضين. وقد ورد في قصيدة قيل انه نظمها في معاتبة النعمان على حبسه بيت فيه قسم برب مكة والصليب: سعى الأعداء لا يألون شراً  عليك ورب مكة والصليب

وهذا البيت يدعو إلى التأمل والتفكير، فرجل نصراني يؤمن بعيسى وبالصليب،لا يمكن أن يقسم برب مكة. فمكة كما نعلم مجمع الأصنام والأوثان وكعبة الوثنية في الجاهلية، فكيف يقسم بربها رجل نصراني يرى الأوثان والوثنية رجساً من عمل الشيطان وكفراً. بل لو فرضنا اًنه أقسم بمكة وبرب مكة على سبيل مجاراة العرب الوثنين وتقرباً إلى الملك النعمان، فليس لدينا دليل مقنع يفيد أن وثنيي الحيرة كانوا يؤمنون برب مكة. ولم يذكر أحد من أهل الأخبار ان أصنام أولئك الوثنيين كانت بمكة، وأن أهل الحيرة كانوا يزورون مكة ويحجون الى "رب البيت" في جملة من كان يحج اليه من العرب. ولم يرد في روايات أهل الأخبار ان الملك "النعمان" كان وثنياً مؤمناً بقدسية مكة وأنه حج اليها حتى نذهب إلى الفرض بأن عدياً، إنما أقسم بمكة، مجاراة لهذا الملك، بل الوارد فيها أنه كان على دين النصرانية، وانه كان مؤمناً بهذا الدين، يزور الأديرة ويحضر الصلوات ورجل على هذا النحو من التدين لا يمكن بالطبع أن يحفل يقسم ببيت من بيوت الأصنام. ثم أن مصطلح "رب مكة"، هو مصطلح اسلامي، أخذ من عقيدة التوحيد في الإسلام، فقيل: "رب البيت" و "رب هذا البيت".

لقد اتخذ الأب "شيخو" هذا البيت دليلاً على انتشار النصرانية في مكة وعلى تنصر أحياء منها، وعلى ان النصرانية قديمة فيها، بل يكاد يفهم من قوله ان البيت هو في الأصل كنيسة بنيت بعد المسيح بعهد قليل: بناها النصارى الذين جاءوا إلى هذه المدينة وسكنوها، وان صور الأنبياء وصورة عيسى وأمه مريم التي ذكر الاخباريون انها كانت مرسومة على جدار الكعبة والتي أمر الرسول بطمسها ومحو معالمها هي دليل على أثر النصرانية في مكة، ولهذا كان النصارى لجاهليون يحجون اليها ويقدسونها، ولهذا السبب أقسم عدي بها، وأقسم الأعشى بها كذلك حيث قال: حلفت بثوبي راهب الدير والتـي  بناها قصيٌ والمضاض بن جرهم

وذكر ان من شعر "عدي" هذا البيت: كلا يميناً بذات الودع لو حدثت  فيكم وقابل قبر الماجد الزارا

وقد اختلف العلماء في مراده ب"ذات الودع"، فذهب بعض منهم إلى ان "ذات الودع" الأوثان، أو وثن بعينه، وقيل سفينة نوح، وكان يحلف بها، وكانت العرب تقسم بها، وتقول: بذات الودع. وقبل الكعبة، لأنه كان يعلق الودع في ستورها.

ولم يرد في شعر عدي شيء ما يتحدث عن عقيدة التثليث، أي الايمان بالثالوث. وكل ما ورد فيه هو الاشارة إلى عقيدة بوجود رب واحد هو "الله". وهو رب مستجيب مسبّح خلاق. وهذا الرأي اسلامي كما هو معلوم، وقريب من عقيدة الحنفاء.

ووردت في بيت شعر وجهه إلى النعمان كلمة "أبيل"، وأبيل اسم للمسيح، ويطلق على حبر النصارى أيضاً،ومعناها الناسك والزاهد. وهي من أصل سريانى، من فعل "ابل" بمعنى ناح وبكى على خطاياه،ولذلك قصد بها الناسك والراهب. وقد دعا الأعشى ضارب الناقوس: الأبيل.

ونسب لعدي هذا البيت: وأهبط الله إبليسـاً واوعـده  ناراً تلهب بالأسعار والشرر

ولم ترد كلمة "ابليس" في شعر منسوب لشاعر جاهلي آخر، إنما وردت كلمة "شيطان" في شعر منسوب إلى أميّة بن أبي الصلت.

ونسب إلى عدي هذا البيت: ناشدتنا بكتاب اللّه حرمتنا  ولم تكن بكتاب الله تقتنع

ويظهر من دراسة الشعر المنسوب لعديّ أنه كان على مذهب القائلين بالقضاء والقدر. فكل كائن خاضع لحكم القدر، يفعل به ما يشاء، ليس في إمكانه ردّ شيء مقدر كائن عليه. وقد رسخت هذه العقيدة في نفس عدي ولا شك بعد أن زجّ به في السجن، وأصبح وحيداً لا يدري ما الذي سيصنع به. وهي عقيدة يسلم بها أكثر من يقع في مثل هذه الظروف، لأنها تفرج عن النفس، وتخفف بعض التخفيبف عما ينتاب المرء وهو في هذه الحالة من هموم وأحزان. والإيمان بالقدر وبأن الإنسان مسير مجبر،عقبدة لها صلة كبيرة بالظروف الاجتماعية وبالأحوال التي تحيط بالانسان، وهي لبست من الآراء الدينية الخالصة.

ونسبت لعدي أبيات فيها حكايات من العهد العتيق، مثل هذه الأبيات وهي في مبدأ الخلق: اسمع حديثاً لكي يومهاً تجاوبـه  عن ظهر غيب إذا ما سائل سألا

أن كيف أبدى إ له الخلق نعمتـه  فينا وعـرفـنـا آياتـه الأولا

كانت رياحاً وماءً ذاُ عـراثـيه  وظلمة لم يدع فتقا ولا خـلـلا

فأمر الظلمة السوداء فانكشفـت  وعزّل الماء عما كان قد شغلا

وبسط الأرض بسطاً ثم قدرهـا  نحت السماء سواء مثل ما فعلا

وجعل الشمس مصراً لاخفاء بـه  بين النهار وبين الليل قد فـصـلا

قضـى لـسـتة ايام خـلائقــه  وكان آخر شيء صوّر الرجـلا

دعاه آدم صوتاً فاسـتـجـاب لـه  بنفخة الروح في الجسم الذي جبلا

وطابع هذا النظم وأسلوبه يفصحان انه نظم من النوع التعليمي الديني،لا أدرى أكان شاعرنا يعترف به وينسب إلى نفسه ? أما أنا، فلا أرى انه لشاعر عربي عاش قبل الإسلام.

ونجد فىِ شعر "عدي" نزعة من نزعات التصوف والتأمل، جاءت اليه من الأوضاع التي أحاطت به، من وشايات، ومن غضب الملك عليه ومن سجن، بعد ان كان السيد المهيمن. حتى صار الدهر عنده حالاً بعد حال. لا يدوم صفاؤه لأحد، فلا يركن أحد اليه،.ولا يغتر إن وجد نفسه في أعلى عليين، فقد يسقط غداً إلى أسفل سافلين.

وهناك شاعر آخر اسمه "الملمس بن عبد المسيح" يدل اسم أبيه على أنه كان نصرانياً، غير أن هناك رواية أخرى تذكر ان اسم والده "عبد العزُى". وعبد للعزُى من أسماء الوثنين كما هو معروف. تم اننا لا نجد في شعره ما يشير إلى آراء وعقائد نصرانية يمكن أن يستنبط منها أنه كان نصرانياً. ورجل يحلف في شعره باللات والأنصاب لا يعقل أن يكون نصرانياً.

أما الأعشى، فهو شاعر عاش في الجاهلية، وأدرك أيام الرسول. ومدحه بقصيدة جميلة مشهورة، جعلت أبا سفيان يحرض قومه على ارضائه خوفاً من ان يسلم و.من أن ينظم شعراً آخر في مدح الرسول وفي ذم قريش، فجعل له مائة من الإبل جمعها من قومه على أن يرجع ويؤجل أمر إسلامه عاماً. فرجع إلى بلدته "منفوحة" باليمامة، وكان قد ولد بها، فمات بها بعد حين وعرف قبره بين الناس أمداً.

وكان الأعشى كما يروي أهل الأخبار جوابا في الآفاق، عرف الحيرة ونادم ملوكها، وزار النجاشي في أرضه، وتجول في أرض النبيط وأرض العجم. وتنقل في أرجاء اليمن وفي حضرموت وعمان وبلاد العراق وبلاد الشام ومتع نظره بالآثار القديمة واتخذها عبرة للمعتبرين. وقد وسعت هذه الأسفار آفاق نظره وعرفته على شعوب متعددة وعلى آراء ومعتقدات متنوعة. ومنها هذه النصرانية التي نبحث فيها.

وقد حمله اختلاطه بالنصارى العرب على الاشارة إلى بعض طقوسهم وأحوال عباداتهم في شعره. وإلى ان يشير إلى قصص معروف بين أهل الكتاب، وارد بينهم، فذكره في شعره. فتراه يتحدث عن حمامة نوح وعن أخبار سليمان وعن جنّ سليمان وعن المباني القديمة العادية المنسوبة اليه، كما تراه يشير إلى عادة النصارى في الطواف حول الصليب أو تمثال المسيح. ثم تراه يشير إلى الصليب نصبه الراهب في الهيكل بعد ان زينه بالصور.

وفي الشعر المنسوب اليه إقرار بإلَه واحد كريم، ونهي عن عبادة الأوثان ومن التقرب منها ه،وفيه ان الرب يكفي الإنسان ويرعاه ويساعده في حله وفي ترحاله، وان الإنسان عبده. وان الفناء واقع على كل امرىء،. وليس أحد في هذه الدنيا بخالد، ولو كان الخلود لأحد لكان لسليمان. وفيه حديث عن البعث والحساب يوم الدين.

ونجد في شعره معرفة بنوح وبسفينته، أشار إلى نوح في مدحه إباسا حب ث خاطبه بقوله: جزى الإله إياساً خير نعمـتـه  كما جزى المرء نوحا بعدما شابا

في فلكه اذ تبداها ليصنـعـهـا  وظل يجمع الواحـا و ابـوابـا

فهل أخذ الأعشى رأيه هذا عن نوح من أهل الجزيرة ? وهل كان في ذلك قاصداْ متحدثاً مخاطباً رجلاً نصرانياً يعرف الحكاية والموضوع ? أو كان متحدثاً عن نوح حديث من يدين به ويعتقد، فهو رأيه ودينه. الواقع أن البت في ذلك أمر لا أراه ممكناً ما لم تتجمع لنا موارد تأريخية كثيرة، ليتمكن المرء من استنتاج رأي واضح في أمثال هذه الموضوعات المعقدة، التي لم تدرس مظانها المدوّنة، ولم تنتقد حتى الان.

وقد ذهب "كاسكل" "Caskel" إلى ان "الأعشى" كان نصرانيا. وذهب الأب "شيخو" هذا المذهب أيضاً، وجوّ ز "بروكلمن" تنصره، لكن ذهب إلى انه لم يكن متعمقا في النصرانية. وقد استدل "كاسكل" على نصرانيته من بيتين في ديوانه، ومن بيت آخر ورد في قصيدة أخرى، لا يمكن في الواقع ان يكون دليلا على نصرانية قائله.

وذكر انه كان قدرياً، روى روايته "يحيى بن متى" وهو من عباد الحيرة، انه أخذ مذهبه هذا في القدر من العبادبين نصارى الحيرة، كان يأتيهم يشتري منهم الخمر، فلقنوه ذلك. وقد استشهدوا على قوله هذا في للقدر بهذا البيت: استأثر الله.بالوفاء وبالعد  ل وولى الملامة الرجلا

وقد راجعت شعر "الأعشى"، فلم أتمكن من استنباط رأي منه يدل على مقدار علمه بالنصرانية وعلى مدى تعمقه أو تعمق غيره من النصارى بدينهم. فما ذكره مما له علاقة بالنصرانية، هو شيء عام، يأتي بخاطر كل شاعر ذكي جوّ اب في الآفاق، له احتكاك واتصال بالنصارى أو بغيرهم، وهو لا يصلح ان يكون دليلاً على عقيدة ودين وفهم لذلك الدين.

وفي شعر "الجعدي" كلام عن سفينة نوح، ذكر أنه قال: يَرْ فعُ، بالقار والحديد من ال  جوز، طوالاً جذوعها،ُ عمما

والنابغة الجعدي، مخضرم، يقال إنه كان مثل الحنفاء، أنكر الخمر والميسر، وهجر الأزلام والأوثان. وكان ممن فكر في الجاهلية، وأنكر الخمر والسكر، وهجر الأزلام واجتنب الأوثان، وذكر دين ابراهيم. وقد لقي الرسول، وأسلم وأنشده من شعره. وذكر أنه هو القائل القصيدة التي فيها: الحمد للهِ ربي لا شريك له  من لم يقلها فنفسه ظلمـا

على نحو شعر أمية بن أبي الصلت، وقد قيل إنها لأمية، لكن صححها حماد الراوية.

ونجد في شعراء آخرين من غيرمن ذكرت ألفاظا وكلمات كانت معروفة عند النصارى وإشارات إلى عباداتهم وعاداتهم، وردت.في شعر "النابغة الذبياني" ولبيد، وامريء القيس، و أوس بن حجر وآخرين غيرهم ممن طافوا في الارضين وارتحلوا فوقفوا على بعض أحوال النصارى فأشاروا اليها في شعرهم.

ونجد في شعر "الأفوه الأودي" وهو صلاءة بن عمرو، تسجيلاً لأبناء نوح. سجلهم مع من سجل أسماءهم من ملوك التبابعة ممن دانت لهم الأنام، فنجده يقول: ولما يعصها سام وحـام  ويافث حيثما حلت ولام

ولا أدري إذا كان هذا ا!بيت من نظم شاعر جاهلي، هو الأودي، أو من نظم شخص آخر نظمه على لسانه في الإسلام. ولكني لا أستبعد بالطبع أن يكون خبر أولاد نوح الثلاثة. وهم: سام ويافث وحام، قد عرف عند العرب النصارى وعند من كان على احتكاك واتصال بهم.

ونجد في بيت شعر ينسب لأفنون التغلبي ذكراً لولد آدم. وورود آدم في هذا البيت، إن صح انه من شعر ذلك الشاعر الجاهلي، دليل على وقوف هذا الشاعر على قصة آدم وانحدار البشر من نسله. ولا يستبعد ان يكون اذن قد وقف عليها باختلاطه ببني قومه تغلب، وقد كان قسم كبير منهم قد دخلوا في النصرانية. ولا يستبعد أيضاً ان يكون بعض الوثنيين قد وقفوا أيضاً على قصة الخلق كما وردت في الديانتين من اختلاطهم بأهل الكتاب واتصال بهم.

وقد وردت، في بيت اخر من قصيدة يقال انه قالها في رثاء نفسه، لفظة "الله" في شكل يفهم منه انه كان يدين بالتوحيد، وان الآجال كلها بيد الله، وأشار في بيت أخر إلى عاد وإرم ولقْمان وجدن.

وأشير في أشعار بعض الجاهلين الى تعبد النصارى وصلواتهم سجداً وقياماَ، وهؤلاء الذين أشير اليهم من الرهبان والناسكين الذين كانوا قد اعتكفوا في الِصوامع وفي البيع والأديرة النائية يعبدون الله، ويدعون إلى الرب تقرباً وخشية، ومنهم من ترك السجود أثراً في جباههم. وقد اطلقوا على صلواتهم هذه اسم "الصلاة". وهي من الألفاظ التي أخذها أولئك النصارى من "بني إرم". وعرفت المواضع التي كانوا يسجدون فيها بالمساجد، والمسجد هو الموضع الذي يتعبد فيه.

وقد كان الركوع من العادات المعروفة عند الأحناف والنصارى، و "كانت العرب في الجاهلية تسمى الحنيف راكعاً إذا لم يعبد الأوثان، ويقولون: ركع إلى الله". وأما إحناء الرؤوس، فكان للتعظيم، ولذلك حنوا رؤوسهم في الكنائس ولرؤسائهم على سبيل الاحترام و التعظيم. وقد كانوا يبجلون رؤوسهم وسادتهم كثيراً، ولذلك نزل الوحي بتأنيبهم وتقريعهم، إذ جعلهم هذا الاحترام في مصاف الآلهة والأرباب.

وتلحق بالصلاة التسابيح، أي ذكر الله وتقديس اسمه، وقد كان من عادة الرهبان التسبيح بعد الصلاة، ولا سيما في الضحى و العشي.

وقد كان رجال الدين، ولا سيما الرهبان منهم، يقومون بالفروض الدينية فرادى وجماعة، فيرتلون المزامير والأدعية بنغمات وألحان شجية. وقد عرف ترتيل القسيسين "الهينم"،وذلك في حالة النغم بخفوت الصوت. وإذا طرب القس في صوته خفياً قيل لذلك "الزمزمة".أما إذا تغنى، فيقال لذلك الشمعلة. وقد قيل للمتغنين في تلادة الزبور "المتشمعل". وورد: "شمعلة اليهود:. قراءتهم، إذا اجتمعوا في فهرهم". وأما إذا أطلق صوته بالدعاء فيقال لذلك الجأر. واللحون من الكلمات التي أطلقت على ترتيل أهل الكتاب لكتبهم المقدسة. فقد كانوا يقرؤون التوراة والانجيل في المحافل باللحن. وقد أشير إلى ذلك في بعض الأحاديث. أما إذا ردد الشخص نغمات الانجيل في حلقه، فكانوا يقولون له الترجيع، ومنه قولهم: رجع الانجيل.

و "التصبيغ" من الألفاظ التي كانت تدل على معنى خاص عند النصارى،هو التعميد. وقد عرفه الجاهليون. وذكر علماء اللغة ان الصبغة الدين والملة والشريعة والفطرة والختانة. "اختتن ابراهيم، صلوات الله عليه، فهي الصبغة.

فجرت الصبغة على الختانة. وصبغ الذمي ولده في اليهودية أو النصرانية صبغة قبيحة، أدخله فيها". و " كانت النصارى تغمس أبناءها في،ماء المعمودية ينصرونهم". وقد صالح عمرُ بني تغلبَ بعدما قطعوا الفرات قاصدين اللحاق بأرض الروم، على ألا يصبغوا صبياً ولا يكرهوه على دينهم، وعلى ان عليهم الصدقة مضعفة. وعرفوا "المعمودية" بقولهم: "لفظ معمودية معرب معموذيت بالذال المعجمة، ومعناها الطهارة. وهو ماء أصفر للنصارى يقدس بما يتلى عليه من الانجيل، يغمسون فيه ولدهم معتقدين انه تطهير له كالختان لغيرهم".

وقد كان نصارى الجاهلية يعمدون أولادهم، يأخذونهم أطفالاً إلى الكنائس لتعميدهم على نحو ما يفعل سائر النصارى. وقد قيل له: التغميس والتصبيغ.

والصوم من الأحكام الدينية المعروفة عند اليهود والنصارى، وقد أشير إليه في شعر لأمية بن أبي الصلت وفي بيت ينسب إلى النمر بن تولب. وقد عرف أهل الجاهلية ان اليهود كانوا يصومون، وقد أشير إلى صومهم في عاشوراء في اثناء الكلام على فرض الصوم على المسلمين بصيامهم شهر رمضان، ولابد أن يكون للجاهليين علم بصوم النصارى كذلك، وذلك نتيجة لاتصالهم بهم واختلاطهم معهم.

ومن المصطلحات النصرانية "الحواريون"، وقصد بها رسل المسيح.و قد وردت اللفظة في مواضع من القرآن الكريم. ووردت لفظة "الحواري" في بيت ينسب إلى "ضابىء بن الحارث بن أرطاة البرجمي". وقد رجعَ بعض الباحثين أصل هذه اللفظة إلى لغة بني إرم ورجعها اللغويون إلى أصل عربي هو "حور"، وذهب آخرون إلى أنها من أصل حبشي.

والصليب،. من أهم المصطلحات المعروفة عند النصارى، لاعتقادهم بصلب المسيح عليه، حتى صار رمزاً للنصرانية. وصاروا يعلقونه على أعناقهم تبركا وتيمنا به، وينصبونه فوق منائر كنائسهم وقبابها، ليكون علامة على متعبّد النصارى. وقد أقسموا به. وقد عرف المسلمون تمسك ا!نصارى به، واتخاذهم له شعاراً،، حتى كان بعضهم يرسمه على. جبهته، وكانوا يلثمونه ويتمسحون به تبركا، و.يزينون صدورهم به.

وذكر علماء اللغة "الشبر" على أنه من المصطلحات الشائعة بين النصارى. وهو على حدّ تعريفهم له: "شيء يتعاطاه النصارى بعضهم لبعض كالقربان،يتقربون به، أو القربان بعينه"، وذكروا أيضاً أن "الشبر" الانجيل والعطية والخير. ومن ذلك قول عديّ: لم أخفه والذي أعطى الشبر

ويظهر من كتب الحديث ان أهل الكتاب كانوا يخالفون المشركين في بعض عاداتهم: كالذي ورد عن عبد الله بن عباس من "ان النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يسدل شعره، وكان المشركون يفرقون رؤوسهم، وكان أها الكتاب يسدلون رؤوسهم. وكان النبي، صلى الله عليه وسلم، يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء. ثم فرق النبي صلى الله عليه وسلم رأسه". وكالذي ورد من ان أهل الكتاب كانوا يخالفون الجاهليين في كيفية التحية عند ملاقاة أحدهم الاخر، وان الرسول أقر المصافحة.

وقد أطلقت لفظة "المصاحف" في شعر ينسب إلى امرىء القيس على أسفار النصارى، وهو قوله: "كخطّ زبور في مصاحف رهبان". والكلمة على رأي بعض علماء الساميات والنصرانيات من أصل حبشي، ومفردها "مصحف". وصحف بمعنى كتب. وقد وردت لفظة "صحيفة" في بيت ينسب إلى "لقيط ا لإيادي".

والمجلة من الألفاظ المعروفة بين الجاهلين. وقد اشتهرت في العربية باقرانها باسم "لقمان"، فقبل: "مجلة لقمان". وأطلقت عند العبرانيين على أسفار الكتاب المقدس على سبيل التخصيص أحياناً وعلى باب التعميم في بعض الأحيان. وقد وردت في شعر للنابغة، هو: مجلتهم ذات الإلـهَ ودينـهـم  قويم فما يرجون غير العواقب

وقصد بها كتاب النصارى، فقد مدح به الغساسنة، وهم على دين المسيح.

و قصد بالسفر وبالأسفار الكتاب والكتب من التوراة والإنجيل، وكلمة "سفر" بمعنى كتاب. وكانت النصارى تقرأ كتبها. من الصحف، وتفسر للمستمعين ماجاء فيها من مشكل.

ولفظة "جهنم" من الألفاظ المعروفة عند اليهود والنصارى. وهي تعني الموضع الذي يكون فيه العذاب بعد الحشر، فيخلد فيه أصحاب الآثام والمعصية. واللفظة من أصل عبراني على رأي المستشرقين وعلماء الساميات هو "جحينوم" "جهينوم" "Gehinnom، أي "وادي حينوم"، "Hinnom"،. وهو وادِ يدور حول القدس نحو أربعة كبلومترات، ويعرف اليوم باسم "وادي الربابي"، وقد كان اليهود الوثنيون يقربون في موضع منه يسمى "توفيث" " "Topheth"، الصبيان قرابين للالهَ "ملوخ"، "Moloch"="Molech"، يقدمونها ذبائح محروقة إِكراماً له، ثم صار هذا الموضع محلا ترمى فيه أقذار المدينة وجثث الحيوانات، وتحرق هناك لئلا تنتشر منهاْ الأوبئهَ، و صار الموضع رمزاً للجحيم، ومنه أخذت لفظة "جهنه"، "Gehenna"، التي هي جهنم، الموضع الذي يعاقب فيه المجرمون بعد الموت.. وهو موضع يقع تحت الأرض، واسع جداً، وأكبر حجماً من الأرض. يلقى فيه الآثمون جزاء إثمهم في الدنيا ومخالفتهم شريعة الرب.. فيبقون فيه يعذبون. وقد اختلف في موضوع أبدية التعذيب وبقاء وجهنم، فمنهم من رأى أن جهنم خالدة، وأن العذاب أبدي، ومنهم من ذهب إلى أنها ترفع بعد انتهاء التعذيب.

وقد وردت لفظة جهنم في مواضع متعددة من شعر أمية بن اْبي الصلت،كما ورد فيه وصفها وكيفية التعذيب فيها،. ولمعرفة أصل هذا الشعر: هل هو من شعر امية حقاً، أو من شعر آخرين وضعوه على لسانه، لا بد من دراسته ومقارنته بما جاء في الإسلام عن وصف جهنم وكيفية التعذيب فيها. وهناك رواية تنفي ورود لفظة جهنم في أي شعر جاهلي خلا هذا الشعر المنسوب إلى أمية بن أبي الصلت، ويلاحظ انه ذكر "عدن" مع جهنم.

ولم أجد في أشعار الجاهليين ذكراً للانجيل، إلا في الشعر المنسوب إلى "عدي بن زيد العبادي". وربما في شعر عدد قليل آخر من الجاهليين، لم أقف عليه. غير ان عدم ورود اللفظة كثيراً في هذا الشعر، لا يدل على عدم معرفة الجاهلين لها، ودليلنا على ذلك ورودها في مواضع من القرآن الكريم. وورودها فيه دليل على وقوف الجاهلين عليها واستعمالهم اياها، وأصلها من اليونانية، وقد وقف العرب عليها من السريانية أو من الحبشية. وقد ذكرت فيما سبق ان نفراً من أهل الكتاب كانوا قد أقاموا بمكة وكانوا يقرأون التوراة والانجيل بألسنتهم، فلا يستبعد اذن وقوف بعض الجاهليين، ولا سيما المثقفين منهم وأصحاب التجارات الذين كانوا يقصدون الحيرة وبلاد الشام ونجران للتجارة وكان لهم اتصال وثيق بنصارى هذه الأرضين على الانجيل وعلى الكتب الأخرى التي كان يستعملها رجال الكنيسة لافهام الناس أمور الدين.

ويظهر من بعض روايات الأخباريين أن بعض أهل الجاهلية كانوا قد اطلعوا على التوراة والانجيل، وأنهم وقفوا على ترجمات عربية للكتابين. أو أن هذا الفريق كان قد عرب بنفسه الكتابين كلاّ أو بعضا، ووقف على ما كان عند أهل الكتاب من كتب في الدين. فذكروا مثلاً أن "ورقة بن نوفل" "كان يكتب الكتاب العبراني، ويكتب من الانجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب ": وقالوا: "وكان امرؤ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي، ويكتب من الانجيل بالعربية ما شاء الله أن يكتب". وذكروا مثل ذلك عن "أمية بن أبي الصلت"، فقالوا إنه كان قد قراً الكتب المقدسة، وقالوا مثل ذلك عن عدد مهن الأحناف.

وإذا كانت هذه الروايات صحيحة، فإنها تدل على أن الجاهليين كانوا قد وقفوا على ترجمة العهدين. ويرى بعض المستشرقين احتمال ترجمة العرب للكتاب المقدس قبل الإسلام وعند ظهوره،ترجمة من اليونانية على الأرجح. وقد استندوا في ذلك إلى خبر ذكره "ابن العبري"، Barkebraeus""، يفيد أن البطريق "المنوفيزيتي" المدعو "يوحنا".، "Monophysite Patriarch Johannes" كان قد ترجم الكتاب المقدس إلى أمير عربي اسمه "عمرو بن سعد" " وذلك بين سنتي "631" و "640" للميلاد، والى اًخبار أخرى تفيد أن بعض رجال الدين في العراق كانوا قد ترجموه إلى العربية وذلك قبيل الإسلام وعند ظهوره. ولا يستبعد وجود ترجمات للكتاب المقدس في الحيرة، لما عرف عنها من تقدم في الثقافة وفي التعليم، ولوجود النصارى المتعلمين فيها بكثرة. وقد وجد المسلمون فيها حينما دخلوها عدداً من الأطفال يتعلمون القراءة والكتابة وتدوين الأناجيل، وقد برز نفر منهم، وظهروا في علوم اللاهوت. وتولوا. مناصب عالية في سلك الكهنوت في مواضع أخرى من العراق، فلا غرابة اذا ما قام هؤلاء بتفسير الأناجبل وشرحها للناس للوقوف عليها. وقد لا يستبعد تدوينهم لتفاسيرها أو لترجمتها، لتكون في متناول الأيدي، ولا سيما بالنسبة إلى طلاب العلم المبتدئين. وقد لا يستبعد أيضاً توزيع بعضهم هذه ااترجمات والتفاسير إلى مواضع أخرى لقراءتها على الوثنيين وعلى النصارى للتبشير.

ونجد في كتب الاخباريين وفي كتب قصص الانبياء وفي القصص المدونة عن الماضين قصصاً وأمثلة وكلاماً يرجع أصله إلى بعض أسفار التوراة اوِالى الأناجيل، غيرْ اننا لا نستطيع ان نؤكد ان هذا المدون قد نقل عن الجاهليين، وان أهل الجاهلية كانوا يعرفونه، وانه ليس مما قصه أهل الكتاب أو مسلمة أهل الكتاب مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه على المسلمين، فدخل بينهم. ثم إن القصص أكثره من "التلمود" و "المشنا" والكتب غير القانونية، روي بشكل فيه بعدٌ في بعض الأحيان عن هذا المدون المعروف، وهو يفيدنا من هذه الناحية كثيراً في الحكم على مدى معرفة العرب بعلم أهل الكتاب.

وللاسماء أهمية كبيرة في تعيين مبلغ أثر لليهودية والنصرانية في الجاهليين. وإذا كانت أسماء الوثنيين قد ساعدت "ولهوزن" في الكشف عن أسماء أصنام وأوثان لم ترد في كتاب الأصنام.لابن الكلبي ولا في كتب الأخباريين الأخرى، وساعدت في الكشف عن مدى تغلغل الوثنية في نفوس أهل الجاهلية، فإن للأسماء لليهودية أو الأسماء النصرانية التي تسمى بها أهل الجاهلية والتي وصل خبرها. للينا أهمية كبيرة في الافصاح عن مدى تأثر الجاهليين بالديانتين. وليس من اللازم أن تكون هذه الاّسماء أسماء أناس كانوا على دين يهود، أو على دين النصرانية، فالأسماء وإن كان لها ارتباط في الغالب بأديان حامليها غير أنها لا تكون دائماً دليلاً على دين أصحابها، فلبيئة ولبعض العادات والاعتقادات دخل في اختيار الأسماء. وعلى ذلك فإن ما سنذكره من أسماء لا نذكرها على أن أصحابها كانوا يهوداً أو نصارى حتماً، وإنما نذكرها على سبيل الإشارة إلى أن بعض الجاهليين كانوا يحملون أسماء هي في الغالب من اسماء اليهود والنصارى.

وفي طليعة هذه الأسماء التي يجب ان نذكرها، الأسماء للواردة في التوراة والانجيل، فهي أسماء عبرانية ونصرانية معروفة، وبها تسمى.كثير من اليهود والنصارى. ودخولها بين الجاهليين العرب دليل على وجود بعض تلك المسميات بينهم، وتسمى أهل الجاهلية بتلك الأسماء.

ومن جملة تلك الأسماء: آدم وقد دعي يه آدم بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب. قُتل في الجاهلية، وهو الذي وضع النبي دمه يوم فتح مكة. وقد جاء "ابن دريد" بتفسير لهذه التسمية فذكر انها من الأدمة أو بمعنى الطويل القامة ذي العنق الناصع، ولم يشير إلى وجود علاقة لها باسم آدم أبي للبشر. غير أني لا أستبعد احتمال أخذها من التسميات التي كانت بين لليهود أو النصارى عند الجاهلين. غير اننا لا نعرف من أمثال هذه التسميات غير عدد قليل محدود بحيث لا يمكن ان نتخذها قاعدة لبناء حكم عليها في ورود هذه التسمية عند الجاهلين.

وأكثر من هذه التسمية شيوعاً اسم "ابراهيم"، ومن جملة من تسمى بها: ابراهيم جد عدي بن زيد بن حمان بن زيد بن أيوب من بني امرىء القيس بن زيد مناة بن تميم. فولد أيوب ابراهيم وسلم وثعلبة وزيد. منهم عدي بن زيد ابن حمان بن زيد بن ايوب بن مجروف الشاعر. ومنهم مقاتل بن حسان بن ثعلبة ابن أوس ين ابراهيم بن أيوب، الذي نسب اليه قصر مقاتل. وقال ابن الكلبي: لا أعرف في الجاهلية من العرب أيوب وابراهيم غير هذين، وإنما سميّا بهذين الاسمين للنصرانية.

وممن سمي بابراهيم: ابراهيم بن كتيف النبهاني، وهو شاعر قديم،وابراهيم الأشهلي، وابراهيم بن الحارث بن خالد التيمي القرشي، وأبو رافع ابراهيم القبطي، وهو من موالي الرسول، وابراهيم بن عباد الأوسي، وابراهيم بن قيس بن حجر بن معد يكرب الكندي،وابراهيم النجّار وهو الذي صنع المنبر لرسول الله. وأكثر هؤلاء هم من الذين عاصروا الرسول وكانوا من صحابته. ويجب ألا ننسى أن الرسول سمى ابنه الذي توفي صغيراً في حياته ابراهيم.

وعرف من الصحابة رجل اسمه "إِسحاق الغنَوَي"، وعرف ثلاثة صحابيين باسم "اسماعيل". وأما "أيوب"، فقد عرف به "أيوب بن مجروف" جد عدي بن زيد العبادي، وأيوب بن مكرز، كما تكنى به أبو أيوب خالد ابن زيد الأنصاري من الصحابة، وهو الذي نزل عليه الرسول يوم مقدمه إلى يثرب مهاجراً من مكة.

واسم "داوود" من الأسماء التي وردت في جملة أسماء ملوك بني سليح، فذكر منهم "داوود اللثق". وأظن ان لفظة "دؤاد" التي كني بها الشاعر الجاهلي أبو دؤاد الإيادي هي من داوود، وإنْ ذهب المفسرون فيها مذهباً آخر فقالوا انها من الدُود والدوادة والدودة وأمثال ذلك. وعرف شاعر آخر باسم داوود بن حمل الهمداني، ومن الأنصار.رجل اسمه داوود. بن بلال وصحابي اسمه داوود بن سلمة الأنصاري.

وقد عرف داوود في الشعر الجاهلي بنسجه الدروع حتى ضربت بدروعه عندهم المثل. وهي في نظرهم دروع قوية ممتازة، صنعها كل من الحديد الذي كان يلين بين يديه. وقد تكرر ورود ذلك في أشعار جملة شعراء، مما يدل على انها كانت معروفة بين الجاهليين مشهورة. هذا ولا بد ان يكون لذلك أصل بعيد ظهر من قصص بني اسرائيل عن داوود وعن ملكه وحروبه وتغلبه على خصومه، هذا القصص الذي جعل من داوود رجلاً لا يستطاع التغلب عليه بفضل الحديد الذي لان بين يديه، فصار دروعاً لا تمضي فيه سيوف المقاتلين.

ولم يخل شعر الأعشى من اسم داوود، فورد في مناسبة التحدث عن حوادث الزمان واعتداء الدهر على الإنسان، وتبدل الأيام، كما في موضع آخر في كلامه على الدروع. أما عبيد الأبرص، فقد ذكره في أثناء كلامه على طول العمر.

وعرف "سليمان" في أبيات للنابغة قالها في مدح النعمان ملك الحيرة بتسخيره الجنّ لبناء تدمر. وعرف بمثل ذلك وببنائه الأبنية الفخمة وبسعة ملكه في شعر لشعراء آخرين. واذا كان ما نسب إلى أولثك الشعراء صحيحاً، كان رأيهم هذا في سلمان بتأثير ما كان يقصه أهل الكتاب على الجاهلين من قصص وارد في العهد القديم، في سفر الملوك الثالث وأخبار الأيام الثاني عن ملكه وعجيب أبنيته.

وقد ورد اسم سليمان علماً لجملة رجال، عاشوا في الجاهلية وفي أيام الرسول،فهناك حاكم من حكام العرب المعروفين في الجاهلية اسمه "سليمان بن نوفل".

وهناك جملة من الصحابة عرفوا بسليمان. ومن هذه اللفظة نشأت الأسماء: سلمان وسلام، وسُليم، كما يتبين ذلك من أبيات للأسود بن يعفر والخطيئة والنابغة. وعرف بسلمان رجل من نصارى بني عجل اسمه سلمان العجلي.

وهناك طائفة لأسماء نصرانية خالصة تسمى بها نفر من الجاهلين قبل الإسلام،مثل: عبد المسيح، وعبد ياسوع، وعبد يسوع، وعبد يشوع، وايشوع، وأبجر. وقد عرف بأبجر عدد من ملوك الرها، كما عرف بها أبجر بن جابر سيد بني عجل، وأفريم، و بولس، وجرجس، وجريج، ورومان، ورومانوس، و سرجس، و سمعا ن، وشمعون، و نسطا س، و حنين،، و "حنيناء" و "يحنة". ومن أسماء النساء: مارية، ومريم، وحنة، ومن بين هذه الأسماء ما كانت خاصة بطبقة الموالي الذين جلبوا من الخارج، وبيعوا في أسواق النخاسة، فحافظوا على أسمائهم القديمة التي تشير إلى أصولهم في النصرانية.

ونرى ورود "عبد المسيح" بين أسماء أهل الحيرة بصورة خاصة، ورد علماً لأناس معروفين جداً بينهم، وكانوا عليهم زعماء، مثل عبد المسيح بن عمرو ابن قيس بن حياّن بن بقيلة، وكان في جملة من خرج لملاقاة خالد بن الوليد للاتفاق معه على شروط الصلح. وعادة جعل المرء نفسه عبداً لإلَه أو لشخص مقدس، كما في هذه التسمية، لم تكن من العادات الخاصة بالنصارى، فقد رأينا أن أكثر الجاهلين كانوا يجعلون أنفسهم عبداً لإلهَ من الالهة، ثم يتخذون ذلك تسمية لهم، مثل عبد العزى، وعبد يغوث، وعبد ودّ، وأمثال ذلك. فلما كانت النصرانية،تبرأ من تنصر من اسم الآلهة الوثنية،وأحلوا محلها اسم المسيح.

وكان اسم والد حنظلة صاحب دير حنظة الذي بأرض بني علقمة بالحيرة "عبد المسيح."، ويذكر الأخباريون أنهم وجدوا على صدر الدير كتابة مكتوبة بالرصاص على ساج محفور: "بني هذا الهيكل المقدس، محبة لولاية الحق والأمانة، حنظلة بن عبد المسيح، يكون مع بقاء الدنيا تقديسه، وكما يذكر أولياؤه بالعصمة، يكون ذكر الخاطىء حنظلة".

غير ان هذه الأسماء اليهودية الأصل أو النصرانية قليلة الاستعمال، فلم تكن مستعملة بنطاق واسع. وأكثر من تسمى بها، هم من الموالي والأرقاء، أو من العرب الذين كانوا على أطراف العراق وبلاد الشام، وممن تأثر بالمؤثرات الثقافية الأعجمية، أو ممن كان على يهودية أو نصرانية، فتسمى بأسماء محببة أو مباركة في هاتين الديانتين.

وأهل نجران، هم الذين كانوا يجادلون الرسول في طبيعة المسيح، فلم يكن بمكة أو بيثرب قوم منهم يستطيعون مجادلته في أمور الدين. وقد ذكر بعض المفسرين ان أهل نجران كانوا أعظم قوم من النصارى جادلوا الرسول في عيسى. جاؤوا إلى الرسول، فقالوا له: ما شأنك تذكر صاحبنا? فقال: من هو? قالوا:، عيسى تزعم انه عبد الله. فقال: أجل انه عبد الله. قالوا: فهل رأيت مثل عيسى أو أنبئت به، ثم خرجوا من عنده غاضين. وقالوا إن كنت صادقا، فأرنا عبداً يحيي الموتى ويبرىء الأكمه، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه، فلما عادوا قال رسول الله: مثل عيسى كمثل آدم خلقه من تراب،ا ثم قال له:كن فيكون.

وقد جادل بعض النصارى رسول الله في أمور الدين، ثم أسلموا. ونظراً لقلة عددهم بيثرب، لم يقاوموه هنا كما قاومه اليهود.

وطبيعي أن يتأثر نصارى الجاهلية بلغة بني إرم، فيستعملوا المصطلحات الدينية التي كانت شائعة في الكنيسة، وهي مصطلحات إرمية الأصل في الغالب: فقد كانت لغة بني إرم لغة العلم والدين عند النصارى الشرقيين. بها يقيمون طقوسهم الدينية " ومنها يترجمون الأناجيل إلى أتباعهم النصارى ا لعرب،. فدخلت بذلك إلى العربية ألفاظ إرمية ذات معان خاصة. ومنها. الألفاظ التي تكلمنا عنها وألفاظ أخرى عديدة لم نتطرق اليها، لعدم وجود صلة لها بهذا الموضوع، وخشية الإطالة والخروج على صلب الموضوع. وهناك مصطلحات يونانية ولاتينية وحبشية، لها صلة بالدين وبالمجتمع دخلت العربية أيضاً عن طريق النصرانية، ظهر أثرها في نصارى بلاد الشام والعربية الغربية خاصة، بتأثير الاحتكاك المباشر والتبشير.

وقد عني بعض الباحثين بجمع المصطلحات الدينية المعروفة عند أهل الكتاب في الجاهلية والتي أقرها الإسلام على نحو ما كانت تعرف به، أو أعطاها معنى خاصاً، ومن بينها عدد كبير ورد في القرآن الكريم. و لما كانت غالبية العرب على الوثنية، وهي ديانة بسيطة قليلة الشعائر بالنسبة إلى اليهودية والنصرانية، لذلك كانت هذه المصطلحات شائعة معروفة بين أهل الكتاب من الجاهليين، وقد نقلوها من اللغات الدينية التي كتب بها علماء أهل الكتاب، فهي في الغالب من أصل سرياني أو عبراني أو يوناني أو حبشي.

وقد جمع الأب "شيخو" في كتابه: "النصرانية وآدابها بين عرب الجاهلية" الألفاظ الخاصة بأهل الكتاب من الأبيات الواردة في دواوين شعراء الجاهلية وفي كتب الأدب، وهي أبيات منها ما أجمع الرواة و أهل الأخبار على نسبتها إلى اولئك الشعراء، ومنها ما ورد عند بعض الرواة والاخباريين ولم يرد في دواوين أولئك الشعراء، ليجعل من تلك الألفاظ دليلاً على أثر النصرانية.في الجاهليين، وعلى مدى تغلغلها بينهم. وهو حكم لا يمكن أن يكون سليماً، إلا بعد ثبوت صحة نسبة تلك الأبيات إلى الجاهليين.

وقد كان للنصرانية أثر مهم في نشر الكتابة العربية، المأخوذة عن الإرمية،بين الجاهليين، الكتابة التي تولد منها قلمنا الذي نكتب به في الوقت الحاضر.وقد وجد المسلمون في فتحهم للعراق مدارس عديدة لتعليم الأطفال القراءة والكتابة،كما أن تجار مكة ويثرب الذين كانوا يقصدون الشام والعراق وجدوا الضرورة تحتم عليهم تعلم هذا الخط، فتعلّموه. ولما نزل الوحي كتب كتابه به، فصار قلم المسلمين. كما سأتحدث عن ذلك في موضوع الخط عند الجاهليين.

ولم يترك رجال الدين من النصارى العرب. لنا أثراً كتابياً ينبىء عن مدى اشتغالهم في علم اللاهوت وفي العلوم الأخرى،غير أن هذا لا يعني أن النصارى العرب لم يزجوا علماء دين منهم، ولم يعطوا النصرانية رجلاً منهم يخدمها ويقف حياته الروحية عليها، ففي قوائم أسماء من حضروا المجامع الدينية التي عقدت للنظر في الأمور الجدلية وفي القضايا التي تخص مبادئ الدين أسماء رجال تنبئ أنهم كانوا عرباً، وقد دونت في محاضر تلك المجالس أسماء المواضع التي مثلوها من بلاد العرب، كما أن بين رجال الدين الكبار الذين نبغوا في العراق من كان أصله من الحيرة، وإذ كانت غالبية سكان هذه المدينة من العرب، فلا يستبعد أن يكون من بين هؤلاء العلماء النصارى الحيريين من كان من أصل عربي.

لقد كانت النصرانية عاملاً مهماً بالطبع في ادخال الآراء الإغريقية والسريانية إلى نصارى العرب،فقد كانت الكنيسة مضطرة إلى دراسة الإغريقية ولغة بني إرم،لما للغتين من قدسية خاصة نشأت من صلتهما بالأناجيل. وقد كان أثر الإرمية أهم في الكنيسة الشرقية من الإغريقية، لكونها لغة الثقافة في الهلال الخصيب في ذلك العهد. ولهذا وجدنا معظم التعابير والمصطلحات الدينية عند نصارى الشرق هي من هذه اللغة، ومنها أخذها النصارى العرب، فصارت عربية، وقد كان السريان قد نقلوا بعض مؤلفات اليونان واللاتين إلى لغتهم، ولا أستبعد نقلهم بعض تلك المؤلفات، ولا سيما الدينية منها، من هذه اللغة الى اللغة العربي، وذلك قبل الإسلام، أو ترجمتها ترجمة شفوية لطلاب العلم مكن العرب ممن كانوا لا يفقهون لغة بني إرم،أو لا يلمّون بها إلماماً صحيحاً. وإذ كانت هذه اللغة لغة مقدسة ولغة الكنيسة الرسمية، وكان أكثر رجال الدين من بني إرم،فقد كانت هذه اللغة اللغة المقررة في الكنيسة، بها يدرس ويتباحث رجال الدين وان كانوا عرباً،على تحو ما يفعله رجال الدين الأعاجم الذين يدرسون العربية بعلومها المختلفة ليتفقهوا بذلك في الدين، والعربية هي لغة الدين الاسلامي،وكما يفعل رجال الدين الكاثوليك أيضاً في دراستهم اللاتينية وتبحرهم بها لأن اللاتينية هي لغة النصرانية عند الكاثوليك.

وكان للنصرانية أثر آخر في نصارى عرب الجاهلية، هو أثرها فيهم من ناحية الفن، إذ أدخلت النصرانية بين العرب فناً جديداً في البناءة هو بناء الكنائس والأديرة والمذابح والمحاريب والزخرفة، كما أدخلت النحت والتصوير المتأثرين بالنزعة النصرانية. ولدخول أكثر هذه الأشياء لأول مرة بين الجاهليين، استعملت مسمياتها الأصلية اليونانية أو الإرمية في اللغة العربية، بعد ان صقلت وهذبت، حتى اكتسبت ثوباً يلائم الذوق العربي في النطق. وستكشف الحفريات في المستقبل عن مدى تأثر النصارى العرب الجاهليين بالفن النصراني المقتبس عن الروم أو عن بني إرم والأحباش.

الفصل الثالث والثمانون

المجوس والصابئة

يقصد الأخباريون بالمجوس القائلين بالأصلين النور والظلمة: الخير والشر، فيزعمون أن الخير من فعل النور وأن الشر من فعل الظلمة، وهم يعلمون أن المجوس من الفرس وانهم عبدة النيران.

وفي القرآن الكريم ذكر للمجوس. وقد ورد ذكرهم في موضع واحد منه:

)إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس، والذين أشركوا،إن الله يفصل بينهم يوم القيامة، إن الله على كل شيء شهيد(. وفي ذكرهم في القرآن الكريم دليل كاف على معرفة أهل الحجاز بهم، ووقوفهم عليهم. وكيف لا يكون لهم علم بهم ووقوف عليهم، وقد كان لأهل مكة اتصال وثيق بالحيرة كما كان لأهل الحجاز اتصال باليمن ? وقد كان المهيمن على اليمن الفرس عند ظهور الإسلام، حيث طردوا الأحباش وأخذوا محلهم، وقد كان هؤلاء الفرس على المجوسية، ثم إنه كان في حضرموت وفي العربية الشرقية أناس منهم أقاموا هناك. وقد كان وكلاء الأكاسرة على هذه الأماكن منهم، وهم على دين المجوسية. وقد أشير إلى وجودهم في أخبار الفتوح،حيث دفع الجزية من أبى منهم الدخول في الإسلام. والظاهر أن هؤلاء كانوا مقيمين فيها من أمد طويل بدليل ورود جملة في أخبار الفتوح تفيد ذلك، وهي: "وأسلم معهما جميع العرب وبعض العجم " فأما أهل الأرض من المجوس واليهود والنصارى، فإنهم صالحوا العلاء".

ويروي أهل الحديث حديثين يذكرون ان الرسول قالهما هما: "كل مولود يولد على الفطرة، حتى يكون أبواه يمجسانه"،أي يعلمانه دين المجوسية. وحديث " القدرية مجوس هذه الأمة". وفي هذين الحديثين ذكر للمجوس. ولعلماء الحديث كلام عليهما. ولا سيما على الحديث الثاني، وفيه تعريض بالقدرية، أسلاف المعتزلة.

وكلمة "مجوس" من الكلمات المعربة، عربت عن لفظة "مغوس" " Maghos"، الفارسية التي تعني "عابد النار" وهي من الألفاظ التي دخلت إلى اليونانية كذلك، حيث وردت لفظة Magi، فيها، وهي جمع "مجوس" " Magus". وقد دخلت إلى لغة "بني إرم".أيضاً. ولا ندري اليوم على وجه صحيح من أي طريق دخلت لفظة "مجوسي" و "مجوس" إلى العربية، عن الفرس أنفسهم، أو عن اليونانية أو عن طريق لغة "بني إرم" ! وقد عرف علماء اللغة بأن لفظة "مجوس" من الألفاظ المعربة. وقد ذهبوا إلى انها معربة عن الفارسية القديمة. ولكنهم اختلفوا فيما بينهم في أصل اللفظة وفي بيان معناها، وذهبوا في ذلك مذاهب، وبعض هذه التفسيرات والتأويلات مفتعل يدل على عدم وقوف أصحابها على جلية الموضوع.

ويريد الأخباريون بالمجوسية عبادة النار. واذا صح ما ورد في شطر بيت منسوب إلى الشاعر الجاهلي "التوأم اليشكري" المعاصر لامرىء القيس،هو: "كنار مجوس تستعر استعاراً"،فإن فيه دلالةً على ان هذا الشاعر هو وامرأ القيس كانا على علم بنار المجوس،،انها كانت تستعر دائماً، وربما كانا على علم ببعض تعاليمها أيضاً.

وفي أخبار أهل الأخبار ما يفيد بتمجس بعض العرب، فورد أن " المزدكية والمجوسية في تميم". وورد أن "زرارة بن عدس" وابنه "حاجب بن زرارة"، وهما من سادات تميم كانا قد اعتنقا المجوسية،واعتنقها أيضاً "الأقرع بن حابس" و "أبو الأسود"، جدّ "وكيع بن حسان". وقيل إن أشتاتاً من العرب عبدت النار، سرى اليها ذلك من الفرس والمجوس.

وكان مجوس اليمن، من الفرس الذين أرسلهم كسرى لطرد الحبش من اليمن، فهم وأبناؤهم كانوا على هذا الدين، دين الانبراطورية الفارسية. ولما ظهر الإسلام، نبذ هؤلاء المجوسية واعتنقوا الإسلام.

وأما مجوس عُمان وبقية أنحاء العربية الجنوبية، فقد كانوا من الفرس كذلك: من تجار ومن مقيمين من بقية الفرس الذين كانوا قد استولوا على هذه الأرضين. وعند ظهور الإسلام لم يكن لهم نفوذ سياسي فقد كان سادات القبائل قد كوّنوا مشيخات فيها، واستقلت في إدارة شؤونها، غير أن المجوس بقوا فيها، وعند دخول أهلها في الإسلام، ودخول البلاد في دين الله،دفع بعض أولئك المجوس الجزية، ودخل الباقون في الإسلام. شأنهم في ذلك شأن اليهود والنصارى المقيمين في هذه الأرضين.

وأما مجوس البحرين، فقد كانوا أكثر عدداً وأكثر نفوذاً من اخوانهم في عُمان، لقرب هذه الأرضين من انبراطورية الساسانيين،ولهجة الفرس من السواحل المقابلة ومن طريق الأبلة الساحلي. وقد عثر المنقبون على قبور عديدة تعود اليهم ؛ وعلى آثار لمعابدهم في العربية للشرقية. وكان على "هجر"، حين أبلغ الرسول دعوته اليها، رجل من الفرس اسمه "سيبخت مرزبان."، وقد أسلم وأسلم معه قوم من قومه، ودفع الجزية من فضّل البقاء منهم على دينه، شأنهم في ذلك شأن أهل الكتاب. وذكر ان الرسول كتب إلى "مجوس هجر يعرض عليهم الإسلام، فإن أبوا أخذت منهم الجزية، وبأن لا تنكح نساؤهم ولا تؤكل ذبائحهم".

وكان باليمامة قوم من المجوس، عاشوا في قراها ومواضعها، اشتغلوا بالزراعة وبالتعدين. وأرض اليمامة أرض غنية، وهي "ريف" أهل مكة، وعليها اعتمادهم في الحصول على الحبوب. كما عرفت بوجود المعادن بها، فسهّل أهلها دخول المجوس اليها، للاستفادة منهم في استغلال الأرض وفي للتعدين.

هذا ولم نسمع بدخول أحد من ملوك الحيرة، أو الأمراء الذين عينهم الفرس على العرب في المجوسية مع علاقتهم بالفرس واتصالهم الوثيق بهم، ووجود للفرس في أرضهم وفي عاصمتهم، بينما نجد بعضاً منهم وقد دخل في النصرانية. ولعل ذلك بسبب عدم ميل الفرس إلى ادخال أحد من الغرباء عنهم في دينهم والى عدّهم المجوسية ديانة قومية خاصة بهم، فلا يهمهم دخول أحد من غيرهم فيها. هذا ولا أجد صلة بين "الأسبذية" التي زُعم انها ديانة قوم كانوا يعبدون الخيل بالبحرين، عرفوا ب "الأسبذيين"، وبين "بني دارم"،وكونهم كانوا على هذا الدين. فقد كان أحدهم وهو "المنذر بن ساوى" أسبذياً، ولم يكونوا كلهم. قيل أنه نسب إلى قرية بهجر يقالَ لها "الأسبذ"،وقيل إلى الأسبذيين،ولا صلة لهذه الأسبذية بالمجوسية، أو إلى ديانة دخلت من فارس إلى البحرين. وقد تحدثت في مكان آخر عن وجود قوم من العرب قدسوا "الحصان". ورأيي أن المراد من "الأسيذية" الفرسان. وأن "المنذر بن ساوى" كان "أسبذاً" أي بدرجة فارس، وهي من درجة الشرف والرفعة في الجيش الساساني.

ويذكر علماء اللغة في معرض كلامهم على معنى لفظة "الزمزمة" ان من عادة المجوس الزمزمة عند الابتداء بالأكل، أي قراءة شيء من كتبهم الدينية قراءة خافتة على المأكول تقديساً وشكراً له. وقد نهى الخليفة عمر عن الزمزمة،لأنها من علائم المجوس.

وقد عرف عالم المجوس ورئيسهم الروحي عند العرب ب "الموبذ" و "الموبذان"، وعرف كبيرهم بى "موبذان موبذ" ؛وجعل بعض العلماء "الموبذان" بمنزلة قاضي القضاة للمسلمين، والموبذ بمنزلة القاضي. وتعني "موبذان موبذ" الموبذ الأعظم. وقد اكتفي أحياناً بلفظة "موبذان" للتعبير عن "موبذان موبذ". وقد فسر المسعودي لفظة "الموبذ" بمعنى حافظ الدين. ورجع أصلها إلى "مو" بمعنى "دين" في رأيه، و "بذ" يمعنى "حافظ". ورأى "اليعقوبي" أن "الموبذان" بمعنى عالم العلماء. والموبذ هي من الألفاظ المعربة عن الفهلوية، فهي من أصل فهلوي هو Magupat، بمعنى عظيم المجوس، ويتمتع هذا الرئيس الديني الأعظم بسلطات دينية واسعة. وقد أطلق السريان على.الموبذ جملة "ريش مكوشي" Resh Magushi و, Resh "dam,gushi"أي "رئيس المجوس"، و "مكوش" تعني "المجوس".

وترد في العربية لفظة أخرى، لها صلة بالمجوسية،هي "الهربذ"، و "الهرابذة". ذكر علماء اللغة أن "الهرابذية: المجوس، وهم قومة بيت النار التي للهند... وقيل عظماء الهند أو علماؤهم". وذكروا ان "الهربذي مشية فيها اختيال، كمشي الهرابذة، وهم حكام المجوس. قال امرؤ القيس: مشى الهربذي في دفه ثم فرفرا "

واللفظة من الألفاظ المعربة عن الفارسية. من أصل "هور" و "بت"، بمعنى رئيس خدام النار. والموكل على خدمة النار في المعبد.

وقد ذكر "الألوسي"،أن صنفاً من العرب عبد النار، وقال عنهم: "وهم أشتات من العرب، وكأن ذلك سرى اليهم من الفرس و المجوس. ولم يذكر أسماء هؤلاء الأشتات. ولم يتحدث عن طريقة تعبدهم للنار. ولكننا نستطيع أن نجد في "نار الاستمطار" وفي "نار التحالف" وفي النيران الأخرى التي يذكر أسماءها أهل الأخبار دلالة على وجود فكرة تقديس بعض العرب للنار. وقد حبب الإسلام هذه النيران.

فقد ذكر أهل الأخبار ان العرب كانت في الجاهلية الأولى، اذا احتبس عنهم المطر، ويئسوا من نزوله، يجمعون.البقر ويعقدون في أذنابها وعراقيبها السلعَ والعشرَ ويصعدون بها في الجبل الوعر، ويشعلون فيها النار، ويزعمون ان ذلك من أسباب المطر، قال الشاعر "الورل" الطائي: أ جاعلٌ أنتَ بيقوراً مسلّعة  وسيلة منك بين الله والمطر

وقد أشير إلى هذه النار في شعر ينسب الى أمية بن أبى الصلت. ويسمونها بنار الاستسقاء وبنار الاستمطارْ.

وذكروا ناراً أخرى قالوا لها: "نار التحالف" و "نار المهول". وقالوا ان العرب كانوا لا يعقدون حلفاً إلا عليها، وكانوا اذا اختصموا في شيء،واتفقوا على اليمين، حلفوا على النار. ولهذا قيل لها "نار التحالف". وطريقتهم في ذلك أن المتحالفين أو المتخاصمين يحفرون أمام نار يوقدونها، ثم يلقون عليها ملحاً وكبريتاً. وعندئذ يذكرون منافع هذه النار ويدعون بالحرمان من خيرها على من ينقض العهد ومحل العقد.وفي حالة الحلف واليمن يقول صاحب النار للحالف: "هذه النار قد تهددتك،فإن كان مبطلاً نكل، وان بريئاً حلف، ولذلك قيل لها " نار المهول". وذكروا أيضاً أن هذه النار كانت معروفة في اليمن، مستعرة دائماً، ولها سادة سدنة و قيّمون يطرحون الملح والكبريت في النار، أما السدنة فيقومون بأخذ اليمين. وكان سادنها إذا أتى برجل ليحلف، هيبوه من الحلف بها، وخوّفوه من الكذب. وقد عرفت هذه النار ب "نار التحاليف" كذلك. وقد أشار اليها الكميت بقوله: همُ خوّفوني بالعمى هوّة الردى  كما شب نار الحالفين المهوّل

كما أشار اليها شاعر آخر هو أوس،إذ قال: إذا استقبلته الشمس صد بوجهه  كما صدّ عن نار المهوّل حالف

وذكر "الجاحظ" أن العرب " يقولون في الحلف: الدّم، الدّم، والهدم الهدم، لا يزيده طلوع الشمس إلا شداً، وطول الليالي إلا مداً، ما بل البحر صوفة، ومما أقام رضوى في مكانه، إن كان جبلهم رضوى.

"وكل قوم يذكرون جبلهم، والمشهور من جبالهم. وربما دنوا منها حتى تكاد تحرقهم".

بل زعم بعض أهل الأخبار ان حمير كانت تحتكم إلى نارَ كانت باليمن تحكم بينهم فيما كانوا يختلفون به. تأكل الظالم ولا تضر المظلوم. فلما اعتنق التبع "تبان أسعد"، ديانة يهود، وطلب من قومه الدخول فيها، أبوا عليه ذلك، وطلبوا منه الاحتكام إلى تلك النار في قصة يذكرونها في سبب تهود بعض حمير. وللعرب نار السعالى والجن والغيلان. ذكروا ان الغيلان توقد بالليل النيران للعبث والتخييل واضلال السابلة. وانها ترفع للمثقفر فيتبعها فتهوى به الغول. وأورد أهل الأخبار شعراً في ذلك منه شعر ل "عبيد بن أيوب"، المعروف ب "أبي مطراب"،وكان يزعم انه يؤاكل الظباء والوحش ويرافق الغول والسعلاة،ويبايت الذئاب والأفاعي.

وذكر اهل الأخبار قصة عن "خالد بن سنان العبسي" النبي العربي الذي منحه بعضهم في الإسلام جملة "عليه السلام" بأعتبار انه من انبياء الله،قد يكون لها صلة بعقيدة عبادة النار عند العرب. إذ ذكروا ان ناراً ظهرت "بالبادية بين مكة والمدينة في الفترة، فسمتّها العرب بداً، وكادت طائفة منهم ان تعبدها مضاهاة للمجوس. فقام خالد هذا، فاًخذ عصاه، واقتحم النار يضربها بعصاه، حتى أطفأها الله تعالى، ثم قال: إني ميت، فإذا أنا مت، وحال الحول،فارصدوا قبري. فإذا رأيتم حماراً عند قبري، فارموه واقتلوه، وانبشوا قبري، فإني محدثكم بكل ما هو كائن. فمات. فلما حال الحول،رأوا الحمار فقتلوه،وأرادوا نبشه، فمنعهم أولاده، وقالوا: لا نسمى بني المنبوش". وقد عرفت تلك النار ب "نار الحرتين". وذكر انها كانت ببلاد عبس، فإذا كان الليل تضيء نار تسطع وفي النهار دخان مرتفع. وربما بدر منها عنق فاًحرق من مرّ بها. فحضر خالد بن سنان. النبي،فدفنها،فكانت معجزة له. ويظهر ان حرة، كانت في تلك المنطقة، ثم خمدت فنسب الناس خمودها إلى "خالد بن سنان".

وللجاهليين استعمالات أخرى للنار، فكانوا إذا خافوا شرّ رجل، وتحوّل عنهم أوقدوا خلفه ناراً،ليتحول شرهم معه. ويقولون: "أبعده الله واسحقه وأوقد ناراً في أثره"، يقولون ذلك لكراهيتهم له، ويتمنوّن الموت له.

وتعرف هذه النار ب "نار الطرد". وذكر أن العرب تدعو على العدو فتقول: ابعد الله داره وأوقد ناراً اثره.

ولا بد أن يكون للنار الموقدة على المزدلفة صلة ما بعقائد الجاهليين القديمة قي النار. وينسب الأخباريون هذه النار إلى "قُصي ين كلاب"، يقولون إنه أوقدها على المزدلفة حتى يراها من دفع من عرفة في أيام الحج. وقد بقي الناس يوقدونها إلى الإسلام.

ومن نيران العرب، نار الغدر، وتوقد بمنى أيام الحج على أحد الأخشبين،جبلي مكة: أيي قبيس وقُعَيقعان،أو أبو قبيس والأحمر. فإذا استعرت، صاح موقدها: هذه غدرة فلان، ليحذره الناس، وليعلموا ان فلاناً قد غدر بجاره.

وأما "نار السلامة"، فهي التي توقد للقادم من سفر سالماً غانماً، وقد عرفت لذلك ب "نار المسافر" أيضاً". و "نار السليم"، هي النار التي توقد للملدوغ وللمجروح ولمن ضرب بالسياط ولمن عضه الكلب الكَلِبُ،ويقولون إنها إنما توقد لكي لا يناموا، فيشتد بهم الأمر ويؤدي إلى الهلاك.

وأما "نار الحرب"، فهي النار التي كانوا اذا أرادوا حرباً، وتوقعوا جيشاً عظيماً، وأرادوا الاجتماع أوقدوا ليلاٌ على جبلهم ناراً، ليبلغ الخبر أصحابهم. واذا جدوا في جمع عشائرهم اليهم أوقدوا نارين.

ونار الصيد، هي نار توقد للظباء وللحيوانات الأخرى، فتغشاها اذا نظرت اليها.

ونار الأسد، وهي نار توقد اذا خافوا الأسد، لينفر عنهم، فإن من شأنه النفار عن النار، يقال انه اذا رأى النار حدث له فكر يصده عن قصده،ويشغله عن السابلة. ويقولون إن الضفدع اذا رأى النار تحير وترك النقيق.

ونار الفداء، وكان الملوك منهم، إذا أسروا نساء قبيلة، خرجت اليهم السادة منهم للفداء أو الاستيهاب،فيكرهون ان يعرضوا النساء نهاراً فيفتضحن أو في ا!ظلمة فيخفى قدر ما يحبسونه لأنفسهم من الصفي، فيوقدون النار لعرضهن.

ونار القرى، هي من أعظم مفاخر العرب، وهي النار التي ترفع للسفر،ولمن يلتمس القرى، فكلما كان موضعها أرفع كان أفخر. وهي نار مذكورة على الحقيقة لا على المثل. وعرفت عندهم ب "نار الضيافة" وب "نار الأضياف" أيضاً. وقد ذكر أهل الأخبار انهم ربما يوقدونها ب "المندلى"،ليهتدي اليها العميان. فالمندلى خشب ذو رائحة طيبة، تفوح منه اذا أحرق، فتشم من مسافة بعيدة. وذكر انهم كانوا يوقدونها في ليالي الشتاء، خاصة لحاجة الناس إلى القرى في ذلك الوقت. وكلما كانت النار مرتفعة ضخمة،كانت أفخر لصاحبها. وقد أشير اليها في الشعر.

ويطلق العرب على كل نار تراها العين لا حقيقة لها عند التماسها،نار الحباحب،ونار أبي الحباحب. وقد ذكر "الجاحظ" أنه لم يسمع في أبي حباحب شيئاً. ولهم قصص عن شخص زعموا أنه كان يعرف ب "أبي حباحب"،وكان رجلاً في سالف الدهر بخيلاَ لا توقد له نار بليل، مخافة أن يقتبس منها نار، أو يراها الضيفان فيفدون اليه، فإن أوقدها ثم أبصرها مستضيئ أطفأها، فضربت العرب به المثل في البخل، فقالت: "أخلف من نار أبي حباحب". وذكر أن "أبا الحباحب" رجل كان لا ينتفع بماله لبخله فنسبوا إليه كل نار لا ينتفع بها. ومن النيران الأخرى: نار البرق، ونار اليراعة،ونار الخلعاء والهراب،ونار الوسم،وهي النار يسم بها الرجل منهم أبله. فيقال له: ما سمة إبلك فيقول كذا.

وقد ذكر علماء اللغة أن العرب استعملوا النار في معنيين: معنى حقيقي، ومعنى مجازي. وقصدوا بالنيران الحقيقة، النيران التي كان يوقدها العرب حقاً، وحصروها في أربعة عشر ناراً أو أكثر من ذلك، أو أقل. وقصدوا بالنيران المجازية، استعمال الكلمة في معان مجازية، مثل قولهم نار الحب ونار المعدة، ونار الحُمى،ونار الشوق.

الصابئة

ونجد في القرآن الكريم اشارة إلى الصابئين، وقد ذكروا بعد اليهود والنصارى في موضع من سورة البقرة،.وذكروا وسطاً بين اليهود والنصارى في موضع من سورة المائدة وفي سورة الحج. ويظهر ان معارف أهل الأخبار عنهم نزرة،فليس لديهم شيء مهم مفيد يفيدنا عن عقائد أولئك الصابئة وآرائهم.

وقد ربط أهل الأخبار بين هؤلاء الصابئة المذكورين في القرآن وبين صابئة حرّان وصابئة العراق، وجعلوهم طائفتين في الأصل: طائفة هم صابئة حنفاء وهم في نظرهم أصحاب ابراهيم ممن كان بحرّان وممن كان على دعوته، وصابئة مشركون وهم من فسدوا من الصابئة فأشركوا واعتقدوا بالكواكب.

ولكن الذي يفهم من القرآن الكريم ان الصابئة جماعة كانت على دين خاص، وانها طائفة مثل اليهود والنصارى، آي ان الكلمة مصطلح ولها مدلول معين مفهوم. فما ذهب اليه المفسرون من هذا التعريف للصابئة ومن هذا التقسيم، انما تكوّن عندهم في الإسلام، بعد وقوفهم على أحوال الصابئة واتصالهم بهم. ويفهم من المواضع التي ورد فيها ذكرهم في القرآن الكريم، ومن ورود اسمهم مع اليهود والنصارى فيه، انهم كانوا يعبدون إلهاً، ويتوجهون في دينهم اليه. ولا استبعد أن يكون من بين سكان مكة أناس كانوا من الصابئة، جاءوا اليها تجاراً من العراق، أو جاء بهم الحظ اليها، حيث أوقعهم في سوق النخاسة، فاشتراهم تجار مكَة وجاءوا معهم إلى مدينتهم، وعرفوا منهم أنهم صابئة.

ونحن إذا ما تتبعنا ما ورَد عن لفظة صبأ و صابئ في الموارد الاسلامية نرى أن هذه الموارد تفسر لفظة صبأ بمعنى خرج من شيء إلى شيء، وخرج من دين إلى دين غيره. وتذكر أن قريشاً كانت تسمي النبي صابئاً،والصحابة الصباة. أي الخارجين على دين قومهم. وهي تستعمل لفظة الصابئة في كثير منّ الأحوال في معنى حنفاء، كالذي نراه في ربطهم ابراهيم بهاتين الديانتين، وعدّهم قدماء الصابئة في جملة الحنفاء، فإن هذا يدل على أن المراد من الصابئة بين العرب عند ظهور الإسلام هم المنشقون الخارجون على ديانة قومهم، أي على عبادة الأوثان والمنادين بالتوحيد. وأما ما نراه من إطلاق الصابئة على الصابئة المعروفين في الإسلام، فإنما حدث في الإسلام.

واطلاق قريش لفظة الصابئ والصباة على المسلمين بدلاً من تسميتهم بمسلمين قضية مهمة جداً، يجب الاهتمام بها، وفي الأخبار أمثلة كثيرة على ذلك. فقد ذكرت كتب الحديث والسير واللغة أن قريشاً دعت النبي صابئاً، وفي جملة من دعاه بذلك عمر قبل اسلامه، ثم رميُ عمر بها بعد إسلامه أيضاً. ولما أسلم أبو ذر الغفاري،انهال عليه أهل مكة بالضرب، لأنه صبأ وفتن وخرج عن دينهم. ولما أرادت زوج مطعم بن عديّ خطبة ابنة أبي بكر إلى ابنها، ذكرت له أنها تخشى أن يؤثر على ولدها، فيكون من الصباة. وقد كانت لفظة الصباة والصُّيّاء بمعنى مسلمين عند المشركين،ففي معركة حنين نجد "دريد بن الصمّة" يخاطب أحد رؤوس القوم ويقول له في جملة ما قاله: "ثم ألق الصُباء على متون الخيل". ولما أرسل بنو عامر لبيداً إلى النبي ليرى خبره وعلمه، أسلم، وأصابه وجع هناك شديد من حمّى، فرجع إلى قومه بسبب تلك الحمّى، وجاءهم بذكر البعث والجنّة والنار، فقال صرافة بن عوف بن الأحوص: لَعـمَـــرُ لـــبـــيد إنـــه لابـــن أمـــه  ولـكـن أبـوه مـسـه قـــدم الـــعـــهـــد

دفـعـنـاك فـي أرض الـحـجـاز كــأًنـــمـــا  دفـعـنـاك فـحـلاً فـوقـه قـرع الــلـــبـــد

فعـالـجـت حــمـــاه وداء ضـــلـــوعـــه  وتـرنـيق عـيش مـسـه طـرف الــجـــهـــد

وجـئت بـدين الـصــابـــئين تـــشـــوبـــه  بألـواح نـجـد بـعـد عـهـدك مــن عـــهـــد

وإن لنا داراً زعمت ومرجعاً وثم إياب القارضين وذي البرد

فكان عمر يقول: "وايم الله إياب القارضين وذي البرد". فقصد الشاعر بجملة "دين الصابئين " الإسلام، فالصابئون في نظر المشركين هم المسلمون. ولما ذهب سعد بن معاذ إلى مكة، أنبه أبو جهل على قدومه اليها بعد إن دخل في دين الصابئين. ولما قدم خالد بن الوليد على بني جذيمة،نادوه بأنهم صبأوا، أي دخلوا في الإسلام. ويلاحظ ان الوثنيين أطلقوا هذه التسمية على كل من أسلم، وعلى كل من شكّوا فيه ورأوا انه ميال اليهم،فكانوا يرمونه بهذه التهمة. أما المسلمون، فلم يرتاحوا اليها. والظاهر انها كانت سبةّ بالنسبة اليهم في ذلك العهد، بدليل انهم كانوا يكذبون من كان يطلقها من المشركين عليهم ويردّ عليهم ردأَ شديداً، فلما نادى جميل بن معمر الجمحي في قريش: ألا، ان ابن الخطاب قد صبأ، وذلك حين دخل في الإسلام، وشهد بذلك أمام النبي، نادى عمر من خلفه: كذب، ولكني أسلمت، وقالت قريش: صبأ عمر?. ولا بد ان يكون لتكذيب عمر وغيره للوثنيين لتسميتهم المسلمين بهذه للتسمية من سبب. وهو سبب يشعر ان أهل مكة انما أطلقوها عليهم إهانة لهم وازدراء لشأنهم وعلى سبيل السبة، لأنها كانت سبة عندهم وذلك قبل الإسلام. وإلا لما انزعج المسلمون منها، وردّوا على قريش بسببها رداً قبيحاً. وقد رأيت ان المسلمين كانوا يفتخرون باطلاق الحنيفية عليهم، وانهم كانوا يرون ان الحنفاء هم سلف المسلمين، وان ابراهيم كَان حنيفاً وكان اول المسلمين.

فالصابئون اذن هم أولئك الخارجون على عبادة قومهم المخالفون لهم في ديانتهم شأنهم في ذلك في نظر قريش شأن من يسميهم المسلمون في ايامنا بالملحدين أو الهدامين، أو أي مصطلح آخر يراد به الرمي بالخروج على مثل المجتمع القائم وتقاليده، وذلك ازدراء بهم، وتنفيراً للناس عنهم.

الفصل الرابع والثمانون

تسخير عالم الارواح

للعالم الخفي، وأقصد به عالم الأرواح وكل ما لا تراه العين ويدركه الحس من قوى طيبة أو خبيثة، أثر خطير في عقائد أهل الجاهلية، وفي عقائد الشعوب القديمة، وفي أنفس كثير من الناس حتى اليوم، إذ يشغل ذلك العالم في الواقع جزءاً خطيراً من الدين ومن حياة الناس عامة.. فهناك صلوات وشعائر وأدعية مكتوبة وغير مكتوبة تتلى وتقال وتقرأ للسيطرة على ذلك العالم، وللانتفاع منه، ولتسخيره في سبيل خير الإنسان ومصلحته، ولتجنب أذى النوع الخبيث منه. واذا تأملنا هذه الاعتقادات، عند الجاهليين، وجدنا انها قد كونت الجزء الأكبر من عقيدتهم وديانتهم، وانها والذبائح من الأصول التي ارتكزت عليها ديانات العرب قبل الإسلام.

والواقع ان الاعتقاد بالأرواح يشغل جزّءاً كبيراً من فناء الدين عند الجاهليين، وإن بدا لنا انه شيء لا علاقة له بالدين. فنحن حين البحث في موضوع العقيدة والدين عند أهل الجاهلية، لا نتحدث بالطبع عن العقيدة والدين بالنسبة إلى معتقداتنا وبالنسبة الى تفكير الإنسان في القرن العشرين، وانما نتحدث عن رأي أناس عاشوا قبل الإسلام، وعن جماعة أدركت الإسلام: كانت الأرواح في نظرها أكثر اثراً في حياة الفرد من أثر الالهة فيه. فتقرب وتوسل اليها أكثر من تقربه وتوسله إلى الهته التي كان يرى ان بيدها مفتاح سعادته وشقائه. وآية ذلك كثرة الكلمات والمصطلحات الجاهلية المتعلقة بها، وما ورد في القرآن الكريم وفي الحديث النبوي والأخبار من أثر الجن في نفوس القوم، حتى تصوروهم آلهة وشركاء للأرباب في ادارة دفة هذا الكون.

هذا، ونحن إن ذكرنا الأرواح، فإننا لا نقصد المعنى المفهوم منها في رأينا، بل نقصد هذا المعنى وشيئاً آخر أعم وأوسع منه،معنى يشمل ايضاً بعض الأحجار والأشجار والآبار والكهوف وأمثال ذلك من أشياء تصور أهل الجاهلية أنها تكمن فيها قوة خارقة تستطيع التأثير في حياة الناس، فتقربوا اليها بالزيارات والقرابين وبالتضرع والتوسل والأدعية لقدسيتها ولتلك القدرة العجيبة التي فيها، فهي من حيث النفع أو الضرر كالأرواح: لوجود قوى خارقة غير منظورة فيها، هي من الأرواح، فتقرب اليها الإنسان لذلك، لغرض الاستفادة منها أو دفع أذاها وطبيعة الأرواح، طبيعة غير مرئية ولا منظورة، هي لطيفة خفيفة مستورة.

إنما يجوز لبعضها الظهور في صورة أشباح، والتجسم على هيأة الأجساد. ثم انها على طبيعتين: شريرة وخيرة، خبيثة وصالحة. من الطبيعة الأولى الشياطين وبعض أنواع الجن، ومن الطبيعة الثانية الملائكة والشطر الثاني من الجن. وأثر الخبيث من الأرواح أوضح وأكثر في عقلية أهل الجاهلية من أثر الفريق الصالح. وهو شيء منطقي مفهوم، فالإنسان إلى الشر أقرب منه إلى الخير، ذلك اْن من طبع الخير عدم إلحاق الأذى بالغير، فلا يخشى منه. أما الشرْير، ففي طبعه إلحاق الضرر والأذى بكل واحد، وفي كل لحظة يراها، لذلك التفتت اليه الأنظار حذراً منه، وخشية من مكره، وتقرّبت وتوددت اليه، لا حباً، ولا تقرباً اليه لأنه جدير به، بل انما تملّقاً وتزلفاً لإبعاد شره، وأمن جانبه على نمط ما يفعله الناس تجاه الأقوياء من الأشرار حيث يتقربو ن اليهم أو يبتعدون عنهم طمعاً ورهبة تمشية لأمور معاشهم، لا حباً لهم واخلاصاًَ لاستحقاقهم ذلك الحب والاخلاص.

وقد ذكر "الجاحظ" ان الأعراب تجعل الخوافي والمستجنّات جنسين يقولون جن " وحن". وقصد ب "الخوافي" الأرواح.، لأنها لا ترى. وذكر غيره ان "الحن"، حي من الجن، كانوا قبل آدم، يقال منهم الكلاب السود البهم، يقال كلب حني أو سفلة الجن وضعفاؤهم او كلابهم ومنه حديث ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، الكلاب من الحن، وهي ضعيفة الجن، فإن كان عندكم طعام فالقوا لهن، فإن لهن أنفساً، أي تصيب بأعينها". وذكر ان "الحن" خلق بين الجن والانس.

وذكر "الجاحظ" أيضاً أن بعض الناس يضم الجنّ على قسمين، فيقول: هم جنّ و "حن.".ويجعل "الجن" أضعفها. وقد ذهب بعض أهل الأخبار إلى أن "الحن"، هم كلاب الجن و سفلتهم، وشر أنواع الجن. ويجعلون الجن فوق الحن.

ويقال للجنّ الجان، و "الجنة" كذلك. و "الجان" اسم جمع للجن على رأي بعض علماء اللغة. وقد ورد في مقابل "الإنس" في القرآن الكريم، ) لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان له(، وصيره اسم أبي الجن بعض العلماء، أي في مقابل ادم أبي البشر. وقد ذهب بعض المستشرقين الى ان كلمة "الجن" من الكلمات المعربة، وذهب بعض آخر الى انها عربية. وأرى انها من الكلمات السامية القديمة، لأن الايمان بالجن من العقائد القديمة المعروفة عند قدماء الساميين وعند غير الساميين كذلك. والجن قوم مستترون، وكلمة "جنون" من هذا الأصل، ومن معاني أصل الكلمة الاستتار.

ولم يتوصل الباحثون حتى الان إلى رأي ثابت في أصل كلمة "الجن". فمنهم من رأى أنهم اسم صنم من أصنام العرب القديمة، ومنهم من رأى أنها من اصل اباه، وخرقوا له بين وبنات، و تخرصوا لله كذباً، فافتعلوا له بنين وبنات جهلا وكذبا. وورد ان الله تزوج الجن، وان الملائكة هم بناته من هذا الزواج. "قال كبار قريش: الملائكة بنات الله. فقال لهم أبو بكر الصديق: فمن أمهاتهم ? قالوا: بنات سراة الجن".

ويفهم من القرآن الكريم أيضاً ان من العرب من كان يعبد الجن: )قالوا: سبحانك، أنت ولينا من دونه، بل.كانوا يعبدون الجن، اكثرهم بهم مؤمنون (. وذكر "ابن الكلبي" ان "بني مليح" من خزاعة رهط طلحة الطلحات، كانوا ممن تعبد الجن من الجاهليين. ويزعمون ان الجن تتراءى لهمْ. وفيهم نزلت: )إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم(. وذكر ان قبائل من العرب عبدت الجن، أو صنفاً من الملائكة يقال لهم الجن. ويقولون هم بنات الله، فاًنزل الله.: )أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة. أيهم اقرب. و يرجون رحمته و يخافون عذابه. إن عذاب ربك كان محذوراً(. وليس لدى المفسرين أو أهل الأخبار علم واضح عن كيفية اعتقاد بعض العرب بألوهية الجن وبمصاهرتها للالهة أو الإلَه. وما ورد عن ذلك في القرآن، مجمل. والظاهر أن ذاكرة الأخباريين لم تتمكن من حفظ تفاصيل هذه العقيدة والعقائد المماثلة الأخرى، ولا بد وأن تكون لها اسطورة قديمة، يظهر أنها ماتت قبل الإسلام، أو أن المسلمين تركوا روايتها لمعارضتها للاسلام ولأنها كانت في نظرهم خرافة تتعلق باًصنام، فلم يروا الاهتمام بها، وتركوها، ولولا ورود ذكرها مقتضباً في القرآن، فلربما صرنا في جهل تام باًمر تلك العبادة.

ويرى "نولدكه" أن الجاهليين لم يتعبدوا للجن، ولم يتخذوها آلهة على نحو ما نفهم من معنىْ الآلهة، وأن "عبد الجن"، وإن دل على التعبد للجن إلا ان هذه التسمية لا تدل حتماً على عبادة للجن.

وتتألف الجن من عشائر وقبائل، تربط بينها رابطة القربى وصلة الرحم. وهي كعشائر وقبائل جزيرة للعرب، تتقابل فيما بينها، ويغزو بعضها بعضاً. ولها أسماء ذكر بعضاً منها أهل الأخبار، كما أن لها ملوكاً وحكاماً وسادات قبائل. فهي في حياتهْا تحيا على شكل نظام حياة الجاهليين. واذا اعتدى معتد على جان انتقمت قبيلته كلها من المعتدي أو المعتدين. وبين قبائل الجن عصبية شديدة، كعصبية القبيلة عند الجاهليين، وهي تراعي حرمة الجوار، وتحفظ الذمم والعقود وتعقد الأحلاف. فنحن إذن أمام حياة.جاهلية مستترة غير منظورة، هي حياة جن جاهلبين، ومن الجن "بنو غزوان" "بنو عزوان".

وقد تتقاتل طوائف من الجن، فيثير قتالها عواصف الغبار، ولذلك فسر الجاهليون حدوث العواصف وللزوابع بفعل الجن. ونجد هذه الفكرة فكرة إحداث الجن للرياح والعواصف في المزامير من أسفار التوراه.

وهم مثل البشر، فيهم الحضر، أهل القرار، وفيهم المتنقلة وهم أعراب الجن، وفيهم من يسير بالنهار، وفيهم من يسير بالليل، وهم "سراة الجن"، و "السراهّ". قال الشاعر: اتوا ناري فقلت منون قـالـوا:  سراة الجن، قلت: عموا ظلاماْ

وللجن كما للانس سادة ورؤساء وعظماء، نذكر منهم: الشنقناق والشيصبان.

وقد ذكر الأول في شعر "بشار بن برد" وفي شعر لأبي النجم، وفي شعر حسان بت ثابت. و "دحرش" أبو.قبيلة من الجن.

وعقد الجاهليون أحلافاً مع الجن على التعاون والتعاضد، فقد ذكر ان قوماً من العرب، كانوا قد تحالفوا مع قوم من الجن من "بني مالك بن أقيش". ويذكر الرواة قصصاً عن الجن مع الإنسان. يذكرون أن "تأبط شراً" رفع كبشا تحت إبطه، وأخذه معه إلى الحي، فصار يبول عليه في الطريق، حتى إذا قرب من مكانه، ثقل عليه، فرمى به، فإذا هو الغول. ويذكرون أن ابن امرأة من الجن أراد الحج في الجاهلية، فخافت عليه أمه من سفهاء قريش، ولكنه ألحّ عليها بان تسمح له بالذهاب. فلما أكمل الطواف، وصار ببعض دور بني سهم، عرض له شاب منهم فقتله، فثارت غبرة شديدة بمكة، ومات من بني سهم خلق كثير قتلهم الجنّ انتقاماً منهم لمقتل الجان، فنهضت بنو سهم وحلفاؤها ومواليها وعبيدها، فتركوا الجبال والشعاب بالثنيّة، فما تركوا حيّة ولا عقرباً ولا عظاية ولا خنفساء ولا شيئاً من الهوام يدب على وجه الأرض إلا قتلوه، حتى ضجت الجن، فصاح صائحهم من على أبي قبيس يطلب وساطة قريش بينهم وبين بني سهم الذين قتلوا منهم أضعاف ما قتله الجن من بني سهم، فتوسطت قريش، وانهي النزاع، وتغلب بنو سهم على الجن.

والجن مثل البشر، يعتدون كذلك، ولا يردعهم من اعتدائهم إلا القوة.

هذا رجل من "بني سهم" يقص علينا في الإسلام انه كان ب "تبالة" يراجع نخلاً له، وبين يديه جارية له، فصرعت، فادرك ان الجن هم الذين صرعوها، فوقف عليها قائلاً: يا معشر الجن ! أنا رجل من بني سهم،وقد علمتم ما كان بيننا وبينكم في الجاهلية من الحرب وما صرنا اليه من الصلح والعهد والميثاق ان لا يغدر بعضنا ببعض، ولا يعود إلى مكروه صاحبه، فإن وفيتم وفينا، وإن غدرتم عدنا إلى ما تعرفون. فخافت الجن من هذا التهديد، وأفاقت الجارية، ولم يصبها بعد ذلك مكروه. وذهب الجاهليون إلى جواز قتل الجن للانسان. وقد بقى هذا الاعتقاد في الإسلام. فلما قتل "سعد بن عبادة بن دليم"، زعم ان الجن قتلته. ولما قتل المغني المعروف "الغريض"، وهو من الموالي، وكان نشأ خياطاً ثم أخذ الغناء بمكة. عن "ابن سريج"،زعم أن الجن نهته أن يغني لحنه الذي يقول فيه: تشرب لون الرازقـي بـياضـه  أو الزعفران خالط المسك رادعه

فلما لم ينته قتلته الجن في ذلك خنقاً وزعم أن الجن خنقت "حرب بن أمية"، وقالت الجن في ذلك شعراً.

وقتلت "مرداس بن أبي عامر"، أبا "عباس بن مرداس"، واستهوت "سنان بن حارثة"، ليستفخلوه، فمات فيهم. واستهووا "طالب بن أبي طالب"، فلم يعثر أهله له على أثر، واستهووا "عمرو بن عدي" اللَّخمي الملك، ثم ردّ وه على خاله "جذيمة بن الأبرش"، بعد سنين وسنين. واستهووا "عمارة ابن الوليد بن المغيرة"، ونفخوا في أحليله، فصار مع الوحش.

ويروي أهل الأخبار ان الجن تتصادق مع الإنسان وتتّباغض معه، وقد تقتله، ورووا في ذلك قصصاً، وذكروا أنها قد تتألم لوفاة رجل طيب أو شهير مجوب. وقد تعطف على المحتاجين والمعوزين. وفي جملة ما قالوه عن الجن ان "أبا هالة" كان قد خرج في الجاهلية في عير لقريش يريد الشام، فنزل وادياً يقال له: "عز"، وانتبه آخر الليل فاذَا شيخ قائم على صخرة، وهو ينشد شعراً في رثاء عبد الله بنُ جدعان، وكان ذلك الشيخ جان من الجن. وقد ذكر أهل الأخبار محاورة من الشعر قالوا انها جرت بين "أبي هالة"، وبين ذلك الشيخ الجني الذي عين وقت وفاة عبد الله بن جدعان وثبته بالضبط فكان كما قال.

وقد يقع الحب بين الجن والإنس. فقد ذكر ان الجنية قّد تتيع الرجل تحبه، ويقال لها: تابعة. ومن ذلك قولهم معه تابعة، أي من الجن. والتابعة جنية تتبع الإنسان كما يكون للمرأة تابع من الجن، يتبع المرأة يحبها. وقد يعشقّ الجني امرأة ويتصادق معها. هذا "منظور" الجني، عشق امرأة اسمها "حبةّ"، وتصادق معها، فكانت "جمة" تتطبب بما يعلمها منظور.

وقد يسرق الجن الأطفال والرجال والنساء، وللاخباربين قصص يروونه في ذلك. وينسب فقدان الأشخاص في البوادي إلى الجن في الغالب. غير انها قد تنفع الناس أيضاً، لأن من الجن من هو طيب النفس، مفيد ناقع، ولاسيما اذا تقرب اليها الإنسان وأحسن اليها. رأى الشاعر عبيد بن الأبرص حية،فسقاها.

فلما ضل جمل له وتاه، نادى هاتف بصوت مسموع سمعه عبيد بن الأبرص مشيراً إلى الموضع الذي ذهب الجمل اليه. فذهب عبيد إلى المكان،وجاء بجمله. وكان هذا الهاتف هو صوت الحية التي هي جان من الجن.

وقد يتصاهر الإنسان مع الجن، فقْد كان لعمرو بن يربوع بن حنظلة التميمي زوج من الجن: ولكنها لم تبق معه، بل اختفت بعد ذلك عند ظهور البرقْ. ونسبت بعض الأسر والقبائل مثل "بني مالك"، و "بني شيصيان"، و"بني يربوع بن حنظلة" وعرفوا ببني السعلاة إلى الجن. ونسب بعض الأخباريين نسب بلقيس وذي القرنين إلى الجن. وذكر أيضا أن زوج "عمرو بن يربوع التميمي" كانت سعلاة، اقامت مع زوجها في "بني تميم": فلما رأت برقاً يلمع من شق بلاد السعالى، حنت وطارت اليهم، فقال شاعرهم: رأى برقاً فأوضع فوق.بكر  فلا بك ما أسأل وما أغاما

وفي ذلك قال "علباء بن أرقم".: يا قاتل الله بني الـسـعـلاة  عمرو بن يربوع شرار الناتِ

وقد تعرض "الجاحظ" لموضوع زواج الانس بالجن وبالعكس، أي زواج الجن يالانس. وتعرض لقول من قال إن "بلقيس" كانت من امرأة جنيّة. وذكر آراء الناس في هذا الزواج المختلط، الذي شك في امكان انجاب نسل منه. وقال: "وقد يكون هذا الذي نسمعه من اليمانية والقحطانية، ونقرؤه في كتب السيرة، قص به القصاص، وسمروا به عند الملوك. وقد كان لأهل اليمن قصص وأساطير، بدليل ما نلاحظه من أن معظم رواة القصص القديم كانوا من أهل اليمن في صدر الإسلام. ويظهر أنهم حذقوا به وتفوقوا به على بقية العرب الذين نسميهم العدنانيين بسبب دخول كثير منهم في اليهودية وفي النصرانية وشرائهم الكتب،وفيها قصص من قصص أهل الكتاب والأساطير القديمة، فمزجوه مع ما كان لهم من قصص وثني قديم.

وقد أطلق "الجاحظ" على قول الناس بزواج الانس بالجن وبالعكس "الزواج المركب"، وأشار إلى قول الشاعر علباء بن أرقم: يا قاتَلَ اللهُ بني السـعـلاة  عمراً وقابوسا شرار النات

انه الدليل على ان السعلاة تلد الناس. هذا سوى ما قالوا في الشق وواق واق ودوال باي وفي الناس والنسناس.

وذكر أيضاً ان أعراب بني مرة تزعم ان الجن استهوت سناناً بن أبي حارثة المري، وهو والد هرم بن سنان، لتستفحله إذ كان منجباً، وكان سنان قد هام على وجهه.

وقد وجه الإنسان جميع مواهبه منذ أقدم ايامه لتسخير عالم الأرواح، وجعله في خدمته وتحت تصرفه، أو لتحويله بحسب رغباته، وتجنب ضرره وأذاه. قام بذلك رجال الدين خاصة، ورجال الدين بحكم اتصالهم بالآلهة وبالعالم غير المنظور، هم خلفاء الالهة على وجه الأرض، وألسنة الأرواح الناطقة بين الناس. فكانوا. حكاماً ورجال دين وسحرة وأطباء وعلماء، كما قام بذلك المنجمون والسحرة والكهان وغيرهم ممن تكهن وتحدث عن الغيب، وأظهر ان في قدرته التأثير على حياة الإنسان ونفعه وضره بالاستعانة بعالم الأرواح وبما عنده من قدرات خارقة في امكانها اختراق حجب الأسرار والتحكم في العالم الخفي لتحويله إلى صالح انسان أو الى الاضرار به.

وليس الجاهليون بدعاً في هذه الأمور،بل كان غيرهم من الشعوب كالعبرانيين والبابليين والاغريق والرومان والمصريين والهنود وكل الشعوب الأخرى تعتقد بذلك. ولها رجال ادعوا العلم.

وقد كان الجاهليون يعلقون الحلي والجلاجل على "اللديغ"، يفعلون ذلك لاعتقادهم انه يفيق بذلك، فلا ينام. ولو نام، سرى السم في جسمه، فمات. وذهب بعضهم إلى ان تعليق الحلي على اللديغ يبرئه من ألمه. أما إذا علق الرصاص عليه، أو حلي به، فانه يموت.

وتقوم الجن بأعمالها بشكل غير منظور في الغالب، لانها أرواح. وهي قد تحذر الإنسان أو ترشد إلى شيء يريده بصوت جهوري مسموع، يقال له: الهاتف، دون أن يرى الشخص أو الأشخاص صاحب ذلك الصوت. وهي تنبىء عن المستقبل كما تتحدث عن الماضي. وقد ذكر "الجاحظ" أن الأعراب وأشباه الأعراب لا يتحاشون من الإيمان بالهاتف، بل يتعجبون ممن ردّ ذلك. ثم قال: "قالوا:ولنقل الجن الأخبار علمَ الناس بوفاة الملوك، والأمور المهمة، كما تسامعوا بموت المنصور بالبصرة وفي اليوم الذي توفي فيه بقرب مكة. وهذا الباب أيضاً كثير.

والجن وان كانت من الأرواح، أي أنها غير منظورة، إلاّ أن في استطاعتها أن تتجسم متى شاءت. فتظهر على هيئة جسم من الأجسام. إذ أن للجن قدرة على التشكل بالشكل الذي تريده، تظهر في مورة حيوان أو في صورة إنسان أو غير ذلك. ومن هنا نجد قصص مصاهرة الإنسان للجن، وظهور نسل وأسر من هذا الزواج. وفي استطاعتها أيضاً تغيير الشكل الذي ظهرت به بشكل آخر حيث تشاء. كما ورد ذلك في قصة الشاعر "تأبط شراً" والكبش الذي حمله، بينما هو جني. ومن هنا تختلف طبيعتها عن طبيعة ألبشر والحيوان.

وقد تمثل الجن في صور حيوانات مشعرة، أي ذات شعر كثيف. فالجن عند الشعوب السامية ذات شعر كثيف، لذلك قيل لها "سعريم" "Sa'irim" في العبرانية. وهي تختار الأماكن الموحشة المقفرة في الظلام، مثل رهبان اليل "ليليت" "Lilith"، وتذهب مع الحيوانات ااتي تنفر من الإنسان مثل النعامة. وفي الأساطير الجاهلية ان البقر اذا أوردت "فلم ترد، ضربوا الثور ليقتحم الماء، فتقتحم البقر بعده، ويقولون إن الجن تصدّ البقر عن الماء، وان الشيطان يركب قرني الثور. وقد ذكرت هذه الأسطورة في أشعار جاهلية، يظهر من نقدها ودراستها انها من آثار العقائد الجاهلية في الجن. وقد اتخذت مثلاً لمن ينزل عليه مكروه في سبيل إخافة غيره، فيكون بذلك كبش الفداء. واعتقادهم ان الشيطان يريكب قرني الثور، هو الذي جعلهم يتصورون ان الثور يتقدم البقر في شرب الماء ذلك لأن الشيطان ركب قرنيه، فلا يخشى الثور اذن من الجن، والشيطان أخبث أنواع الجن وأذكاها. فتخافه الجن، وتفسح المجال للبقر في ورود الماء. أما ضرب الثور لتوجيهه إلى الماء، فلاجل ان الشيطان ركب قرنية، فبضربه وبتقدمه يتقدم الشيطان نحو الماء فتخافه الجن وتفزع منه، وتسمح للبقر بورود الماء، ولهذا ضرب، ليستفيد بذلك غيره.

وأهم مواطن الجن في نظر الجاهليين، هي المواضع الموحشة، والأماكن المقفرة التي لا تطرق إلا نادراً والمحلات التي لا.تلائم الصحة، والمقابر والاماكن المظلمة والمهجورة. ففي مثل هذه المواطن تنزل الجن، وتفضل الاقامة بها، وسبب ذلك، هو أن الإنسان يخشى هذه المواضع، ويحس بشيء من الخوف والوحشة من الدخول اليها، فقد يتعرض فيها إلى التهلكة، فاوحى هذا الاحساس اليه أنها "مسكونة"، وأن سكانها هم الجن. وأنهم قد يتعرضون له بسوء إن لم يعرف كيف،يسلك سلوكاً طيباً معها،ولذلك صار يتحاشى ولوج هذه المواضع، لا سيما في الليالي المظلمة، واذا دخلها مضطراً، تخيل الأشباح والأرواح وهي تلعب به كيف تشاء، وتحوم حوله. ومن هنا ظهر عنصر القصص المروي عن مواطن الجن.

وسكنت الجن المواضع المظلمة والفجوات العميقة فيها وباطن الأرض، ولذلك قيل لها: ساكنو الأرض. كما سكنت المقابر. والمقابر هي من المواضع الرئيسية المهمة المأهولة بالجن، ولذلك يخشى كثير من الناس ارتيادها ليلاٌ. وهي لا بد أن تكون على هذه الصفة، فهي مواطن الموتى، وأرواح الموتى تطوف على القبور، والموت نفسه شيء مخيف، والجن أنفسها أرواح مخيفة، فهل يوجد موضع أنسب من هذا الوضع لسكن الجن ? وتزعم الأعراب أن الجن سكنت "وبار". وحمتها من كل من أرادها ؛ وهي بلاد من أخصب بلاد العرب، وأكثرها شجراً، وأطيبها ثمراً واكثرها حباً وعنباً. فإن دنا إنسان من تلك البلاد متعمداً أو غالطاً، حثوا في وجهه التراب. فإن أبى الرجوع خبلوه، وربما قتلوه. فليس في تلك البلاد إلا الجن، والإبل الحوشية.

وقد زعم ان "يبرين" من مواطن الجن. وكانت في الأصل مواضع عاد. فلما هلكت، سكنتها قبائل الجن. وقد روى أهل الأخبار قصصاً عنها وعن اتصالها بالانسان. وزعم بعض منهم ان "النسناس"، هم قوم من الجن.

وقد ورد مثل هذه الاقوال عن مواضع أخرى كانت عامرة آهلة،ثم أقفرت، مثل الحجر موضع ديار ثمود، مما يدل على ان من اعتقادات العرب قبل الإسلام هو ان المواضع التي تصيبها الكوارث تكون بعد هلاك أصحابها مواطن للجن. وفي مثل هذه الأساطير عند العبرانيين وعند غيرهم من الشعوب.

وأشير في شعر "لبيد" إلى "جن البدي". قيل: "والبدي: البادية، أو موضع بعينه" وقيل واد لبني عامر. وأشار "النابغة" إلى "جنة البقار". وذكر ان البقار واد، أو رملهْ، أو جبل، سكنته الجن، فنسبت اليه. وأشير إلى "جنة عبقر" في شعر "زهير" و "لبيد" و "حاتم". وعبقر أرض بالبادية كثيرة الجن، وذكر بعضعهم انها باليمن، قال لبيد: ومن فاد من اخوانهم وبنيهم  كهول وشبان كجنة عبقر

وقال بعض العلماء: عبقر قرية يسكَنها الجن فيما زعموا، فكلما رأوا شيئا ًفانقاً غريباً مما يصعب عمله ويدق أو شيئاً عظيماً في نفسه نسبوه اليها. ولهذا قالوا: للعبقري للسيد الكامل من كل شيء، وللذكي الممتاز.

والمواضع المذكورة هي المواضع المفضلة المختارة لسكنى الجن. غير أن مواطن الجن غير محدودة ولا معينة، إنها تسكن كل موضع ومكان، حتى بيوت الناس لا تخلو منها، بل حتى البحار والسماء لا تخلو منها كذلك، فدولتها إذن على هذا الوصف اوسع من دولة الإنسان. وعلى من سكنت الجن بيته الا يمسها بأذى ولا يلحقها اْي سوء، وأن يقوم بترضيتها بالبخور وبما شاكل ذلك مما تحبه الجن، وإلا أساءت اليه، وجعلت بيته مؤذياً شؤماً، لا يرى من يسكن فيه أي خير.

وكان الرجل في الجاهلية إذا اطرّف داراً ذبح فيها ذبيحة، يتقي بها اذى الجن، لاعتقادهم ان في كل دار جنّا يقيمون بها فلترضيتهم وللتقرب اليهم، يذبحون ذبيحة عرفت عندهم ب "ذبائح الجن" ولا تزال عادة الناس ذبح ذبيحة عند الابتداء ببناء دار، وعند الانتقال اليها. وكانوا أيضاً يذبحون ذبيحة عند استخراجهم عيناً، أو شرائهم داراً، أو بنيانهم بنياناً، مخافة أن تصيبهم الجن، فأضيفت الذبائح اليهم لذلك. وقد نهى النبي عن ذبائح الجن.

وكان في اعتقادهم ان الأماكن المذكورة مليئة بالجن، لذلك كانوا يستجيرون برجال من الجن في اسفارهم، اذا نزلوا منازلهم، يقولون: نعوذ بأعز أهل هذا المكان، أو اني أعوذ بكبير هذا الوادي. والى ذلك أشير في القرآن الكريم:)وانه كان رجال من الانس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً(. روي، عن "حجاج بن علاط السلمي"، انه قدم مكة في ركب فأجنهم الليل بواد مخوف موحش، فقال له الركب: قم خذ لنفسك أماناً ولأصحابك، فجعل يطوف بالركب ويقول: أعيذ نفسي وأعيذ صحبي  من كل جني بهذا النقـب

حتى أأوب سالماً وركبي

فوصل وركبه سالماً إلى مكة دون أن يمسه أو أن يمس من كان معه من الركب أحد بسوء.

وروي أن الرجل منهم كان إذا ركب مفازة وخاف على نفسه من طوارق الليل عمد الى واد ذي شجر فأناخ راحلته في قرارته وهي القاع المستديرة وعقلها وخطّ عليها خطاً ثم قال: أعوذ بصاحب هذا الوادي. وربما قال بعظيم هذا الوادي. قال أحدهم: العزاف بأنه موضع يسمع به عزيف الجن.

وقد موًن القصص الاسرائيلي أهل الجاهلية بشيء مما كان ينقصهم من أساطير الجن، وتوسع وزاد هذا القصص في الإسلام، حتى تولد منه هذا الذي نجده مدوناً عن أخبار الجن في المؤلفات الاسلامية.

وتخبر الجن الإنسان حوادث تقع في مواضع بعيدة، وهو لا يعلم عنها شيئاً. فلما هبط "نباش بن زرارة بن وقدان"، زوج "خديجة بنت خويلد" قبل النبي، وادياً يقال له "عز"، انتبه في آخر الليل، فاذا شيخ قائم على صخرة، وهو يقول: ألا هلك السيّال غيث بني فـهـر  وذو العز والباع القديم وذو الفخر

فقال له نباش: ألا أيها الناعي أخا الجود والفخر  من المرء تنعاه لنا من بني فهر

وبقيا يقولان الأبيات، حتى أخبره الشيخ بوفاة "عبد االّه بن جدعان" في وقتَ حدده وظبطه له. فلما وصل مكة، علم بوفاته على نحو ما أخبره به ذلك الشيخ. وهو جني من الجن، ينظم الشعر، وقد رثى "ابن جدعان".

ونجد في شعر الشعراء الجاهليين أمثال "أمية بن أبي الصلت" و "الأعشى" إشارات إلى الجن. وهم من أقل الجاهلية الذين كان لهم اتصال بأهل الكتاب وبكتبهم، وقد زعم أن بعضاً منهم كان قد قرأ تلك الكتب ووقف على العبرانية أو السريانية. ولهذا ورد في شعرهم شيء من قصصهم أهل الكتاب. وفي جملة ما ذكرته من اشاراتهم الى الجن. وتراهم يربطون بينها وبين "سليمان" 0 أخذوا ذلك ولا شك من الأساطير العبرانية، التي صيرت ألجن في خدمة "سليمان". فنجد الأعشى يقول: وسخر من جن الملائك تسعة  قيامهاً لديه يعملون محاربـا

قصد بذلك "سليمان" ونجد ان في.جملة ما نسب عمله إلى جن سليمان بعض المواضع مثل تدمر وقصر غمدان.

وقال النابغة الذبياني: إلا سليمان إذ قـال الإلـه لـه  قم في البرية فاحددها عن الفند

وخَيسِّ الجن إنـي قـد أذنـت  لهم يبنون تدمر بالصفاح والعمد

فمن عصاك فعاقبه مـعـاقـبة  تنهىْ الظلوم ولاتقعدعلى ضمد

وفي هذا الشعر إن صح آنه من نظم النابغة حقاً، دلالة على تأثر الشاعر بالأسطورة اليهودية عن "تامار"، وعن جن سليمان.

ونسبوا السيوف المأثورة إلى جن وشياطن "سليمان". ونسبوا اليه واليهم أشياء عديدة أخرى. وقد ادعى اناس من الجاهليبن انهم كانوا يرون الغيلان والجن، ويسمعون عزيف الجان، أي صوت الجن. وقد بالغ الأعراب في ذلك، وأغربوا في قصص الجان، لما كانوا يتوهمونه من ظهور الأشباح لهم في تجوالهم بالفيافي المقفرة الخالية، فتصوروه جناً وغولاَ وسعالى، وبالغوا في ذلك أيضاً، لما وجدوه في أهل الحضر ولا سيما في الإسلام من ميل إلى سماع قصص الجان والسعالى والغول. وقالوا انهم ربما نزلوا بجمع كثير، ورأوا خياماً، وقباباً، وناساً، ثم اذا بهم يفقدونهم من ساعتهم، وذلك لأنهم من الجنْ.

ونسبوا إلى الجن إحداث كَثير من الأمور غير الطبيعية،مثل الأمراض والأوبئة والصرع والاستهواء والجنون خاصة. فالجنون هو تلبس الجن بالانسان ودخولهم جسمه. لذلك ربطوا بين الجن والجنون. ويرى "نولدكه" ان فكرة أن الجنون من عمل الجن، عقيدة قديمة وجدت عند غير العرب كذلك. فقد كان الايرانيون يطلقون على المجنوتْ لفظة "ديوانه" "Devana"، أي الذي به "ديو" "Dev " من الأصل "ديوه، Daiva"، ومعناها "Demon " أي جان. ومن هذه الفكرة دخلت في العهد الجديد من الكتاب المقدس. ومن الفارسية دخلت "ديوان" "Daiwan " في الإرمية بينما دخلت إلى الفارسية كلمة "شدها" ""Shedha" من أصل "شدهان "Shedhanٍ" الإرمي واستعملت في مقابل "Deo" أي جان. و "شيسده" "Shedh" في الإرمية الجان.

وهم يزعمون أن الجن اذا عشقت انساناً صرعته، ويكون ذلك على طريق العشق والهوى، وشهوة النكاح. وأن الشيطان يعشق المراة، وان نظرته اليها من طر يق العجب بها أشد عليها منُ حمى أيام، وان عين الجان أشد من عين ا لانسان.

والعرب تزعم أن الطاعون من الجن، ويسمون الطاعون رماح الجن. قال الأسدي للحارث الملك الغساني: لعمرك ما خشيت على ابي  رماح بني مقيّدة الحمـار

ولكني خشيت علـى أبـي  رماح الجن أو إياك حار

وللجنّ حوار مع الإنس وكلام تجده منثوراً كما نجده منظومأَ فى شعر ينسب إلى اأشعراء الجاهليين. ويرويَ الأخباريون شعراً ينسب إلى "جذعّ بن سنان" ورد فيه وصف ملاقاته الجن. ومحاورته معها ودعوته إياها إلى الطعام وامتناعها عن الأكل، كما رووا شعراً لغيره يصف ملاقاة بين الجن وبين أصحاب هذا الشعر. وهو قصص لم يبخل على ألجن فأعطاها شعراً من هذا الشعر الجاهلي الفصيح وقد سخر "الخيتعور" أحد "بني الشيصبان" من الجن من الأشعار التي جمعها "المرزباني" "المتوفى سنة 384"، من شعر الشعراء الجن، فما هذا ا إلذي جمعه إلا قطعة من شعرهم، وهل يعرف البشر من النظم كما يعرف الجن.

وانما للبشر خمسة عشر جنساً من الموزون، قل ما يعدوها القائلون، وإن للجن آلاف الأوزان ما سمع بها إلإنس.

طعام الجن

وطعام الجن مثل طعام الإنسان، وهم يشاركونه أكله، في بعض الأحيان.

" رووا عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، انه سأل المفقود الذي استهوته الجن: ما كان طعامهم قال. الفول. قال: فما كان شرابهم قال: الجدف. ورووا ان طعامهم الرمة وما لم يذكر اسم الله عليه. وقد جاء قوم من الجن إلى نار شمر بن الحارث الضبي، فدعاهم إلى الطعام بقوله: أتوا ناري فقلت منـون قـالـوا  سراة الجن قلت عموا ظـلامـا

فقلت إلى الطعام فقال منهم زعيم.  نحسـد الإنـس الـطـعـامـا

والحوشي من الإبل هي التي قد ضربت فيها فحول إبل الجن. فالحوشية من نسل ابل الجن. ويقال انها منسوبة إلى "الحوش" بلاد الجن من وراء رمل يبرين، لا يمر بها أحد من الناس، وقيل هم من بلاد الجن. وقيل الحوشية إبل الجن، أو منسوبة إلى الحوش وهي فحول جن، تزعم العرب انها ضربت في نعم "بني مهرة بن حيدان" فنتجت النجائب المهرية من للك الفحول الوحشية، فنسبت اليها، فهي لا يكاد يدركها التعب.

الحية

والحية من أكثر الحيوانات وروداً في القصص الذي يرويه الأخباريون عن الجن. وقد جعلوها فصيلة مهمة من فصائلها، ونوعاً بارزاً من أنواعها. قال بعض العلماء: الجان، حية بيضاء، وقال بعض آخر: الجان حبة، أو ضرب من الحيات. ولما قام "حرب بن أمية" جد معاوية بن أبي سفيان مع "مرداس ابن أبط عمرو" باصلاح "القرية"، وهي إذ ذاك غيضة شجر ملتف لايرام، فأضرما النار في الغيضة، فلما استطارت وعلا لهيبها سمع من الغيضة أنين وضجيج كبير، ثم ظهرت منها حيات بيض تطير حتى قطعتها وخرجت منها، فما لبث أن مات الرجلان، أماتهما الجن على ما يزعمه رواة هذا الخبر. ولعلهما ماتا بعضة حية من تلك الحيات التي كانت ساكنة بين تلك الأعشاب وقد هاجتها تلك النيران. ومثل هذه المواضع تكون موئلاً للحيات والحشرات، فابتدعت مخيلة القصاصين هذه القصة عن فزع الجن وطيرانها في صورة ثعابين بيض. ويعلل "نولدكه" وفاتهما بفعل الاختناق من الغاز الذي تصاعد من الاحتراق.

وذكروا أن الحيّة لا تموت حتف أنفها، وإنما تموت بعرض يعرض لها. وانها تصبر على الجوع حتى ضرب بها المثل في ذلك. وانها اذا هرمت صغرت في بدنها. ولم تشته الطعام. وانها تنطق وتسمع. وقد أورد أهل الأخبار شعراً في ذلك، ذكروا أنه للنابغة. ومذهب النابغة في الحيات مذهب أمية بن أبي الصلت، وعدي بن زيد وغيرهما من الشعراء الذين تأثروا برأي أهل الكتب فيما جاء عن الحية في العهدين وفي كتب الشروح والتفاسير والقصص الاسرائيلي القديم.

ولم تنفرد مخيلة الجاهليين وحدها باختراع اسطورة ان الحيات هي من الجن، وانها جنس منها، فان غير العرب من الساميين مثلَ العبرانيينَ كانوا يقولون أيضاً بهذا القول. وكذلك قال بهذه الأسطورة غير السامين، مما يدل على انه من الأساطير القديمة جداً التي انتشرت عند البشر، بسبب ما قاسوه في ايام بداوتهم من هذا الحيوان. ونجد قصة الحية في سفر التكوين. وهي في هذا السفر أشد الحيوانات حيلة، فهي التي خدعت حواء خدعتها الشهيرة، وسببت طردها وطرد زوجها آدم من الجنة إلى الأرض.

ولعقيدنهم هذه في "الحية"، كانوا اذا وجدوا حية. ميتة كفنوها ودفنوها، فعلوا ذلك في الإسلام أيضاً جاء انه بينما كان "عمر بن عبد العزيز" بمشي في أرض فلاة، فاذا حية ميتة فكفنها بفضلة من ردائه ودفنها. وورد انه كان جمع من أصحاب رسول الله يمشون فوقع لهم اعصار، ثم جاء اعصار أعظم منه، ثم انقشع، فاذا حية قتيل، فعمد رجل منا. إلى ردائه وكفّن الحية ببعضه ودفنها. فلما جنّ الليل اذا امرأتان تساءلان أيكم دفن عمرو بن جابر فقلنا ما ندري ما عمرو بن جابر فقالتا إن كنتم ابتّغيتم الأجر، فقد وجدتموه. إن فسقة الجن اقتتلوا مع المؤمنين منهم. فقتل عمرو، وهو الحية التي رأيتم".

وفي الحديث: انه نهى عن قتل الجنان. هي الحيات التي تكون في البيوت،واحدها جان،وهو الدقيق الخفيف. والجان الشيطان أيضاً، وورد فيَ الحديث: ذكر الحيات، فقال: من خشي خبثهن وشرهن واربهن، فليس منا. أي من توقى قتلهن خشية شرّهن فليس ذلك من سنتنا. وكانت الجاهلية تقول انها تؤذي قاتلها أو تصيبه بخبل.

وذكر العلماء أن "اللاهة" الحية، أو الحية العظيمة. وأن "اللات"، الصنم المعروف أصله "لاهة" كأنه سمي بها. وان اسم الجلالة منها. وفي الأساطير إلجاهلية ما يفيد تعبد الجاهليين للحية، وفي هذا التفسير ما يؤيد هذا الرأي.

ويقال للحية: "بنت طبق". و "بنات طبق" الحيات، والحية "أم طبق" وبنت طبق. وهي "الدواهي" ومن أساطيرهم أن بنت طبق سلحفاته تبيض تسعاً.وتسعين بيضة كلها سلاحف، وتبيض بيضة تنقف عن حية. والحيات شياطين، وللعرب شجر يطلقون عليه "الصوم" " كريه المنظر جداً، يقال لثمره "رؤوس الشياطين" اي الحيات، وليس له ورق.

الغول

وقصص الغول هي من أشهر القصص الجاهلي إلمذكور عن الجن، ومع خطر الغول وشراسته في رأي الجاهلين، ورد في قصصهم تزوج رجال من الإنس منهم. وورد ان الشاعر "تأبط شراً" تعرض بغيلة. فلما امتنعت عليه، جللها بالسيف فقتلها..وهم يروون ان من الممكن قتل الغول بضربة سيف. أما اذا ضربت مرة ثانية، فانها تعيش ولو من ألف ضربة. وهكذا ترى قصصهم يروي تغلب الإنسان على الغيلة في بعض الأحيان. وأكثر قصصم عن الغول منسوب الى "تأبط شراً". وللقب الذي يحمله هذا ا!شاعر أو حمل عليه دخل، ولا شك، في ظهور هذا القصص.

ويرى علماء اللغة أن من معاني "الغول." التلون، وإلظهور بصور مختلفة، والاغتيال. ويرون أن الغول أنثى وأما ذكرها فسمى. "قطرباً". ولصفة التلون والظهور بصور مختلفة سموا الغول "حيتموراً"، وهو كل شيء لا يدوم على حالة واحدة، ويضمحل كألسراب. وذكر في وصف غدرها بالإنسان أنها اذا أرادت أن تضل إنساناً وقدت له ناراً، فقصدها، فتدنوا منه، وتتمثل له في صور مختلفة، فتّهلكه روعاً، وان خلقتها خلقة إنسان، ورجلاها رجلا حمارْ.

وذكروا ان الغول هو لسم لكل شيء من الجن يعرض للسفار، ويتلون في ضروب الصور والثياب، ذكراً كان أو أنثى، وقد قال "كعب بن زهير" الشاعر الصحابي، الذي مدح الرسول، في وصف تلون الغول: فما تدوم على حالً تكون بها  كما تلوّن في أثوابها الغول

وفي تلوّن الغول يقول "عباس بن مرداس ألسلمي":

أصابت العامَِ رعلاً غول قومهم  وسط اابيوت ولون الغول ألوان

فالغول تتحول في أي صورة شاءت، وتتمثل في صور مختلفة، إلا رجليها، فلا بد من ان تكونا رجلي حمار.

وذكر ان "الغول" "السعلاة"، وهما مترادفان، وذكر ان الغيلان جنس من الجن والشياطن، والعرب تسمي الحية الغول. وقيل ان "أنياب أغوال" الواردة في شعر لأمرىء القيس، الحيات، وقيل الشياطين.

وإلى الشاعر "لحبيد بن أبوب" شاعر "بني العنبر"، يعود قسط كببر من القصص الوارد عن "الغول" و "السعلاة". فقد كان يخبر في شعره انه يرافق الغول والسعلاة، ويبايت الذئاب والأفاعي، ويؤاكل الظباء والوحش. وقد أورد أهل الأخبار شيئاً من شعره في هذا البابْ. وذكر بعض علماء اللغة، ان الغول الذكر من الجن، والسعلاة الأنثى. والغول ساحرة الجن، وتقول إن الغول يتراءى في الفلاة للناس فتضلهم عن الطريق.

واما "السعالي"، وواحدتها السعلاة، فذكر أنها سَحرة الجن، وقيل: إن الغيلان جنس منها، وان الغيلان هي إناث الشياطين، وأنها - أي السعالي - أخبث الغيلان، وأكثر وجودها في الغياض، وانها إذا ظفرت بإنسان ترقصه وتلعب به كما يلعب القط بالفأر،وان الذئب يأكل السعلاة. وذكر ان "السعلاة" اسم الواحدة من نساء الجن إذا لم تتغول لتفتن السفّار. وهم إذا رأوا المرأة حديدة الطرف والذهن، سريعة الحركة مممشوقة ممحصة، قالوا: سعلاة. وقال ا لأعشى: ورجالً قتلى بجنبي أريك  ونساء كانهن السعالـى

وذكر أن في الجن سحرة كسحرة الانس لهم تلبيس وتخييل، وهم السعالى. وهم أقدر من الغيلان في هذا الباب.

الشيطان

والشيطان هو "Satan" في الانكليزية، و "Diabolos" في الإغريقية. ويرجع علماء اللغة كلمة "الشيطان" إلى أصل "شطن"، ويقولون إن من معاني هذه الكلمة الخبث، ولما كان الشيطان خبيثًا قيل له "شيطان" ومعنى ذلك ان.فكرة خبث الشيطان كانت معروفة لصاحبها قبل التسمية. فلما بحث عن لفظة مناسبة لها، اختاروا هذه الكلمة الني تدل على الخبث. وهو تعليل من تلك التعليلات المعروفة المألوفة الني كان يرجع اليها علماء اللغة كلما أعياهم الوصول إلى أصول ا لأشياء.

و "الشيطان" "ساطان" "سطن" في العبرانية، ومعناه: عدو ومشتك. في هذه اللغة. ومن هذه اللغة جاءت لفظة "Satan" في الانكليزية.

وذكر "الطبري": والشيطان في كلام العرب كل متمرد من الجن والإنس والدواب وكل شيء" ثم قال: "وانما سمي المتمرد من كل شيء شيطاناً لمفارقة أخلاقه وأفعاله أخلاق سائر جنسه وأفعاله وبعده من الخير. وقد قيل انه أخذ من قول القائل شطنت داري من دارك، يريد بذلك بعدت. ومن ذلك قول نابغة بني ذبيان: نأت بسعادً عنك نوى شطون  فبانت والفؤاد بها رهـين

والنوى الوجه. للذي نوته وقصدته، والشطون البعيد. فكأن الشيطان على هذا التأويل شطن. وما يدل على ذلك كذلك، قول أمية بن أبي الصلت: أيما شاطن عصاه عـكـاه  ثم يلقى في السجن والاْكبال

ولم ترد لفظة "الشيطان" في شعر الشعراء الجاهليين، خلا شعر "أمية بن أبي الصلت" و "عدي بن زيد العبادي". والأول شاعر وقف،على ما يظهر من شعره، على شيء من اليهوذية والنصرانية. وأما الثاني، فهو نصراني، لذلك يجوز لنا ان نرجع علمهما. بالشيطان إلى ما جاء في اليهودية والنصرانية عنه، ولذلك نستطيع ان نقول ان هذه اللفظة جاءت العربَ عن طريق أهل الكتاب.

وذكر علماء اللغة، أن "الأزب" اسم من أسماء الشياطين، وذكروا أن "الأزب" شيطان اسمه أزب العقبة، وقيل هو حية وأن من أسماء الشيطان: "الحُباب". ويقع على الحية أيضاً، لأن الحية يقال لها شيطان، وفي حديث: "الحباب شيطان"وذكروا أن من أسماء الشيطان "الطاغوت".

ومن الشياطين، شيطان اسمه "زوبعة"، وقيل هو رئيس للجن. ومنه سمي الإعصار زوبعة، ويقال أم زوبعة وأبو زوبعة وهو الذي يثر الاغبار، حين يدور على نفسهه، ثم برتّفع في السماء ساطعاً كأنه عمود.

وأما ما ورد في القصص عن الشياطين عند الجاهليين، فهو يختلف عما جاء عن الشيطان في الكتب اليهودية والنصرانية، مما يدل على أن منبعه منبع آخر، وان "الشيطان" عند الجاهليين، هو غير الشيطان المعروف عند اليهود والنصارى، الذي دخل إلى العرب قبيل الإسلام وفي الإسلام.

ومن القصص المذكورة، استمد بعض الجاهليين قصصهم عن ذكاء الشيطان وعن حيله. ومن هذا القصص ولا شك استعمل الناس مصطلح "تشيطن" و "الشيطنة" بمعنى الذكاء والحيلة، لما رسخ في ذهنهم من ذلك القصص عن ذكاء الشيطان وسعة حيله وتلاعبه بأذكى البشر. وهو في التوراة ذو طبع شرير، وزعيم العصاة لأوامر الله يضل الناس بهم سبيل الخطيئة ولذلك تعوذوا منه.

ومن القصص المذكور استمد أيضاً حكماء اللغة ما ذكروه من ان كلمة،الشطن تعني الحية، فقي ذلك القصص ظهور ألشيطان على صورة حية خدعت ابوينا ادم وحواء في الجنة. وتمثل هذا القصص في الأدبين العبراني والنصراني. وسبب ذلك هو ما علق بأذهان العبرانيين من مكر الحيات ودهائها وخبثها وميلها إلى الشر، وما علق بذهنهم عن هذه الصورة في الشيطان. والحية هي عند أكثر المستشرقين رمز يشير إلى الثورة والعصيان والشر. وهذه الفكرة هي من اسطورة شرقية قديمة على سقوط البشرية في الشر، وتمثل في سقوط آدم وحواء وطردهما لذلك من الجنة، وفي تعاليم زرادشت من ان الشرير ظهر في هيأة حية، وأخذ يعلم الناس الشر.

وزعم ان "شيطان الحماطة" الحية. وورد "شيطان حماط". ولعل ذلك بسبب لجوء الحيات إلى الحماط، والحماطة شجرة شبيهة بالتين، وهي أحب الشجر إلى الحيات، إذ تألفها كَثيراًْ. وفي هذا المعنى ورد في قول الشاعر: تلاعبُ مثنى حضرمي كأنـه  تعمج شيطان بذي خروع قفر

والتعمج التلوي. والمراد هنا تلوي شيطان بمكان قفر نبت فيه الخروع. وقصد بالشيطان الحية.

وقد وصف الشيطان بالقبح، فإذا أريد تعنيف شخص وتقبيحه، قيل له: يا وجه الشيطان وما هو إلا شيطان، يريدون بذلك القبح، وذلك على سبيل تمثيل قبحه بقبح الشيطان. وقيل: الشيطان حية ذو عرف قبيح الخلقة.

وقيل إنه كان حية زعم أنها تأتي حول البيت، فلا يطوف أحد. ولما شرعوا ببناء الكعبة في أيام شباب الرسول،جاء طير فالتقط الحية. ولقبح وجه الشيطان، قالوا للذي به لقوة أو شتر، إذا سبّ: يا لطيم الشيطان. وقالوا للمتكبر الضخم: ظل الشيطان. وكانوا إذا،أرادوا ضرب مثل بقبح انسان قالوا: لهو أقبح من الشيطان. وقالوا لشجرة تكون ببلاد اليمن،لها مظهر كريه "رؤوس الشياطين"4. وبهذا المعنى فسرت "رؤوس الشياطن" في الاية: )إنها شجرة تخرج من أصل الجحيم: طلعها كانه رؤوس الشياطين(، يقول تعالى ذكره كأن طلع هذه الشجرة، يعني شجرة الزقوم في قبحه وسماجته رؤوس الشياطين في قبحها، وذلك أن استعمال الناس قد جرى بينهم في مبالغتهم إذا أراد أحدهم المبالغة في تقبيح الشيء، قال: كأنه شيطان، فذلك أحد الأقوال. والثاني أن يكون مثل برأس حية معروفة عند العرب تسمى شيطاناً. وهي حية له عرف فيما ذكر، قبيح الوجه والمنظر، وإياه عنى الراجز، يقوله: عنجرد تّحلف حين أحـلـف  كمثل شيطان الحماط أعرف

ويروي عجيز: والثالث ان يكون مثل نبت معروف برؤوس الشياطين، ذكر انه قبيح الرأس. ويظهر ان العرب في الجاهلية، كانوا يطلقون رؤوس الشياطين" على شجر كريه المنظر جداً، قال علماء اللغة: "والصوم: شجر على شكل شخص الإنسان كريه المنظر جداً، يقال لثمره رؤوس الشياطين، يعني بالشياطشن الحيات، ووليس له ورق وقد جمع هذا التفسير بين الشياطن والقبح. وبمثل الصورة اليَ رسمها الناس في مخيلتهم للشياطين.

وكانت الشعراء تزعم ان الشياطين تلقي على أفواهها الشعر، وتلقنها اياه رتعينها عليه، وتدعي ان لكل فحل منهم شيطاناً يقول الشعر على لسانه فمن كان شيطانه أمرد كان شعره أجود. وبلغ من تحقيقهم وتصديقهم بهذا ان ذكروا لهم اسماء شياطينهم، فقالوا: إن اسم شيطان الأعشى مسحل، وللأعشى أشعار فيه، يمدحه ويثتي عليه، لأنه يعاونه ويساعده في نظم الشعر فيلقيه عليه إلقاءً. وقد زعم "حسان بن ثابت" ان شيطانه الذي يلهمه الشعر هو من "بني شيصبان" من فصائل الجن. وقد انتقلت هذه العقيدة في إلهام الشعر للشعراء إلى المسلمين كذلك. وقد دعا "جرير" شيطانه الذي يلقي عليه الشعر "ابليس الأباليس".

ويكنى عن الشيطان بالشيخ النجدي. وقد أشير اليه مراراٌ في كتب السير والأخبار. أشير اليه في بنيان الكعبة، حين حكموا رسول الله في أمر الركن من يرفعه، فحضر في زي شيخ نجدي بين الحاضرين، وصاح: يا معشر قريش أرضيتم أن يليه هذا الغلام دون أشرافكم وذوي أسنانكم، وحضر اجتماع "دار الندوة". وأيد قرارهم في قتله. وذكَر علماء الأخبار، أنه عرف بالشيخ النجدي، لأنه تمثل نجدياً، وقيل لأن نجداً يطلع منها "قرن الشيطان" ورووا أحاديث تذكر ذلك، وتذكر أن الفتن تخرج من المشرق، والمشرق نجد بالنسبة لأهل الحجاز.

و "قرن الشيطان"، ناحية رأسه، ومنه الحديث: تطلع الشمس بين قرني الشيطان، فإذا طلعت قارنها، وإذا ارتفعت فارقها. وفي الأساطير أن للشيطان قرنين.

وكان الكهان يستعينون بالشياطين في الإخبار عن المغيبات،يذكرون أن الشياطين يسترقون السمع من السماء، يخبرونهم عن أنباء الأرض. وكان للكاهن "صاف ابن صياد شيطان يلقي اليه. ما خفي من أخبار الأرض، وذكر أن النجوم تقذف الشياطين،وأن الجاهليين.كانوا يرون ذلك، وهو موجود في أشعار القدماء من الجاهلية، منهم عوف بن الجزع،.وأوس بن حجر، وبشر بن أبي خازم وكلهم جاهلي، وقد وصفو الرمي بالنجوم.

و "إبليس" من هذه الأفكار التي نفذت إلى العرب عن طريق أهل الكتاب، والعلماء على ان الكلمة معربة، وهي كذلك. فأصلها "ديابولس"، Diabolos، وهي كلمة يونانية استعملت في مقابل لفظة "شيطان". وقد أطلقت لفظة "أباليس" في مقابل "شياطين". وقد ورد ان من أسماء ابليس "قترة"، وان اللفظة علم للشيطان. ومن المجاز أبو قترة: ابليس. وفي الحدبث نعوذ بالله من الأعميين ومن قترة وما ولد. الأعميين الحريق والسيل، قترة من أسماء ابليس، وكنيته: أبو قترة. وقترة حية صغيرة، لا ينجو سميمها، ولعل بين التسميتين صلة.

شق

ومن الجن جنس صورة الواحد منهم على نصف صورة الإنسان، واسمه "شق"، واسمه شق وانه كثيرا ما يعرض للرجل المسافر اذا كان وحده، فربما هلك فزعاً، وربما أهلكه ضربا وقتلاً. ورووا في ذلك قصصاً. منه ما زعموه من ان "علقمة ابن صفوان بن أمية بن محرث الكناني" جدى "مروان بن الحكم"، خرج في الجاهلية، وهو يريد مالاً له بمكة، وهو على حمار، وعليه إزار ورداء، ومعه مقِرعة، في ليلة اضحيانة، حتى انتهى إلى موضع يقال "" "حائط حزمان"، فاذا هو بشقّ له يد ورجل، وعين، ومعه سيف، وهو يقول: علقم إني مـقـتـول  وإن لحمي مأكـول

أضربهم بالهـذلـول  ضرب غلام شملول

رحب الذراع بهلول

فقال علقمة: ياشقها ما لي ولك  اغمدفي مُنصلك

تقتل من لا يقتلك

فقال شق: عبييت لك عبيت لـك  كماّ أتيح مقـتـلـك

فاصبرلما قد حم لك

فضر ب كل واحد منهما صاحبه، فخرّا ميتين.

الهاتف والرئي

ويؤمن الأعراب بالهاتف،ويتعبجبون ممن يرد ذلك. وهم يزعمون أنهم يسمعون الهاتف يخبرهم ببعض الخبر، فيكون صحيحاً. ومن ذلك حديث "الأعشى بن نبّاش بن زرارة الأسدي"، أنه سمع هاتفاً يقول: لقد هلك الفياض غيثُ بني فـهـر  وذو الباع والمجد الرفيع وذو الفخر

.فقال مجيبا له: ألا أيها الناعي أخا الجود والندى  من المرء ننعاه لنا من بني فهر

فقال: نعيت ابن جدعان بن عمرو أخا الندى  وذا الحسب القدموس والحسب القهر

وزعموا أن لنقل الجن الأخبار، علم بوفاة الملوك وأصحاب النباهة والجاه، وأمثال ذلك من الأمور الخطيرة.

وتتردد في الأخبار كلمة "هاتف" و "الهاتف"، بمعنى صوت صادر من مصدر غير مرئي،وردت في مواضع عديدة من القصص الجاهلي، ووردت بعدها الجمل التي قالها الهاتف لمن وجه خطابه اليه. وهي تكهن واخبار، ءن أمر وقع وحدث، أو لتحذير من القيام بعمل ما، أو بإرشاد إلى عمل أو جهة أو ما.شابه ذلك من.الأمور. وقد تستعملء بمعنى "الرئي" الذي يهتف للكاهن، أو الصوت الذي يزعم أنه يخرج من جوف الصنم.

الرئي

وكاانوا يقولون،إذا ألف الجني انساناً وتعطف عليه، وخبّره بعض الأخبار وجد حسّه ورأى خياله، فاذا كان عندهم كذلك قالوا: مع فلان رئي من الجن، يخبره بما وقع ويقع وعن الأسرار. وممن يقولون ذلك فيه: عمرو بن لحي بن قمعة،والمأمور الحارثي، وعتيبة بن الحارث بن شهاب، وهم من الرؤساء السادة، وقد كان لكل كاهن وعرّاف رئي يخبر صاحبه بما يسأل عنه. وذكر انه قد كان مسيلمة يدعي ان معه رئي في أول زمانه، ولذلك قال الشاعر حين وصفه: بِبَيضة قارورٍ وراية شادنٍ  وخلة جني وتوصيل طائر

الملائكة

والملائكة هم روحانيون. أي من أرواح في نظر أهل الجاهلية. ويدل ورود الملائكة في مواضع عديدة من القران الكريم ومن الآيات التي تشير الى مجادلة المشركين ومحادثتهم للرسول في الملائكة، ان فكرة الملائكة كانت معروفة شائعة بينهم، وأن بعض العرب كانوا يعبدونها، كما يظهر ذلك من الآية: ) ويوم يحشرهم جميعاً ثم يقول للملائكة: أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون ? قالوا: سبحانك آنت ولينا من دونهم، بل كانوا يعبدون الجن، اكثرهم بهم مؤمنون". غير أن المفسرين، لم يشيروا إلى أولئك الذين تعبدوا للملائكة، ولم يذكروا أسماءهم، مع أنهم ذكروا اسم من تعبد للجن،بل يظهر من تفسيرهم للاية المذكورة، أنها وردت على سبيل الاستفهام " كقوله عز وجلّ لعيسى: أ أنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دوز الله، قال النحاس: فالمعنى أن الملائكة صلوات اللّه عليهم اذا كذبتهم كان في ذلك تبكيت لهم، فهو استفهام توبيخ للعابدين". ولكنهم أشاروا في مواضع أخرى إلى ان مشركي قريش كانوا يقولون: الملائكة بنات اللّه،وكانوا يعبدونها. ويقولون ان امهاتهن بنات سروات الجن، يحسيون انهم خلقوا مما خلق منه ابليس.

وقد أشير في القرآن الكريم، إلى ان من الجاهليين من زعم ان الملائكة بنات الله. وتحدث المفسرون في تفسير ذلك، غير انهم خلطوا في الغالب بين الملائكة والجن. ولم يأتوا بشيء يذكر عن رأي أهل الجاهلية في الملائكة. وما ذكروه هم عن الملائكة، هو اسلامي، يرجع في سنده الى أهل الكتاب،ولأ سيما القصص الاسرائيلي، ولهذا فهو مما لا يمكن ان يقال عنه انه يعبر عن رأي الجاهليين. ويظهر ان الجاهليين لم يكونوا يعرفون شيئاًعن الملائكة، لأن الاعتقاد بالملائكهة من عقيدة اإديانة اليهودية ثم النصرانية، وهم لا يعرفون الكتاب، إلا من كان منهم على دين اليهودية أو النصرانية، أو كان من الحنفاء أو على على اتصال بأهل الكتاب، كأمية بن أبي الصلت وأمثاله.

وقد أشير الى الملائك،أي "الملائكة" في شعر ينسب إلى "أمية بن أبي الصلت"، هو: وكاًن برِقعَ، والملائك حوله  سدرٌ تواكله القوائم أجـرد

وورد "ملأك" في شعر رجل من عبد القيس جاهلي يمدح بعض الملوك، قيل هو النعمان. وقيل هو لأبي وجزة يمدح به عبدالله بن الزبير: فلست لإنسي، ولكنِ لمـلأك  تنزل من جو السماء يصوب

وقد زعم أن الملائكة تصافح الناس وتناجيهم. زعم ذلك حتى في الإسلام.

ذكر "ابن دريد" ان "عمران بن الحُصين بن عُبيد بن خلف"، وهو من الصحابة، وعرف ب "أبي نجيد"، " كانت تصافحه الملائكة وتناجيه لداء كان به، فاكتوى، فذهب عنه ذلك. وذهب ما كان يسمع ويرى".

السحر

والسحر من اهم الوسائل التي لجأ اليها البشر وأقدمها منذ أعتق أيامه فى التأثير على الأرواح، وقد جعله جزءاً من الدين، لذلك كان من اختصاص رجال الدين يقومون به في المعابد قيامهم بالشعائر.

واذ كان معظم الناس في الزمن الحاضر يفرقون بين الدين والسحر، ويعدّ ون السحر شيئاً بعيداً عن الدين، بل هو ضد الدين،.فإن قدماء البشر لم يكونوا ينظرون اليه هذه النظرة، كانوا ينظرون اليه كما قلت على انه جزء مهم من الدين، بل هو أهم جزء فيه وأعظمه، بل ما زلنا نجد ديانات القبائل البدائية تعدّ السحر جزءاً من الدين. وهو كذلك في كل دين بدائي.

وعمل الساحر هو السحر، والسحر في عرف بعض علماء اللغة الإسلاميين هو "عمل يقرب فيه إلى الشيطان". وقد فسّر بعض العلماء كلمة "الجِبْت" في القرآن الكريم بمعنى السحر، كما ذكر أنها تعني الساحر والكاهن والصنم وكل ما عبد من دون الله. وفسر "الطاغوت" بمعنى الشيطان.

وقد وردت كلمة "السحر" و "سحر" و "الساحر" و "الساحرون" و "السحرة" و "مسحوراً" و "مسحورون" في مواضع عديدة من القرآن الكريم، ويدل ورودها فيه بهذه الكثرة على مبلغ اثر السحر في عقلية الجاهليين. وقد اتهم أهل مكة الرسول أنه ساحر، حينما أخبرهم بنزول الوحى عليه. وقالوا انه يستمد وحيه من الشياطين.

وقد جمع البخاري بين الكهانة والسحر بأن قدّم الكهانة على السحر، لأن مرجع الاثنين شيء واحد هو الشياطين.

وقد حملت تلك المواضع من القرآن الكريم المفسربن على جمع ما علق بأذهان الناس عن السحر. أما كتب الحديث ففيها مادة مفيدة وردت ضمناً عن عقيدة اهل الجاهلية به. كما وردت في أخبار اهل الأخبار إشارات اليه، تجمل جميعها ان الاعتقاد بالسحر بين الجاهليين كان شائعاً معروفاً، وان ممارسيه في جزيرة العرب كانوا عرباً ويهوداً، وانهم كانوا يرون ان أصوله في بابل وعند يهود.

وقد كان أكثر السحرة في الجاهلية من يهود. يقصدهم الجاهليون من أنحاء بعيدة، لاعتقادهم بسعة علمهم وباختصاصهمم فيه. وكان اليهود، يسندون علمهم إلى بابل،ولهذا نجد الأحاديث والأخبار العربية ترجع علم السحر إلى بابل واليهود.

والفرق بين الكهانة والسحر ان الكهانة تنبؤ، فسند الكاهن هو كلامه الذي يذكره للناس. أما السحر، فانه عمل في الأكثر، للتأثير في الأرواح، كي تقوم بأداء ما يطلب منها. ولا يمكن صنع سحر ما لم يقترن بعمل. ويصحب هذاالعمل كلام مفهوم أو غير مفهوم، واشارات، يدعي الساحر انه انما يقوم به وبالاشارات لتسخير الأرواح، وان ما يفعله مفهوم عند جنوده، وهم الجن و الشياطين.

وفن مثل هذا مغر جداً، فمن من الناس من لا يريد تسخير القوى الخفية لخيره ولصالحه، وإلحاق الأذية بأعدائه ومبغضيه. ولذلك كان للسحر والسحرة اثر خطير في التأريخ، بالرغم من مقاومة بعض الأديان له. فما يقوم به السحرة من أعمال وخفة، وما لشخصيات بعض السحرة من تاثير نفسي كبير، تجعل من الصعب على بعض الناس ان يكذّ بوا أقوالهم وأفعالهم، ولذلك يتأثرون بهم، ويأخذون بما يقولونه لهم، حتى تكون للساحر مكانة كبيرة في نفس ذلك الشخص.

وللسحر أغراض عديدة، وقد استخدم في معالجة أمور كثيرة، حتى ادارة الملك والقضاء على الأعداء،للسحر رللسحرة فيها صولات وجولات. ومن الطبيعي أن يكون للحب المكانة البارزة فيه، حتى ليكاد يتخصص بهذا الجانب من حياة الإنسان. ولما كانت العادة أن يتزوج الرجل من جملة نساء صار السحر من أهم الوسائل التي استعانت بها الزوجات للتأثير في قاب الرجل، ولكسب المكانة الأولى عنده، وللتفريق بين الرجل وبين بقية أزواجه. ومصداق ذلك ما ورد في القرآن الكريم عن السحرة في هذه الاية: )ولكن الشياطين كفروا، يعلّمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت، وما يعلّمان من أحد حتى يقولا انما نحن فتنة، فلا تكفر، فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه (. فالتفريق بين المرء وزوجه، كان ولا يزال من أهم أعمال السحرة. ونجد في الحديث تقريعاً ولوماً للسحرة لاستخدامهم السحر في هذا الغرض الفاسد.

والساحر في معالجة الحب على طريقين.: اشعال جذوة نار الحب في قلب من يقصد إثآرته عنده، أو اطفاء نارها وإخمادها واماتتها في قلب المسحور. ولكل من الطريقين قواعد وأحكام وأصول يجب تطبيقها بعناية، وإلا بطل فعل السحر.

أما إشعال نيران الحب، فيكون بطرق متعددة يتبعها الساحر، فقد يستعين بالنباتات. والأعشاب، يستخرج أدوية منها يقدمها إلى المرأة لتُوجر الرجل اياها سراً. وقد يستعين بالجمر يقرأ عليه، ثم يرمى في الممرات التي يمر الرجل،أو الشخص المراد سحره منها. وقد يدفن السحر في موضع كمقبرة أو محل آخر ليؤثر من ذلك الموضع على المسحور. وقد يستعين بالخرز يسحر عليها، فتحبب المرأة إلى زوجها، وتسمى "التوِْلة".

وكما يستعمل السحر لاشعال نيران الحب في القلب، كذلك يستعمل لايقاد البغض والكراهية في النفوس. فقي استطاعة الساحر بما عنده من جنود مجندة ان يلقي البغضاء والكراهية والحقد في نفس أي شخص يود انساناً آخر، فينقلب مبغضاً حاقداً كارهاً لمن كان يحبه ويعشقه. ومجال هذا الباب واسع جداً للنساء خاصة.

وفي استطاعة الساحر مداواة العاشق وإماتة عشقه بوصفة يعطيها اليه تقضي على حبه الجامح قضاءً تاماً يسمونها "السلوانة" و "السلوان". وما هذه الوصفة إلا مادة ذات سحر عجيب يغتسل بها الإنسان أو يشربها، فتطفيء في الحال أو بعد أمد كل نيران الحب مؤججة في قلب العاشق.والسلوانة هي شيء من تراب قبر، أو خرزة تسحق ويشرب ماؤها ؛ فيورث شاربها سلوة. وتكون الخرزة شفافة، تدفن في الرمل فتسود، ثم تستخرج لسحقها وشربها، وقد يكتفى بصب ماء المطر على تلك الخرزة لسقي العاشق ذلك الماء الذي يسمونه "السلوان"، ليشفى من العشق. ولا بد أن يكون لاختيار الماء وتراب القبر أو مسحوق الخرزة في معالجة العشق، سبب يمكن تفسيره باًنه لغسل قلب المحب،وإماتة الحب فيه.

ومن أهم الأعمال التي يعالجها السحرة، اخراج الجن من المجانين فالجنون هو من عمل الجن. تحل الجنة بالإنسان فتأخذ عقله. ومن هنا قبل لهذا المرض "جنة" و "جنون". ومن واجب الساحر اخراج الجن من هؤلاء المرضى، وهو عمل يقوم به الساحر حتى اليوم،ويكون ذلك بضرب المريض بالعصا لإخراج الجنة منه. أو بسقيه بعض الأشربة السحرية، أو بتدليك جسمه وغسله،وبإدخاله محلاً مظلماً هادئاً يحرق فيه البخور، وبتعليق بعض العزائم والحجب وما شاكل ذلك لإبعاد الجن عن المجنون وإعادة عقله اليه.

ويداوي الساحر أمراضاً عديدة أخرى، بل كل أنواع الأمراض، وما المرض في نظر القدماء إلا أرواح شريرة حات في الأجساد أو بجزء منها، فألحقت بها الأمراض. ولن يشفى الجسد أو الجزء المصاب منه إلا بطرد تلك الأرواح. وطرد الأرواح من أعمال السحر. والساحر هو سلف من أسلاف الأطباء. وكلمة "طبيب" العربية هي من هذا الأصل. فالطب في اللغة السحر، و "المطبوب" هو المسحور، والطابّ هو الساحر يستخدم طبه في الشفاء. وقد أدخلت كتب الحديث السحر في "كتاب الطب". فالساحر هو طبيب يعالج أشياء عديدة، ثم تخصص الأطباء بالطب، غير ان الأطباء ظلوا يمارسون حتى في أوروبة السحر في معالجة مرضاهم مدة طويلة، إلى ان تطور العلم، وظهر البحث الحديث.

ويقوم أكثر مداواة المرضى بواسطة السحر بالنفث على المريض أو في فمه وبامساك الرأس أو الجزء المريض، لقراءة شيء عليه يضمن شفاءه، أو بتدليك ذلك الجزء منه. وقد يعطى حجباً وتمائم تشفي المريض من مرضه. والنفث في الفم من العادات الجاهلية القديمة، يقوم به الكاهن والساحر والأب في بعض الأحيان، لاعتقادهم ان ذلك سيلهم الطفل فيعلمه العلم والحكمة والذكاء وبمنحه الصحة الجيدة.

ومن طرق السحر عند الجاهليين، النفثُ في العُقد، وقد دلتّ عليه هذه الآية الكريمة: )ومن شر النفّاثات في العقد (. ويكون ذلك بعقد عقد والنفث عليها. ويذكر المفسرون في سبب نزول هذه الاية أن "لبيد بن أعصم اليهودي" سحر الرسول، ودس ذلك السحر في بئر "لبني زريق" تسمى "بئر ذروان" "بئر ذي أروان"، وأنه وضع ذلك السحر في جف طلعة تحت راعوفة، أي في قشر الطلع وتحت حجر في أسفل البئر. فلما استخرج السحر،وجدوه مشاطة رأس وأسنان مشطه،وإذا فيه معقد فيه إحدى عشرة عقدة مغروزة بالإبر. ويقوم بهذا السحر الرجال والنساء. غير أن المفسربن وأهل الأخبار واللغة حينما يذكرون هذا النوع من السحر يذكرون أن النساء النفاثات هن اللواتي كنّ يقمن بذلك، أخذوا رأيهم هذا من الاية المذكورة التي تشير الى بنات لبيد وكنّ ساحرات،والاشارة في هذه الآية عن حادث معين، ولم يقصد بها الاطلاق.

والنفث في العقد، وعقد سبع عقد توضع فيها مادة السحر، من طرق السحر القديمة المعروفة عند العبرانيين والآشوريين وغيرهم. وقد عثر في الكتابات المسمارية على تعليمات في كيفية اتقاء شر الأرواح الخبيثة وأرواح الأموات الشريرة التي تسحر الناس، فكان مما جاء فيها عقد سبع عقد ووضع مادة سحرية فصلت في تلك التعليمات لاتقاء شر سحر تلك الأرواح.

ويذكر المفسرون وأهل الحديث ان الرسول لما سحره "لبيد بن الأعصم" من "بني زريق"، كان "يخيل اليه انه كان يفعل شيئاً وما فعله " حتى علم بسحر "لبيد"، فلما استخلصه من البئر، ذهب أثر ذلك السحر عنه.

وقد كان السحرة اليهود يقرأون شيئاً ويهمهمون عند عقدهم كل عقدة من هذه العقد، ويقال لذلك Ghabar. ومن هؤلاء اقتبس السحرة العرب طريقهم في النفث على العقد.

والمواد التي يستعين بها الساحر لعمل السحر عديدة. أوراق بعض النباتات والملح والبخور والدماء والعظام وقرون الحيوانات يدفنها أو يحرقها أو يذيبها في الماء. وفي كل سحر لا بد أن يشفع الساحر سحره بطقوس أو بحركات خاصة، وبتمتمة تلقي في الروع ان الساحر يقول شيئاً ويخاطب أشخاصاً هم الجن والتمتمة هي في الغالب كلام غير مفهوم عند الناس، ولكنه عند الساحر وجنوده الجن والشياطين كلام واضح بليغ.

ويعمد السحرة إلى الصور والرموز في سحرهم، ومنهم من كانوا لا يعرفون الكتابة ولا القراءة فيرمزون إلى من يريدون سحره، أو إلحاق الأذى به، أو يصورونه. وقد يشيرون بالصور والرموز إلى الجن والشياطن. وهم في الغالب يدفنون تلك الصور والرموز في المقابر، لأنها من أنسب الأماكن للسحر. وقد عثر على عدد من هذه الاشارات والصور السحرية. ومنها ما هو مكتوب بكتابات لها صور بالسحر.

إبطال أثر القوى الخفية

وقد حمل اعتقاد الجاهليين بوجود قوى خفية تؤثر في الإنسان، أهل الجاهلية على العمل على التغلب على تلك القوى أو الحد منها وايقاف فعلها وذلك بابتداعه طرقاً عديدة لذلك، مثل استعماله "النفرات" أو السحر، أو "الرقي"، أو التمائم، والتعاويذ وما شابه ذلك من أمور.

و "النفرة" شيء يعلق على الصبى لخوف النظرة. و "التنفير" الطرق التي يستعملها الإنسان لتنفير القوى الخفية وابعادها عنه. وطريقتهم في ذلك شبيهة بطرقهم في تنفير الثقلاء وغير المرغوب فيهم من الناس وابعادهم، وذلك باتخاذ كل ما ينفر ويقزز، لتعاف تلك الأرواح المواضع التي اختارتها والأشخاص الذين نزلت بساحتهم وحلت في أجسامهم، ومنها طريقة "التنجيس". وطريقتهم في ذلك تعليق الأقذار من خرق المحيض وعظام الموتى وأمثال ذلك على الصبي ومن يُخاف عليه عيون الجن،لاعتقادهم ان الجن سوف تبتعد عن هؤلاء وتهرب منهم. ويقال للمعوذ "المُنجسِّ"، وللشخص الذي عوّذ له "المُنجَّس". والتنجيس يشفي إلا من العشق.

واتخذ الجاهليون طرقاً عدة للتخلص من الجن، ولا سيما من الخطفة والنظرة،أي من خطف الجن للاطفال ومن حسدها لهم. فهداهم تفكيرهم إلى تعليق بعض الأشياء على الصبي، مثل سنّ ثعلب، أو سن هرة، وتقطير شيء من السوائل في عينيه عند الولادة لتنفير الجن منه. و تسمى هذه الأمور المنفرة للجن النفرات.

ومن النفرات التحايل على الجن بتغيير الأسماء، بتغريبها، كأن يسمى الصبي بأسماء بعض الحيوانات الصغيرة أو الأشياء التافهة الحقيرة، وبذلك تنفر الجن منه، فلا تقترب منه، ولا تمسه بسوء. "قال أعرابي لما ولدت قيل لأبي نفر عنه، فسماني قنفذاً وكناني أبا العدّاء".

التحصن من الجن

والاستعاذة بالجن تفيد أيضاً في نظر الجاهليين في حماية الشخص من أذاهم. فإذا استعيذ بعظيم الجن، استجاب العظيم نداء المستعيذ. فكان المسافرون إذا خافوا من طوارق الليل، عمدوا إلى وادٍ ذي شجر، فأناخوا رواحلهم،وعقلوها وخطوّا عليها خطاً ثم نادوا: نعوذ بعظيم هذا الوادي، أو نعوذ بصاحب هذا الوادي. فيستجيب عندئذ عظيم الوادي لنداء المستعيذ، فلا يسمح لأحد أن لحق به أذى.. وقد أشير إلى ذلك في القرآن: "وأنه كان رجاك من الإنسر يعوذون برجال من الجن، فزادوهم رهقاً". وذكر ان العرب كانوا إذا صاروا في تيه من الأرض، وتوسطوا بلاد الحوش، خاَفوا عبث الجنان والسعاف والغيلان والشباطين، فيقوم أحدهم فيرفع صوته: إنا عائذون بسيد هذا الوادي فلا يؤذيهم أحد، وتصير لهم بذلك خفارة.

ذبائح الجن

ولارضاء الجن واسكانها، وتجنب أذاها، قام الجاهليون بتقديم الذبائح لها. فاذا أراد انسان السكن في بيت جديد، أو استخراج الماء من بئر احتفرها أو من عين ماء، أو ما شاكل ذلك وخاف من وجود الجن فيها ذبح ذبيحة، يرضى بها الجن، فلا تتحرش عندئذ به ولا تصيبه بأذى،لأنه قد تقرب بالذبيحة اليها وبين فا انه صديق لها، فيعيش عندئذ. قرير العين في بيته الجديد، لابمس عماره بسوء. ويقال لهذه الذيائح: "ذبائح الجن". وقد نهى الإسلام عن ذبائح الجن. ورد انهم "كانوا اذا اشتروا دارأَ أو استخرجوا عيناً أو بنوا بنياناً، ذبحوا ذبيحة مخافة ان تصيبهم الجن، فأضيفت الذبائح اليهم لذلك. و "النّشُرة" سلاح مفيد جداً لحل عقد الرجل عن مباشرة أهله. وقد كانت مشهورة في أيام الرسول. وقد اباح العلماء "النشرة العربية التي لا تضر إِذا وطئت، وهي أن يخرج الإنسان في موضع عصاه، فيأخذ عن يمينه وشماله من كل، ثم يذيبه ويقرأ فيه، ثم يغتسل به". ويدل نعت هذه النشرة بالنشرة لعربية على وجود نشرات غير عربية، وهي النشرات الني كان يعملها اليهود. وقد كانوا يستعملون الأدعية العبرانية، لذلك نهى الإسلام عن استعمال تلك النشرات.

و "النُشرة" في تعريف علماء اللغة: رقية يعالج بها المجنون والمريض ومن كان يظن أن به مساً من الجن. وإذا نشر المسفوع كان كأنما أنشط من عقال، أي يذهب عنه سريعاً. وفي الحديث أنه سئل عن النشرة، فقال هي من عمل الشيطان. وقد أدخلها بعضهم في السحر، و "العوذة" ويقال لها "المعاذة" و "المعاذات"، تستعمل في التعويذ م الفزع والجنون. وتبعث تسميتها على الظن بأنها من المصطلحات الاسلامية، وانها أخذت تسميتها من المعوذتين. غير ان ورودها في مواضع عديدة من الحديث، واستعمالها في القرآن الكريم للتعبير عن فكرة معينة معلومة، يدلان على انها من المصطلحات التي كانت معروفة بين أهل "يثرب" حتى إن بعض الصحابة ذكروا انها نزلت للتعويذ. ومعنى "أعوذ" أعتصم و التجىء، فلا يستبعد ان يكون أهل يثرب على الأقل قد تعلموا ذلك من اليهود الذين كانوا يقرأون بعض التعاويذ من التوراة لحمإية أنفسهم من شر الأمراض.

و تستعمل "الرقية" في مداواة الآفات، مثل الحمى والصرع والنظرة ولدغات العقارب والحيات وأمثال ذلك، وتكون بقراءة شيء على المريض أو على موضع اامرض ثم النفث عليه، أو بحمل شيء مكتوب. وقد جاء في بعض الأحاديث جوازها في الإسلام، وفي بعضه النهي عنها. وقد ذكر الحديث ان الإسلام نهى عن الرقية التي تكون بلسان غير عربي، ويدل هذا على ان الجاهليين كانوا يذهبون إلى أهل الكتاب ولا سيما اليهود منهم، فيرقونهم بالعبرانية أو السريانية، ولذلك نهوا عنه. وقد عرضت بعض أنواع الرقية التي كان يستعملها أهل الجاهلية على الرسول لأخذ رأيه فيها، فأباحها لهم، وأباح لهم كل رقية ليس فيها شيء من ألفاظ الجاهلية.

وقد حفظت الكتب لنا أنموذجات فى بعض الرقى منها هذه الرقية التي استعملت في اشعال نيران الحب: "هوا به هوا به، اابرق والسحابة، أخذته بمركن. فحبه تمكن. أخذته بإبره، فلا يزل في عبره، جلبته بإشفى، فقبه لا يهدأ. جلبته بمبرد، فقلبه لا يبرد. فهذه ا الرقية تلهب قلب الرجل وتهيجه، وتجعله كأنه في إجانة غسل الثياب. يعمل على وفق ارادة المرأة التي استعملت تلك الرقية.

أما إذا سئمت المرأة زوجها، وأرادت الابتعاد عنه، وطرده عنها، فسبيلها في ذلك رقية تبعد الرجل، وتنفره منهما، وذلك بأن تقول: بأفول القمر، وظل الشجر، شمال تشمله، ودبور تدبره، ونكباء تنكبه، شيك فلا انتقش. فاذا أتمت ذلك، رمت في أثره بحصاة ونواة وروثة وبعرة. ثم تقول: حصاة حصت أثره، ونواة نأت داره، وروثة راثت خبره، لفعته ببعرة.

و "العزائم" الرقيّ، أو ضروب منها. يقال عزم الراقي، كأنه أقسم على الداء، وعزم الحوًاء، إذا استخرج الحية. كأنه يقسم عليها. والعزيمة من الرقي التي يعزم بها على الجن والأرواح. ومن اعتقادات الأعراب أن الجن لا تجيب صاحب العزيمة، حتى يكون المعزّم مشاكلاً لها في الطباع. وأن للمعزمين جنوداً من الشياطين والجن تتبع أوامرهم وتطيعهم وتخدمهم وتتصرف بين أمرهم ونهيهم.

ومن ضروب الرقية، ما يدعيه الحوّ اء من اخراج الحية من جحرها، بعزيمة يقوم بها،تجبرها على الخروج منه. وقد قالت بذلك الشعراء في الجاهلية والاسلام. وكانوا يؤمنون بذلك ويصدقون به. وقد أشير في شعر لأمية بن أبي الصلت، إلى اخراج الحية من جحرها. وقد تحدث "الجاحظ" عن ذلك، وعلل سبب خروجها وجاء بأبيات شعر في ذلك، وتحدث عن تمويه الحواء والراقيْ.

و "التمائم" ومفردها "التميمة"، هي عوذة على هيأة قلادة من سيور تضم خرزاً، وقد تكون من خرزة واحدة تستعمل للصبيان والنساء في الغالب اتقاء النفس والعين. فاذا كبر الطفل، انتزعت التميمة منه. وقيل: التمائم "خرزات كان الأعراب يعلقونها على أولادهم يتقون بها النفس والعين بزعمهم، فأبطله الإسلام". وذكر ان التميمة خرزة رقطاء تنظم في السير ثم يعقد في العنق. وكانوا يعتقدون انها تمام الدواء والشفاء. وقد أشير اليها في الشعر الجاهلي. وكانوا يستعملونها بكثرة، يتعوذون بها، لذلك عدها بعض الصحابة من الشرك، لأنهم جعلوها واقية من المقادير والموت وأرادوا دقع ذلك بها، وطلبوا دفع الذفى من غير الله.

وللخرز عند الجاهلين وعند الأعراب حتى اليوم، أهمية كبيرة في السر، وفي دفع أذى الأرواح والعين، وفي النفع والحب، وأمثال ذلك. ولما كانت الخرز فصائل وأنواعاً، فقد خصوا كل فصيلة باسم معين، وجعلوا لكل قسم وصنف أثراً خاصاً يمتاز به عن بقية الأصناف الأخرى. فالتولة مثلاً الخرزة التي تحبب المرأة إلى زوجها، و "العقرة" "خرزة العقر" خرزة تشدها المراة على حقويها لئلا تلد. يزعم الأعراب انها إذا علقت على حقو المرأة لم تحمل إذا وطئت. وقيل العكس: العقرة خرزة تعلق على العاقر لتلد. و "الينجلب" خرزة للتأخيذ، تفيد في رجوع الرجل بعد الفرار وفي اكتساب عطفه بعد وقوع بغضه. وكانوا يقولون أقوالاً في ذلك مثل: "أخذته بالينجلب، فلا يرم ولا يغب، ولا يزل عند الطنب، و "وأعيذه بالينجلب، ان يقم وان يغب". فهم يربطون الرجل بهذه الخرزة. فيجعلونه لا يفارق بيته وأهله.

و "الخَصُمة"، وهي خرزة للدخول على السلطان والخصومة تجعل تحت الخاتم أو في زر القميص أو في حمائل السيف. و "العطفة" هي خرزة تجلب العطف لصاحبها. و "السلوانة" خرزة تسحق ويشرب ماؤها، فيورث شاربه سلوة. وقيل: خرزة للتاخيذ، يؤخذ بها النساء الرجال، وقيل خرزة للبغض بعد المحبة، وقيل خرزة شفافة تدفن في الرمل، فتسود فيبحث عنها ويسقاها الإنسان فتسليه، أو يسقاه العاشق فيسليه عن المرأة. وقيل خرزة كانوا يقولون: اذا صب عليها ماء المطر، فشربه العاشق سلا.أو هو ان يؤخذ تراب قبر ميت: فيجعل في ماء فيسقى العاشق، فيموت حبه، أو هو دواء يسقاه فيفرحه. و "القرزحلة"، وهي خرزة من خرز الضرائر.

وكانوا يرقون بالخرز. فلخرزة "الهنمة"، رقية خاصة، هي: "أخذته بالهنمة، بالليل زوج وبالنهار أمة، وللقبلة و "الدردبيس"، وهي خرزة مؤثرة ذات قوة فعالة، يتحبب بها النساء إلى أزواجهن،تؤخذ من القبور العادية، أي القبور الجاهلية القديمة، رقية خاصة، هي: "أخذته بالدردبيس تدرّ العرق اليبيس، وتذر الجديد كالدريش". وقيل الدردبيس خرزة سوداء، كأن سوادها لون الكبد، اذا رفعتها واستشففتها رأيتهاا تشف مثل العنبة الحمراء للحب، تتحبب بها المرأة إلى زوجها، توجد في قبور عاد.

ومن خرزهم: "كرار"، خرزة تؤخذ بها نساء الأعراب. وقيل خرزة تؤخذ بها النساء والرجال. ورقيتها: "يا كرار كرّ يه، يا همرة اهمريه، ان أقبل فسريه، وان أدبر فضريه، من فرجه الى فيه". ومنها "الهمرة"، خرزة للتأخيذ. وهي خرزة الحب، يستعطف بها الرجال، ورقيتها: "يا همرة اهمريه، ويا غمرة اغمريه، ان أقبل فسرّ يه، وإن أدبر فضريه، من استه إلى فيه، وماله وبنيه، ومثلها "الهصرة"، خرزة للتأخيذ.

ومن الخرز المعروفة: "ااكحلة"، خرزة من خرزات العرب للتأخيذ، تؤخذ بها النساء الرجال. أو هي خرزة سوداء تجعل على الصببان للعين والنفس من الجن والإنس، فيها لونان بياض وسواد.

اصابة العين

كان للجاهلين رأي وعقيدة في العين وفي أثرها في الحياة، فهم يعتقدون بأثر العين وإصابتها. ولخطر هذه الإصابة وأهميتها، تفننوا في ابتداع وسائل الوقاية منها، وحماية أنفسهم من أثرها. وقد زعموا أن عيون بعض الناس تصيب، وانها ان أصابت شيئاً أهلكته، فان "ألعين" لا تنتج الا شراً، وهي لا تكاد تكون في خير مطلقاً. ولذلك تجنببوا "العائن" وابتعدوا عنه. و "العائن" و "المعيان" و "العيون" هو من تصيب عيونه. فكان أحدهم اذا ما اتصل بإنسان، وصادف أن نظر ذلك الإنسان إلى شيء أعجبه، أو رأى شيئاً لفت نظره، ثم صادف إن وقع مكروه لمن نظر اليه، أو إلى ما كان قد رآه "العائن"، نسب ذلك المكروه اليه، ورميِ باصبة العين، وقد يحدث من ذلك الرجل مثل ما حدث له مع من وقع المكروه عليه، فيرمى عندئذ بإصابة معين، وينبذه الناس خوفاً من اصابتهم بعينه. فيقال ان فلاناً لعيون: اذا.كان يستشرف للناس ليصيبهم بعين. ويقال لعيون انه لنفوس، وما أنفسه وقد أصابته نفس أو عين. ولا تقتصر ألاصابة بالعين على اصابة عيون الإنسان،فقد تصيب عيون الحيوان كذلك. وهناك حيوانات عديدة لها قدرة على الاصابة بعينيها مثل الحيات والثعلب والطاووس. وأكثر الحيوانات التي تكون لعيونها بريق أو لمعان خاص، هي من هذا القبيل. وقد حمل هذا الاعتقاد بعض الناس على التخوف من تلك الحيوانات والابتعاد عنها، بل بلغ الخوف ببعضهم ان امتنعوا من ذكر اسم أمثال تلك الحيوأنات أوُ تهجي حروف أسمائها خشية العين. والكلاب من الحيوانات التي تصيب بعونها. ورد عن "ابن عباس" قوله: الكلاب من الجن، فان غشيكم عند طعام، فالقوا لهن فان لهن أنفساً أي أعيناً. ولخوفهم من اصابة عيون الحيوان كرهوا ألأكل بين يديها. فكانوا إما ان يشغلوها عن النظر اليهم بشيء يرمونه لها لتأكله، ولو بعظم وإما ان يطردوها، فيتخلصوا من اصابتهم بعيونها.

ويعبر عن العين التي تصيب المعين" ب "النفس". يقال نفسته بنفس، أي أصبته بعين، وأصابت فلاناً نفس، أي عين. وفي الحديث "انه نهى عن الرقية إلا في النَّملة والحُسَة والنفس، أي العين". و "النافس" العائن، والمنفوس المعيون. و "النفوس: العيون الحسود المتعين لأموال الناس ليصيبها، وما أنفسه، أي ما أشد عينه.

و "السفعة" العين. ورجل مسفوع، أي معيون أصابته سفعة، أي عين. ويقال به سفعة من الشيطان، أي مس،كأنه أخذ بناصيته. و يعبر عنها ب "النظرة" كذلك. وقيل: النظرة الإصابة بالعين والسفعة العين. و "النظرة" الغشية أو الطائف من الجن، وقد نظر،فهو منظور، أصابته غشية أو عين. وفي الحديث أن النبى، صلى الله عليه وسلم، رأى جارية، فقال: ان بها نظرة، فاسترقوا لها. قيل معناه: ان بها اصابة عين من نظر الجن اليها وكذلك بها سفعة. وقد يخصصون "النظرة" بإصابة عين الجن.

وللحاسد نفس على المحسود. وقد يصل نفس الحاسد إلى حد الإهلاك. والعائن ربما لا يتعمد الأذى، انما عينه هي التي تصيب بمجرد المقابلة أو وقوع النظرة على الشيء، ولذلك كان أذاه عند المقابلة ووقوع عين العائن على المعيون.أما الحاسد، فإنه يصيب في النية وفي الحضور، لأن عينه تنفذ وتصل إلى المحسود، وان كان غاضباً عن الحاسد، ولخطر الحسد وشدة أذاه، اتخذت الوسائل الخاصة بمقاومةعيون الحسود.

ولحماية النفس من العين، استعملت الخرز والتعاويذ والرقي. ومن إلخرز التي استخدمت في حماية الأطفال من اصابة العين، "الكحلة"، وهي خرزة سوداء تجعل على الصبيان لدفع العين عنهم. و "القبلة"، وهي خرزة بيضاء تجعل في عنق الفرس من العين.

و "الودعة"، تفيد في دفع أذى العين عن الإنسان. وذكر انها مما يقذفه البحر، وهي تتتفاوت في الصغر والكبر، وهي خرزة تثقب وتتخذ منها القلائد" وللحماية من العين.

الفصل الخامس والثمانون

في اوابد العرب

وهي أمور كانت العرب عليها فْي الجاهلية بعضها يجري مجرى الديانات، وبعضها يجري مجرى الاصطلاحات والعادات، وبعضها يجري مجرى الخرافات، وقد كانت قد هيمنت وسيطرت على عقليتهم، ولا سيما تلك الأمور التي كانت تتصل بحياتهم، كالكهانة والحداسة والرقية والتنجيس والتنجيم، وغير ذلك مما له علاقة بحياة الإنسان حتى قيل انهم كانوا "بين متكهن وحدّاس وراق ومنجس ومتنجم"

للكهانة

وفي طليعة بعض الناس الموهوبين بما لهم من قدرة خفية خارقة والهام، الاتصال بالالهة وبالأرواح، واللاستئناس بها والأخذ منها، والحصول على علم غزير منها يتعلق بالمستقبل عامة ومستقبل كل إنسان خاصة، أو التأثر عليها بصرف الخير إلى شخص ودفع الأذى عنه،وبتوجيه الشر إلى شخص يراد توجيهه اليه وإيذاؤه. ويقال للاتصال بالآلهة أو الأرواح لمعرفة المستقبل والتنبؤ عما سيحدث: "الكهانة" "Divination، ويقال لمن يقوم بذلك الكاهن. أما الذي يزعم أن في امكانه التحكم في الأرواح وتوجيهها الوجهة التي يريدها، فيقال له "ساحر" ويقال لعمله "السحر". وتقابل كلمة "السحر" في العربية،كلمتا Magic و، Sorcery، في الانكليزية.

والكهانة في اللغة العربية تعاطي الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان ومعرفه المغيبّات والأسرار، وتقابل بهذا التعريف في العربية كلمة "Soothsayer، في الانكليزية. وتقابل كلمة "كاهن" لفظة "كوهين"، " "Kohen، في العبرانية و "كهنا"، Kehna، في لغة بني إرم، و.كلها من الأصل السامي القديم.

ومن مرادفات الكاهن: "الطاغوت". ولهذا التفسير فسر العلماء قوله تعالى ) فمن يكفر بالله ويؤمن بالطاغوت (. قالوا: الطاغوت: الكاهن. وهم كهان تنزل عليهم شياطين يلقون على ألسنتهم وقلوبهم. والطواغيت التي كانوا يتحاكمون اليها، كان في جهينة واحد، وفي أسلم واحد، وفي كل حي واحد وهم كهان تنزل عليهم الشياطين. وذكر بعض علماء التفسير ان الطاغوت: الشيطان في صورة انسان يتحاكمون ايه. وقد وردت اللفظة في موضع آخر من القرآن الكريم بعد لفظة الجبت، اذ جاء في التنزيل: ) ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبأَ من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت (. وقد ذكروا ان الجبت السحر والساحر، بلسان الحبشة والطاغوت الكاهن وان الجبت والطاغوت صنمان، أو ان الجبت الأصنام والطاغوت تراجمة الأصنام، والذين يكونون بين أيدي الأصنام يعبرون عنها الكذب ليضلوا الناس،أو ان الجبت والطاغوت اسمان لكل معظم بعبادة من دون الله أو طاعة أو خضع له، كائناً ما كان ذلك المعبود من حجر.أو انسان أو شيطان. وإذ كان ذلك كذلك، وكانت الأصنام التي كانت الجاهلية تعبدها كانت معظمة بالعبادة من دون الله، فقد كانت جبوتاً و طواغيت، وكذلك الشياطين اليّ كانت الكفار تطيعها في معصية الله،وكذلك الساحر والكاهن اللذان كانا مقبولاً منهما ما قالا في أهل الشرك بالله، وكذلك حبي بن أخطب وكعب بن الأشرف لأنهما كانا مطاعان في أهل ملتهما من اليهود في معصية الله والكفر به وبرسوله، فكانا جبتين وطاغوتين.

وذكر علماء التفسير في قوله تعالى.: )ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل اليك، وما أنزل من قبلك يريدرن أن يتحاكموا إلى الطاغوت، وقد أمروا أن يكفروا به. ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً (، ان الطاغوت الكاهن الذي كان يحكم بين الناس، ويتحاكمون له. وأنها نزلت في حق يهودي اختصم مع مسلم، فكان المسلم أو المنافق يريد الاحتكام الى الكاهن، وكان اليهودي يدعو إلى النبي أو المسلمين، لأنهم لا يقبلون الرشوة، فاصطلحا أن يتحاكما إلى كاهن من جهينة، أو إلى كاهن بالمدينة، أو إلى كعب بن الأشرف، فنزل الوحي بتوبيخ ذلك المسلم أو المنافق.

والتكهن عن المستقبل والتحدث عن الماضي، موضوع له فروع عديدة. وقد عدّ علماَ من العلوم عند كثير من الأمم. وألفوا فيه. وتنبؤ الأصنام هو نوع من هذه الأنواع. ويدخل في التكهن التنبؤ بواسطة وسيط: مكالمة صنم، أو "تابع" أي "ريب"، وقراءة كبد الشاة وقراءة أعضائها كما كان عند البابليين وعند المصريين. والتكهن بحركات الطيور، وتفسير الأحلام. وتفسير بعض الظواهر ااطبيعية وما شابه ذلك وكل هذه كانت معروفة عند الجاهلين. وليس من الضروري ان يكون التكهن بتكليم الصنم حتماَ وفي المعبد بالضرورة، فقد كان من الكهان من يقيم في بيته ويتكهن مع فلك للناس، ينطق بما يوحى اليه ومما يشعر به. وقاصدوه يرون ان فبه قوة خارقة وقابلية لتلقي الوحي من تلك القوة التي يتصورونها على هيأة شخص غير منظور يلقي الى الكاهن الوحي، فينطق بما يناسب المقام وبما يكون جواباً،على الأسئلة التي توجه اليه. ويطلقون على ذلك الشخص الخفي اسم "تابع" أو "صاحب" أو "مولى" و "ولي" و "رئي"، لأنه يكون تابعاً وصاحباً للكاهن، يتبعه ويصاحبه ويلقي اليه "للرئي". يكشف له الحجب وياًتيه بالأسرار. فهو "حاز" و "حز+اء" و "حازية" و "الراتي" في العهد القديم.

وكان من رأي الجاهليين ان هناك وحياً يوحى إلى الكاهن بما يقوله، وقد قالوا لذلك المصدر الذي يوحي اليه: "شيطان الكاهن"، كما قالوا للمصدر الذي يوحي إلى الشاعر بوحي شعره: "شيطان الشاعر"، فذلك لأن شيطان الكاهن يسترق السمع ويلقي به إلى الكهنة. يسترقه من السماء، فيأتي به إلى الكاهن ويلقي ما استرقه اليه، فيلقي الكاهن ما أ القى عليه شيطانه إلى الناس، وبذلك يتنبأ لهم. "سأل رسولَ الله، صلى الله عليه وسلم، ناسٌ عن الكهان، فقال: ليسوا بشيء، فقالوا: يا رسول اللّه، انهم يحدثونا أحياناً بشيء، فيكون حقاً، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: تلك الكلمة من الحق، يخطفها من الجني فيقرها في اذن وليه، فيخلطون معها مئة كذبة.

وقد وردت كامة "كاهن" في القرآن الكرم في معرض الرد على قريش الذين اتهموا الرسول بأنه "كاهن"، وبأنه يقول القرآن على نمط سجع الكهان. فجاء فيه: ) فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون(، و )إنه لقول رسول كريم. وما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون، ولا بقول كاهن، قليلاً ما تذكرون(. فرد عليهم بقوله: ) ما هذا القرآن بقول شاعر، لأن محمداً لا يحسن قيل الشعر، فتقولوا هو شعر، قليلاً ما تؤمنون. يقول تصدقون قليلاَ به أنتم، وذلك خطاب من الله لمشركي قريش. ولا يقول كاهن، قليلا ما تذكرون. يقول ولا هو بقول كاهن، لأن محمداً ليس بكاهن، فقولوا هو ممن سجع الكهان. فكان للكهان أسلوب خاص في كلامهم عند التنبؤ والتكهن هو أسلوب للسجع. ولذلك عرف ب "سجع الكهان". وقد امتاز سجعهم هذا باستعمال للكلام الغامض، والتعابير العامة للغامضة التي يمكن تفسيرها تفاسير متناقضة ومختلفة. وهو أسلوب تقتضيه طبيعة التكهن، لكي لا يلزم الكاهن على ما يقوله من قول ربما لا يقع، أو قد يقع العكس. ففي مثل هذه الحالة، يمكن أن يكون للكاهن مخرج " باستعماله هذا النوع من الكلام.

وقد ورد أن الرسول نهى عن محاكاة الكهان في سجعهم، فذكر عنه قوله: "أسجعٌ كسجع الجاهلية" ويذكر أهل الأخبار أن "تابع" الكاهن، وهو شيطانه وجنيهّ،كان يسترق في الجاهلية الأخبار من السماء، فيلقي بها إلى الكاهن المختص به. فيخبر الكاهن من يأتي اليه للكهانة. بقواعلى ذلك إلى ظهور النبوة، فلما نزل الوحي انقطعت الكهانة، إذ وجد الشياطن الذين كانوا يسترقون السمع لهم شهاباً رصداً. وقالوا إن قوله تعالى: )واناّ لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرساً شديداً وشهباً، وأنّا كنا نقعد منها مقاعد للسمع، فمن يسممع الآن يجد له شهاباً رصداً (، إنما عنى به هذا الحادث، حادث منع الشياطن من استراق السمع.

ويذكر أهل الأخبار أيضاً ان " ألقذف بالنجوم قد كان قديماً، وذلك موجود في أشعار القدماء من الجاهلية. منهم: عوف بن الجزع، وأوس بن حجر، وبشر بن أبي خازم، وكلهم جاهلي. وقد وصفوا الرمي بالنجوم. وان من عقائد أهل الجاهلية في تساقط النجوم والشهب دليل على موت عظيم أو ميلاد مولود عظيم. وذكر ان الرسول كان جالساً مع قومً من الأنصار إذ رمي بنجم فظهر نوره، فقال لهم: ما كنتم تقولون في هذا النجم الذي يرمى به في الجاهلية ? قالوا: يا رسول الله كنا نقول حين نراه يرمى به مات ملك، ولد مولود وقد جعل "المسعودي" حدة الأذهان مع نقصان الأجسام وتشويه الخلق، من جملة العوامل التي دفعت على التكهن والإخبار عن الغيب. وضرب مثلاً على ذلك: شق، وسطيح، وسملقة، وزوبعة، سديف بن هوماس، وطريفة الكاهنة، وعمران أخي مزيقياء، وحارثة، وجهينة وكاهنة باهلة وأشباههم من الكهان،وقد يلحق التابع من الجن أشخاصاً لم يشتهروا بالكهانة وإنما عرفوا بشدّة ذكائهم ومعرفتهم بعواقب الأمور،مثل احيحة بن الجُلاح وكان م اشراف المدينة، وقد اشتهر عندهم بكثرة صوابه وسرعة ادراكه للعواقب. فعللوا ذلك بوجود تابع له من الجن كان يعلمه المغيبات.

قال "الجاحظ": "وكانوا يقولون، إذا ألف الجني إنساناً وتعطف عليه، وخبره ببعض الأخبار، ووجد حسه ورأى خياله، فإذا كان عندهم كذلك قالوا: مع فلان رئي من الجن. ومن يقولون ذلك فيه عمرو بن لحي بن قمعة، والمأمور للحارثي، وعتبة بن الحارث بن شهاب.

فاما الكهان، فمثل حارثة جهينة، وكاهنة باهلة، وُ غزى سلمة، ومثل شق وسطيح وأشباههم.

والكهان يرون تابعهم، وقد يتجلى لهم في صورة إنسان. ويظهر على صورة رجل للكواهن كذلك. فقد كان للغيطلة، وهي مما ما يزعمه أهل الأخبار كاهنة أبوها مالك بن الحارث بن عمرو بن الصعق بن شنوق بن مرّة، وشنوق أخو مدلج، تابع يفد اليها، ويدخل غرفتها، ويجلس، تحتها. كما كان لفاطمة بنت النعمان النجارية، وهي كاهنة كذلك، تابع من الجن كان إذا جاءها، اقتحم عليها في بيتها. فلما كان في أول البعث،أتاها، فقعد على حائط الدار ولم يدخل، فقالت له: لَمَ لا تدخل ? فقال: قد بعث نبي بتحريم الزنى ْ.

فالكاهن اذن، هو الذي يتنبأ بواسطة تابع، ولا يستطيع غير الكاهن رؤية التابع. وتكون الكهانة كلاما يلقيه الكاهن لنفسه، أو تابعه، جواباً عن أسئة الكاهن. ولما كان التابع روحاً،.كان من الطبيعي تصور صدور ذلك الكلام من روح لا يمكن لمسها ولا رؤيتها، ترى وتسمع وتعقل، وتجيب ما يطلب منها الاجابة عنه.

ويكون الكاهن في أثناء تكهنه في غيبوبة أو في شبه غيبوبة في الغالب، ذلك بأنه متصل في هذه الأثناء بعالم مجهد صعب لا يتحمله كل انسان، ولاتصال الروح فيه، واتصال الروح بجسم الكاهن شيء جد عسير، يتصبب العرق منه. خاصة اذا كان المتكلم الكاهن نفسه.

ويكون التكهن، في الغالب، في مكان هادىء تكتنفه ظلمة أو عتمة، لأن للهدوء والظلام أثرأ عظيماً في النفوس، ويسبقه حرق بخور في الأكثر يستمر إلى ما بعد انتهاء التنبؤ، لأن البخور من الروائح الطيبة التي تؤثر في الأرواح، فتجلبها إلى المكان بسرعة. ثم إن له تأثيراً خاصأَ في الأعصاب، وهو بذلك مادة صالحة في الايحاء لمن يقصد استشارة الكهان.

ويروي الأخباريون ان الناس كانوا اذا قدموا على الكهان امتحنوهم ليتأكدوا من صدق تكهنهم ومقدار علمهم. وذلك باخفاء شيء اخفاء لا يمكن الاهتداء اليه، أو بوضع لغز، أو ما شابه ذلك، فيبدؤون، الكاهن بالسؤال عنه. فاذا أجاب جواباً دل على معرفة وسعة علم، سألوه عن الأمر الذي عندهم والذي من أجله قصدوه. ويكون لهؤلاء الكهان أجر يدفع اليهم. والعرف الغالب ان الكهانة لا تكَون ولا تصح إلا بتقديم شيء للكاهن، لأن التابع لا يرضى بالتنبؤ إلا اذا رأى حلاوة للتنبؤ.

ومن قبيل الامتحانات التي امتحن بها الكهان، امتحان "عتبة بن ربيعة" إلى بعض كهان اليمن ليتأكد من صدق تكهنه قبل النظر في أمر اختلاف ابنته "هند" مع زوجها "الفاكه بن المغيرة " في فرية رماها "الفاكه" زوجته بها. وامتحان "عبد المطلب" للكاهن "ربيعة بن حذار الأسدي" حين اختصم مع "بني كلاب وبني رباب"، وامتحان "الكاهن ااخزاعي" وغير ذلك.

وما يعطاه الكاهن ويجعل له على كهانته، يقال له "الحُلوان" و "حلوان للكاهن"، وهو شيء غير معين ولا ثابت، انما يتفق عليه، والرأي الشائع بين العامة حتى الان أن الكهانة لا تصدق إذا لم يعط الكاهن أو الساحر "حلوانه" لآن ما يقدم إلى الكاهن لا يخصه ولا يكون له إنما هو للرئي، والرئي لايقوم بعمله ولا يحسن أداءه إلا بحلوان، يقبله مهما كان، وعلى الكاهن استشارة "التابع " ومراجعته فيه حتى يقنع، ويوافق على الأجر. ولما كان الإسلام قد منع الكهانة، كان من الطبيعي نْهيه عن دفع الحلوان.

والكهّان إنما صاروا كهاناً، أي متنبئين بالغيب، لأن "الكهنة قوم لهم أذهان حادة، ونفوس شريرة، وطباع نارية، فألفتهم الشياطين لما بينهم من التناسب في الأمور، وساعدتهم بكل ما تصل قدرتهم اليه. وهذا هو تعليل إسلامي بالطبع لمصدر تنبؤ الكهان، أما رأي الجاهلين عنه، فلا علم لدينا عنه، لعدم ورود شيء منهم الينا.

وتقدم الكهانة على القدرة الشخصية وعلى ذكاء الكاهن،لذلك لم تكن كالسدانة مثلاً إرثاً ينتقل من الآباء إلى الأبناء، بل كان في إمكان كل شخص يرى في نفسه القدرة على التنبؤ بالغيب والتحدث عما سيحدث للسائلين ان يدعي الكهانة وان يعد نفسه كاهناً يتكلم باسم الأرباب، وينطق بالقوة الخفية التي توحي اليه بالتنبؤات، فيتخذ له مكاناً في معبد أو في موضع اخر أو في بيته ليقصده من يريد استشارته في عظائم الأمور مهما اختلفت وتنوعت عن المستقبل وعن الأخبار وعن الأسرار والمغيّبات وعن القيام بعمل من الأعمال.

وفي الأقوال المنسوبة إلى الكهان، قسم بالكواكب كالشمس والقمر وبالنجوم وبالليل وبالنهار وبالأشجار وبالرياح والكلمات وبالجبال والأنهار وبالطيور ومما شابه ذلك أمور طبيعية الغرض منها التأثير في نفوس السامعين والأغراب في الكْلام، ليكون بعيداً عن الأسلوب الماًلوف. وقد روى الأخباريون نماذج من هذا الكلام، من هذا السجع المعروف ب "سجع.الكهان"، نسبوه إلى أصحابه من كهان الجاهلية. وهي نسبة مهما حاولوا اثبات صحتها وصدق روايتها، فانهم عاجزون في رأيي عن اقناعنا بصحة ما يقولون. كيف حفظوا ذلك الكلام وتناقلوه بالحرف الواحد بوزنه وبأسلوبه وبنصه وبفصه إلى أن أوصلوه إلى أيدي العلماء والمدونين فثبتوه بالتدوين ? وكيف لم يخطئوا في ذلك ولم ينسوا منه حرفاً، حتى لكأنه كلام مقدس وارد عن وحي سماوي، فلا بد من المحافظة على نصه وروايته على نحو ما ورد وحفظ ? واذا كان العلماء قد تساهلوا في رواية متن حديث رسول الله فسمحوا بالتصرف فيه بشرط المحافظة على المعنى محافظة تامة، لصعوبة التمسك برواية النص على نحو ما ورد عن الرسول. فكيف يعقل محافظة الرواة على حرفية كلام الكهان على نحو ما نسب اليهم. وكلام الكهان ليس بشيء بالقياس إلى كلام الرسول، ثم انه أقدم منه، ولم يكن مدوناً ولا مكتوباً في كتاب على ما يفهم من روايات الأخباربين.

وقد كان للكهان على ما يتبين من قصص الأخباريين أثر كبير في حياة العرب قبل الإسلام. فقد كان الناس يستشيرونهم في إبرام مهمات الأمور، كإعلان حرب أو كشف عن جريمة أو بحث عن شيء مفقود وما شاكل ذلك. لقد كانوا يستشيرونهم في الحروب، يتنبؤون للناس يقرب حدوث غزو أو نزول كارثة أو خير سيقع قريباً، لقد كان هجوم بني أسد على "حجر" بمشورة الكاهن وبرأيه، وكان تركهم تميماً وافتراقهم عنهم في يوم جبلة بتحذير من الكاهن كذلك. وقد استعان النعمان أو يزيد بن عمرو الغساني بالكاهن "الخمس التغلبي"، لاخباره عمن تجاسر على ناقته فقتلها، كما استعان "عتبة بن ربيعة" في اثبات نسب ابنته "هند" منه.

وقد اشترك الكهان أنفسهم في الغزوات وفي الحروب. وكانوا يشجعون قومهم ويحثونهم على القتال، وكان بعضهم من مشاهير الفرسان، مثل "زهير بن جناب"، و "جذيمة" العبهي، وقلطف الكاهن، والمأمور كاهن مذحج.

ولم يكن الكهان من الطبقات الدنيا عند عرب الجاهلية، ولا من سواد الناس. لقد كان منهم من هو من سادة القبيلة ومن الأشراف. ولا بد أن يكونوا من هذه الطبقة، ليكون حكمهم نافذاً بين الناس بما لهم من عز ومنزل وجاه. وقد عد الأخباريون "زهير بن جناب" رئيس كلب في جملة الكهان. وقد كان للقبائل "كهان" تلتجىء اليهم في الملمات، لتستشيرهم وتعمل برأيهم في الغزو والحرب. يسيرون معها، وقد يقودونها في المعارك.

وقد كان لكل قبيلة كاهن منها أو عدة كهان،تلتجىء القبيلة اليهم لاستشارتهم في كل أمر عظيم يحدث لهم. ولا يشترط ان يكون كاهن القبيلسة رجلاَ، إذ يجوز ان يكون امرأة. وكان كاهن ثقيف "قريش" عند ظهور الإسلام رجلٌ يقال له "خطر"، وكان لجنب كاهنهم كذلك، وكان لقريش حين ظهور الإسلام كاهنة تدعى سوداء بنت زهرة بن كلاب"، وهكذا كان شأن بقية القبائل. فلما ظهر الإسلام، ودّع اولئك الكهان رئيهم وتابعهم، وكهانَهم، إذ نهى الإسلام عنها. وقد كان لبعضهم أثر مهم في إعداد قبائلهم للدخول في الإسلام.

وقد أشار بعض الكتبة الكلاسيكيين إلى وجود كهان عند العرب، كما انه ورد في كتابات طور سيناء ما يدل على وجودهم عند القبائل.

ولم يكن الكاهن، كاهناً، بمعنى المخبر عن المغيبات فقط، بل كان حاكماً يحكم بين الناس فيما يقع بينها من خلاف. فالكاهن حاكم يفصل في الخصومات. وقد كان أكثر حكام العرب كهاناً، يقصدهم المتخاصمون من مواضع بعيدة لما عرفوا، به من اصالة الرأي، وصحة الحكم.

وفد ذكر أن الكاهن كان لا يلبس المصبغ أما العراف فإنه لا يدع تذييل قميصه وسحب ردائه، ويدل ذلك على أنهما كانا يميزان أنفسهما بمميزات وعلامات وأنهما كانا يتجنبان بعض الأمور.

وقد اشتهر في الجاهلية عدة كهان ذكر الأخباريون أسماءهم، منهم: شقّ، وسطَيح، وأوس بن ربيعة، والخمس التغلبي، وعُزى سلمة الكاهن، ونفيل ابن عبد العزي، وخنافر بن التوأم الحميري، وسواد بن قارب الدوسي،وعمرو ابن الجعيد، وابن الصياد، والأبلق الأزدي، والأجلح الدهري، وعروة بن زيد الأزدي، ورباح "رياح" بن عجلة، وهو المعروف بعراف اليمامة، والكاهن الخزاعي، وهو جدّ "عموو بن الحمق"، وكان منزله بعسفان، واليه احتكم هاشم وأمية " و "كهال"، أحد الكهنة الجاهليين.

وأشهر الكهان وأعرفهم: شق وسطيح، وللاخباريين عنهما قصص أخرجهما من عالم الواقع، وجعلهما في جملة الأشخاص الخرافيين. فشق في زعمهم إنسان له يدٌ واحدة وعين واحدة، وجعلوه من المتشيطنة صورته صورة نصف آدمي. وذكروا أنه كان معاصراً لمالك بن نصر اللخمي، وأنه استدعاه واستدعى سطيحاً معه لتفسير رؤيا رآها أفزعته، وأنهما أخبراه بوقوع غزو الحبشة لليمن وبظهور سيف بنْ ذي يزن. وقالوا: إنه من بني جليخة، وأنه عمر ثلاثمائة سنة. وقالوا ان سطيحاً كان كتلة من لحم يدرج كما يدرج الثوب، ولا عظم فيه إلا الجمجمة، وأن وجهه في صدره.، ولم يكن له رأس ولا عنق، وكان في عصره من أشهر الكهان، وان كسرى بعث اليه عبد المسيح في بن بقيلة الغساني ليسأله في تأويل رؤيا رآها، فأخبره بظهور أمر رسول الله وبقرب زوال ملك العجم، فأخبر "عبد المسيح " كسرى بذلك.

وزعم ان سطيحاً جسد ملقى لا جوارح له، ولا يقدر على الجلوس، إلا اذا غضب انتفخ فجلس. وكان شق شق انسان، له يد واحدة، ورجل واحدة وعين واحدة. وولد سطيح وشق في اليوم الذي ماتت فيه طريفة الكاهنة، امرأة "عمرو بن عامر"، وهي بنت الخير الحميرية، ودعت بسطيح قبل ان تموت، فأتيت به، فتفلت في فيه، وأخبرت انه سيخلفها في علمها وكهانتها. وكان وجهه في صدره، ولم يكن له رأس ولا عنق، ودعت بشق ففعلت به ما فعلت لسطيح، ثم ماتت وقبرها بالجحفة وقد ذكر "المسعودي"، نسب الكاهن "شق" على هذا النحو: "شق ابن مصعب بن شكران بن أترك بن قيس بن عنقر بن أنمار بن رييعة بن نزار". وذكر نسب "سطيح" على هذه الصورة: "هو ربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عدي بن مازن بن غسان، ودعاه ب "سطيح الغساني" في موضع اخر، وأورد سجعاً من سجعه، كما أورد أخباراً لشق المعاصر له. وقد دعاه "الجاحظ" ب "سطيح الذئبي"، كما دعاه "ابن اسحاق" بذلك، لأنه ينسب إلى جد اسمه "ذئب".

واذا كانت رواية أهل الأخبار عن وجود الكاهن "سطيح صحيحة، فيجب أن يكون قد عاش في القرن السادس للميلاد، اذ هم يذكرون أنه كان معاصراً لكسرى أنو شروان، وللنعمان بن المنذر، ويروون أنه أخبر "عبد المسيح بن حسان"،0 الذي جاء اليه ليستفسر منه عن رؤيا رآها كسرى في منامه فازعجته، فأخبره بمولد الرسول. وذكروا أيضاً ان كسرى كان يستعين في حكمه بالكهان، فيستشيرهم، وانه كان لديه ثلثمائة وستون كاهناً وسحرة ومنجمين، وكان، من بينهم كهنة من العرب وأشهرهم: السائبْ.

وذكر بعض، أهل الأخبار " أن خالد بن عبدالله القسري كان من ولد شق هذا. فهو خالد بن عبدالله بن أسد بن كرز. وذكر أن كرزاً كان دعياً، وانه كان من اليهود فجنى جناية، فهرب إلى بجيلة، فانتسب فيهم. ويقال كان عبداً لعبد القيس وهو ابن عامر ذي الرقعة. وسمي بذي للرقعة، الأنه كان أعور يغطي عينه برقعة ابن عبد شمس بن جون بن شق الكاهن بن صعب" ويظهر أن أعداء "للقسري"، قد أوجدوا له هذه للقصة للحط منه،كما أوجدوا قصصا شبيها بهذه القصة، حكوها عن ثقيف، نكاية بالحجاج المكروه.

والى هؤلاء تجب اضافة "الأفعى الجرهمي"، وكان منزله بنجران، واليه احتكم ولد نزار في إرث والدهم.

ورووا ان الكاهن "الخزاعي" كان من الكهان المعروفين واليه تحاكم "أمية بن عبد شمس" و "هاشم بن عبد مناف في أمر مفاخرتهما، فحكم لهاشم على أمية، فخرج الى الشام وأقام بها عشر سنين. وانه قال في حكمه كلاماً مسجعاً ختمه يقوله: ولأمية أواخر، فكانت أول عداوة بين بني هاثم وبني أمية. وهكذا جعلوه يتنبأ بظهور ملك بني أمية. وربما كان هذا الملك هو الذي أوحا إلى مفتعل القصة بابداع موضوع اختيار "امية" الشام لتكون داراً له أقام بها مدة نزاعه مع هاشم، فحكم ان الملك عليها كان مكتوباً لبني أمية منذ عهد الجاهلية.

وتشبه هذه القصة، قصة شك "الفاكه بن المغيرة، في سيرة زوجه "هند بنت عتبة ين ربيعة"، وتكلم الناس فيها، وذهاب والدها وزوجها بها إلى كاهن من كهان اليمن، فلما امتحنه عتبة، وتبين له ان الكاهن حاذق لايخطىء قال له: قد جئناك في أمر هؤلاء النسوة، فجعل يأتي إلى كل واحدة منهن ويضرب بيده على كتفها، ويقول لها: انهضي " حتى بلغ هنداً. فقال: انهضي غير رسحاء ولا زانية وستلدين ملكاً اسمه معاوية، فنهض اليها الفاكه، فأخذ بيدها، فجذبّ يدها من يده، وقالت اليك عني، فوالله لأحرص ان يكون ذلك من غيرك فتزوجها أبو سفيان، فولدت له أمير المؤمنن معاوية"،. وهي قصة تتحدث عن نفسها، ولا حاجة لي إلى ابداء اي تعليق عليها.

وكان "صاف ين صياد" يتكهن ويدعي النبوة. وخبأ له النبي خبيئا ًفعلمه. وكان يدعي أن شيطانه كان يأتيه بما خفي من أخبار الأرض. ويذكر ان الرسول سأله: كيف يأتيك هذا الأمر ? قال: يأتيتي صادقاً وكاذباً. وأن رسول الله ذهب اليه ليرى أمره وكان "ابن صياد" في نخل، فكلمه رسول الله. وذكَر أنه انطلق مرة مع "عمر بن الخطاب" في رهط قبل ابن صياد، فوجده عند "أطم بني مغالة".

وكان في بني لهب كاهن لهم يقال له خطر بن مالك. وكان في أيام الرسول. وكان اذ ذاك شيخاً كبيراً. وكان "أبو برزة" الأسلمي من ألكهان المعروفين في المدينة أيام الرسول،:قد تحاكم اليه بنو قريظة وبنو النضير في أمر الديات التي كانت بينهماْ.

وذكر أن "خطر بن مالك" كان من أعلم كهان "بني لهب"، وأنهم كانوا يأتونة في الملمات،أتآ عليه مائتا سنة وثمانون سنة، وقد تنبأ لقومه بانقطاع الكهانة وظهور الرسول بمكة حين سألوه عن سبب تساقط النجوم في السماء.

وكان في دوس كاهن اسمه سواد بن قارب الدوسي أو السدومي. وقد وفد مع وفد من قومه على الرسول وأسلم معه أمامه. وكان له رئي يأتي اليه. وذكر أهل الأخبار انه كان حاذقاً في الكهانة، مصيباً بها،"خرج خمسة نفر من طيء من دور الحمى،منهم: برج بن مسهر، أحد المعمرين، وأنيف بن حارثة، ولأم عبدالله بن سعد والد حاتم وعارف الشاعر، ومرة بن عبد رضا،يريدون سواد بن قارب ليمتحنوا علمه، فقالوا: ليخبىء كل منا خبياً ولا يخبر أصحابه، فان أصاب عرفنا علمه،وان أخطأ ارتحلنا عنه. ثن وصلوا اليه فأهدوا اليه إبلاً وطرفاً، فضرب عليهم قبة ونحر لهم،فما مضت ثلاثة أيام دعاهم، فتكلم برج، وكان أسنهم فذكر القصة بجميع ما خبأوه ثم بمعرفته بأيمانهم وأنسابهم فقال فيه عارف الشاعر: الـلـه أعـلـم لا يجــارى  إلى القالات في حصني سوادٍ

كأن خبيئنا لما انـتـخـبـنـا  بعينـه يصـرح أو ينـادي

ومن الكهان المعروفين "الحصين بن نصاة" وقد عرف ب "الكاهن"، وقيل: إنه سيد أهل تهامة في أيامه. و "عمرو بن إلحمق"، وقد أسلم وصحب النبي، وشهد المشاهد مع علي.

وكان "ربيعة بن حُذار الأسدي" من الكهان المعروفين، واليه تحاكم "بنو كلاب" و "بنو رباب" لما خاصموا "عبد المطلب" في مال قريب من الطائف. فحكم ل "عبد المطلب".

وذكر "المسعودي" اسم كاهنين، دعاهما به "سملقة" و "زوبعة". وقد أشار "الجاحظ" اليهما في معرض كلامه على الخرافات.

وأشار "الجاحظ" إلى كاهن ظهر في "بني جهينة"، عرف ب "حارثة جهينة"، والى "عزى سلمة". وقد قال "الجاحظ" عن "عزى"، أنه كان من أكهن العرب واسجعهم. ودعاه ب "سلمة بن أبي حية".

وكان "خُنافر بن التوأم الحميري" كاهناً، وكان قد أوتي بسطة في الجسم، وسعة في المال، وكان عاتياً، فلما وفدت وفود اليمن على النبي، وظهر الإسلام أغار على إبل لمراد فاكتسحها وخرج بأهله وماله ولحق بالشحر، فحالف "جودان ابن يحيى الفرِضمي"، وكان سيداً منيعاً، ونزل بواد من أودية الشحر، ثم جاءه "شصار" رئيه، فنصحه بالعودة إلى اليمن، والدخول في الإسلام. فأسلم على يد معاذ بن جبل بصنعاء، فترك الكهانة وتعلم سوراً من القرآن.

ومن الكهان "المأمور"، وهو "الحارث بن معاوية" الكاهن وكانت مذحج في أمره تتقدم وتتأخر. و "قلطف" الكاهن، وهو من طيء.

وكان "زهير بن جناب الكلبي"، و "جذيمة" العبسي، كهاناً. وزهير من الفرسان، فكان من فرسان كلب، وكان شاعراً.

ويعدّ "الأفكل" من الكهان الفرسان، وله فرس اسمه هبودْ.

ولم تحرم النساء الكهانة، فكان لهن فيها حصة ونصيب. وقد حفظ الأخباريون أسماء عدد من الكاهنات اشتهرت كهانتهن في الجاهلية، منهن طريفة الكاهنة، وزبراء، وسلمى الهمدانية، وعفيراء الحميرية، وفاطمة بنت مرّ الخثعمية، وسجاح، وغيرهن. وقد نسبوا إلى طريفة إخبارها عمرو بن عامر أحد ملوك اليمن بزوال ملكه وبخراب. سد مأرب، وذكروا انها سارت مع القبائل حين خافت سيل العرم. ونسبوا إلى بقية الكاهنات أمثال هذا القصص عن أمورستقع قالوا انهاوقعت كما تنبأن به.

وذكر "المسعودي"، ان "طريفة" كانت كاهنة لعمرو بن عامر، وقد نعتها ب "طريفة الخير". وقد تنبأت له بقرب تهدم السد،وظهور سيل العرم. كما تنبأ بذلك أخ للملك اسمه "عمران"، وكان عقيماً كاهناً، فوقع ما تنبأ به.

وكان من شهيرات الكاهنات أيضاً "الغيطلة"، وهي "أم الغياطل"، وهي من "بني مُرة بن عبد مناة بن كنانة". وقيل: "الغيطلة بنت مالك بن الحارث بن عمرو بن الصعق بن شنوق بن مرة. وشنوق أخو مدلج". وقد عرف ولدها بالغياطل وهم من بني سهم بن عمرو بن هصيص.

ويقال ايضاً أن "سعدى بنت كريز بن ربيعة" كانت قد تكهنت، وهي خالة عثمان بن عفان.

وكان لفاطمة بنت النعمان النجارية تابع من الجن، وكان اذا جاءها اقتحم عليها في بيتها، وقد أدركت مبعث الرسول.

وكانت سوداء بنت زهرة بن كلاب، كاهنة قريش. ويذكر أن والدها أعطاها لحافر قبور ليحفر لها قبراً في الحجون، فيدفنها حيّة فيه. أي يئدها، لأنها ولدت زرقاء شيماء، وكانوا يئدون من البنات من كان على هذه الصفة،غير أن حافر القبر عاد بها إلى والدها، لأنه لم يشأ دفنها في خبر يرويه أهل الأخبار.

وكان في "خثعم" كاهنة عرفت بفاطمة.

ولاستشارة الناس هؤلاء الكهان في الأمور وطلبهم منهم الفصل فيها صارت كلمة "حكم" مرادفة لكلمة "كاهن" في بعض الأحايين. وقد روي الأخباريون أمثلة عديدة من حكم هؤلاء الكهان بين الناس وطريقة فصلهم في الأمور، فهم في هذه الحالة حكام يفصلون في القضايا التي يتفق الجانبان المتخاصمان فيها على احالتها عليهم. ولم تكن لنفوذ أحكامهم مناطق وحدود، لقد كان حدود احكامهم المدى الذي وصات شهرة الكاهن اليه، لذلك كان الناس يقصدون الكاهن من مناطق بعيدة في بعض الأحيان لشهرته الواسعة التي يتمتع بها بين الناس. وتتوقف هذه الشهرة بالطبع على مبلغ ذكاء ذلك الكاهن وقدرته في فهم طبيعة المتخاصمين أو السائلين، ليتمكن من اصدار حكم معقول مقبول. وتكون أحكامهم قطعية، على الطرفين اطاعتها والامتثال لها، وليس لأحد أن يعترض عليها. ولذلك يأخذ الكاهن من الطرفين المتخاصمين قبل سماعه الشكوى عهداً بوجوب الامتثال لحكمه وعدم ردّه مهما كان نوع الحكم.

العرّاف

ويطلق بعض علماء اللغة على الكاهن "العرّاف"، فهو عندهم مرادف للكاهن. غير ان من العلماء من يفرق بين الكلمتين، ويرى بينهما فرقاً، فالكاهن الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان، ويدعي معرفة الأسرار، والعراف هو الذي يدعي معرفة الشيء المسروق ومكان الضالة ونحوهما، أو الذي يزعم انه يعرف الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقعها من كلام من يسأله أو فعله أو حاله. ومنهم من يذهب الى ان العراف من اختص بالإنباء عن الأحوال المستقبلية. أما الكاهن فهو الذي اختص بالإخبار عن الأحوال الماضية. وقد فرّ ق بين الكاهن والعراف في حديث: "من أتى عرافاً أو كاهناً 000". وأطلق بعضهم العراف على من يدعي الغيب مطلقاً وفي ضمنهم المنجم والحازي.

وذكر ان "العراف" الكاهن أو الطبيب أو المنجم أو الحازي الذي يدعي علم الغيب. فللكلمة معان عديدة، ولا تختص بمعنى واحد. وقد ذهب "المسعودي" إلى ان العراف دون الكاهن. ونجد هذه النظرة عند غيره أيضاً.

وخلاصة ما يفهم عن الكهانة والعرافة في روايات الأخباريين أن الكهانة هي التنبأ بواسطة تابع. وأن العرافة تكون بالملاحظات وبالاستنتاجات وبمراقبة الأشياء لاستنتاج أمور منها، يخبر بها السائلون على سببل التنبؤ. وهي على ما يظهر من تلك الروايات، دون الكهانة في المنزلة، ولم يكن للعرافين اتصال ببيوت العبادة والأصنام، ولم يكن لهم "رئي" أي "تابع"، وإنما كانوا يستنبطون ما يقولونه بذكائهم وعلى القياس. فيأخذون بالمشابهة وبالارتباط بين الحوادث، ويحكمون بما سيحدث بموجب ذلك.

وقد عدّ العبرانيون العرافة من الحيل الشيطانية كالسكر والتفاؤل، لأنها من رجس المشركين. وتشمل عندهم التنجيم والقرعة والزجر وما شاكل ذلك. وقد نهي عنها في الإسلام.

وقد اعتمد العرّاف على الخط. فكان يخط خطوطاً، ثم يخطر اليها، ليستنبط شيئأ منها، يتنبأ به للناس. ومن مشاهيرهم "حليس الخطاط الأسدي". وقد ذكر أنهم كانوا يحطون خطوطاً، ثم ينظر العراف ويقول: "ابنا عيان،اسرعا البيان، ثم يخبر بما يرى".

وتعتمد العرافة -كما تعتمد الكهانة - على الذكاء والتفرس في الأمور والتجارب. وقد خصصها أكثر الناس في الإسلام بالتوصل إلى معرفة الأشياء المفقودة.والعراف مما عنده من الملكات والمواهب المذكورة، يقضي ويتنبأ للناس فيما يراه، ومن أشهر العرافين في الجاهلية: عرّاف اليمامة، وهو "رباح بن كحلة" "رباج ابن عجلة" "رياح بن كحلة" المذكور في الشعر، وعرّ اف نجد وهو الأبلق الأسدي. والأجلح الزهري، وعروة بن زيد الأسدي.

وفي عرّاف اليمامة ورد قول الشاعر: فقلتُ لعرّاف اليمامه داوني  فإنك ان داويتني لطبـيب

والأبلق الأسدي، هو عراف نجد، وفيه يقول عروة بن حزام: جعلت لعرّاف اليمامة حكمه  وعرّاف نجد إن هما شفياني

وقد كان أهل الجاهلية يعرضون صبيانهم على "العرافين" لإخبارهم عن مستقبلهم. وكانت الأسواق مثل سوق عكاظ موئلاً لهم. فكان العراف فيها ير به للناس صبيانهم، ويقول عنهم ما يجول بخاطره، وذلك بالتفرس في وجه الصبي، ومقارنة ذلك بما حصل عليه من تجارب في هذا الباب، وفي اللغة العربية كلمة قديمة أخرى لها صلة بموضوعنا هذا، هي "القيافة". ويقصد بها التنبؤ والإخبار عن شيء بتتبع الأثر والشبه، وتدخل في ذلك قيافة اثار الأقدام والأخفاف والحوافر للاستدلال منها على أصحابها، وتعيين النسب في حالة الشك فيه. وما زالت القيافة معروفة عند العرب حتى الآن. وقد اشتهرت بها "بنو مدُلج" خاصة، حتى قيل للطائف "مدلجيّ" بسبب هذا الاختصاص، وبنو لهب، وأحياء مضرْ.

ويرى "المسعودي" ان القيافة من الأمور التي برع بها العرب واختصوا بها، وصار لهم مران وخبرة بها، وذكر ان ممن عرف واشتهر بها "محرز المدلجي"، وقد تعجب الرسول من قيافته وصدقه، وذكر أهل الأخبار ان "الحازر"، هو من يحزر الأشياء، وان "الحزارة" في معنى القيافة.

وأما "الفراسة"، فتكون بالاستدلال بهيأة الإنسان وأشكاله وأقواله على صفاته وطبائعه. وقد ذهب بعض المستشرقين إلى أنها من الكلمات المعربة التي أخذت من "بني إرم"، وانها أحدث عهداً من لفظة "القيافة" التي هي من الكلمات العربية الجاهلية، وقد توسع في معناها وألف فيها الكتب في الإسلام وتبحر فيها بعض أئمة الفقهاء مثل الشافعي.

وأما "العيافة" فهي التنبؤ بملاحظة حركات الطيور والحيوانات ودراسة أصواتها،وقراءة بعض أحشائها، ولذلك قيل في العبرانية للعائف "الشاق"، لشقه الحيوانات والطيور لدراسة أحشائها واستخراج الخير مما يراه على تلك الأحشاء من ألياف يرى ان في أوضاعها معاني يذكرها للسائل على شكل نبوءة. وكانت معروفة خاصة عند الكلدانيين.

وقد اشتهرت "بنو أسد" بالعيافة، فقصدها الناس للاخذ منها، حتى الجن سمعت بعيافتها، وعجبت منها، فجاءت اليها تمتحنها في هذا العلم.

واشتهرت "بنو لهب" بالعيافة كذلك،ولهب حي من الأرد. ومن هؤلاء "العائف اللهبي"، "لهبَ بن أحجن بن كعب"، وهو الذي تكهن بموت عمر بن الخطاب قبل وقوعه بعام.

والزجر العيافة. وهو يزجر الطير يعافها، وأصله ان يرمى الطير بحصاة ويصيح،فان ولاه في طيرانه ميامنه تفاءل به أو مياسره تطير. وهو ضرب من التكهن. وانما سمي الكاهن زاجراً، لأنه اذا رأى ما يظن انه يتشاعم به زجر بالنهي عن المضي في تلك الحاجة برفع صوت وشدة.

وتطلق لفظة "الحازي" على من يحزر الأشياء ويقدرها بظنه، فهي من الكلمات المستعملة في الكهانة، ويطلق على من يشتغل بالنجوم اسم "حزاء"، لأنه ينظر في النجوم وأحكامها بظنه وتقديره. وأطلقت أيضاً على من يزجر الطير، ولا سيما الغراب.

وقد أشير في كتب أهل الأخبار إلى "خازي" عرف واشتهر بين الجاهليين ب "حازي جهينة".

الراقي

ويقال لمن يعمل الرقي ويرقي: "الراقي". والرقية العوذة التي يرقي بها صاحب الآفة كالحمىّ والصرع. قال عروة: فما تركا من عوذة يعرفانها  ولا رقية إلا بها رقيانـي

ويقال لأجرة الراقي: "البسلة" و "بسلة الراقي". و "البسل" الحلال، والبسل أيضاً الحرام،فهو من الأضداد. وبسل الدعاء بمعنى آمين، أي الاستجابة. وكان الرجل اذا دعا على صاحبه، يقول: قطع الله مطاك. فيقول الآخر: بسلا بسلاً، أي آمين آمين.

الاستقسام بالأزلام

ومن طرق التنبؤ الاستقسام بالأزلام ويقابل ذلك ما يقال له "كسيم" "كسم" " Gasam " في العبرانية. وهي طريقة معروفة عند البابليين كذلك. وعند غيرهم من الشعوب. وقد أشير في التوراة إلى أن "نبو ختنصر" "بختنصر" "نبخد نصر" " Nebuchadnessar" أجال السهام حين عزِم على فتح "اًورشليم" "القدس". " فإن ملك بابل قد وقف عند أم الطويق في رأس الطريقين ليباشر عرافة. فأجال السهام وسأل الترافيم ونظر في الكبد". وقد خرج السهم الذي كتب عليه "أورشليم"، فعمل به وهاجم القدس وفتحها.

وتعني لفظة " كوسيم " Gosem" و" Gesem" ,"Kosem" العرافة في العبرانية. من أصل "كسم" "كيسم" "قيسم" وهو التكهن. وهو أصل "سامي".واليه تعود كلمة "الاستقسام"، لا إلى "قسم" بمعنى تقسيم الشيء وتجزئته.

وهو المعنى الذي ذهاب اليه أكثر علماء اللغة. وقريب من معنى "قيسم" "كيسم" ما ذكره علماء اللغة من أن القِسمَ هو الحظ والنصيب. فإن للحظ والنصيب علاقة وثيقة بالتكهن، لما فيه من معرفة المستقبل والوقوف عليه.

وقد عرف أهل الأخبار "الأزلام": انها السهام التي كان أهل الجاهلية يستقسمون بها. وعرفوا "الزلم"، ائه السهم، وانه القدح المزلم، وعرفوا القدح: انه السهم قبل ان ينصل ويراش. وان القدح: قدح السهم، وجمعه قداح، وصانعه قدّاح. وقد فسر بعض العلماء الأزلام بأحجار بيض تشبه أحَجار الشطرنج، كما جعل بعض اخر تلك السهام في مقابل "الكعاب" التي يستعملها الروم والفرس في الاستخارة. وذكر بعض اخر ان "الأزلام: سهام كانت لأهل الجاهلية مكتوب على بعضها: أمرني ربي، وعلى بعضها: نهاني ربي، فإذا أراد الرجل سفراً أو أمراً، ضرب تلك القداح،فإن خرج السهم الذي عليه أمرني ربي مضى لحاجته، وإن خرج الذي عليه نهاني ربي لم يمض في أمره". وذكر ان الأزلام التي كانوا يستقسمون بها غير قداح الميسر،وانها قداح الأمر والنهي لا قداح الميسر. وذكر ان أهل الجاهلية، كانوا اذا أرادوا ان يخرجوا في سفر، جعلوا قداحاً للجلوس والخروج، فإن وقع الخروج خرجوا، وإن وقع الجلوس جلسوا.

وطريقة الضرب بالقداح، ان الرجل منهم اذا أراد ان يخرج مسافراً، كتب في قدح هذا يأمرني بالمكث، وهذا يأمرني بالخروج،وجعل معهما أزلاماً مسحة،أي لم يكتب فيها شيئاً، ثم استقسم بها حين يريد الخروج، فإن خرج الذي يأمرِ بالمكث، مكث، وإن خرج الذي يأمر بالخروج خرج، وإِن خرج الآخر أي المسح، أجالها ثانية حتى يخرج أحد القدحين. وهكذا يفعلون في سائر أمور الاستقسام.

وقد جمع المفسرون ما تمكنوا من جمعه عما علق في أذهان الناس من الأزلام، لورود الإشارة اليها في موضعين من سورة "المائدة"، وأورد علماء الحديث والأخبار ما وصل إلى علمهم أيضاً عن "الاستقسام بالأزلام". ويظهر مما ذكروه أن اهل الجاهلية كانوا يقيمون في ايامهم وزناً كبيراً للاستقسام بالأزلام لاعتقادهم أنه يحكي ارادة الأرباب ويتحدث عن مشيئتها. لذلك كانوا لا يفعلون فعلا ولا يعملون عملا إلا بعد أخذ رأيها بالاستقسام. فإن جاء أمر فعلوا، وان جاء نهي امتنعوا.

وجاء في سورة المائدة: )وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق لكم(، وذلك مع أمور نهى عنها الإسلام. منها تحريم أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل إلسبع إلا ما ذُكي، وما ذبح على النصب. وجاء ذكر الأزلام في موضع آخر مع ذكر الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، حيث جعلت رجساً من عمل الشيطان، لذلك، على المسلم اجتنابها والابتعاد عنها. فالاستقسام بالأزلام من الأمور التي نزل الأمر بالنهي عنها في الإسلام. وقد جاء الأمر بالنهي عنها في شريعة يهود كذلك إذ اعتبرت "رجساً"، ومن أعمال الوثنيين.

ويكون الاستقسام عند الأصنام في الغالب لاعتقادهم ان النتيجة تمثل ارادة الصنم ومشيئته، غير ان ذلك ليس بشرط، فقد كان أصحاب الأزلام يحملون أزلامهم معهم، ويستقسمون حيث يطلب ذلك منهم. فهم في ذلك مثل أصحاب "الفأل" والقارئون للرمل والسحرة في الوقت الحاضر، يتنقلون بين الناس عارضين فنهم عليهم في مقابل حلوان يقدم اليهم. وهذا النوع، من أصحاب الأزلام، هم من الطبقة المرتزقة على شاكلة هذه الجماعة المذكورة في هذه الأيام. وقد كان منهم من يستقسم لنفسه بنفسه، وذلك بأن يمستقسم بالأزلام التي عنده في بيته، والتي قد يحملها معه، تماماً كما يفعل أهل "الاستخارة" في الاستخارة بالمسبحة "السبحة" أو بوسائل الاستخارة الأخرى في الوقت الحاضر.

قال أهل الأخبار: "والأزلام كانت لقريش في الجاهلية مكتوب عليها أمر ونهي وافعَل ولا تفعل، قد زُلمت وسويت ووضعت في الكعبة، يقوم بها سدنة البيت، فإذا اراد رجل سفراً أو نكاحاً أتى السادن فقال: اخرج لي زلماً، فيخرجه وينظر اليه، فاذا خرج قدح الأمر مضى على ما عزم عليه، وان خرج قدح للنهي قعد عما أراده، وربما كان مع الرجل زلمان وضعهما في قرابه، فاذا أراد الاستقسام أخرج أحدهما".

و "قالوا: كانوا اذا كانت مداراة أو نكاح أو أمر يريدونه، ولا يدرون ما الأمر فيه ولم يصح لهم أخذوا قداحاً لهم فيها: أفعل ولا أفعل لا يفعل، نعم لا خير، شر بطيء سريع، فأما المداراة فإن قداحاً لهم فيها بيضاً ليس لهم فيها شيء، فكانوا يجيلونها فمن خرج سهمه فالحق له، وللحضر والسفر سهمان، فيأتون السادن من سدنة الأوثان، فيقول السادن: اللهم أيهما كان خيراً فاخرجه لفلان، فيرضى بما يخرج له، فإذا شكوا في نسب الرجل أجالوا له القداح وفيها: صريح، وملصق، فإن خرج الصريح ألحقوه بهم، وان خرج الملصق نفوه، وان كان صريحاً، فهذه قداح الاستقسام"، "وان كان بين اثنين اختلاف في حق، سمي كل منهما له سهماً وأجالوا القداح، فمن خرج سهمه فالحق له".

وذكر ان اقداح. "هُبل" سبعة، وضعت قدامه. فان أراد آحدهم سفراً أو عملاً أو تجارة أو زواجاً أو بتّاً في نسب مشكوك فيه أو دفع دية أو أن يخرجوا ماء، أتوا هُبَلَ، ومعهم مائة درهم وبجزور فأعطوها صاحب القداح حتى يجيلها لهم، وكانت أزلامهم سبعة قدّاح محفوظة عند سادن الكعبة وخادمها، وهي مستوية في المقدار عليها أعلام وكتابة قد كتب على واحد منها "أمرني ربي" وعلى واحد منها "نهاني ربي" وعلى واحد "منكم" وعلى واحد "من غيركم" وعلى واحد "ملصق" وعلى واحد "العقل" وواحد غفل ليس عليه شيء، فاذا أرادوا الوقوف على مستقبل الأمر الذي تصدوا له استقسم لهم صاحب القداح بقدحي الأمر والنهي، فان نجح قدح الأمر ائتمروا وباشروا فيما تصدوا له من حرب أو سفر أو زواج أو ختان أو بناء أو نحو ذلك مما يتفق لهم، وإن خرج قدح النهي أخروا ذلك العمل إلى سنة فاذا انقضت أعادوا الاستقسام مرة أخرى.

ويروى ان السؤال إن كإن يخص اقداماً أو احجاماً، استعمل صاحب القداح قدحي "نعم" أو "لا" فاذا ظهر للمجيل قدح "نعم" عمل به، ومضى إلى ما قصد، وإن جاء "لا" أي النهي توقفوا سنة. أما اذا كان نزاعاً في نسب أحد منهم، استقسم بالأزلام الموسومة به "منكم" و "من غيركم" و "ملصق"، فان ظهر "منكم"، اعتبر المتنازع على نسبه منهم، وإن خرج "من غيركم" اجتنبوه ونفروا منه، وان ظهر "ملصق"، بقي أمره على ما كان عليه قبل إلاستقسام، وأما اذا كان السؤال نزاعاً في "العقل": أي دية القتيل، بأن اشتبه عليهم القاتل، أحضروا من اتهم بالقتل بالقدحين الموسومين ب "العقل" وب "الغفل"، واستقسم بهما فمن خرج عليه العقل تحمل الدية، وإن خرج "الغفل" أجالوا ثانيأَ حتى يخرج المكتوب عليه.

ولما أراد "أبو سفيان" الخروج إلى "أحد"، استخار هبل. بأن كتب على سهم نعم، وعلى آخر لا، وأجالهما عند هبل، فخرج سهم نعم، فخرج بقومه إلى "أحد". وقال يقول: أعلُ هبل. وقال عمر: الله أعلى وأجل، قال أبو سفيان: أنعمت فعال عنها، أي اترك ذكرها، فقد صدقت في فتواها، وأنعمت، أي أجابت بنعم.

ولصاحب الأزلام وخازنها حق يتقاضاه سن الطالبين في مقابل عمله. فكان سادن "هبُل" يتقاضى مئة درهم أجراً عن الاستقسام، كما سبق ان ذكرت، فان تكرر ذلك زيد أجره على ما يذكره الرواة. وقد كان غير العرب يدفعون حلواناً إلى صاحب الأزلام ليتنبأ لهم. فلما انطلق "شيوخ مديان" "مدين" و "مؤآب" إلى "بلعام" ليستقسم لهم، حملوا حلوانهم معه، فقدموه اليه مقابل ما قام به من عرافة اليهم.

وقيل للذين يضربون بالقداح "الضرباء". والواحد الضريب والضارب. وهو الموكل بالقداح، وقيل الذي يضرب بالقداح. يقال هو ضريب قداحٍ. وقد أشير إلى الاستقسام في شعر الشعراء الجاهليين، وقد ذكرت في قصة الشاعر "امرىء القيس" الكندي حينما جاء إلى الصنم "ذي الخلصة"،ليستقممم عنده بشأن الأخذ بثأر أبيه. فلما خرج النهي عنه ثلاث مرات، غضب على صنمه، وكسر الأزلام ورماها في وجهه، كما يقول الرواة قائلأ: "لو كان أبوك المقتول لما نهيتني"، وأنشد: لو كنت يا ذا الخلص الموتورا  لم تنه عن قتل العـداة زورا

وأشار الحطيئة إلى ذلك بقوله: لم يزجر الطير،أن مرت به سنحاً  ولا يفيض على قسـمٍ بـأزلام

وقال طرفة: أخذ الأزلام مقتسماً  فأتى أغواهما زلمه

وهنآك طرق عدة عرفت عند الشعوب القديمة في التكهن بالسهام، ومنها رمي السهام في الهواء لمراقبة حركاتها وكيفية سقوطها، ومنها رمي حزمة من السهام أمام الصنم، فالسهم الأول الذي يقع قبل بقية الأزلام، يكون هو السهم الذي أمر به الصنم في زعمهم، فيعمل بموجب ما كتب عليه.

ولخص "الألوسي" الأزلام التي كانت عند العرب على ثلاثة أنحاء: أحدها: قداح الميسر العشرة، وثانيها: لكل أحد، وهي ثلاثة على أحدها مكتوب "افعل"، أي أمر، وعلى الثاني "لا تفعل" وعلى الثالث "غفل"، فاذا أراد أحدهم الأمر جعلها في خريطة، وهي "الربابة" وأدخل يده فيها وأخرج واحداً، فان طلع الامر فعل أو الناهي ترك أو الغفل أعاد. وثالثها: للأحكام وهي التي عند الكعبة. وكانوا يتحاكمون عند "هبل" في جوف الكعبة. وكان عند كل كاهن وحاكم للعرب مثل ذلك. وكانت سبعة مكتوب عليها ماسبق.

و "القرُعة" أي "السهمة"، نوع من أنواع التنبؤ بالغيب التابعة للاستقسام بالأزلام. و "السهمة" هي رضاء بحكم "السهم"، أي بحكم وقوع السهام على الأشياء. وهي جواب فصل يمثل ارادة الآلهة للسائل أو للمختصمين في اًمر من الأمور. وقد قيل للسهم: الحظ والنصيب، لأنه يتكلم عن حظ الإنسان ونصيه.

والتنبؤ بالتفرس في الأشباح التي تظهر على الماء، أو الزيت المصبوب في الأقداح، أوالحركات التي تظهر على سطح السائل بعد رمي شيء فيه، لمعرفة الأسرار والمغيبات والاجرام كالسرقات والقتل، والزنى، ودراسة سطح المرآة: هذه وأمثالها كانت معروفة عند البابليين والعبرانيين، وعند غيرهم من الشعوب. وعقيدتهم أن الأرواح هي التي ترشد إلى اظهار المخفيات، وان هناك مأمورين من بينهم واجبهم اخبار العراف والعائف والكاهن بما يطلب منهم معرفته ليقوله للسائل.

ومن ضروب التنبؤ " الطرقُ"، وهو الضرب بالحصى للكشف عن المستقبل، يقوم بذلك الرجال والنساء. ويقال للقائمين بذلك الطُرّاق والطوارق. وورد ان الطرق: الضرب بالحصى والخط في التراب، وهما ضربان من التكهن. وقيل أيضاً: الطوق: أن يخط الرجل في الأرض بإصبعين ثم باصبع، ويقول: ابني عيان اسرعا البيان،وزعم بعضهم أن الطرق ان يخلط الكاهن القطن بالصوف فيتكهن. وقد نهى عنه في الإسلام. ورد في الحديث:انه قال: الطرق والعيافة من الجبت.

ويدخل في ضروب التنبؤ "الخط" "وهو الذي يخطه الحازي. يأتي صاحب الحاجة إلى الحازي فيعطيه حلواناً، فيقول له: اقعد حتى أخط لك،وبين يدي الحازي غلام له معه ميل، ثم يأتى إلى أرض رخوة فيخط فيها خطوطاً كثيرة بالعجلة لئلا يلحقها العدد، ثم يرجع فيمحو منها على مهل خطين خطين،وغلامه يقول للتفاؤل: "ابني عيان، أسرعا البيان"، فان بقي خطان فهما علامة النجح، وإن بقي خط واحد فهو علامة الخيبة... وقيل: الخط هو ان يخط ثلاثة خطوط، ثم يضرب عليهن بشعير أو نوى، ويقول: يكون كذا وكذا. وهو ضرب من الكهانة". وكانت العرب تسمي ذلك الخط الذي يبقى من خطوط الحازي الأسحم. وكان هذا الخط عندهم مشؤوماً، وقد كان الخط من علوم العرب القديمة.

وعلم الخط هو علم الرمل. وينسب إلى "ابن عباس" قوله: علم قديم تركه الناس. وخط الزاجر في الأرض، رسم خطاً باصبعه، ثم زجر. وذكر ان "الخطيطة" الرملة التي يخط عليها الزاجر، وان الأسحم اسم خط من خطوط الزاجر، وهوعلامة الخيبة عندهم. وذلك ان يأتي إلى أرض رخوة وله غلام معه ميل، فيخط الأستاذ خطوطاً كثيرة على عجل لئلا يلحقها العدد، ثم يرجع فيمحو منها خطين خطين، فان بقي من الخطوط خطان، فهما علامة النجح وقضاء الحاجة، ويمحو وغلامه يقول للتفاؤل: ابني عيان أسرعا البيان، واذا محا الخطوط، فبقي منها خط،، فهي علامة الخيبة.

الأحلام

والأحلام "Dreams" و "الرؤيا" "Visions" باب من أبواب الكهانة كذلك، فهي تفسير لما سيقع في المستقبل من حوادث. وقد تخصص بذلك أناس تعاطوا تعبير الرؤيا والأحلام. وإذ كان اعتقاد الشعوب القديمة ان الأحلام حقيقة، لاكما نتصورها نحن، كان الاهتمام بها كبيراً، والاعتناء بها شديداً ولا يزال يخصها كثير من الناس بالعناية.

وقد فسرت بعض الشعوب القديمة الأحلام بأنها الآلهة أوالأرواح تتجلى في الإنسان في أثناء منامه، فتطلعه على أشياء كثيرة تتعلق بحياته وبمصيره، وتساعده بذلك على حلّ مشكلات عديدة عويصة لديه، أو تهديه إلى أمور لم يكن يعرف عنها شيئاً، أو تحذره بقرب حلول كارثة أو خطر به أو بغيره، أو حصول خير له أو لغيره. وقد ترجع به إلى أيام ماضية وحوادث قديمة سالفة. كان قد نسيها وذهبت من ذاكرته. ونجد في المؤلفات اليونانية واللاتينية والسريانية وفي الكتابات الهيروغليفية والمسمارية أشياء عديدة من القصص المتعلق بالأحلام. وفيها أن كثيراً من الملوك والخاصة كانوا يقيمون وزناً عظيماً لما يرونه، أو يراه الناس من أحلام. وقد نجح كثير منهم كما خسر كثير منهم أيضاً بسبب تأثير الأحلام فيهم، حتى إن بعضهم أتخذ له مفسراً للاحلام أو جملة مفسرين، ليكونوا في خدمته حتى اذا ما رأى حلماً فسروه له.

ولما كانت بعض الأحلام مزعجة، رجع الكهان المتخصصون بالأحلام أسبابها إلى فعل الأرواح الشريرة. أما الأحلام المريحة الطيبة، فقد جعلوها من إلهام الآلهة في الإنسان. ولأهمية الاعتقاد بالأحلام، وضعت قواعد وتعاليم للأشخاص الذين يريدون معرفة مستقبلهم بالرؤيا والأحلام. وقد نصح في بعضها باجتناب الأكل الثقيل، وبشرب بعض الأشربة المعينة وبالنوم في المعابد، للحصول على الرؤيا الصادقة، والابتعاد عن أضغاث الأحلام. وضع تلك القواعد أناس تخصصوا بهذا الفن، يلجأ اليهم من يرى حلماً ليجد تفسيره عندهم. فلكل شيء في الرؤيا والحلم معنى خاص، لا يمكن ان يعرفه إلا ذوو الخبرة والعلم.

وقد عثر طما كتابة لحيانية في موضع "الخريبة"، تبين منها وجود صنم في معبد هذا الموضع تخصص بتفسير الأحلام.

وفي كتب التفسير والسير والأخبار والأدب أمثلة عديدة من الرؤيا، تشير إلى ان الاعتقاد بالأحلام كان معروفاً عند الجاهليين، وان أثره كان عميقاً في حياتهم. وقد يكون لأهل الكتاب أثر عليهم في كيفية تفسير الأحلام وتوجيه تعبير الرؤيا، غير ان الاعتقاد بالأحلام هو اعتقاد عام، وكان يقوم به متخصصون بتفسير الأحلام. وقد عرف في الإسلام واشتهر به "ابن سيرين".

وقد عرف بعض العلماء الاسلاميين الحلم بأنه عبارة عما يراه النائم في نومه من الأشياء المزعجة، وخصصوا للرؤيا بما يراه الإنسان في منامه من الخير والشيء الحسن. وهم بذلك على طريقة القدماء في جعل الأحلام نوعين: أحلام من فعل الشيطان والأرواح الخبيثة، وأحلام من إلهام الآلهة في الإنسان، وهي التي تنكشف من رؤية أشياء جميلة وعن أشياء يرغب صاحب الحلم في الحصول عليها وتحقيقها. ويرجع العلماء الرؤيا إلى النفس، تطلع على الواقعات فتتذكرها، وتوحي بها إلى صاحبها. وهم يعتقدون بها، وجعلوها جزءاً من النبوة.

الفصل السادس والثمانون

الطيرة

وقد كان للطيرة شأن كبير في حياة الجاهليين وهي معروفة عند جميع الشعوب، ويقال لها في العبرانية: طيّر " Tayyar"، فهي من نفس الأصل الذي أخذ العرب منه التسمية. ويقال لها في الانكليزية"Augury"، ويرى بعض الباحثين أن الطيرة انتقلت إلى العبرانيين من العرب. وهناك نوع آخر من التطير يقال Haruspicy " في الانكليزية، ويقصد به الطيرة من الحيوانات الميتة، أو مراقبة الحيوان في أثناء ذبحه لمعرفة المستقبل من حركاته وهو يرتجف رجفة الموت.

ويقول علماء الأخبار، إن الطيرة من زجر الطيور ومراقبة حركاتها، فإن تيامنت دل تيامنها على فأل، وان تياسرت دل على شؤم. فهي اذن تشمل التيمن والتشاؤم، إلا أنها خصصت بالتشاؤم فيما بعد. فصارت تعني هذا المعنى عند الاستعمال. قال "الجاحظ": "وأصل التطير إنما كان من الطير ومن جهة الطير، إذا مرّ بارحاً أو سانحاً، أو رآه يتفلى وينتف، حتى صاروا اذا عاينوا الأعور من الناس أو البهائم، أو الأعضب أو الآبنر، زجروا عند ذلك وتطيروا، كما تطيروا من الطير إذا رأوها على تلك الحال. فكان زجر الطير هو الأصل، ومنه اشتقوا التطير ثم استعملوا ذلك في كل شيء".

قال أحدهم: عوى الذئب فاستأنستُ للـذئب إذ عـوى  وصـوت إنـسـان فـكـدت أطـير

كأن الذي يرى ما يكره أو يسمع يطير.

وقد عد العلماء الطيرة والزجر في معنى واحد، لأن أصلهما انهم كانوا اذا أرادوا فعل امر أو تركه زجروا الطير حتى يطير، ثم يحكمون من حركاته على ما سيحدث ويقع، فالزجر والطيرة من ثم شيء واحد. وقد قيل لمن يزجر الطير "زاجر" لأنه اذا رأى ما يظن انه يتشاءم به زجر بالنهي عن المضى في تلك الحاجة برفع صوت وشدة".

والطيور هي مادة التطير، وذلك بمراقبة حركاتها وسكناتها. وهو ما يقال له في العبرانية: "نيحوش" "نحوش"، "Nihush"، من أصل "نيحيش" "نحش". وتقابل لفظة "نحش" كلمة".حنش" في العربية وتعنى "الثعبان". وقد ذهب بعض علماء التوراة. ان لكلمة "نخش، صلة بالثعبان، ذلك لأن الثعبان كان من الآلهة القديمة، بينما يرى بعض اخر عدم وجود صلة ما للثعبان بهذا الموضوع، لأن العبرانيين "لم يتعبدوا البتة للثعابين، فلا صلة للثعبان به.

ويدخل في باب الزجر، زجر الطير والوحش. ويذكر بعض العلماء ان الأصل في الطيرة، هو زجر الطير، ثم صار في الوحش، وقد يجوز ان يغلب أحد الشيئين على الاخر فيذكر دونه ويرادان جميعاً.

وقد يراد بالطيرة "التشاؤم" الذي هو خلاف التيامن، غير أن "التشاؤم" هو في الواقع أوسع مجالاً وأكثر ساحة من الطيرة، لأن التشاؤم طيرة وزيادة، وأعني بالزيادة تشاؤم المتشائمين من أمور أخرى كثيرة مثل التشاؤم من ذوي العاهات أو القبح من البشر، والتشاؤم من سماع الكلام السيء أو الأخبار السيئة عند الصباح أو من رؤية ميت أو سماع نياحة أو مشاهدة مخلوق مشوه أو سماع اسم موضع يدعو التشاؤم أو اسم شخص فيه معنى التشاؤم وامثال ذلك، فتكون كل هذه الأمور مدعاة للتشاؤم عند المتشائمين. " حتى صاروا إذا عاينوا الأعور من الناس أو البهائم، أو الأعضب أو الأبتر، زجروا عند ذلك وتطيروا عندها كما تطيروا من الطير اذا رأوها على تلك الحال".

ويقول علماء اللغة: الشؤم: خلاف اليمن. ورجل مشؤومء على قومه. وأصل ذلك هو أن العرب تتفائل بالجهة اليمنى، وتتشاءم من الجهة اليسرى، ولذلك كانت اذا أرادت أن تعمل عملاً عمدت إلى "الزجر" وهو رمي الطير بحصاة، ثم يصيح الرامي، ليفزعها ويزجرها، وعندئذ يراقب حركة طيرانها، فإن تيامنت أي جرت يمنة تفاءل به، وان تشاءمت أي تياسرت، تشاءم به. فالتيمن هو بالتيامن والتشاؤم هو بالتياسر. ولذلك قيل للكاهن "زاجر" أيضاً، " لأنه إذا رأى ما يظن أنه يتشاءم به زجر بالنهي عن المضي فى تلك الحاجة برفع صوت وشدة". ولاعتماد الزاجر على الطيور في الغالب في هذا النوع من التكهن قيل له: "الطيرة". قال علماء اللغة: "وقيل للشؤم طائر وطير وطيرة، لأن العرب كان من شأنها عيافة الطير وزجرها والتطير ببارحها ونعيب غرابها وأخذها ذات اليسار إذا أثاروها، فسمّوا الشؤم طيراً وطائراً وطيرة لتشاؤمهم بها".

و لابد ان يكون للتطير صلة بعقيدة استحالة الأرواح طيوراً بعد مفارقتها الأجساد، قد كان من المتعارف عليه عند كثير من الشعوب القديمة ان بعض فصائل الطيور هي أرواح الموتى بعد مفارقتها الأجساد، وانها لذلك تعي وتفهم، وان في استطاعة بعض الناس فهم منطقها وتكليمها، ومن هنا ظهرت فكرة "منطق الطير". وقد كان "سليمان" يحادث الطير. فاذا كانت الطير على هذه الصفة، ففي حركاتها وسكناتها منطق لمن لا يحسن منطقها، يشير إلى ما يجب على الإنسان ان يفعله أو يتركه من أعمال.

وقد كان للتطير والتفاؤل شأن كبير في حياة الجاهليين. كما كان لهما مثله في حياة شعوب أخرى عديدة: ومن بينهم اليونان والرومان والفرس والتطير هو نظير التشاؤم في المعنى كما قلت. أما نظير التفاؤل، فهو التيامن. وفي روايات أهل الأخبار أمثلة عديدة من أمثلة الطيرة وقعت لبعض القبائل عند إقدامها على الحرب، فخسرت لتطيرها. ويحدث من التطير النحس، وأما من التفاؤل فيكون السعد.

وفي الأخبار: "كانت العرب اذا خرج أحدهم من بيته غاديأَ في بعض الحاجة، نظر: هل يرى طائراً يطير، فيزجر سنوحه أو بروحه، فاذا لم ير ذلك، عمد الى الطير الواقع على الشجر، فحرّكه ليطير، ثم نظر إلى أي جهة يأخذ، فزجره. فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: "اقروا الطيرعلى مكناتها: لا تطيروهها ولا تزجروها". وذكر" انهم كانوا في الجاهلية اذا خرج أحدهم لحاجة، فان رأي الطير طار عن يمينه تيمن به واستمر، وإن طار عن يساره تشاءم به ورجع، وربما كانوا يهيجون الطير، ليطير فيعييدون ذلك".

وقد أبطل الرسول الطيرة. " وكان النبي، صلى الله عليه وسلم، يتفاءل ولا يتطير. وأصل الفأل الكلمة الحسنة يسمعها عليل، فيتأول منها ما يدل على برئه،كأن سمع منادياً نادى رجلاً اسمه سالم، وهو عليل، فآوهمه سلامته من علته، وكذلك المضل يسمع رجلاً يقول يا واجد، فيجد ضالته. والطيرة مضادة للفأل. وكانت العرب مذهبا في الفأل والطيرة واحد. فأثبت النبي الفأل واستحسنه وأبطل الطيرة ونهى عنها".

وروي أن أهل الجاهلية كانوا يقولون: "إن الطيرة في المرأة والدار والدابة" و "الكدس" التطير، و "الكدسة" عطسة البهائم، وقد تستعمل للانسان: ومنه الحديث: اذا بصق أحدكم في الصلاة، فليبصق عن يساره أو تحت رجله، فإن غلبته كدسة أو سعلة ففي ثوبه. والكادس ما يتطير به من الفال والعطاس وغيرهما. ومنه قيل للظبيّ وغيره إذا نزل من الجبل وغيره كادس.

ومن الألفاظ المستعملة في "الزجر" "سنح" و "برح". وللفظة "برح" معان عديدة، وهي من الكلمات السامية الواردة والباقية في عدد من لهجاتها. ومنها لفظة "البارح" وهي ضد "السانح". و "السانح ما مرّ من الطير والوحش بين يدِيك من جهة يسارك إلى يمينك، والعرب تتيمن به، لانه أمكن للرمي والصيد. والبارح ما مرّ من يمينك إلى يسارك،والعرب تتطير به، لأنه لا يمكنك أن ترميه حتى تنحرف".

وقد ذكر بعض اللغويين عكس المعنى، كما ذكر أن أهل نجد كانوا يتشائمون بالبوارح ويتيمنون بالسانح. أما غيرهم من العرب، فقد كانت تتيمن بالبارح، وأن بعضاً منهم لم يكن له رأى في شيء من هذا. وذكر ان أهل "العالية" يتشائمون بالسانح ويتيمنون بالبارح.

قال ذو الرمة وهو من نجد: خليلي، لا لاقيتما ما حييتـمـا  من الطير إلا السانحات وأسوأ

وقال النابغة، وهو نجدي أيضاً، يتشاءم بالبارح: زعم لالاقيتما البوارح ان رحلتنا غداً  وبذاك تَنعاب الـغـراب الأسـود

وقد عبر "كثير" رأي أهل الحجاز بقوله: أقول إذا ما الطير مرت مخيفة  سوانحها تجري ولا استثيرها

وذكر أن هذيلاً كانت تتشاءم بالسنيح. أما غيرها،فكانت تتشاءم بالبارح.

ويقال للمتطيرين من الرجال " الخثارم" وذكر ان "بني لهب"، "هم أعيف العرب وأزجرهم للطير". وهم بطن من العرب يعرفون بالعيافة. ولأهل الأخبار قصص عن عيافتهم وعن زجرهم للطير.

ومن الطيور التي تطير منها أهل الجاهلية: الغراب وطيور الليل، وهي البومة، والصدى، و الهامة، و الضّوع، والوطواط، والخفاش، وغراب الليل.

وقاعدتهم في الطيرة، انهم يشتقون من اسم الشيء الذي يعاينون ويسمعون. من ذلك قول سوّار بن المضرب: تغنىّ الطائران ببـين لـيلـى  على غصنين من غَرْب وبان

فكان البان أن بانت سلـيمـى  وفي الغرب اغتراب غيرُ دانِ

فاشتق الاغتراب من الغرب، والبينونة من البان.

وفال عنترة: ظعن الذين فراقهـم أتـوقـع  وجرى بينهم الغراب الأبـقـع

حرَِق الجناح كأن لحْـييَْرأسـه  جلمان بالأخبار هش مـوُلـع

فزجرتـه ألا يفـرخ بـيضـه  أبداً ويصبح خائفاً يتـفـجـع

إن الذين نعْبتَ لي بفـراقـهـم  هم اسهروا ليلى التمام فأوجعوا

فقال: وجرى بينهم الغراب، لأنه غريب، ولأنه غراب البين، ولأنه أبقع. ثم قال: حرق الجناح تطيراً ايضاً من ذلك. ثم جعل لحيي رأسه جلمين، والجلم يقطع. وجعله بالأخبار هشاً مولعاً، وجعل نعيبه وشحيجه كالخبر المفهوم.

وأشأم الطيور عند الجاهليين، "الغراب": "ليس في الأرض شيء يتشاءم به إلا والغراب أشأم منه"، ولذلك قالوا إذا نعب: خيراً خيراً، وذلك من باب التفاؤل بالأضداد. " والعامة تتطير من الغراب، إذا صاح صيحة واحدة، فإذا ثنىء تفاءلت به"، " واذا صاح الغراب مرتين، فهو شرّ، واذا صاح ثلاث مرات، فهو خير". وورد "غراب البين" و "الغراب الأبقع" و "الغراب الأسود". ويراد بذلك التشاؤم بفراق الأحبة، ويقال للغراب الأسود "حاتم"، والحتمة السواد، وهو مشؤوم، لم لأنه يحتم بالفراق. "والعرب تتشاءم من الغراب،ولذا اشتقوا من اسمه الغربة والاغتراب والغريب". " فالغراب أكثر من جميع ما يتطير به في باب الشؤم، ألا تراهم كلما ذكروا ما يتطيرون منه شيئاً ذكروا الغراب معه ? وقد يذكرون الغراب ولا يذكرون غيره، ثم إذا ذكروا كل واحد من هذا الباب لم يمكنهم أن يتطيروا منه إلا من وجه واحد، والغراب كثير المعاني في هذا الباب، فهو المقدم في الشؤم". وروي أن "ابن عباس" كان إذا صاح الغراب، قال: اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إلهَ غيرك. قال الجاحظ: "وليس في الأرض بارح ولا نطيح، ولا قعيد، ولا أعضب ولا شيء مما يتشاءمون به إلا والغراب عندهم أنكد منه، يرون أن صياحه أكثر أخباراً، وان الزجر فيه أعم قال عنترة: حرِق الجناح كأنّ لحيي رأسه  جلمان، بالأخبار هش مولع

وفي الغراب وشؤمه يقول الأعشى: ما تعيف اليوم في الطير الروح  من غراب البين أو تيس برح

وقد كنوا عنه بكنى عديدة، دلالة على مقدار اهتمامهم به. فقالوا له:أبو حاتم، وأبو جحادف، وأبو الجراح، وأبو المرقال، وأبو حذر، وأبو زيدان، وأبو زاجر، وأبو الشؤم، وأبو غياث. ووضعوا الأمثلة على لسانه وعنه. وقصوا عنه الحكايات. من ذلك، انه أراد ان يقلد القطاة في مشيها، فحاكاها لكنه لم يفلح في المشي مشيها، فلما أراد العود إلى مشيته الأولى، أضل مشيته، إذ نسيها، فنسي المشيتين: فلذلك سمّوه: أبا المرقال. وضربوا المثل بالغراب الأعصم، فقالوا: أعز من الغراب الأعصم،للشيء القليل الوجود. وأوردوا له قصصاً مع الديك ومع حيوانات أخرى. ورموه بالفسق والفجور.

وفي الشعر الجاهلي وشعر المخضرمين اشارات إلى شؤم الغراب. جاء في شعر"حسان بن ثابت": وبيَّن في صوت الغراب اغترابهم  عشيةَ أو فى غصن بان فطربـا

فصوت الغراب، يشير إلى الغربة والاغتراب، لذلك كره.

وهو من ألأم الطير وأخبثها، وهو من عبيد الطير، وليس من أحرارها،فهو دنيء النفس، إذا صادفته جيفة، نال منها، وهو لا يتعاطى الصيد. فهو حيوان خبيث الفعل وخبيث المطعم، لذلك عدّ العرب أكله عاراً يعير من يقدم عليه وكانوا يتعايرون بأكل لحمه. وليس ذلك" لأنه يأكل اللحوم ولأنه سبع"، لو كان ذلك منهم "لكانت الضواري والجوارح أحق بذلك عندهم" إنما امتنعوا عن أكله، لأنه يأكل الجيف والقاذورات، ولذلك عدّه العبرانيون من الحيوانات النجسة، والحيوانات النجسة،هي في الغالب الحيوانات التي لا يجيز أكل لحومها، والظاهر أنه كان على هذه النظرة عند أغلب الساميين.

ونعت الغراب ب "الأعور"، قيل إنه نعت بذلك لحدة نظره، وقيل أنما سموه "الأعور" تفاؤلاً بالسلامة. ووصف بالحذر، فقيل: أحذر من غراب، وقيل انه نعت بذلك على التشاؤم به ة لأن الأعور عندهم مشؤوم، وقيل لخلاف حاله، لأنهم يقولون: أبصر من غراب، ويقال سمي الغراب أعور، لأنه إذا أراد أن يصيح يغمض عينيه.

ويذكر أهل الأخبار ان غراب البين نوعان: أحدهما صغار معروفة بالضعف واللؤم. أما الآخر، فانه ينزل في دور الناس، ويقع على مواضع اقامتهم اذا ارتحلوا عنها وبانوا منها، ولذلك سمي بغراب البين.

وللعرب عادات بالنسبة إلى الغراب، ترى انه اذا علق منقار الغراب على انسان، حفظ من العين. أما اذا علق طحاله على انسان، هيج الشبق. وان دمه اذا جفف وحشي به البواسير، أبرأها. واذا أكل مشوياً، نفع القولنج. واذا غمس الغراب الأسود بريشه في الخل، وطُلي به الشعر، سوّده. واذا طلي بها انسان مسحور، بطل عنه السحر. واذا جفف لسان الغراب "الزاغ"، ثم أكله انسان عطشان، ذهب عطشه.

ونسب إلى المرقش السدّوسي، ذكر الغراب في شعره، إذ قيل انه قال:

ولقد غدوت وكنـت لا  أغدو على واق وحاتم

واذا الأشـائم كــالأيا  مِنِ، والأيامنُِ كإلأشائم

ويبين هذان البيتان رأي هذا الشاعر في التيامن والتشاؤم.

وكان العرب اذا أرادوا ان يصفوا أرضاً بالخصب والسواد، قالوا: وقعوا في أرض لا يطير غرابها، فهذا يعني ان الأرض كلها خصبة مزروعة سوداء، لا ترى فيها قطعة بيضاء،ولا ترى إلا الزرع والخيرات والثمر. واذا أرادوا التعبير عن انتقال مرحلة الشباب إلى مرحلة الشيخوخة، وعن التهام الشيب لسواد الرأس: قيل: طار غراب البين.

وقد يكون في جملة أسباب تشاؤم العرب من الغراب، انه كَان يضر بإبلهم. فهم يذكرون انه اذا وجد دبرة في ظهر البعير، أو قرحة في عنقه، سقط عليها ونقره وعقره. ولذلك كانوا اذا رأوا دبرة بظهر البعير، غرزوا في سنامه إما قوادم ريش أسود، وإما خرقاً سودا، لتفزع الغربان فلا تتقرب منه ولا تسقط عليه. وقد يضعون الريش في اسنمتها وتغرز فيها. والعرب تسمي الغراب لذلك "ابن دأية"، لأنه ينقر دبرة البعير أو قرحة عنقه، حتى يبلغ إلى دايات العنق وما اتصل بها من خرزات الصلب، وفقار الظهر.

والغراب من الطيور التي ورد ذكرها في التوراة. والعبرانيون مثل العرب اعتقدوا بالطيرة منه، أي بتأثير حركاته وسكناته في احداث الفأل والشؤمْ. وقد ذكر "الجاحظ" جريدة بأسماء الجهات التي يقف عليها "الغراب" فينعب، وما سيقع من وقفته تلك ومن نعيبه، وما يجب أن يفعله أو يتجنبه ورقة ناقصة 796 وعدم الملل من شيء. ويقولون: ذهب الغراب يتعلم مشي العصفور أو القطاة، فلم يتعلمها، ونسي مشيته. فلذلك صار يحجل ولا يقفز قفزان العصفور، أو مشية القطاة.

والبوم من الطيور التي يتشاءم منها بعض الناس، ولعل ذلك بسبب منظرها الكئيب ولصوتها الحزين وظهورها في الليل، والليل هو رمز الشر. ويدل وصفها. "أم الخراب " و "أم الصبيان " على النظرة السيئة التي. كان يراها إلعرب لها. ويقال إن من أنواعها الصدى والهامة. ولعل اعتقادهم ان الصدى والهامة أو ذكر البوم منها، هي روح الميت المرفرفة على القبر هو التي حمل أولئك المتشائمين على التشاؤم منها.

والعاطوس، وهي سمكة في البحر أو دابة من الحيوانات التي كان العرب يتشاءمون منها. وكذلك "الأخيل" وهو "الشقراق"، له يتطيرون منه، ويسمونه مقطع الظهور: يقال اذا وقع على بعير، وان كان سالماً يئسوا منه، واذا لقي المسافر الأخيل تطير وأيقن بالعقر إن لم يكن موت في الطهر. وهم يتشاءمون من الثور الأعضب أيَ المكسور القرن. ويتشاءمون من "العراقيب"، الشقراق. وتقول العرب: اذا وقع الأخيل على البعير ليكشفن عرقوباه. وقيل: كل طائر يتطير منه للابل، فهو طير عرقوب لأنه يعرقبها.

ويتطيرون بالصرد، ومن أسمائه الأخطب، ويقال "الأخيل" كذلك. و "الواق" أيضاً الصرد. ويتشاءمون من "الأفكل"، وهو الشقران، فإذا عرض لهم كرهوه وفزعوا منه وارتعدوا.

وائثعلب والأرنب من الحيوانات التي استعان بها الزاجر، في للزجرا. وللواقع ان أهل الزجر قد توسعوا في علمهم حتى شمل كل المخلوقات، فحركات الإبل والخيل وسكناتها كلها ذات معان ومفاهيم يعرفها المشتغلون بالطيرة،وكانوا يستعينون بغيرها من الحيوانات.

وقد ذكر بعض الأخباريين أن العرب تتشاءم من الأفراس بالأشقر. وذكروا أيضاً أنها تطيرت من: "المرأة، والدار، والفرس". وفي الحديث: "إن كان الشؤم، ففي الدار والمرأة والفرس" وورد: "إنما للشؤم في ثلاثة: في الفرس والمرأة والدار". وذكر أن "عائشهَ"، قالت: "وإنما قال: ان أهل الجاهلية كانوا يتطيرون من ذلك"، أي ان للرسول انما قال ذلك حكاية عن أهل الجاهلية فقط.

وكما يتغلب الإنسان على الأمراض بالأدوية والعلاج، كذلك يمكن التغلب على النحس وشؤم ناصية المرأة وعتبة الدار بالذبائح في بعض الاحيان، ولهذا جرت العادة بذبح ذبيحة أو عدة ذبائح عند زفاف العروس إلى بعلها ووصولها عتبة بيته طرداً للارواح الشريرة وإرضاء لها، كما جرت العادة بذبح الذبائح حين الانتقال إلى دار جديدة، أو حين الشعور بوجود أرواح فيها،ويقال لهذه الذبائح "ذبائح الجان".

وقد ابتدع الجاهليون طرقاً لإبعاد الطيرة من تفكيرهم، من ذلك انهم تجاهلوا بقدر إمكانهم، المسمياتّ التي تبعث على التشاؤم بتسميتها بضدها من الكلمات التي لا يتشائم منها، فسموْا اللديغ بالسليم، والبرية بالمفازةِ، وكنوا الأعمى بالبصير والأعور ممتعاً، والأسود أبا البيضاء، وسموا الغراب بحاتم، وذلك لتشاؤمهم من الغراب. واتسميه بالأضداد لدفع الطيرة عن الأذهان، ليست عادة جاهلية حسب، انما هي معروفة في الإسلام كذلك. كما انها معروفة عند غير العرب من الأمم قديمأَ وحديثا.

التثاؤب والعطاس

ويدخل في الطيرة بعض ما يصدر من الإنسان والحيوان من حركات، مثل التثاؤب والعطاس، والتثاؤب عمل من أعماله الشيطان. وأما العطاس، فقد كان أثره في أيجاد الشؤم شديداً، وهو من العادات الجاهلية المذكورة في الشعر المنسوب إلى الجاهليين. ذكر ان امرأ القيس قال: وقد اغتدي قبل العطاس بهكيل  شديد منبع الجنَب نعم المنطّق

وانه أراد بذلك انه كان يتنبه للصيد قبل ان ينتبه الناس من نومهم، لئلا يسمع عطاساً فيتشاءم بعطاسه.

وقبل ان العرب كانت تتطير منه، فإذا عطس العاطس، قالوا: قد ألجمه، كأنها قد تلجمه عن حاجته.

ويقال الكدسة لعطسة البهائم. وقد تقال لعطسة الإنسان. والكادس ما يتطير به من الفال والعطاس وغيرهما.

وقيل الكادس:. القعيد من الظباء، وهو الذي يجيء من خلفك، ويتشاءم به، كما يتشاءم بالبارح.

والعطاس فضلاً عن ذلك دواء في نظر أهل الجاهلية، لذلك كانوا يتجنبونه يقدر إمكانهم، ويحاولون جهدهم حبسه وكتمه. فإذا عطس أحدهم وكان وضيعاً مغموراً أسمعوه كلاماً مراً فيه رد للشؤم على صاحب العطاس، كأن يقولوا له: "ورياً وقحاباً". والوري هو داء يصيب الكبد فيفسدها، والقحاب هو السعال، أو: "بك لا بي: أسأل الله أن يجعل شؤم عطاسك بك لا بي". أما إذا كان العاطس معروفاً محبوباً شريفاً، قالوا له: "عمراً وشباباً". وكلما كانت العطسة شديدة كان التشاؤم منها اشد. ويقال للدعاء على العاطس "التشميت" و"التسميت".

وقد نهى الإسلام عن التشاؤم بالعطاس، وعكسه، فجعله محبوباً، بحديث: "إن الله يحب العطاس، ويكره التثاؤب".

واذا مات رجل قالوا: عطس الرجل، و "عطست به اللجم"، واللجمة ما تطيرت منه، ويقال للموت: لجم عطوس.

بعض من أنكر الطيرة

وكان بين الجاهليين أناس أنكروا الطيرة، ولم يحفلوا بها. منهم المرقش من بني سدوس، حيث قال: إني غدوت وكنـت ل  أغدو على واقٍ وحاتم

فاذا الأشـائم كـالأيا  من والأيامن كالأشائم

فكـذاك لا خـير ولا  شرّ على أحد بـدائم

وممن كان ينكر الطيرة ويومي بذلك، سلامة بن جندل، والحارث بن حلزة. ونجد الشاعر "الخُثيم بن عدي" يمدح "مسعود بن بحر الزهري"، بقوله: وليس بهياب اذا شـد رحْـلـه  يقول عداني اليومَ واق وحاتـم

ولكنه يمضي على ذاك مقدمـاً  إذا صدّ عن تلك الهنات الخثارم

فهو يمدحه، ويقول إن ممدوحه لم يكن من الخثارم، أي المتطيرين، بل كان إذا أراد أن يمضي أمراً، صد عن تلك الهنات، فلا يحفل بواق وحاتم.

وكان النابغة من المتطيرين، خرج مع "زبّان بن سيار" يريدان الغزو، فبينما هما يريدان الرحلة، إذ نظر النابغة وإذا على ثوّبه جرادة تجرد ذات ألوان، فتطير وقال: غيري الذي خرج في هذا الوجه! فلما رجع زبان من تلك الغزوة سالماً. أنشأ يذكر شأن النابغة، فقال: نخبـرّ طـيره فـيهـا زيادٌ  لتخبره وما فيهـا خـبـير

أقام كأن لقمـان بـن عـاد  أشار له بحكمته مُـشـير

تعـلـم أنـه لا طــير إلا  على متطيرّ وهوالثـبـور

بلى شيء يوافق بعض شيء  أحاييناً وباطـلـه كـثـير

واسم النابغة زياد.

وهناك نوع آخر من التنبؤ يقال له في الانكليزية، " Hepatscopy"، ويراد به استخراج الغيب من دراسة كبد الأضاحي التي تقدم إلى الالهة. وقد اشتهر به الكلدانيون على الأخص،وتوسعوا فيه فشمل أيضاً قراءة الرئة أو بقية الأحشاء. وكان معروفاً أيضاً عند العبرانيين واليونان والرومان والمصريبن وغيرهم. وللكبد أهمية خاصة عند العرب، وهو في نظرهم معدن العداوة ومقر الحقد، لذلك يقال للأعداء: سود الأكباد، لأن الحقد قد أحرق أكبادهم حتى اسودت. وقد تشاءموا من بعض الأيام، مثل "الأيام النحسات". وهي كل أربعاء يوافق أربعاً من الشهر، مثل أربع خلون، وأربع وعشرين، وأربع بقين. كما تشاءموا من بعض الشهور، مثل شهر شوّال، ولذلك كرهت التزوج فيهه. وورد يوم نحس و "أيام نحسات"، وهي المشؤومات. والعرب تسمي الريح الباردة إذا دَبِرت نحساً. والنحس: الجهد والضر، وخلاف السعد من النجوم وغيرها. وقد كان أهل نجد يتيمنون بالسانح، ويتشاءمون بالبارح، ويخالفهم أهل العالية، فيتشاءمون بالسانح، ويتيمنون بالبارح.

ويدخل في هذه الأيام. تشاؤم بعض الجاهليين من يوم معين وتفاؤلهم من يوم آخر. فيكون يوم التشاؤم يوم بؤس، يغضب فيه من يتشاءم منه على كل من يراه أول مرة أو في ذلك النهار، وقد يلحق به سوءاً كالذي روي من قصة "يومي البؤس والنعيم" عند "المننر بن ماء السماء" أو "النعمان بن المنذر". ويكون يوم التفاؤل "يوم نعيم" يفرح فيه صاحبه ويهش لكل من يراه ولا سيما لأول قادم عليه. وعبر عنهما ب "يوم بؤس " و "يوم نعُم".

وكانت العرب تتشاءم من كلبة يقال لها "براقش".

الفأل

والفال ضد التشاؤم والطيرة. ويكون برؤية شيء أو سماع أمر أو قول أو غير ذلك يُتفاءلُ منه، كأن يسمع مريض رجلا يقول يا سالم فيقع في ظنه انه يبرأ من مرضه، أو يسمع طالب حاجة رجلاً يقول يا واجد فيخال انه يجد ضالته، فيتوقع صحة هذه البشرى،. ويقال لذلك في الانكليزية Omen. وهو معروف عند العبرانين وقد ذكر في التوراة.

وأصل كلمة "الفأل" على ما يظهر للتشاؤم والتفاؤل، أي أنها كالطيرة أريد بها الحالتان، ثم تخصصت بالحسن، كما تخصصت الطيرة بالشؤم. وقد نهي في الحديث عن الطيرة. أما الفأل، فقد ورد ان الرسول كان يتفاءل ولا يتطير لما في التفاؤل من أثر طيب في أعمال الإنسان.

وضد "الشؤم" "اليمن"، ومن معاني اليمن "البركة"، و "الميامين" على نقيض "المشائيم"، و ""الميمون" ضد "المشؤوم". وورد "ميمون النقيبة" و "ميمون الناصية". ويلاحظ ان للناصية علاقهٌ متينة بالشؤم والتيمن، فكما يقال "ميمون الناصية" قيل "شؤم الناصية" كذلك، وهى كناية عن الإنسان، فقد كان في رأيهم ان من الناس من هم شؤم، ويجلبون الشؤم على من يراهم، وان منهم من تجلب رؤيته الخير لمن يراه. ويكون للحسن وللقبح ولسيماء الوجه والجسم دخل كبير في تكوين رأي عن الشخص الذي يُتشاءم أو يُتفاءل منه. وقد قلت إن بعض العاهات التي تكون في بعض الناس، تجعل غيرهم يتشاءمون منهم عند وقوع نظرهم عليهم في الصباح.

وهناك كلمات عديدة في التشاؤم و "الشؤم"، مثل "شائم" و "شؤم" و "مشؤوم" و "مشوم" و "مشائيم" و "تشاءموا"، و "الأشأم " وأمثال ذلك.

ولا يقتصر استعمال هذه الألفاظ على جنسٍ معين، بل تقال لكل ما يجلب الشؤم على الإنسان. فمن البشر - كما قلت - من هم شؤم على غيرهم، يجلبون الشرّ لمن يتشاءم منهم، يستوي في ذلك الرجال والنساء والأطفال. ولما كان التشاؤم قضية اعتبارية تتعلق بالنفس والمزاج، كان بعض الأشخاص أو الحيوانات أو الأشياء شؤماً عند ناس، بينما هم ليسوا كذلك عند جماعة آخرين. ولكن الغالب أن التشاؤم من الأشياء القبيحة أو الناقصة أو الراعبة وما شابه ذلك، فهذه المزعجات تؤثر على النفس، فتجعلها تتشاءم منها، وتتوقع حدوث النحس من رؤيتها، ولا سيما في الصباح، وعند الهمّ بالشروع في عمل مهم.

وكانوا يحبون أن يأتوا أعداءهم من شق اليمين. يتفاءلون بذلك. لأن في اليمين اليمن، وفي اليسار العسر.

وللاسماء والكلمات أثرها في الفأل وفي الطيرة، فالأسماء الحسنة الجميلة تبعث على التفاؤل، أما الأسماء الخبيثة والرديئة فإنها تولي التشاؤم. وقد عرف هذا النوع من التفاؤل في الإسلام، ولم ينه عنه. بل قيل ان الرسول كان يتأثر من الأسماء، وكان يقول إذا أعجبته كلمة: "أخذنا فألك من فيك"، وانه يعجبه إذا خرج لحاجة أن يسمع: يا راشد، يا نجيح، وأنه قال: "لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل" وللطيرة سمت العربُ المنهوش السليم، والبرّية المفازة،وكنوّا الأعمى أبا بصير، والأسود أبا البيضاء، وسمّوا الغراب بحاتم، إذ كان يحتم الزجر به على الأمور وورد ان العرب اذا تطيروا من الإنسان وغيره قالوا: صباح الله لا صباحك.

ولإيمان العرب بباب الطيرة والفأل عقدوا الرتائم، وعشروا اذا دخلوا القرى تعشير الحمار، واستعملوا في القداح الآمر،والناهي، والمتربص، وهن غير قداح الأيسار.

ومن أبواب الفراسة النظر إلى خطوط الكف للاستدلال بها على طبيعة صاحب الكف وعلى ما سيحدث له من أحداث. وقد أشار إلى الكف والى أسرارها الأعشى في قوله: أنظر إلـى كـفٍ وأسـرارهـا  هل أنت، إن أوعدتني، ضائري?

ٍولمراقبة الكلف الذي يظهر على وجه القمر ودراسة النجوم والظواهر الطبيعية التي تحدث للاجرام السماوية كالكسوف والخسوف، أهمية كبيرة في التكهن. وقد كان الجاهليون يعتقدون ان للكسوف والخسوف أثراً في حياة الإنسان، فاذا وقعا دلا على موت انسان عظيم أو حياته، أو ولادة مولود صاحب حظ كبير.

وكذلك كان رأيهم في تساقط النجوم. وقد أشير اليه في أشعار القدماء من الجاهلية، منهم عوف بن الجزع وأوس بن حجر وبشر.بن أبي خازم.

وقد كان في زعم الكهان من صنف المنجمين أن في استطاعتهم التأثير في الأجرام السماوية وفي احداث الضباب والأمطار والعواصف والرياح، وقد نهي عن التصديق بها في الإسلام، لتعارضها مع الايمان بسيطرة الله وهيمنته وحده على الكون.

وكان للجاهليين اعتقاد بأثر فعل النجوم في الإنسان، ولهذا كانوا يراقبون السماء لتفسير ما يرون فيه من تساقط نجوم، ومن أخبار الشياطين عما يستمعون اليه من وحي السماء. وذكر أنهم كانوا يفزعون إذا تساقطت الشهب بكثرة غير معهودة. وقد حدث أن تساقطت النجوم بكثرة ففزعوا وجزعوا وقالوا: "هلك من في السماء. فجعل صاحب الإبل ينحر كل يوم بعيراً، وصاحب البقر يذبح كل يوم بقرة، وصاحب الغنم كل يوم شاة حتى أسرعوا في اتلاف أموالهم. فقالت ثقيف بعد سؤال كاهنهم.. امسكوا عن أموالكم، فإنه لم يمت من في السماء. ألستم ترون معالمكم من النجوم كما هي. والشمس والقمر كذلك"ا. فكأنهم تصوروا أن تساقط النجوم بكثرة معناه اختلال نظام السماء وموت من فيه، واحتمال فناء العالم تبعاً لذلك.

وكانوا إذا خافوا من شيء وأرادوا الاستعاذة، كأن يكون الإنسان مسافراً فرأى من يخافه قال: حجراً محجوراً، اًي حرام عليك التعرض بي. وقد ترك هذا الاستعمال في الإسلام.

وقد ورد الحديث في النهي عن التطير. جاء: "الطيرة شرك. ولكن الله يذهبه بالتوكل".

الفصل السابع والثمانون

من عادات وأَساطير الجاهليين

ولأهل الجاهلية عادات وأساطير كثيرة، وقد اختص العرب بقسم منها، أما القسم الثاني فهو عام معروف، عرف عند الساميين والعجم، وهي مما يقل له " الشعيبات" أو "الفولكلوريات" في مصطلح الافرنج لهذا العهد.

فمن ذلك ما كانوا يفعلونه في أسفارهم إذ كان أحدهم اذا خرج إلى سفر عمد إلى ضخرة من "الرتم"، فعقد غصناً منها، فاذا عاد من سفره ووجده قد. انحلّ، قال: قد خانتني امرأتي، وإن وجده على حاله قال لم تخني. ويقال لذلك العقد "الرتم" و "الرتمة". وذكر ان الرجل منهم كان اذا سافر عمد إلى خيط فعقده في غصن شجرة أو في ساقها، فاذا عاد نظر إلى ذلك الخيط، فان وجده.بحاله علم ان زوجته لم تخنه، وإن لم يجده أو وجده محلولاً قال: قد خانتني. ويقال: بل كانوا يعقدون طرفاً من غصن الشجر بطرف غصن آخر.

وتستعمل "الرتمة" لتذكير الإنسان بشيء، يستعملها من يكثر نسيانه. وهي خيط يعقد في الاصبع للتذكير. وقد يعقد على الخاتم.

ومن اعتقادهم في السفر ان من خرج في سفر والتفت وراءه لم يتم سفره. فان التفت تطير، وفسره بالعودة. فلذلك لا يلتفت إلا العاشق الذي يريد العود، ومنها التصفيق: كاتوا اذا ضل الرجل منهم في الفلاة، قلب ثيابه، وحبس ناقته، وصاح في أذنها كأنه يومىء إلى انسان، وصفق بيديه: الوحا الوحا، النجا النجا، هيكل، الساعة الساعة، إليّ إلي"، عجّل، ثم يحرك الناقة فيهتدي. قال الشاعر: وأذن بالتصفيق من ساء ظنه  فلم يدرِ من أي اليدين جوابها

وذكر انه كان يقلب قميصه ويصفق بيديه كأنه يومىء بهما إلى انسان فيهتدي.

وكان أحدهم اذا أراد دخول قرية، فخاف وباءها أو جنهّا، وقف على بابها قبل ان يدخلها، فنهق نهيق الحمار، ثم علق عليه كعب أرنب، كأن ذلك عوذة له ورقية من الوباء والجن. ويسمون هذا النهيق التعشير.

وروي ان "عروة بن الورد" خرج إلى "خيبر" ليمتار، فلما قربوا منها، عَشَّرَ من معه، وعاف "عروة" أن يفعل فعلهم فيقال: إن رفقته مرضوا، وماتَ بعضهم، ونجا "عروة" من الموت والمرض".

وكان مسافرهم إذا ركب مفازة وخاف على نفسه من طوارق الليل، عمد إلى واد ذي شجر، فأناخ راحلته في قرارته، وهي القاع المستديرة، وعقلها، وخط عًليها خطاً، ثم قال: أعوذ بصاحب هذا الوادي. والى ذلك أشار القرآن "وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً".

وذكر أنهم كانوا إذا نزلوا الوادي، قالوا: نعوذ بسيّد هذا الوادي من شر ما فيه، فتقول الجن ما نملك لكم ولا لأنفسنا ضراً ولا نفعاً.

ومن عادات بعض العرب أنهم إذا خافوا شر إنسان وأرادوا عدم عودته اليهم، أوقدوا خلفه ناراً، إذا تحول عنهم، ليتحول ضبعه معه، أي شره. وكانوا يقولون: أبعد اللّه دار فلان وأوقد ناراً اثره، والمعنى لارجعه الله ولارده.

وإذا غاب انسان، فلم يقفوا على أثره، ففي الوسع الاهتداء اليه، وذلك باًن يذهبوا إلى بئر قديمة أو حفر قديم، ثم ينادوا في البئر أو الحفر اسم الغائب ثلاث مرات، فإن سمعوا صوتاً علموا أنه حي معافى، وإن لم يسمعوا شيئاً علموا أنه قد مات.

وإذا أرادوا ضمان عدم رجوع الثقلاء ومن لا يرغب في عودتهم، فإن الثقيل اذا غادر المحل، عمد صاحب البيت والمكان الى كسر شيء من الأواني أو رمى حجراً خلفه، وفي ذلك ظن بألا يعود.

ومن خرافاتهم أن أحدهم كان إذا اشترى داراً أو استخرج ماء عين أو بنى بنياناً وما أشبهه، ذبح ذبيحة للطيرة. وقد عرفت عندهم بس "ذبائح الجن".

وكانوا يفعلون ذلك مخافة أن تصيبهم الجن وتؤذيهم. وقد نهي في الإسلام عن ذبائح الجن.

وأوجدوا لدوام الحب علاجاً، هو شق الرداء والبرقع. زعموا أن المرأة إذا أحبت رجلاً أو أحبها ثم لم تشق عليه رداءه، ويشق عليها برقعها، فسدحبهما، فإذا فُعل ذلك دام حيهما.

وإذا صعب على المرأة العثور على خاطب لها، فإن في الإمكان تيسير ذلك بنشر جانب من شعرها، وتكحيل إحدى عينيها، وتحجيل احدى رجليها،ويكون ذلك ليلاَ، ثم تقول: "يا لكاح، أبغي النكاح، قبل الصباح"، فيسهل امرها، وتتزوج عن قريب.

ومن ارالْهم أن الرجل منهم اذَا عشق ولم يسلَ وأفرط عليه العشق، حمله رجل على ظهره كما يحمل الصبي، وقام آخر فأحمى حدَيدة أو ميلاً وكوى به بين إليتيه فيذهب عشقه.

ولدوام الحب بين الرجل والمرأة، يشق الرجل برقع من يحبها وتشق المرأة رداءه، فيصلح حبهما ويدوم، فإن لم يفعلا ذلك فسد حبهما.

واذا غاب عن النساء من يحببنه أخذن تراباً من موضع قدمه وموضع رجله، ليرجع سريعاً.

واذا أرادت المقلاة ان يعيش ولدها، ففي امكانها ذلك اذا تخطت القتيل الشريف سبع مرات، وعندئذ يعيش ولدها. وانما كانوا يفعلون ذلك بالشريف يقتل غدراً. وقد ذكر ذلك في شعر لبشر بن أبي خازم.

ومن عقائدهم ان صاحب الفرس المهقوع اذا ركبه فعرق تحته اغتلمت امرأته، وطمحت إلى غيره. والهقعة: دائرة تكون بالفرس، وربما كانت على الكتف في الأكثر.

وكان الصبي اذا بترت شفته، حمل منخلاً على رأسه ونادى بين بيوت الحي: "الحلاء الحلاء، الطعام الطعام " فتلقي له النساء كسر الخبز والتمر واللحم في المنخل، ثم يلقى ذلك للكلإب، فتأكله فيبرأ من المرض فان أكل صبي من الصيان من ذلك الذي ألقاه للكلاب تمرة أو لقمة، بترت شفته.

وتعالج "الخطفة" و "النظرة" عند الصبيان بتعليق سن ثعلب، أو سن هرة على الصبي، فان تلك الأسنان تهرٌب الجن. ويهربها كذلك تنقيط شيء من صمغ "السمرة" "حيض السمرة"، وهي شجرة من شجر الطلع، بين عيني النفسَاء، وخط شيء منه على وجه الصبي خطاً، فلا تجرؤ الجنية على التقرب من الصبي، ويقال لذلك "النفرات". فاذا قال لها صواحباتها في ذلك، قالت: كانت عليه نفرهْ  ثعالب وهرره.

والحيض حيض السمرهْ ومن عاداتهم في إبعاد الجن عن الصبيان، تنفير المولود، وذلك ان يسميه باسم غريب منفر، فينفر الجن منه، ولا يتقربون منه.

وعادة أخذ الغلام اذا ثغر، السن الساقط ووضعه اياه بين السبابة والإبهام، واستقبال الشمس، وقذف السن في عينها، لا تزال معروفة حتى الان، وهم يقولون في ذلك: "ابدليني بسن أحسن. منها، ولتجر في ظلمها إياتك"، أو "أبدليني أحسن منها، امن على أسنانه العوج، والفلجَ، والثعل،. قال طرفة: بدلته الشمس من منِبـتـه  برداً أبيضَ مصقول الأُشّر

واعتقد قوم منهم ان من ولد في القمراء، تقلصت غرلته، فكان كالمختون، واعتقدرا ان طول الغرلة من تمام الخلقة وأقرب ما يكون إلى السؤدد.

ومن عقائدهم، أن المولود إذا ولد يتناً، كان ذلك علامة سوءٍ، ودليلاً على الفساد. واليتن خروج رجل المولود قبلَ رأسه.

ومن عقائدهم ان الرجل كان اذا ظهرت فيه القوباء عالجها بالريق، واذا أصيب أو أصيبت دابته بالنملة، وخط عليها اين المجوسي اذا كان من اخته تبرا وتنصلح وترأب.

وزعموا أن من أصيب ب "الهُدَ بِد"، وهو "العشَا" يكون في العين عمد إلى سنام فقطع منه قطعة، ومن الكبد قطعة، وقلاهما، وقال عند كل لقمة يأكلها بعد أن يمسح جفنه الأعلى بسبابته: فيا سناماً وكَبِـد  ألا اذهبا بالهُدَبدٌ

ليس شفاء الهدبد  إلا السنام والكبدَ

ويزعمون أن ذلك يذهب بالعشا بذلك.

وقد زعم الجاهليون أن الطاعون الذي كان يقع كثيرأ في الجاهلية فيحصد الناس حصداً، هو من وخز الجنّ،وأنه من فعلهم في الإنسان ودعوه "رماح الجن"، وذكر ذلك في الشعر فقال أحد الشعراء: لعمرك ما خشيت على عدي  رماح بني مقيدة الحمـار

ولكني خشيت على "عديّ"=رماح الجن أو إياك جار وكانوا يرون أن أكل لحوم السباع يزيد في الشجاعة والقوة.

وفي حركات الإنسان دليل ومعان تنبىء عن أشياء. فإذا اختلجت العين دل، ذلك على توقع قدوم شخص غائب محبوب، ولا تزال هذه العادة باقية عند الناس اليوم، ومن عاداتهم أن أحدهم اذا خدرت رجله، ذكر أحب الناس اليه، فتنبسط. وكانوا يعقدون الرتم للحمى، ويرون أن من حلها انتقلت الحمى اليه. قال أحد الشعراء: حللت رتيمة فمكثت شهراً  أكابد كل مكروه الـدواء

وقد زعموا ان في البطن حية، اذا جاع الإنسان،عضت على شرسوفه وكبده. وقيل: هو الجوع بعينه، ليس أنها تعض بعد حصول الجوع.

ركان من عادة الجاهليين حمل ملوكهم على الأعناق إذا اشتد بهم المرض. وهم يعتقدرن أنهم بذلك سيتغليون على المرض، ويعللون ذلك بأنه أسهل على المريض، وأكثر راحة له من وضعه على الأرض.

واعتقدت العرب ان دمَ الملوك والرؤساء يشفي من عضة الكلب، وزعموا ان الكَلَب جنون الكلاب المعتري من أكل لحم الإنسان. وأجمعت العرب ان دواءه قطرة من دم ملك يخلط بماء فيسقاه، وقيل إن الرجلَ الكلَب يعض انساناً فيأتون رجلاً شريفاً، فيقطر لهم من دم اصبعه، فيسقون الكلبَ فيبرأ.

ومن عقائدهم انهم كانوا اذا قتلوا الثعبان خافوا من الجن ان يأخذوا بثاًره، فيأخذون روثة، ويفتونها على رأسه، ويقولون: روثة راث ثائرك. وقد يذر على الحية المقتولة يسير رمادٍ، ويقال لها: قتلك العين فلا ثاثر لك. وفي أمثالهم لمن ذهب العين دمه هدر: هو قتيل العين.

واعتقد الجاهليون ب "السفعة"، و "السفعة" العين تصيب الإنسان: عين إنسية وعين جنية، و "السفعة" النظرة من الجن.

واذا طالت علة الواحد فهم، وظنوا ان به مساً من الجن، لأنه قتل حية أو يربوعاً أو قنفذاً، عملوا جمالاً من طين، وجعلوا عليها جوالق وملؤوها حنطة وشعيراً وتمراً، وجعلوا تلك الجمال في باب جحر الى جهة المغرب وقت غروب الشمس، وباتوا ليلتهم تلك، فاذا أصبحوا، نظروا إلى تلك الجمال الطين، فاذا رأوا انها بحالها، قالوا: لم تقبل الهدية، فزادوا فيها، وإن رأوها قد تساقطت وتبدد ما عليها من الميرة قالوا: قد قبلت الدية، واستدلوا على شفاء المريض، وفرحوا، وضربوا بالدف.

ومن أوابدهم تعليق الحلي والجلاجل على اللديغ، يرون انه يفيق بذلك، ويقال انه انما يعلق عليه، لأنهم يرون انه ان نام يسري السم فيه فيهلك، فشغلوه بالحلي والجلاجل وأصواتها عن النوم. وذهب بعضهم إلى انه اذا علق عليه حلي الذهب برأ، وإن علق الرصاص أو حلي الرصاص مات.

ومن آرائهم في إطفاء نار الحرب انهم كانوا ربما أخرجوا النساء فبلن بين الصفين، يرون ان ذلك يطفىء نار الحرب ويقودهم إلى السلم.

ومن وسائل إبعاد الجن عن الناس، وإبعاد عيونهم عنهم، تعليق كعب الأرنب. يقولون إن من فعل ذلك لم تصبه عين ولا سحر، وذلك لأن الجن تهرب من الأرنب، لأنها ليست من مطايا الجن، لأنها تحيض. وذكر أيضاً ان من علق على نفسه كعب أرنب، لم يقربه "عمار الحي" "جنّان الحي" و "جنّان الدار"، و "عمّار الدار" و.لا "شيطان الحماطة" وجانّ العشرة "جار العشيرة" وغول العقر "غول القفر"، وكل الخرافي وان الله يطفىء نار السعالي. و "الحماطة" شجرة شبيهة بالتين تأوي اليها الحيات.

وكانوا إذا خافوا على الرجل الجنون وتعرض الأرواح الخبيثة له، نجسوه بتعليق الأقذار عليه، كخرقة الحيض وعظام الموتى. وذكروا أن أنفع من ذلك أن تعلق طامث عظام موتى ثم لا يراها يومه ذلك. ويشفي التنجيس من كل شيء، إلا من العشق.

ومن مذاهبهم قولهم في الدعاء: "لا عشت إلا عيش القرُاد". يضربونه مثلاً في الشدة والصبر على المشقة يزعمون أن القُراد يعيش ببطنه عاماً وبظهره عاماً.

وكانوا يتبركون بأشياء، منها المدمى من السهام، الدي ترمي به عوك ثم يرميك به. وكان الرجل إذا رمى العدو بسهم فأصاب، ثم رماه به العدو وعليه دم، جعله في كنانته تبركاً به. ذكر أن "سعداً" قال: "رميت يوم أحد رجلاً بسهم فقتلته، ثم رميت بذلك السهم أعرفه، حتى فعلت ذلك وفعلوه ثلاث مرات، فقلت:هذا سهم مبارك مدمى فجعلته في كنانتي،فكان عنده حتى مات".

كان أحدهم يلقى الرجل يخافه في الشهر الحرام، فيقول: حجراً محجوراً، أي حرام محرم عليك هذا الشهر، فلا. يبدؤه بشر. وكانوا يقولون ذلك اذا نزلوا مكاناً وخافوا فيه من الجن.

وكان من عاداتهم أنهم كانوا إذا أرادوا أن تورد البقر الماء، فعافته قدموا ثورأَ، فضربوه،فورد، فاذا فعلوا ذلك، وردت البقر. وفي ذلك قال الأعشى: و ما ذنبه إن عافت الماء باقر  وما أن تعاف الماء إلا لتضربا

ويقولون إن الجن تصد البقر عن الماء، وان الشيطان يركب قرني الثور.

ويظهر أن هذا الاعتقاد من الاعتقادات التي كانت شاثعة بين الجاهليين،بدليل وروده في أشعار عدد من الشعراء. وكانوا يزعمون أن الجن هي التي تصدّ الئيران عن الماءحتى تمسك البقرعن الماءحتى تهلك.

ومن عاداتهم أيضاً أنهم كانوا اذا وقع العرُ" في ابلهم، اعترضوا بعيراً صحيحهاً لم يقع ذلك فيه، فكووا مشفره وعضده وفخذه. يرون أنهم اذا فعلوا ذلك ذهب العر عن ابلهم.

وذكر أن العرّ قروح مثل القوباء، تخرج بالإبل متفرقة في مشافرها وقوائمها يسبل منها مثل الماء الأصفر، فتكوى الصحاح لئلا تعديها المراض، تقول منه: عرت الإبل، فهي معرورة. قال النابغة الذبياني: فحملتنى ذنب امرىء وتركـتـه  كذي العرّ يكوى غيره وهو راتع

وفي المعنى المذكور قول الشاعر: فألزمتني ذنباً وغـيريّ جـرّه  حنانيَكْ لا تكوِ الصحيح بأجربا

وقول آخر: كمن يكوي الصحيح يروم برءاً  به من كل جربـاء الإهـاب

وذكر ان الفصبل كان اذا أصابه العر،عمدوا إلى أمه فكووها،فيبرأ فصيلها.

ومن ذلك انهم كانوا يفقاون عين فحل الإبل، لئلا تصيبها العين. وكانوا اذا كثرت إبلهم فبلغت الألف، فقأوا عين الفحل، فان زادت الإبل على الألف فقأوا العين الأخرى. وذلك المقفأ والمعمى.

وكانت العرب اذا أجدبت، وأمسكت الماء عنهم، وتضايقوا من انحباس المطر، وأرادوا ان يستمطروا، عمدوا إلى السلع والعُشَر، فحزموهما، وعقدوهما في أذناب البقر، واضرموا فيها النيران، وأصعدوها في موضع وعر، واتبعوها، يدعون الله ويستسقون، وانما يضرمون النار في اذناب البقر تفاؤلاً للبرق بالنار. وكانوا يسوقونها نحو المغرب من دون الجهات. ويقال لهذا الفعل "التسليع". وذكر ان التسليع فى الجاهلية انهم كانوا اذا أسنتوا، أي أجدبوا، علقوا السلع مع العشر بأذناب البّقْر وحدروها من الجبال وأشعلوا في ذلك السلع والعشر النار يستمطرون بذلك. ونجد من الرواة من يقول: حدروها من الجبال وأشعلوا في ذلك السلع والعشر النار، ومنهم من يقول: ثم يضرمون فيها النار،وهم يصعدونها في الجبل، فيمطرون.

وقد أشير إلى هذا الفعل في الشعر، قال أمية بن أبي الصلت: سلَعَُ ما،ومثلهُ عشرٌ مـا  عائلٌ ما، وعالت البيقورا

وقال الورك الطائي "وداك الطائي".

لا درّ درّ رجال خاب سعـيهـم  يستمطرون لدى الأزمات بالعشر

أجاعل أنت بيقـوراً مـسـلـعة  ذريعةً لك بين الله والـمـطـر

ومن السلع " المُسَلّعةُ، كانت العرب في جاهليتها تأخذ حطب السلع والعشر في المجاعات وقحوط القطر، فتوقر ظهر البقر منها، وقيل: يعلقون ذلك في أذنابها، ثم تلعج النار فيها يستمطرون بلهب النار المشبه بسنى اليرق. وقيل: يضرمون فيها النار، وهم يصعدونها في الجبل، فيمطرون".

وقد تعرض "أبو الحسين احمد بن فارس" لموضوع "البيقور"، فقال: "كانت العرب اذا أمسكت السماء قطرها، استمطروا، فعمدوا إلى شجرتين يقال لهما السلع والعشر، فعقدوهما في أذناب البقر فأضرموا فيها النار، وأصعدوها في جبلً وعر وتبعوا آثارها، يدعون الله عز وجلّ ويستسقونه. قال ابن الكلبي: وانما يضرمونً النار تفاؤلاً للبرق". "كانوا اذا فعلوا ذلك توجهوا نحوالمغرب من بين الجهات كلها قصداً إلى العينّ، والعين قبلة العراق. قال العجاج: سارٍ سَرى من قبل العين فجر  غُرَّ السحاب والمرابيع البكر"

عقيدتهم في الحيوان

وللجاهليين عقائد في الحيوان. فمنهم من كان يعتقد أن للجن بهذه الحبوانات تعلقاً، ومنهم من يرى أنها نوع من الجن، ومنهم من كان يرى أن لبعضها، مثل الورل والقنفذ والأرنب والظبي واليربوع والنعام، صلة بالجن، وأنها مراكب لها، يمتطونها كما يمتطي الإنسان الخيل والبغال والابل والحمير.

ومن مراكب الجن، "العضرفوط"، قال الشاعر: وكل المطايا قد ركِبنا فلم نجـد  ألذّ وأشهى من وخيد الثعالـب

ومن فارة مزمومة شـمـرية  وخود بردفيها أمام الـركـائب

ومن عضرفوط حطَّ بي من ثنية  يبادر سرباً من عظاء قـوارب

والعضرفرط دويبة من دواب الجنْ، ويقال: العضرفوط ذكر العظِاء، وقيل: دويبة تسمى العِسودة، بيضاء، ناعمة.

واعتقدوا أن السموم لما فرقت على الحيوانأت، احتبست العظاية "العظاءة" عند التفرقة حتى نفذ السم، وأخذ كل حيوان قسطاً منه على قدر السبق اليه، فلم تنل العظاية نصيباً منه، فخسرته. لذلك صارت تمشي مشياً سريعاً ثم تقف، لما يعرض لها من التذكر والأسف على ما فاتها من السم. و "الظباء" ماشية الجن، في زعم بعضهم وهي تسمع وتكلم، ولهم قصص عنها.

وتزعم العرب أن "الهديل"، فرخ على عهد "نوح" مات عطشاً، وضبعه أو صاده جارح من جوارح الطير، فما من حمامة الا وهي تبكي عليه.

وللخرز عند الجاهليين وعند الأعرابّ حتى اليوم، شأن كبير في السحر وفي دفع أذى الأرواح والعين، وفي النفع والحب، وأمثال ذلك. وسأتحدث عنها في المكان المخصص بالسحر.

وضرب المثل ببخل "أبي حباحب". من محارب خصفة، وكان بخيلاً، فكان لا يوقد ناره الا بالحطب الشخت لئلا ترى، وقيل: اسمه "حباحب"، فضرب بناره المثل، لأنه كان لا يوقد الا ناراً ضعيفة، مخافة الضيفان، فقالوا: نار الحباحب.

وأم حباحب: دويبة، مثل الجندب، تطير، صفراءخضراء، رقطاء برقط مفوة وخضرة، ويقولون اذا رأوها: أخرجي بُردى اًبي حباحب، فتنشر جناحيها، وهما مزينان بأحمر وأصفرْ.

وللعرب أساطير عن الكواكب، من ذلك ما ذكروه من ان "الدَّيران" خطب "الثريا" وأراد القمر ان يزوجه منها، فامتنعت وأعرضت، وقالت للقمر: ما أصنع بهذا السبروت الذي لا مال له ? فجمع الدبران قلاصه،ووضعها قدامه، وأخذ يتبعها يريد اقناعها بالزواج منه. ومن ذلك قولهم في "المرزم"، وهو "الشِعرى"، يطلع بعد الجوزاء، وطلوعه في شدة الحر. تقول العرب: اذا طلعت الشعرى جعل صاحب النحل يرى، وهما الشعريان: "العبور" التي في "الجوزاء" و "الشعرى الغميصاء" التي في الذراع. تزعم العرب انهما أخت "سهيل". وقد عبدت طائفة من العرب "الشعرى العبور". قالوا: انها عبرت السماء عرضاً، ولم يعبرها عرضاً غيرها، فأنزل اللَه: )وانه هو رب الشعرىَ (، وسميت الأخرى "الغميصاء"، لأن العرب قالت في حديثها انها بكت على أثر العبور حتى غمصت.

وزعموا ان "سهيلاً" كان عشّارأَ على طريق اليمن ظلوماً فمسخه الله كوكباً. وعرف بأنه نجم يماني عند طلوعه تنضج الفواكه وينقضي القيظ.

و "الشمس" إلهة عند كَثيرمن الجاهليين، فتعبدوا لها، وعدّت صنماً عندهم، ومن أساطيرهم ما نحدثوا به عن "برد العجوز"، حدثوا ان عجوزاً دهرية كاهنة من العرب كانت تخبر قومها ببرد يقع في أواخر الشتاء وأوائل الربيع فيسوء أثره على المواشي، فلم يكترثوا يقولها، وجزوا أغنامهم: واثقين باقبال الربيع، فلم يلبثوا إلا مديدة حتى وقع برد شديد، أهلك الزرع والضرع، ققالوا هذا برد العجوز. يعنون العجوز التي كانت تنُذر به.

وحدثوا: أن عجوزاً كانت بالجاهلية، ولها ثمانية بنين، فسألتهم أن يزوجوها وألحت عليهم، فتآمروا بينهم، وقالوا: إن قتلناها لم نأمن عشيرتها، ولكن نكلفها البروز للهواء ثماني ليال، لكل واحد منا ليلة. فقالوا لها: ان كنت تزعمين أنك شابة،. فابرزي للهواء ثماني ليال، فإننا نزوّجك بعدها، فوعدت بذلك، وتعرت تلك الليلة والزمان شتاء كلب، و برزت للهواء. وفعلت مثل ذلك في اللبل الآخر، فلما كانت الليلة السابعة، ماتت.

ونسب العرب اليها برد الأيام الثمانية، وأسماؤها: الصن"، والصنبر، والوبر، وآمر، ومؤتمر، ومعلل، ومطفئ الجمر، ومكفىء الظعن.

ومن الأمرر التي تداولوها قولهم في "زمن الفطحل". وضربهم المثل به، قالوا: أيام كانت الحجارة رطبهَ، وإذ كل شيء ينطق. وهو دهر لم يخلق فيه الناس بعد.

وكانوا يعتقدون بالمسخ. وهو تحويل صورة إلى أخرى أقبح منها، وتحويل انسان الى حيوان أو حجر. ولهم اعتقادات في مسخ الأطفال، وتبديل "الجن" لهم بأولادهم من ذوي العاهات. وقد زعموا أن "اللات" صنم ئقيف، كان في الأصل يهودياً يلتّ السويق في "الطائف" فمسخ حجراً، عبد فصار "اللات".

وللعرب قصص وضعوه على ألسنة الحيوانات نجده في كتب الأدب. ولهم أمثلة وراءها قصص في سبب ضربها. ونجد في كتب الأمثال والأدب أشياء كئيرة من ذلك. وقد صوروا بعض الحيوانات ناطقة عاقلة،ونسبوا لها الحكمة والقول الحسن. وصوروا بعضها بليدة غبيةّ. ونجد في كتب الأمثال والأدب أشياء كثيرة من ذلك.

واتخذوا من بعض الناس مثلاَ على أمر من أمور الحياة. وضربوا بهم الأمثال. فضربوا المثل ببلاغة "سحبان وائل" وبقدرته على الخطابة. وبفصاحة "قس بن ساعدة الايادي". وجعلوهما المثل الأعلى في البلاغة والفصاحة عند العرب.

ووضعوا "باقل" مثلاً للعي والبلادة. فمما رووه عنه، أنه اشترى ظبياً باًحد عشر درهماً، فمرّ، بقوم فقالوا: بكم أخذت الظبي فمدّ يديه، وأخرج لسانه، يريد بأصابعه عشرة دراهم وبلسانه درهماً فشرد الظبي حين مد" يديه، وكان الظبي تحت إبطه، فجرى المثل بعيه، وقيل: أشد عيأ من باقل، وأعيا من باقل،كما قبل أبلغ من سحبان وائل. وذكر انه كان من ربيعة.

واتخذوا "بيهس" الفزَاري، الملقب بنعامة، مئلاً للحمق، فقالوا: أحمق من بيهس. وهو أحد الاخوة السبعة الذين قتلوا،وترك هو لحمقه. زعموا أنه هو القائل: ألبس لكل حالة لبوسها  إما نعيمها وإما بوسها

وإنما لقب بيهس بنعامة لأنه كان شديد الصمم، وإذا دعا الرجل من العرب على صاحبه بالصمم،قال: اللهم اصنجه صنجاً كصنج النعامة. والصنج أشد ألصمم.

وضرب المثل بحمق "هبنقة"، واسمه "يزيد بن ثروان" أحد بني قيس بن ثعلبة، الملقب ب "ذي الودعات". لقب به لأنه جعل من عنقه قلادة من ودع وعظام وخزف مع طول لحيته. فسئل عن ذلك، فقال: لئلا أضل، أعرف بها نفسي، فسرقها أخوه في ليلة وتقلدها، فأصبح هبنقة ورآها في عنقه، فقال: أخي أنت أنا، فمن أنا ? فضرب بحمقه المثل. فقيل أحمق من هبنقة.

وضربوا المثل بحمق دُغة. وهي بنت منعج، زوّجت وهي صغيرة في بني العنير، فحملت، فلما ضربها المخاض ظنتْ انها تحتاج إلى الخلاء، فبرزت إلى بعض الغيطان ووضعت ذا بطنها، فاستهل الولبد، فجاءت منصرفة وهي لا تظن إلا انها أحدثت. فقالت لأمها: يا أماه، هل يفتح الجعُر فاه ? قالت: نعم ويدعو أباه، فسبّ بها بنو العنير، فسموا بني الجعراء.

وقيل هي امرأة من بني عجل بن لجيم. وقيل هي: دغة بنت معيج بن إياد اين نزار. ولدت لعمرو بن جندب بن العنبر. وذكر ان اسمها: مارية بنت ربيعة، من عجل، وكانت عند "جندب بن العنبر" فولدت له "عدي بن جندب"، وكانت حمقاء حسناءْ.

وضربوا المثل ب "جوف حمار". وقالوا: هو أكفر من حمار، وأخلى من جوف حمار. وهو رجل من عاد، يقال له حمار بن مويلع،وجوفه واد له طويل عريض. لم يكن ببلاد العرب أخصب منه، وفيه من كل الثمرات، فخرج بنوه يتصيدون: فأصابتهم صاعقة فهلكوا، فكفر. وقال: لا أعبد من فعل هذا ببني، ودعا قومه إلى الكفر فمن عصاه قتله، فأهلكه الله تعالى وأخرب واديه، فضرب العرب به المثل في الخراب والخلاء. قال الأفوه الأودي: وبشؤم البغي والغشم قديماً  قدخلاجوف ولم يبق حمار

وذكر ان الجوف واد بأرض عاد، فيه ماء وشجر، حماه رجل اسمه حمار كان له بنون فأصابتهم صاعقة فماتوا، فكفر كفراً عظيماً وقتل كل من مر به من الناس. فأقبلت نار من أسفل الجوف فأحرفته ومن فيه وغاض ماؤه فضربت العرب به المثل. فقالوا: أكفر من حمار، ووادٍ كجوف الحمار وكجوف العبر وأخرب من جوف حمار.

وورد انه "حمار بن مالك"، وهو رجل من عاد وقيل من العمالقة. كان مسلماً أربعين سنة في كرم وجود، فخرج بنوه عشرة للصيد، فأصابتهم صاعقة فهلكوا. فكفر كفرأَ عظيماً. وقال لا أعبد من فعل ببنيّ هذا. وكان لا يمر بأرضه أحد إلا دعاه إلى الكفر، فان أجابه وإلا قتله. فأهلكه اللّه وخرب وادبه.

واذا وعد انسان وعداً، فعليه الوفاء به، لأن من شمائل الكريم الوفاء بالوعود والعهود. قالت العرب: "خلاف الوعد من أخلاق الوغد". وكانت العرب تستعيبه وتستقبحه. وقد ضربوا المثل برجل من العرب في مخالفته المواعيد،فقالوا: "مواعيد عرقوب". وعرقوب صاحب المواعيد، قيل: انه من الأوس، كان أكذب أهل زمانه. فضربت به العرب المثل في الخلف، فقالوا: مواعيد عرقوب. وذلك انه أتاه سائل، وهو أخ له، يسأله شيئاً. فقال له عرقوب: اذا أطلع نخلي، " وفي رواية: اذا أطلعت هذه النخلة"، فلما أطلع، أتاه على العِدَة، قال: اذا أبلح، فلما أبلح أتاه ؛ قال: اذا أزهى، فلما أزهى أتاه، قال: اذا أرطب، فلما أرطب أتاه ؛ قال: اذا أتمر. فلما أتمر، عمد البه عرقوب وجدَّهُ ليلاً، ولم يعطه منه شيئاً. فصارت مثلاً في إخلاف الوعد. وورد: وأكذب من عرقوب "يثربَ" لهجة=وأبين شؤما في الحوائج من زحل وورد " مواعيد عرقوب أخاه بيترب"، بالتاء وهي باليمامة. ويروى بالمثلثة،وهي مدينة الرسول نفسها. ويقال: هو أرض بني سعد. والأول أصح، وبه فسر قول كعب بن زهير: كانت مواعيد "عرقوب" لها مثلاً  وما مواعيدها إلا الأبـاطـيل

وورد: "هوأكذب من عرقوب يترب"، وتقول: "فلان اذا مطل تعقرب واذا وعد تعقرب". ومن أمثالهم: "الشرّألجأه الى مخ عرقوب" "وشر ما أجأك إلى مخة عرمقوب"، أي: عرقوب الرجل لأنه لا مخ " له. يضرب هذا عند طلبك من اللئيم أعطاك أو منعك، وهو لغة بني تميم. ومن المستعار: ما أكثر عراقيب هذا الجبل. العراقيب خباشيم الجبال وأطرافها وهي أبعد الطرق، لأنك تتبع أسهله أين كان. والعراقيب من الأمور كالعراقيل عظامها وصعابها.

وضَربوا المثل في الاقامة على الذل برجل كل من ضيّة، زعموا أنه عرف عندهم ب "قضَيب" فقالوا: أصبر من قضيب. و "قضيب" رجل آخر تمار بالبحرين، كان يِأتي تاجراً فيشتري منه التمر، ولم يكن يعامل غيره.

وضربوا المثل ب "حديث خرافة". زعموا أنه كان رجلاً من " بني عذرة" أو من "بني جهينة" سبته الجن، فكان يكون معهم، فاذا استرقوا السمع أخبروه فيخبر أهل الأرض. فيجدونه كما قال. وقبل: "استهوتًه الجن واختطفته ثم رجع إلى قومه، فكان يحدث بما رأى، يعجب منها الناس،فكذبوه، فجرى على ألسن الناس وقالوا: هذة خرافة. ويقال أيضاً للخرافات الموضوعة من حديث الليل: حديث خرافة. وذكر أن "عائشة" قالت: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثيني:قلت سا أحدثك حديث خرافة. قال: اما انه قدكان" وذكَر أيضاً أنه قال لها: "ان أصدق الأحاديث حديث خرافة".

الفصل الثامن والثمانون

أَثر الطبيعة في اقتصاد الجاهليين

للوقوف على أسس اقتصاد امة من الأمم،لا بد من الوقوف على طبيعة إقليمها من جوّ وأرض. فللطبيعة أثر كبير في تحديد خيرات تلك الأمة وفي تكوين سماتها وعاداتها وانتاجها: من نتاج زراعي أو حيواني أو صناعي، ثم في فقرها وغناها. فالجوّ البارد ذو الأمطار الغزيرة، لا يمكن أن يكون أثره في الأحياء أثر الجو الحار الرطب، أو الجو الحار الجاف،أو الجو المعتدل. الجو البارد يدفع الإنسان إلى العمل ويبعث فيه الحيوية والنشاط، ويجبره على العمل، ويقدم له الماء هدية من السماء، ثم هوُ يكره الأرض أن تتلقح بماء المزن، لتولد خضرة تكسو الأرض ببساط جميل يخلب الألباب، ولتولد للماشية علفاً طرياً شهياً، وللانسان أرضاً طيعة لا تحتاج إلى سقي باليد أو باًلآلة، ثم هو يوفر له كثيراً من الجهد الذي يجب على الإنسان أن يبذله في البلاد الحارة الجافة لاستصلاح التربة ولمكافحة الحشرات التي تبارك فيها الحرارة إلى غير ذلك من صعوبات، لا تقاس بها الصعوبات التي تواجه سكان البلاد الباردة الممطرة.

أما الجو الحار الرطب، فيغيث الإنسان بمطر، قدّ ينهمر انهماراً، وقد ينزل بمواسم، لكن حرارته الشديدة المتشبعة بالرطوبة، تهد الجسم، وتعطيه رخاوة في بدنه وفي عقله، تجعله يميل إلى الخمول والكسل والدعة، والى الاسترسال في العواطف، ثم تحرمه من نشاط انسان الجو البارد، وتجعله دونه في العمل وفي السعي في هذه الحياة والضرب في هذه الأرض وفي استغلال التربة وما فيها وما عليها. وأما الجو الحار الجاف، فيحرم سكانه من نعمة "الغيثّ"في الغالب، ويلبس سطح الأرض أكسية غبراء من رماله تذروها الرياح، ثم هو يجعل من الصعب على الإنسان أو الحيوان إن يجد قوته في هذه القفار الواسعه المغبرة، أو إن يعيش فيها عيشة مستقرة دائمة، في مجتمعات كثيفة كمجتمعات الأجواء الباردة أو المعتدلة أو الحارة الرطبة، فاضطر الى التنقل والارتحال بحثاً عن الكلا والماء، اللهم إلا في مواطن الماء، وهي عزيزة ثمينة لأنها في أرض غلب على طبعها الجفاف. فتصير هذه المواطن القليلة هدفاً لهجمات العطاشى عليها في سني القحط وانحباس المطر، وايام الضيق والشدة، لسد الرمق وللمحافظة على ما في الجسم الذابل النحيل من عروق لتعينه على البقاء،حتى يفنى بطعنة، أو يموت حتف أنفه. تبلغ مساحة جزيرة العرب حوالى مليون وربع مليون ميل من الأميال المربعة.

إذا ثبتنا مواضع المياه على "خارطتها"، نجد إنها قليلة، لا يتناسب توزيعها ووجودها مع هذه المساحة الشاسعة. ثم إنها مياه ضيقة المعين،لا يتسع صدرها لارواء بقاع واسعة على نحو ما نجده في مياه الأنهار الكبيرة. وفي هذه المواضع انحصر السكن، فصار من ثم عدد سكانها قليلاً جداً في كل وقت. واذا قسنا مساحة الأرضين الخصبة منها القابلة للزرع والإنبات ذات الماء باًلأرضين المجدبة، نجد إنها قلة إلى كثرة، وان ما لا يصلح منها للزرع أكثر بكثير مما يصلح له. وان مساحة البراري والبوادي تزيد على مساحة الأرض الطيبة الخصبة، وان هنالك أرضين ذات طبقات ثخينة من الرمال، أكرهت الناس على الابتعاد عنها، ترفعاً من إن يطأ وجهها خفّ جمل أو نعل انسان، أو ان تدوسها الأقدام.

وقد نشأ عن هذا الوضع ضيق في مساحة الأرضين المزروعة، لشح الماء وعدم كفايته لارواء الإنسان ولارواء ماشيته واسقاء أرضين واسعة، ضيق أثر في شكل تكوين المجتمع العربي، فلم يسمح بظهور المجتمعات الكثيفة الكبيرة في جزيرة العرب، والمجتمعات الكثيفة الكبيرة، هي المجتمعات الخلاقة التي تتعقد فيها الحياة، وتظهر فيها الحكومات المنظمة للعمل وللانتاج وللتعامل بين الناس. جعل المجتمعات المذكورة مجتمع مستوطنات، رزقها من زراعتها الصغيرة ومن رعاية الماشية، وصار اقتصادها من ثم اقتصاداً بدائيأ لا تعقيد فيه ولا تطوير يحول المواد اللأولية إلى مواد أخرى أفيد منها وأكثر ربحاً تفيد المجتمع، وتعود عليه بأرباح طائلة من بيع المنتجات في الأسواق.

وهو ضيق صير العرب قوماً يكرهون الزراعة وينفرون منها، ويرون المزارع مواطناً من الدرجة الدنيا، ولا سيما ذلك المزارع الذي يزرع الخضر والبقول وعلف الحيوان، فهو عندهم "خضّار". ولو كانت للعرب مياه فائضة، وأمطار غزيرة لما كرهوا الزراعة، ولما ازدروا شأنها، فحرمانهم من الماء جعلهم يستحقرون شاًن الزراعة لأنهم لم يتذوقوا ثمرتها ولم يشعروا بخيراتها، ولهذا اختلف عنهم أهل اليمن وبقية العربية الجنوبية ومن وجد عندهم الماء، فغرسوا وزرعوا واعتبروا الزراعة نعمة، وتقدموا إلى آلهتهم لكي تبارك في زرعهم وتنعم في حصادهم وتعطيهم غلات وافرة كثيرة.

وجوّ جزيره العرب جو من أجواء البلاد الحارة الجافة. أمطاره على العموم قليلة، ولا سيما في أواسط جزيرة العرب. وقد تنحبس في بعض السنين انحباساً تاماً، فيسبب انحباسها هذا كارثة ومصيبة، يجف في أثنائها العشب، وييبس كل أخضر، فلا تجد إلإبل لها طعاماً، ولا يكون في وسع أهلها تقديم طعام لها لعدم وجوده عندهم، وقد ينفق مالهم من العطش والجوع، فيصاب أصحابها بخسائر كبيرة، وقد يهلك عدد من الناس قبل بلوغهم موضع ماء، إما من شدة الحر والعطش والجوع، وإما من السيف الذي لا بد لهم من استعماله لاجبار أهل الماء على السماح لهم بمشاركتهم لهم اياه، او بالاستحواذ عليه ونزولهم به، وطردهم أصحابه عنه إلى أماكن أخرى،أو بهروبهم من هذا الموضع لقوة أصحابه ولتمكنهم من رد الطامعين عنه.

وتتساقط الأمطار في العربية الغربية والعربية الجنوبية، ولكن سقوطها ليس منتظماً وعلى طول أيام السنة. فقد تثور السماء فجأة على الأرض، فترسل عليها سيلاً مدراراً، يكتسح ما يجده أمامه من إنسان وحيوان وكل عائق، ليجد له سبيلاً إلى أرض منخفضة أو إلى أودية، ثم لا يلبث أن يختفي ويزول، لأن عمره قصير في الغالب، إذ تبتلعه أرض رملية، فيغور إلى باطنها ليكوّن مياهاً جوفية، وقد تبتلعه البحار، إذ يسيل بشدة إلى الأودية المنحدرة الشديدة الانحدار فيتوجه مسرعاً نحو البحر، فيذهب فيها هباء من غير أن يفيد أحداً من الناس أو أن يغيثهم بشيء. وفي كتب أهل الأخبار قوائم بسيول كثيرة مهلكة مدمرة وقعت قبل الإسلام وبعده.

والأمطار في جزيرة العرب هي قليلة على العموم، مقدار ما يتساقط منها لا يسد رمق الزرع ولا يغني الزارع ولا يكفي في بعض السنين لانبات الخضرة ولظهور الكلأ. وقد يستمر هذا المعدل سنين، فيتضايق الناس، وقد ترد بعدها سنين ينهمر فيها المطر انهماراً، فيسقط من السماء وكأنه ماء انهمر من أفواه قرب، فيسبب سيولاً تؤذي الناس ولا تنفعهم، وقد يستمر هطول المطر على هذا المعدل من الشدّة عدة سنين، ثم يقف فيشح، وتبخل السماء، فلا تعطي الأرض من غيثها إلا قليلاَ. وقد تبخل بخلاً شديداً فلا تعطيها منه شيئا يذكر، فيتضايق الناس، ويعيشون عندئذ عيشة صعبة قاسية، قد تضطرهم إلى الارتحال إلى مواضع أخرى بحثاً عن الكلأ والماء.

وقد يكون انحباس المطر، ظاهرة موضعية، تصيب موضعاً، ولا تصيب مواضع أخرى، وقد يكون عاماً، يصيب أكثر جزيرة العرب أو كلها. وتكون شدته عندئذ في هذه الحالة أعم وأشد. وضرره في الناس أكثر، فأينما ترحل القبائل لا تجد أمامها إلا القحط والمحنة، وقلة الماء والغذاء، أي "القحط"والجدب والمحل. و "القحط"الجدب من أثر احتباس المطر، فيتأذى الناس، ويقل الطعام وترتفع أسعاره. ويعيشون في شدة. ويلازم القحط في الغالب، اختفاء الطعام وارتفاع ثمنه. فالقحط ملازم اذن لانحباس المطر، ويلازمه الجوع وارتفاع السعر، وقلة الطعام، واختفاؤه من السوق، بسبب الخزن أملاً في الحصول على ربح ومكسب، أو بسبب قلة حاصل الموسم. ويقال أقحط القوم، أي أصابهم القحط، وكان ذلك في اقحاط الزمان.

وقد يعقب انحباس المطر ظهور الملح في طعم مياه الأبار والعيون، حتى قد يصير الشرب منها صعباً، والزرع عليها غير ممكن. فيضطر أصحابها عندئذ إلى تركها والارتحال عنها إلى مواضع أخرى، يحفرون فيها آباراً جديدة ؛ تكلفهم مالاً وجهداً، وقد لا يجدون في الأرض الجديدة ماء عذباً سائغاً فراتاً للشاربين، وقد لا يجدون فيها ما يكفيهم لشربهم ولشرب أموالهم، مما يحملهم على الارتحال إلى أرض أخرى، أو على التشتت والتبعثر، بسبب عدم وجود الماء أو عدم سدّه حاجتهم.

ويقال للسنة وللأرض التي لم يصبها المطر: "الجماد". وسنة جامدة لا كلأ فيها ولا خصب ولا مطر. وأرض جماد، يابسة لم يصبها مطر ولا شيء فيها. وهي من السنين الحرجة في حياة العرب، المؤذية المهلكة للانفس وللمال. ويقال للمُحل "الجدب". والجدب نقيض الخصب. و "المحل" الجدب وانقطاع المطر ويبس الأرض من الكلأ. وتعد أيام المحل من شرّ الأيام، يقال: "زمان ماحل"، و "مكان ماحل"، و "بلد ماحل"، و "أرض محل"، وأرض محالة ومحول. يريدون بالمحل الشدة والجوع الشديد وإن لم يكن جدب، على سبيل المجاز، لأن المحُل الجدب ويبس الأرض وانقطاع المطرة فتشتد حالة الناس، ويظهر الجوع ويعيش الناس في ضنك شديد.

ويقال لمثل هذه السنين الشديدة، التي تجف فيها المراعي، ويصاب الناس فيها بأزمة شديدة،سنة جرداء " وسنة الجمود لجمود الرياح فيها وانقطاع الأمطار وذهاب الماشية وهزالها وثبات الغلاء. ويقال لها الحطمة والأزمة واللزّبة والمجاعة والرّمد، وكحل والقصر والشدة والحاجر، وما شاكل ذلك من ألفاظ فيها معاني الشدة والفقر والجوع. .

وكان منهم من يتصور أن نجوم الشتاء هي سبب نزول الغيث. ولذلك كانوا إذا لم يمطروا، وانحبست السماء عندهم يقولون: "أجحرت النجوم". قال الراجز: إذا الشتاء أجحرت نجومـه  واشتد في غير ثرى أزومه

ومن المجاز أجحر القوم، إذا دخلوا في القحط. والجحرمة الضيق. ولبس أشد على العرب وأضيق في انحباس المطر عنهم.

واذا أمطرت السماء، استبشر الناس خيراً، فالمطر خير وبركة ونعمة. يعقبه ربيع مفرح مبهج، تسمن فيه إبلهم ومواشيهم، ويكث ولدها، فتنمو أموالهم، وكانوا يقولون إذا ألبنوا وسمنت إبلهم: "كان ربيعنا مملوحا".

وقد تهب بعض الرياح فتنكب الناس بأنفسهم وبأموالهم وتؤذيهم،لذلك يسمونها "النكباء". و "النكباء" ريح انحرفت ووقعت بين ريحين. وهي تهلك المال وتحبس القطر. ذكر إنها تهب بين الصبا والشمال، والجربياء التي بين الجنوب والصبا. وذكر بعضهم إن نكب الرياح أربع: الأزيب، وهي نكباء الصبا والجنوب، مهياف ملواج ميباس للبقل، وهي التي تجيء بين الريحين. وذكر بعض آخر إن الأزيب، هو الجنوب لا نكباؤها. والثانية الصابية، وتسمى النكيباء أيضاً، وهي نكباء الصبا والشمال، معجاج مصراد لا مطر فيها ولاخير عندها. والثالثة الجربياء، وهي نكباء الشمال والدبور، وهي قرة وربما كان فيها مطر قليل، وهي نيحة الأزيب. والرابعة الهَيف، وهي نكباء الجنوب والدبور، وهي نيحة النكيباء.

وقد تأتي السماء بسحب كثيفة من جراد، فلا تهبط مكاناً إلا جردته. والجراد من شر الآفات والنوازل التي تنزل بالزرع، يجرده جرداً وينزل الخسائر بأصحابه، أضف إلى ذلك الأوبئة والأمراض التي كانت تهب بين الحين والحين، فتصيب الإنسان أو الحيوان أو الزرع، وهو عاجز إذ ذاك عن مقاومتها وعن التغلب عليها، نضيف إليها الحميّات التي كانت قد عششت في مواضع المياه،كالعيون، فكانت تصيب الناس، ولا يكاد يسلم منها انسان، فقد عرفت "خيبر" بالحمى، حتى قيل لها "حمى خيبرية"أو "خيبرية" وعرفت يثرب بالحمى أيضاً، وعرفت مواضع من وادي القرى، بالحمى كذلك، كما عرفت "هجر"في العربية الشرقية بهذا الوباء كذلك.

ويتضايق الإنسان في التهائم من أثر الحرارة المتشبعة بنسب عالية من الرطوبة. ودرجات الحرارة فيها وإن كانت دون درجتها في الأماكن الأخرى في الأغلب، غير أن اقترانها بالرطوبة العالية جعلتها حرارة تضايق الإنسان إلى حد مزعج، تبعث على الاسترخاء والكسل، حتى صيرت الجسم خاملاً، خال من الحيوية والنشاط، غير فعّال لا يستطيع أن يعمل بنشاط وهمة أهل الأجواء المعتدلة أو الحارة الجافة. وعلى الرغم من ارتفاع نسبة الرطوبة في هذه التهائم وتشبع هوائها ببخار الماءفإنها لم تحظ بدرجة عادلة من المطر، يخفف من شدة وطأة الحرارة فيها. ويسقي أرضها سقياً كافياً لتنبت لسكانها ما ينبته الجو الاستوائي المشبع بالرطوبة المذابة في الحرارة المشابه لجو هذه التهائم في البلاد الأخرى. فحرمت من الغابات ومن الأشجار الضخمة ذات الخشب الصلد، ومن الأدغال التي تؤوي الوحوش، ومن المياه الفوّارة المتدفقة، ومن الحشائش، ومن أمثال ذلك مما يرى في البلاد ذات المناخ المشابه، مما يكون ثروة لسكانها، قد تعوض عن حرمانهم من الجو المعتدل أو الجو البارد المنشط.

وتخف الرطوبة ويقل شأنها وتذهب حدتها كلما ابتعد الإنسان عن الساحل، فيزداد الجفاف في الجو حتى يبلغ أقصاه في البواطن، فيشعر الإنسان عندئذ بانطلاق في جسمه وبشيء من النشاط في حركته، وبحدة في ذهنه، لأنه يجد أمامه مناخاً أصح وأصفى من مناخ السواحل، هواؤه جاف في الشتاء وفي الصيف، البرودة فيه في موسم الشتاء أظهر وأبرز من برودة الأشتية في التهائم، واسر فيه في الصيف أخف على الجسم بكثير من حر صيف السواحل. أما المطر،فنسبة سقوطه في الباطن أقل من نسبة هطوله على التهائم وفي العرببة الجنوبية. وقد عوضت الطبيعة أهل البواطن عن شح مطرها هذا، بارسال الوان وأشكال من الأهوية والرياح والعواصف عليهم، تحمل بعضها في أمواجها سحراً عجيباً ينعش الروح والبدن، إذا مس انساناً اًنساه شظف عيشه وغلظ الجو الذي يعيش فيه، وصيره يحس وكأنه ملك الملوك، وصاحب خزائن الأرض، واذا مست عصاه احداً من أصحاب الحس المرهف، أثارت فيه قريحته، فصيرته شاعراً ينظم إحساسه بكلم موزون مقفى، وبشعر غزلي، يتغزل فيه، يتغزل بتلك الأهوية، التي لمست جسمه، وأغرقت فمه ووجهه بقبلاتها الحبيبة المثيرة، التي أنسته أشجانه وما يلاقيه في حياته من ضيق وشح، وهو ما يكاد يفيق من حلم حبه هذا، حتى يفاجأ بأعاصير ورياح الواقع، تعصف به وبخيمته الخفيفة، وبماله، تتلاعب به، وقد ترشق وجهه بموجات متعاقبة من سموم مشبع برمال، تجعله يغمض عينيه ويسدّ فمه، ويبرقع وجهه ببرقع ليقيه من هذه الرياح العاتية التي تحرشت به من غير سبب، مع انه انسان مسكين قنوع، لا دخل له في وجوده في هذا المكان، ولد فيه عن غير عمد ولا اختيار، وسيموت فيه وهو لا يدري لمَ يموت، ولمَ عاش، والى أين ذاهب. فاذا ذهبت وولت، وركد الجو واستقر، جلس تحت خيمته التي لا تقيه من حر ولا من برد، ولا من شمس ولا من مطر: إلا بقدر، ليستجم ويستريح، اًو ليستلقي على أرضها، وليتناول أكله، وهو أبسط أكل يأكله انسان في هذه الحياة من غيرشك.

والسعيد في جزيرة العرب من ولد في مستوطنة ذات ماء. فهو في عيشة هنيئة راضية، في بيت مهما كان نوعه، فإنه أحسن حالاً على كل حال من بيوت الوبر أو الشعر، يستطيع أن يشرب فيه ماءً يتناوله من منبعه، لا من قرب خزن الماء فيها أياماٌ، وأن يرى نخلاً وشيئاً من شجر و خضرة وزرع، وصوت رجال ونساء وأطفال، وبعض بائعين وبائعات. أي حياة جماعة. وهو أكثر سعادة وحضارة إن كانت مستوطنته على ملتقى طرق، تمر بها القوافل لتمتار منها ميرة الطريق، ولتأخذ منها الماء ولتسقي إبلها وترويها، ولتشتري منها ما تجده من حاجات ضرورية ومن منتوجات موضعية، تحتاج إليها، أو يمكن بيعها في مواضع أخرى. وفي هذه المواضع نجد الحضارة الجاهلية ومن آثارها نستنبط التأريخ الجاهلي، وفيها نرى معدن الرقة وموطن اللين والدماثة، لما فيِها من ظرف تهدأ النفس وتريح الأعصاب، فصار أصحابها من ثم ألين عريكة وأسهل انقياداً من الأعراب الذين ولدوا في محيط خشن، ونشأوا من خشونة، فصار طبعهم من ثم غليظاً خشناً، وهو لا يمكن أن يكون إلا كذلك، وليس له دخل في ظهور هذا الطبع عنده.

ومن هنا صار أهل اليمن من ألين العرب عريكة ومن أكثرهم تعاوناً فيما بينهم. جاء في الحديث: "إن رجلاء من أهل اليمن قال للنبي، صلى الله عليه وسلم: إنا أهل قاه، فاذا كان قاه أحدنا دعا من يعينه فعملوا له، فأطعمهم وسقاهم من شراب يقال له المزر، فقال: أله نشوة ? قال: نعم. قال: فلا تشربوه. قال أبو عبيدة: القاه سرعة الاجابة وحسن المعاونة، يعني إن بعضهم يعاون بعضاً، وأصله الطاعة. وقيل المعنى: إنا أهل طاعة لمن يتملك علينا، وهي عادتنا لا نرى خلافها، فاذا أمرنا بأمر أو نهانا عن أمر أطعناه، فاذا كان قاه أحدنا، اًي ذوقاه أحدنا دعانا إلى معونته. وقال الدينوري: إذا تناوب أهلى الجوخان، فاجتمعوا مرة عند هذا ومرة عند هذا وتعاونوا على الدياس، فان أهل اليمن يسمون ذلك القاه، ونوبة كل رجل قاهة، وذلك كالطاعة له عليهم " وجاء في الحديث: "أهل اليمن هم أرق قلوباً، أي ألين، وأقبل للموعظة، والمراد ضد القسوة والشدة".

ومن هنا صار الأعرابي جلفاً صعباً خشناً، يكره كل شيء لا يجده عنده، لا يخضع لسلطان، ولا يستسلم لقيادة أحد إلا لقيادة قبيلته المتمثلة في سيدها إلى غير ذلك من صفات وسمات تحدثت عنها في الجزء الأول من هذا الكتاب، وفي مواضع أخرى من الأجزاء الباقية.

والماء في أغلب أجزاء جزيرة العرب مقنن قدر بقدر، ليس فيه فيض، ولا زائد يحمله إلى الجري إلى مسافات بعيدة ويكميات كبيرة عن منبعه. ثم هو بين عيون وحسى وآبار محفورة،ومدى موارد هذه المياه مقدر محدود، وهي لا تفيض فيض مياه الأنهار. فلم يتسع زرعها، ولم تتحمل نشوء مجتمعات كبرى عندها، وإنما ساعدت على ظهور مستوطنات، لم تكن حضرية تماماً ولا بدوية تماماً، بل كانت منزلة بين المنزلتين، ودرجة وسطى بين الحضارة والبداوة. تمكنت من إعالة نفسها، بما توفر فيها من مواد أولية، وبما زرعته من نخيل وحبّ وخضر، ومن بيع ما زاد عن حاجتها من حولها والى من كان يقصدها من الأعراب. وأوجدت فيها حرفاً، ولكنها لم تكن حرفاً متطورة ذات انتاج واسع، لضآلة الموارد، ولصغر المجتمع، ولعدم وجود رؤوس الأموال الكبيرة لتشغيلها في استغلال ما قد يكون فيها من موارد طبيعة كامنة أو ظاهرة. وفي تغرير الناس للعمل في استثمارها وفي استثمار الأرض استثماراً واسعاً، ينتج غلة وافرة، وفي مجتمعات صغيرة، ذات موارد محدودة، لا يمكن أن تظهر فيها رؤوس أموال كبيرة، وكيف تبرز رؤوس الأموال في مستوطنات فقيرة، مواردها محدودة، وخيراتها مقننه، وهي في محيط فقير، تتناولها الرياح من كل جهة، وأعين الأعراب الجياع الفقراء لها بالمرصاد.

وقد انتشرت هذه المستوطنات وتناثرت وتبعثرت في أرضين واسعة غلب على طبعها اليباس والجفاف، كسيت بطبقات متفاوتة السمك من الرمال، فحالت بينها وبين تكوين المجتمعات الكبيرة، وبين ظهور حكومات كبيرة قوية في جزيرة العرب. وجعلت من العرب شعوباً وقبائل، متناثرة متشاحنة، ذات لهجات، تشعر كل قبيلة منها، إنها أمة قائمة بذاتها، ولها كيان خاص، ونسب وجدّ، ولاء أبناؤها للقبيلة، ولرمزها: سيد القبيلة ولرؤسائها المتزعمين لفروعها ولأغصانها، أو للمكان الذي أقامت فيه. ومجتمع مثل هذا، حضره في مستوطنات متباعدة صغيرة، وبدوه متباعدون متنافرون متشاحنون، لا أمان فيه للافراد وللتجار وللمسافرين إلا بعقود وبعهود، لا يمكن إن يظهر فيه اقتصاد متين متطور، ذو انتاج متطور متقدم، يفيض على حاجة أهله، فيصدره إلى الخارج، فتخلف اقتصاده، ولم ينتج إلا المواد الأولية البسيطة المتوفرة لديه، مثل التمور والحبوب والخمور والجلود، وهي سلع استهلكت في الداخل، ولم يصدٌر منها إلى الخارج إلا القليل مثل الجلود، ثم هو أخّر الزراعة وعاق أهل المال من البحث عن الماء لخوفهم من تعرضهم لغارات الأعراب الفقراء. وخطر الأعراب على الزرع لا يقل عن خطر الجرادعليه.لذلك لم يقبل المتمكن المتمول استنباط الماء ومن الزرع عليه، إلا إذا وجد نفسه في مكان مأمون وفي موضع محمى له فيه أهل وعشيرة وجوار.

أما السلع المعدنية، فهي من حاصل مواطن الحضر، وهي من حديد، في الغالب،صنعت من حديد استخرج من معادن جزيرة العرب، ومن حديد استورد من الخارج،ومن سلع حديد استوردت من الخارج، إذا استهلكت أعيد سبكها، ثم استعملت من جديد. وأغلبها صناعة سيوف وخناجر، ومساحي ومناجل وما شابه ذلك من مواد ضرورية للحياة في جزيرة العرب. ولم نسمع بتصدير شيء منها إلى الخارج، لأنها لم تكن باًنتاج واسع ولا بأتقان لتنافس السلع المماثلة لهذا في الخارج، بل تجد أن أهل جزيرة العرب كانوا يستوردون أمثالها من الخارج أيضاً، لرخص ثمنها بالنسبة إلى المنتوج المحلي، ولتفوقها على المنتوج العربي في نقاوة المعدن وفي الصنعة والاتقان.

والمعادن في جزيرة العرب، محدودة وبقدر وبشح في الغالب، وقد تحدثت في الجزء الأول من هذا الكتاب عن وجود ذهب وفضة وخامات حديد ونحاس في مواضع من جزيرة العرب. وسأتحدث عنها أيضاً في أثناء بحثي عن الصناعة عند الجاهليين. وهي في العربية الغربية وفي العربية الجنوبية في الغالب. وقد عرفت المواضع التي استخرج المعدن منها ب "المعدن"و "معدن". والمعدن مكان كل شيء يكون فيه أصله ومبدؤه. ولكن استخراج المعدن من منجمه وخامه، يحتاج إلى مال وعلم وأيد عاملة فنية، لها مران وخبرة في الاستخراج وفي التنقية، ليمكن استخراجه بكميات وافرة، وبسعر اقتصادي مناسب، منافس للاسعار العالية في الأسواق الأخرى. وهذه الشروط لم تكن متوفرة عند أهل الجاهلية، لذلك لم نسمع بتصديرها من المعادن، إلا الذهب، حيث قدمه السبئيون للاشوريين وللعبرانيين، رشوة وجزية كما تقول الموارد. أما المعادن الأخرى، فلم نسمع في كتب المتقدمين على الإسلام من الأعاجم، ولا في كتابات الجاهليين ولا في أخبار أهل الأخبار، أنها صُدّرت إلى الخارج.

وأما الأخشاب الصلدة الثقيلة القوية مثل الساج، وهو خشب رزين قوي، ومثل الآبنوس، والصندل، وأمثالها، فغير موجودة في جزيرة العرب، وانما كانت تستورد من الهند في الغالب لعمل السفن وللاغراض الأخرى، لأنها من اشجار تحتاج إلى أمطار وحرارة ورطوبة وهي شروط غير متوفرة في أكثر أنحاء بلاد العرب. وفي بلاد العرب أشجار ذات خشب، نمت في الجبال بصورة خاصة، لذلك عرفت ب "شجر الجبال"، سأتحدث عنها في أثناء بخثي عن الشجر، أمدت أهل العربية الغربية والجنوبية، بشيء من حاجتهم إلى الخشب، حيث استعملوه في البناء وفي الأثاث، لكن أخشابها لم تكن قوية صلدة مثل الأخشاب المذكورة، ثم إن الناس كانوا يقتطعون شجرها ولا يزرعون غيرها في مواضعها، فقلّت، وقل الخشب نتيجة لذلك، حتى ان أهل الأخبار ليذكرون إن أهل مكة لما أرادوا تسقيف الكعبة، لم يجدوا خشباً يصلح للتسقيف،فلما سمعوا بخبر تحطم سفينة رومية عند "الشعيبة"، ذهبوا إلى هناك، وجاءوا بالخشب اللازم للتسقيف من ذلك الميناء. وخشب السراة،وخشب المواضع المرتفعة الأخرى، خشب لا يضاهي خشب الهند أو أفريقية في الصلابة وفي المتانة والصلادة، لذلك لم يستعمل في بناء السفن ولم يساعد في تطوير وسائل النقل في البحار.

أما الأنحاء الأخرى من جزيرة العرب، فلم يكن شجرها من النوع المنتج للخشب الصلد المتين الصالح لصناعة السفن أو لأعمال البناء ولصنع أثاث البيت وغيره، وإذا وجد شجر ذو خشب أنبتته الطبيعة، أو كان من زرع الإنسان، فإنه لم يكن كثيراً ولا كافياً لسد حاجات الناس. ثم إن شجر الطبيعة -ما نبت منه في الجبال، وما أنبت منه في السهول والمنخفصات - مشاع بين أهل المنطقة، يقطعه من يريد، لا يجبر قاطعه على زرع غيره في محله، لذلك قضى عليه هذا القطع والاهمال، وصار الخشب اللازم للنجارة وفي الاْعمال الاخرى قليلاً في جزيرة العرب، مع أنه من الوسائل المهمة الداخلة في تنمية الاقتصاد وفي الترفيه عن الناس وفي رفع مستواهم الحضاري.

ولم تعرف بلاد العرب بتصدير الخضر والاثمار والحبوب. فلم نعثر في الاخبار على خبر يفيد تصدير شيء منها إلى العراق أو بلاد الشام، أو أي بلد آخر خارج حدود جزيرة العرب. بل نجد أنها كانت تستورد الحبوب والدقيق والزيوت من بلاد الشام، وذلك لان موارد الماء فيها لم تمكنها من زرع زراعة كثيفة واسعة، فصارت زراعتها زراعة محلية في الغالب، عمادها الاستهلاك المحلى، أو التصدير إلى الارضن المجاورة للمزارع في داخل الجزيرة وفي المواسم الجيدة وعند ظهور فيض في الحاصل، فصارت لليمامة ريفاً لاهل مكة تمونهم بالحبوب،وكانت سوقاً للاعراب، تمدّهم بالتمور. وكانت الطائف، مزرعة تمد أهل مكة بالاثمار والزبيب.

والجمل في طليعة حيوان جزيرة العرب من حيث الفائدة والشهرة هو رمز البداوة وعنوان الصحارى،والحيوان الوحيد الذي رضي بمصادقة الأعرابي وبتمضية حياته معه، قاطعاً الفيافي والبراري معرضاً نفسه للجوع وللعطش، ولتحمل الحياة الشاقة الخشنة في البادية، مع الأعراب الغلاظ الجفاة، الذين استصعب اخوانهم أهل الحضر العيش معهم، وهو لولاه لما تمكن الأعراب من اختراق البوادي ومن التنقل بها، ولما طابت لهم الحياة فخيامهم من وبره، وشربهم وكسر حدة جوعهم من لبن نياقه، ثم هو طعامهم عند الحاجة، ورأس مالهم، إذا احتاجوا إلى مال. تليه الخيل والضأن والمعز والحمير وغيرها. وهي كلها دونه بكثيرفي تحملّ العطش والجوع ومشقات الحياة،ثم هي لاتستطيع تحمل غلظ الأعراب وصعوية حياتهم، لأنها أكئر رقة من الجمل، لذلك اجتنبت البوادي، وعاشت على المراعي الخضراء وعند مشارف الحضارة، وشاركت الحضر في بيوتهم، فهي من أموال العرب في الغالب، أي الحضر والرعاة الملازمين للمراعي المتصلة بمشارف الحضارة.

ودولة الحيوان في جزيرة العرب دولة صغيرة، إذا قيست بما يجب إن تكون عليه بالنسبة إلى المساحة السطحية. وسبب صغرها إن المراعي الغنية بالعلف اللازمة لتربية الحيوان ولإكثار نسله، لم تكن متوفرة عند اْهل الجاهلية، وان أصحاب الماشية كانوا عالة على الطبيعة، لعسر أحوالهم وعدم تمكنهم من الانفاق على الماشية وتهيئة العلف الصحي اللازم لنمو الحيوان ولاكثار نسله، ثم إن الأحوال الافتصادية لم تكن حسنة وعلى ما يرام، بل كانت منخفضة، وهذا ما حدَّ من الاستهلاك المحلي، وحد من عدد الذين كانوا يمتهنون حرفة تربية المواشي، إلى أسباب أخرى لا مجال للبحث عنها في هذا المكان.

والعدد العام لسكان جزيرة العرب، في الجاهلية وحتى إلان هو قليل بالنسبة إلى ما يجب إن يكون عليه إذا قسنا العدد بعدد الأميال المربعة التي تكوّن المساحة السطحية لبلاد العرب. وسبب ذلك إن المسكون المعمور منها، قليل بالنسبة إلى المهجور القفر، والبوادي فيها أوسع وأكثر من الأرضين الصالحة للزرع وللرعي وللسكن وان الموارد المعاشية التي تعيّش الإنسان وحيوانه، لا تكفي في معظم أنحاء جزيرة العرب لأعاشة المجتمعات الكثيفة المكتظة، والمستوطنات الضخمة. فالحسي أو العيون أو الآبار أو البرك، أو ما أشبهها من موارد ماء، لا يمكن إن تستضيف مجتمعاً كبيراً مع توابعه من المواشي، وهي لا تتمكن أيضاً من توفير الماء اللازم لزرع كثيف، ولتهيئة كلأ تعلفه المواشي. لذلك صار حجم مستوطناتها يتناسب مع حجم الماء المتوفر فيها، وانتاجها انتاج محدود، هو حاصل زراعي في الغالب، يختلف قلة وكثرة باختلاف حجم المساحات المزروعة، أي سعة الماء الموجود في المستوطنة.

وفي هذه المستوطنات وفي الأرياف والقرى،تجد الملكية الفردية، بصور متباينة. ملكية دور ثابتة، وملكية مزارع وآبار. فالذي يحضر بئراً وينفق من ماله على حفرها تكون البئر بئره، في امكانه بيع الماء منها للمحتاج إليه، وفي امكانه الزرع عليها، فيكون الزرع زرعه بالطبع، وله بيع حاصله من ثمر أو خضر، أو حب. والذي أقام على مقربة من الحضر، ولا سيما من حضر العراق وبلاد الشام استطاع الاتجار مع تلك البلاد، ببيع ما عنده من ماشية وجلود وبشراء ما كان يحتاج إليه من مواد ضرورية، أو من مواد يتاجر بها مع المستوطنات ومع الأعراب.

فتولد رأس المال في هذه المستوطنات، ولا سيما في الكبيرة منها، ذات الماء الغزير، وجاء الرأس المال بالعبيد لتشغيلهم في الزرع.

أما البوادي وديار الأعراب، فالأرض فيها للقبيلة، ما خلا الاحماء. وأما الماء والكلأ فللجميع، لا يمنع أحد من أبنائها من وروده، وحق الرعي فيها للجميع. لصاحب الإبل حق رعي إبله في أي موضع شاء من حيّه، وله أن ينقل بيته في "دبرته"، ليجد لإبله الكلأ اللازم لها، وأن يذهب إلى الركل ومواضع الماء لأخذ ما في يحتاج إليه من الماء، الذي يكون في الغالب على ساعات أو أيام من بيته. واذا جف الكلأ واختفى خير الأرض، اضطر للانتقال إلى مواضع أخرى، ليجد فيها ما يعلف إبله. وفي هذا المجتمع الاعرابي، ملكية فردية، هي ملكية الخيام وما فيها من أشياء بسيطة وملكية إبل، وبعدد ما يملكه الإنسان من جمال ونوق، تقدر ملكية الأفراد. وفيه شيوع: شيوع في الماء والكلأ والنار. الماء للجميع، ما لم يكن محمياً ولا مملوكاً، والنار للجميع، أي حق الاحتطاب، فلكل حق قطع الشجر وما يراه من زرع نابت غير محمي ولا مملوك.

ومجتمع على هذا النوع من البساطة في الحياة، يكون اقتصاده بالطبع بسيطاً، الجمل والناقة فيه، المال ورأس المال. وكل شيء يقاس فيه على عدد من الناحية الاقتصادية، ما يملكه الإنسان من أباعر ونوق. فهو اقتصاد إبل، الإبل فيه في محل الدراهم والدنانير أو الفضة والذهب. وهو عالم استهلاكه قليل وتصديره قليل كذلك، ليس فيه استهلاك سلع متطورة، وليس فيه انتاج متطور، كل انتاجه الإبل ومشتقاتها وكفى.

وقد حالت البراري بين العرب وبين تكوين المجتمعات الكبيرة، وعرقلت الاتصال بين المستوطنات التي بعثرتها ونشرتها هنا وهناك. وبعثرت الأعراب في البوادي على شكل قبائل وعشائر، تغزو بعضها بعضاً طمعاً في رزق هي في حاجة إليه، وتعقد أحلافاً فيما بينها للدفاع عن نفسها، ثم هي توجه كل أنظارها نحو المستوطنات ومواضع الحضر، لتجد فيها غفلة أو موضع ضعف تدخل منه إلى ديارهم لتأخذ منها كل ما يمكن أخذه، وكل شيء يقع في أيديهم هو ثمين بالنسبة لهم، لأنهم لا يملكون شيئاً، والذي لا يملك شيئاً ويجهل قيم الأشياء يحسب كل شيء يقع في يديه ثميناً له قيمة، وهكذا صارت البوادي والأعرابية من عوامل القلق وعدم الاستقرار في جزيرة العرب،ومن عوامل التحاسد والتباغض والتناحر فيما بين سكانها لأتفه الأسباب، حتى صارت من الأمراض المستعصية عند العرب، التي لا تزال باقية حية. وفي ظروف من هذا النوع، لا يمكن أن يظهر فيها اقتصاد متطور وانتاج كبير، وان يرتفع مستوى حياة الناس، فتأخر اقتصاد سكان جزيرة العرب، وغلب على سواد الناس. وهبط بينهم مستوى المعيشة، حتى اضطر البعض إلى وأد بناتهم خشية املاق، أو بيع أولادهم من جوع وفقر.

وقد وجدت هذه الروح الأعرابية بين الخضر كذلك، نجسمت في العصبية للحي وللقرية، وفي تناحر الزعماء على الزعامة والملوك على الملكية، حتى في اليمن التي تمثل النموذج الحسن للانسان الحضري الطيع الهادىء،نجد الملوك يحاربون بعضهم بعضاً، والزعماء يثورون على ملوكهم لأخذ عروشهم، مما حمل الحبش والفرس والروم على التدخل في شؤونها، فدمرت المدن والقرى والمستوطنات، وأحرق الزرع، وتباهى الملوك والثوار بعدد ما أحرقوه من مدن وقرى وزرع، ومحيط تسوده الفتن والقلاقل والحروب لا بد وان يتأثر اقتصاده بها، وأن يتأخر زرعه وعمله، وكيف يعمل الإنسان ويجازف بماله، وهو غير مطمئن على حياته ولا واثق من يومه ولا مما سيأتيه به الغد من مصائب وأحزان ! لقد حالت البوادي بين العرب وبين ظهور اقتصاد متقدم متطور عندهم، يقوم على تحويل المواد الأولية، أي المواد الخام إلى مواد أفيد منها وأهم، والى انتاج كبير راق، يجلب لهم دخلا طيباً يرفع من مستواهم. فساءت أحوالهم وغلب الفقر عليهم. وصار معاشهم ضيقاً، وحياتهم الاقتصادية متأخرة، اًغلب منتجاتهم بسيطة، ليس فيها تطوير ولا تنويع، ولا تصنيع، وليس في أسواقهم مشترون جيوبهم منتفخة بالعملة، ليجازف التاجر بجلب سلع متنوعة إليها،فصارت سلعهم قليلة، اقتصرت على السلع الضرورية جداً للبيت، وعلى الناتج الطبيعي استحصل من الزرع أو من الحيوان: من الحاصل المحلي في الغالب.

وقد أوجد عدم التناسق والتناسب والاتزان بين نسب توزبع الخصب إلى الجدب تبايناً كبيراً في كيفية توزيع الناس، فجعل السكان ثلاث طبقات: أهل مدر، وهم حضر مستقرون، وهم أرقى أهل جزيرة العرب. وأهل وبر، وهم أعراب يقطنون البوادي. وطبقة ثالثة، كانت بين بين، ووسط بين الحضر وبين البدو، عاشت على اتصال ومقربة من الحضر، لم تبتعد عنهم، ولم تفارق الماء والحضارة، بل لازمتهما، ولم تمعن في البادية إلا في أيام الربيع عند نزول الغيث واخضرار الأرض،فتبتعد عندئذ بماشيتها إلى البادية لتنعم هناك بنعمة الربيع. وهي جماعة الرعاة. والرعاة قوم بين الحضر وبن الأعراب. كانوا متنقلة في الأصل، فما قاربوا الماء والحضر، تأثروا بالظروف الجديدة، فاستقروا بعض، الاستقرار، وأضافوا إلى رعاية الإبل، رعاية البقر والغنم والخيل. وكان هؤلاء مادة الحضر في الغالب، والجرثومة التي كونت المجتمع الحضري.

واقتصاد الأعراب اقتصاد واحد، وان تنوع أصحابه قلوا أو كثروا، قبائل كانوا أم عشائر أم أفخاذ. لأن جذوره وأسسه واحدة،هي البادية وتربية الإبل، وليس في البادية غير كلأ وعشب وشجيرات أو أشجار، تعلف أوراقها وأغصانها الإبل، وبحتطبها الجو لبيع حطبها من أهل الحضر إن كانوا على مقربة منهم، أو لأستعماله وفوداً لهم، أو فحماً يبيعونه للحضر، وليس فيها غير "وبر"، وشيء من الملج، يحملونه إلى أهل الحواضر لبيعه منهم. وأما مشترياتهم، فبسيطة،تمور ودقيق وأبسط أنواع الثياب وما يحتاج البيت اليه من مواد. واقتصاد من هذا النوع، لا يساعد على ظهور رأس مال كبير، وعلى حدوث تطوير في الصناعة،لذلك تخلف اقتصاد الأعراب عن اقتصاد المستوطنات والقرى بدرجات ودرجات.

أما اقتصاد أهل الحضر، فإنه اقتصاد متطور بالقياس إلى اقتصاد الأعراب: اقتصاد البداوة، أو اقتصاد بدوي إن شئت تسميته بذلك. اقتصاد الحضر متفاوت في الدرجات، أبسطه اقتصاد المستوطنات الصغيرة المنتشرة في بواطن جزيرة العرب وأعلاه اقتصاد المدن الواقعة في أطراف ألجزبرة وعلى سواحل البحر وفي أرضين خصبة غنية بالماء وبالزرع وقد برز بعض أهل تلك المستوطنات في التجارة، وبرز بعض آخر بالزراعة، وجمع بعض آخر بين الزراعة والحرف اليدوية القائمة على أساس تحويل المنتجات الزراعية إلى منتجات أخرى، أو تحويل الجلود إلى أدم، أو تحويل المواد الأولية المتيسرة إلى مواد ذات ضرورة للمجتمع. وهي إما استهلاكية، تُوجِرَ بها فى ألأسواق الداخلية، وإما انتاجية،صنعت للاستهلاك المحلي وللتصدير.

ومن أبرز المستوطنات التي ظهرت في باطن جزيرة العرب، مستوطنات اليمامة، والمستوطنات التي ظهرت على الأودية ومواضع الماء. وقد عاشت على الزراعة وتربية الماشية، وموّنت الأعراب باًلتمور، ومو"نت اطجاز باًلحبوب، ومنها ما كانت ملتقى طرق برية، ربطت العربية الجنوبية باًلعراق، ومنها ما ربط بين العربية الشرقية وبلاد الشام. وأنا آسف، لأن أقول إن معارفنا عن المستّوطنات قليلة، لعدم وصول شيء في النصوص الجاهلية عنها، ولعدم تطرق اهل الأخبار إليها، إلا عندما يكون لذكرها صلة بالأيام أو بالشعر أو بالحوادث البارزة جداً التي وقعت قبيل الإسلام، أو التي كان لها اتصال بظهور الإسلام.

وأما المستوطنات التي برزت وظهرىَ في أطراف الجزيرة، فهي عديدة " أشهرها وأعرفها وأعرضها ذكراً مكة والمدينة. مكة في التجارة، والمدينة في الزراعة. ولا يعني ذلك،إن المدينتين المذكورتين كانتا أعظم المستوطنات المذكورة، وأبرزهما في التجارة والزراعة عند ظهور الإسلام، وان البقبة الباقية، لم تكن لاحقة بهما في الناحيتين. فقول مثل هذا لا يمكن إن يجزم به مؤرخ حصيف، وانما جاءتهما هذه الشهرة بفضل الإسلام،فقد ظهر الإسلام في المدينتين المذكورتين، ونزل القران الكريم فيهما، وأشير فيه إلى أمور عديدة وقعت بهما،وعاش الرسول فيهما، فمن هنا صار اهتمام العلماء وأهل الأخبار بهما أكثر من سائر مواضع جزيرة العرب، ولا سيما المواضع البعيدة النائية عن المدينتين، والتي لم يكن لها اتصال متين بظهور الإسلام، ومن هنا كثرت أخبارهما، حتى ظن الناس، إن مكة قبل الإسلام، كانت أرض التجارة والتجار، وقبلة جميع العرب، ومجمع أصنام كل العرب، وموضع تكدس الأموال، وبلد الربا والمرابين. وهو استنتاج أخذ من الروايات التي قصها أهل الأخبار عنها دون نقد ولا تحليل. ولكننا لو استعرضنا ما ذكره أهل الاْخبار أنفسهم عن هجر وعن البحرين وبقية العربية الشرقية، فانه يرينا على قلته، إن مدن وقرى هذا الجزء من جزيرة العرب، لم تكن أقل درجة في المال والتجارة والانتاج من مكة أو المدينة، إن لم تكن قد تفوقت عليهما بالفعل،.دليل ما جاء في أخبارهم عن مقدار الزكاة والصدقات التي أرسلها عمال الرسول والخلفاء إلى المدينة، فانها تدل على وجود تجارة وأعمال في هذه الأرضين ربما كانت قد فاقت أرباح وأعمال أهل مكة، لكننا لا نعرف عنها شيئاً، بسبب عدم اهتمام المؤرخين والأخباربين بأخبارها في الجاهلية، لعدم وجود صلة لها بتأريخ الإسلام، أو بسبب عدم وقوفهم على أخبارها، فلم يتطرقوا لذلك إلى شيء من أحوالها بصورة مفصلة،فظهرت وكاًنها قد تأخرت عن مكة من النواحي الاقتصادية بكثير. وصارت مكة،بذلك،الموطن المتفوق الأول في المال وفي الزعامة وفي كل شيء في جزيرة العرب.

لقد أثر الجو اذن على اقتصاد جزيرة العرب، كما أثر عليهم في كل شيء، حتى صيرهم على النحو المعروف، لهم خصائصهم وصفاتهم المميزة لهم عن غيرهم، ولو كان للعرب جو مثل أجواء أوروبة، لكان شأنهم ولا شك في التأريخ شأن آخر. على كل، فقد كتب عليهم أن يعيشوا في الجو المذكور، وكان من نصيبهم في هذه الحياة حرارة وجفاف، وحرارة ورطوبة، وأرضون غلب عليها اليبس والجفاف، فصارت موارد رزقهم شحيحة في الجاهلية، وتخلفوا عن غيرهم في الانتاج وفي الابداع، وغلب على سوادهم الفقر. والفقر كافر لا يرحم، ولولا "النفط"اليوم، الذي جاء على عرب القرن العشرين بالمال، لما تضخمت جيوب الأسياد، وبنيت القصور الشاهقة الضخمة بالملايين من الجنيهات، وأملى إن يكون هذا إلمال سبباً في استغلال العرب أنفسهم لمواردهم الظاهرة والباطنة، وأن يكون سبباً من أسباب التعمير، لا الانفاق والتبذير، وأن يحول الطاقات المهملة إلى طاقات منتجة، قبل أن يأتي يوم تنضب فيه آبار النفط، أو إن يموت النفط فيه أو يهمل،بسبب العثور على موارد تكون أحسن نوعية وأقل كلفة منه.

لقد جعل هذا الجوّ العرب - كما سبق أن ذكرت - قبائل وشعوباً متنابذة متخاصمة، متحالفة متعاقدة متآخية، متطرفة في كل شيء، متطرفة في حبها وفي اخلاصها، متطرفة في الوقت نفسه في بغضها وفي حقدها، تميل إلى المادة إلى درجة العبادة، ثم تتطرف في أمور عاطفية بعيدة عن المادة والماديات بعداً كبيراً، تمجد العقل والتعقل، وتقيم وزناً كبيراً للحكمة ولضرب الأمثال، حتى ليخيل إليك أن كل أفعال الناس وأعمالهم إنما تصدر منهم عن عقل وحكمة، لكنك سرعان ما تصطدم بوجود واقع آخر، هو واقع تغلب العواطف على العقل، وانصياعهم إلى الانفعال وسرعة التأثر وفقدان الوزن بين الأمور بميزان العقل، وتركهم أنفسهم فريسة لهذه العواطف، تعبث بهم في حياتهم، ولا تزال تعبث بهم الان. تراهم كرماء،يقدمون أعز شيء عندهم لضيوفهم، بإسراف وتبذير، ثم تراهم بخلاء يحرصون على أتفه الأشياء أحياناً حرصاً يدفعك على الاستغراب من وجود هذا التضاد في الأخلاق، أو ما نسميه بازدواج الشخصية في اصطلاح المحدثين على نحو ما تحدثت عن ذلك في الأجزاء المتقدمة من هذا الكتاب.

لقد أثرت الطبيعة اذن في تكييف اقتصاد الجاهليين وفي تعيين موارده، وفي توجيههم توجيهاً تجارياً في المواضع التي قلّ فيها الزرع، مثل مستوطنات الأطراف حيث نجد أهلها يميلون إلى التجارة، ويرون فيها مهنة من أشرف المهن،وتوجيهاَ زراعياً في المواضع التي توفرت فيها شروط الزراعة، وتوجيهاً رعوياً في المواضع الأخرى، لا سيما بين الاعراب. فلندخل الآن في استعراض هذا التوجيه وفي دراسة الموارد الطبيعية لجزيرة العرب، وفي دراسة كيفية تعامل أهل الجاهلية في الاسواق، بعد أن قدمنا مقدمتنا القصيرة عن أثر الطبيعة في الاقتصاد.

الفصل التاسع والثمانون

الزروع و المزروعات

والزراعة هي عماد ثروة اليمن وبقية العربية الجنوبية والمواضع التي تتوفر فيها المياه في جزبرة العرب. وهي رأس مالها الاكبر في حياتها. والمورد الأول الذي يتعيش عليه الناس وقد انحصرت في المواضع الخصبة، أي في المواضع التي جادت عليها الطبيعة بالأمطإر أو بالينابيع والجعافر والعيون وباًلمياه الجوفية القريبة من سطح الأرض وبالحسي وما أشبه ذلك. وحيث أن أغلب أرض بلاد العرب هي أرض صحراوية موات، لهذا فإن الزراعة فبها معدومة، ويمكن في المستقبل احياء قسم منها،وذلك باًستخدام الوسائل الحديثة التي استنبطها العقل والتي سيستنبطها في استخراج الماء وفي اصلاح التربة، وسيتحول شكل جزيرة العرب عندئذ عمّا هو عليه الآن كثيراً ولا شك. وقد حولت في هذه الأيام مناطق موات، إلى أرض عمار، تسقى بالمياه المنبعثة من الآبار "الارتوازية"ومن السدود التي حبست مياه السيول، وصارت تتتح في مواضع عديدة من جزيرة العرب غلة زراعة وافرة بفضل استعمال الفن الحديث في استنباط الماء وفي كيفية الاستفادة من التربة وفي ادخال أساليب الزراعة الحديثة إلى هذه الأماكن. وقد يأتي يوم، تتحول فيه معظم أرض جزيرة العرب الفارغة المحملة التي يخشى الإنسان من ولوجها إلى أرض خصبة منتجة، إذا ما زرعت زراعة حديثة، تناسب جو بلاد العرب وتركيب تربتها،واستنبطت المياه الكافية من جوفها للزراعة وللشرب ونحن وإن كنا لا نملك مراجع جاهلية مكتوبة واسعة تتحدث عن الزراعة في جزيرة العرب قبل الإسلام وعن أنواعها وتفاصيلها وأساليبها وطرقها وضرائبها وعن كيفية استغلال الأرض وطرق الاستفادة منها وواجب الفلاح تجاه صاحب الأرض، وعن الحاصلات السنوية ومقدار ما تأخذه الحكومة من المزارعين من ضرائب، وأمثال ذلك من أمور متصلة بالزراعة، لكنا قد تمكنا من تكوين رأي فيها من مراجعتنا للكتابات الكثيرة التي وصلت الينا وفيها أمور متعددة لها علاقة بهذه الموضوعات، كما إن آثار الأقنية والسدود الجاهلية المنتشرة في مختلف نواحي اليمن، هي في حد ذاتها شاهدة على مقدار توسع اليمانين في الزراعة في ذلك العهد. ونجد مثل هذه الآثار الجاهلية في مواضع أخرى من جزيرة العرب، وهي دليل واضح على إنها كانت مزروعة معمورة، لا مغمورة مهملة كماهوشأنها في الوقت الحاضر.

أما بخصوص الزراعة واستغلال الأرضين وايجارها وجباية الضرائب عنها والعقود التي كان يعقدها الملوك مع كبار الاقطاعيين وتنظيم المياه وأمثال ذلك،فقد وصلت الينا كتابات وأوامر عامة فيها، كان يصدرها الملوك و "الكبراء"، يعلنونها على الناس، ليطلعوا عليها، وليعملوا بموجبها، تكتب على الحجارة، وتوضع في محلات عامة، أو في خزانات المسؤولين وذوي الشأن، ليرجع إليها حين الحاجة.

وهنالك كتابات كتبها رؤساء عشائر واًصحاب أملاك، عن حدود أملاكهم، أو عن تأجيرها لغيرهم، أو عن انشاء سدود لضبط المياه وتوزيعها، أو عن حفر آبار، وأمثال ذلك، وهي كلها على صفتها الشخصية ذات قيمة بالقياس إلى هذا، لما ورد فيها من أفكار ومصطلحات فنية، تمكننا من تكوين رأي في الزراعة والنظم الاقتصادية فى العربية الجنوبية في ذلك العهد.

واذا كنا قد حصلنا على فكرة ما عن الزراعة في اليمن وفي بعض أقسام العربية الجنوبية استناداً إلى الألفاظ والمصطلحات الزراعية في الكتابات الجاهلية والى الوثائق الخاصة بالأرض وبالضرائب وبالتأجير وبعقود البيع والشراء، والى بعض الصور المنقوشة علىَ هذه الكتاباًت، فاننا لم نعثر، ويا للأسف، على كتابات جاهلية تتحدث عن هذه الأمور في الحجاز وفي أواسط جزيرة العرب وفي الأقسام الشرقية منها، وآراؤنا عنها مستمدة في الدرجة الأولى من المراجع الاسلامية ومن مشاهدات السياح لمناطق الآثار ووصفهم آثار الزراعة في المناطق الي مروا بها، ومن تقارير الخبراء "الجيولوجيين"وغيرهم من موظقي شركات النفط العاملة في جزيرة العر ب.

وفي لغة المسند مصطلحات زراعية تعبر عن معان خاصة، وفيها مسميّات لآلات وأدوات استخدمت في الزراعة. ولا بد أن تكون لهجات أهل العربية الجنوبية أوسع ألفاظاً في الزراعة من لهجات العرب الاخرين القاطنين في الأنحاء الأخرى من جزيرة العرب، بسبب تنوع الأجواء فيَ العربية الجنوبية، وما أعقب ذلك من تنوع الزرع وطرق الزراعة فيها، أضف الى ذلك خصب التربة ووجود الماء فيها، وجوداً لا يماثله أي مكان آخر في جزيرة العرب. فظهرت فيها ألفاظ زراعة ومصطلحات زراعية لم تعرفها عربيات بقية جزيرة العرب،اضطرت اللهجات الأخرى إلى اًخذها منها، لعدم وجودها عندها، ونجد في معجمات اللغة وفي كتب النبات والأدب ألفاظاً زراعية، نص العلماء على أنها من لغات أهل اليمن.

وقد حفظت الأيام بعض الحجارة المكتوبة بالمسند، وعليها صور، أفادتنا في تكوين فكرة عن ملامح المزارع قبل الإسلام، وفي تبيين طراز معيشتّه، وشكل بعض ملابسه، وما شابه ذلك. وبين هذه الحجارة المصورة المكتوبة، حجر حفرت عليه صورة حرّاث حافي القدمين وقد ارتدى ثوباً بلغ ركبتيه وشد وسطه بحزام وأمسك بيده اليسرى الحبل أو النطاق المتصل يالمحراث، وباليمين آلة على هيأة فأس من خشب، ربما استعملها في ضرب ثوري المحراث، أو استعملها في حفر الأرض أيضاً وفي تفتيت التراب المحفور. وقد ربط الثوران بالمحراث، وأخذا يحرثان الأرض، والفلاح يوجهها. ورسمت تحت الصورة صورة ثلاثة رجال، يظهر من ملامحهم ومن شكل ملابسهم أنهم كانوا من أصحاب الأرض.

ولأهل اليمن سبق على غيرهم من أهل جزيرة العرب في الزراعة، وهم حتى الان على ما كانوا عليه منّ ميل إليها، ويشغل عدد منهم اليوم في المملكة العربية السعودية أجراء لغيرهم في زراعة الأرض، أو مشاركون لأصحاب الأرض في الحاصل. أما الأعراب، فكانوا يزدرون شأنها، وينقصون من قدر المزارع "الخضار". ونجد هذه النظرة الازدرائية إلى المزارع عند أهل الحضر أيضاً، حتى أن بعض الصحابة كرهوا تعاطي العمل في الأرض، حتى بعد الفتح، تاركين ذلك إلى أهل الذمة. روي عن "أبي أمامة الباهلي"أنه قال، إذ رأى سكة وشيئاً من آلة الحرث، فقال: سمعت النبي يقول: لا يدخل هذا بيت قوم إلا أدخله الذل. قالوا في تفسيره: "لما يلزمهم من حقوق الأرض التي يزرعونها، ويطالبهم بها الولاة، بل ويأخذون منهم الان فوق ما عليهم بالضرب والحبس، بل ويجعلونهم كالعبيد أو أسوأ من العبيد، فإن مات أحد منهم، أخذوا ولده عوضه باًلغصب والظلم، وربما أخذوا الكثير من ميراثه ويحرمون ورثته، بل ربما أخذوا من ببلد الزارع فجعلوه زراعاً، وربما أخذوا ماله". وهو تفسير فيه شيء من التكلف، يفصح عن كراهية القوم للزراعة أكثر من المعنى المذكور، وأما الحديث نفسه، من حيث الصحة أو الضعف، فلعلماء كلام فيه. وفي كتب الحديث أحاديث أخرى تحث على الزراعة والزرع.

وورد في الحديث أن الرسول كان يحدث جمعاً من الصحابة عن الجنة، وعن رجل زرع في الجنة فاستوى نباته، وعنده رجل من أهل البادية، فلما انتهى الرسول من كلامه، قال الأعرابي: "والله لا تجده إلا قرشياً أو أنصارياً، فإنهم أصحاب زرع. وأما نحن، فلسنا بأصحاب زرع".

وكراهة الزرع، كراهية نشأت من عدم توفر الماء والأرض، لأكثر الناس، فصاروا يكرهونها،أما الذين ملكوهما فلم يزدروها ولم يغضوا من شأنها، والأعرابي لا يملك شيئاً، فصار يكره كل شيء لا يملكه ولا يقدرعليه، من زراعة ومن حرف ومن قيود اجتماعية ومن تنظيم، ومن كل ما يخالف مألوفه من عرف وتقاليد، ولذلك صارت الزراعة من عمل أهل المدر، وعمل كل من وجد لديه الماء الوافر، ليأخذ منه ما يلزمه للزرع، وسادات القبائل، الذين توفر الماء عندهم، أو كان لديهم المال لتشغيله في البحث عن الماء، زرعوا مثل أهل الحضر، وشغلوا العبيد وأتباعهم في الزراعة، لما وجدوا فيها من مكسب وربح، وكان للكثير منهم زرع وحوائط.

ونظراً لتغير الحال عند العرب في الإسلام، وظهور الدعوة فيه إلى الأمة والجماعة، فقد حث الرسول المسلمين على الزرع، وظهر من روى عن الرسول انه قال ألزراعة أفضل المكاسب، وذلك لما فيها من عموم الانتفاع، حتى إن منهم من فضلها على التجارة للتوسعة على الناس، ولما للقوت الذي يأتي منها من صلة بحياة الناس. ومع ذلك، فقد بقي العرف الجاهلي مسيطراً على عقليةالسادة الكبار، من افتخارهم بحيازة الأرض، ومن ازدرائهم من الاشتغال بأنفسهم بها، فكانوا يستخدمون العبيد والأجراء وكُرّاء الأرض في استغلالها، فهؤلاء وأمثالهم خلقوا للعمل في الأرض، أما هم فقد خلقوا ليكونوا سادة، عملهم امتلاك الأرض، وقد ظهر من هؤلاء جيل امتلك أرضين واسعة في البلاد المفتوحة شغل فيها أهل الذمة، والنبط وسكان الأرضين المفتوحة، ومئات وآلافاً من الرقيق والعبيد، كان عليهم العمل، ولسيدهم الكسب الوفر والمغنم.

وقد يزرع أهل الحضر في جوف القرية من النخيل والأشجار، أو داخل ما طاف به سور المدينة، وبقال لذلك "الضامنة"، لأن أرباًبها قد ضمنوا عمارتها وحفظها، فهي ذات ضمان، محروسة آمنة، وتحت رعاية وعيون أصحابها. وقد يزرعون خارج قريتهم، وخارج العمارة في البر، أي في الضاحية، ويقولون لذلك "الضاحية". وفي كتاب النبي لأكيدر: إن لنا الضاحية من البعل، وان لكم الضامنة من النخل. وقد كان زرع أهل الطائف وأهل يثرب وقرى اليمامة واليمن وغيرها بين ضاحية وضامنة. والضاحية أوسع وأكثر بالطبع، لاتساع العين ووفرة الماء.

ولم يكن من الممكن بالنسبة لأيام الجاهلية، زرع مساحات واسعة بالحبوب أو الخضر والنخيل وبقية الشجر، لصغر حجوم المياه، وقلة المطر، وعدم كفايته لارواء الزرع منذ بذر بذوره حتى حصاده، وللظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي كانت مهيمنة على مجتمع ذلك العهد، من عدم وجود حكومات قوية كبيرة ترعى الأمن وتحمي حقوق المزارع وزرعه من العبث به، ثم تشجيعه وتقديم المعونة له. لذلك كان من الصعب ظهور مزارع كبيرة تنتج غلات عظيمة تعرض للاستهلاك المحلي والتصدير. ولم يكن في وسع أحد انشاء مثل هذه المزارع إلا إذا كان متمكناً ذا مال ونفوذ، وصاحب عشيرة قوية، تحمي حقه ممن يريد الاعتداء عليه.

وزرع، بمعنى طرح البذر. وقيل الزرع نبات كل شيء يحرث. ويقال زرعت الشجر كما يقال زرعت البرّ والشعير، والزريعة الشيء المزروع، والزرعة البذر. فالزراعة اذن، هي التي تكَون بفعل انسان، يطرح بذراً أو يغرس غرساً، أو ينبت نبتَاً. وأزرع الزرع طال. وموضع المزروع المزرعة. وقد غلب على المكان الذي يزرع برّاً وشعيراً.

ويكون "الغرس"بفعل انسان، يقوم بغرس الغرس. وغرس الشجر يغرسه غرسأَ، أثبته في الأرض، والغرس الشجر، والغراس وقت الغرس. فلا يكون الغرس ببذور، وانما بغرس غرس، ينمو ويكبر، فيصير غرساً. ولا تعبر لفظة "غرس"عن ظهور النبات بفعل الطبيعة، وانما تعبر عن غرس "فسيل"ليصير شجراً. من ذلك فسيل النخل، وقضبان الكروم والأوراد،وأمثال ذلك. ويعبر عن صغار الفسيل ب "الوديَّ". وفي حديث أبي هريرة، لم يشغلني عن النبي غرس الودي. و "التغاريز"ما حول من فسيل النخل.

وغرسوا الشجر سككاً. والسكة السطر المصطف من الشجر والنخيل. وقد كانت بساتين يثرب سككاً مسطرة بسطور النخل. ومنه الحديث: خير المال: سكة مأبورة ومهرة مأمورة. المأبورة المصلحة الملقحة من النخل، والمأمورة الكثيرة النتاج والنسل. وغرسوا النخل أسطراً على جانبي مسايل الماء والجداول والسواقي. والسطر، الصف من الشيء كالكتاب والشجر والنخل. يقال بنى سطراً من نخل، وغرس سطراً من شجر، أي صفاً.

وغرسوا "الكرم"سككاً كذلك، وقد يتخذون له "عريشاً"يعترش العنب. و "العريش"، ما عرش للكرم من عيدان تجعل كهيأة السقف، فتجعل عليها قضبان الكرم فتعرشها.

ويعبر بلفظة "نَبتَ"عن كل ما نبت من نفسه، أي بدون فعل فاعل، وانما بفعل الطبيعة في التربة، وذلك في الغالب المالوف. وذلك بتأثير المطر عليها، أو بتأثر السيول والطوفان والرطوبة والمياه الجارية، وأمثال ذلك، مما يكون سبباً لنبت النبات. يقال: "نبتت الأرض وأنبنت"، و " نبت الكلأ".

وترد لفطة "سقح"بمعنى زرع وغرس في لغة المسند. رقد فسرها بعض علماء العربيات الجنوبية بمعنى هيأ الماء وجمعه وأجرى السواقي والأرض وحفر القنوات ومهدها للزرع، وبعبارة مختصرة التمهيد لكل شيء ولكل عمل.

التربة

وللتربة عند العرب أسماء، وذلك لأهميتها بالنسبة إلى حياتهم. فنجد في كتب المعاجم ألفاظأ كثيرة لها، من حيث لونها ومن حيث خصبها ومن حيث نوعها ومن حيث وجود الماء فيها الى غير ذلك. وهم يقولون للارض الطيبة السهلة التي لا يعلوها السيل "الأبهر". وقيل الأبهر ما بين الأجيل. ويقولون: "السُخاخ"للارض اللينة الحرّة. ويقولون أرض حلاوة، تنبت ذكور البقل. و "الخصب"نقيض الجدب، وأرض خصبة منبتة، قابلة للزرع. و"العثعث"ما لان من الأرض ومن مكارم المنابت: وقيل الكثيب من السهل أنبت أو لم ينبت. و "الجادسة"، الأرض لم تعمر ولم تعمل ولم تحرث، ورد في الحديث: من كانت له أرض جادسة، قد عرفت له في الجاهلية حتى أسلم، فهي لربها. أي الأرض التي لم تزرع قط.

والسبخة، أرض ذات نزو وملح. والسباخ الأرض التي تعلوها الملوحة، ولا تكاد تنبت إلا بعض الشجر.

والبلوقة، المفازة، وهي الأرض المستوية اللينة،أو التي لا تنبت إلا "الرخامي" على رأي آخر،والثيران تولع به وتحفر أصوله فتأكل عروقه. وهي من الأرضين التي ليس بها شجر ولا تنبت شيئاً البتة على بعض الآراء. وقد يكون قفرها هذا، وعدم انباتها سبب قول الأعراب أنها مساكن الجن. ويظهر من أقوال بعض علماء اللغة أن البلوقة أرض واسعة مخصبة، أي على عكس ما ذكره بعض آخر، من أنها الأرض التي لا تنبت شيئاً .

ويعبر عن الأرضين الزراعية بلفظة "ارض""أرض"في جميع اللهجات العربية الجنوبية. وهي من أصل يرد بهذا المعنى في جميع اللهجات السامية. وهي تشير في الغالب الى الأرضين المعدّة لزراعة الخضر والحبوب، وقد يراد بها الأرضن المزروعة بالخضر والحبوب. ولذلك فلفظة "أرض"، قد تعني أرضاً صالحة للزرع، غير أنها غير مزروعة، وقد تعني أرضاً مزروعة، ويرادف هذا المعنى معنى لفظة "المزرعة" والقراح: الأرض لا ماء بها ولا شجر، وقيل الأرض المخلصة للزرع والغرس، وقيل: القراح المزرعة التي ليس عليها بناء ولا فيها شجر.

و "الجربة"، المزرعة. ومنه سميت الجربة المزرعة المعروفة بوادي زبيد. والجربة: القراح من الأرض المصلحة لزرع أو غرس، واستعارها "امرؤ القيس"للنخل،فقال: كجربة نخل أو كجربة يثرب

والركيب: المزرعة والقراح الذي يزرع فيه، والمشارة، أو الجدول بين الدبرتين، أو ما بين الحائطين من النخل والكرم،وقيل ما بين النهرين من الكرم. قال تأبط شراً: فيوماً على أهل المواشي وتارة  لأهل ركيب ذي ثميل وسنبل

وأهل الركيب، هم الحُضار.

فالركيب اذن أرض زراعة، تكون محددة، معينة المعالم، يمتلكها مالك أو ملاك، تزرع أشجاراً مثمرة في الغالب، لا حبوباً.

والحقل، قراح طيب يزرع فيه، وقيل هو الموضع الجادس أي البكر الذي لم يزرع فيه قط. يقال أحقلت الاْرض، صارت ذات حقل. والمحاقل المزارع.

والمبقلة: الأرض التي يزرع البقل فيها. وأما المبطخة، وتجمع على مباطخ، فالأرض التي يزرع فيها البطيخ. والمرج: الأرض الواسعة ذات كلأ وماء، تمرج فيها الدواب حيث شاءت.

والسبخة أرض ذات نز وملح، وهي الأرض التي تعلوها الملوحة ولا تكاد تنبت إلا بعض النبات. ولهذا لا يزرعها الفلاح، وتترك لعدم صلاحها للزرع، ولصعوبة استصلاحها بغسلها من الأملاح. وفي جزيرة إلعرب سباخ رخوة قد تغوص فيها الأقدام، لذلك ابتعد عنها المسافرون.

ويعبر في المسند عن الأرض المزروعة نخيلاً بلفظة "انخل"، أي "نخيل". ويراد بذلك الأرض المغروسة نخلاً. ويعبر عن الأرض المزروعة أشجاراً بلفظة "اثمر"، أي أشجاراً مثمرة، وعن الأرض المخصصة بزراعة الحبوب بكلمة "مذرا "مذرى". وعن الارض التي تزرع أعناباً ب "اعنب"، أي بساتين الكروم.

وفسر بعض الباحثين في العربيات الجنوبية لفظة "موفرن""موفر"، الواردة في نصوص المسند، بمعنى الأرض الصالحة للزراعة بصورة عامه، كما فسرها بعضهم بمعنى المزرعة والحديقة. وهي في مقابل لفطة "الوفراء"في عربيتنا، والوفراء الأرض التي لم ينقص من نبتها شيء، والأرض التي في نباتها فرة، أي كثرة، يقال أرض وفراء، وهذه أرض نباتها فر، وفرة.

وقد حوّ ل بعض أصحاب الأرض والمزارعين الأرضين الزراعية إلى بساتين وحدائق، غرست بالنخيل والشجر الملتف درّت عليهم أرباحاً حسنة، من بيع ثمارها. واكتسبت بعضها شهرة، بسبب وقوع أحداث فيها، مثل: "الحديقة" من أعراض المدينة، كانت بها رقعة بين الأوس والخزرج، ومثل "حديقة الرحمان"، بستان كان لمسيلمة بفناء اليمامة، فلما قتل عندها سميت: "حديقة ا لموت".

والحديقة، الروضة ذات الشجر، والبستان عليه الحائط، وخص بعضهم من النخل والشجر الملتف، وخص بعضهم الشجر بالمثمر، وقال بعضهم بل هي الجنة من نخل وعنب، والقطعة من النخل. و "المخرف"مثل "الخروفة"النخلة أو النخيل دون البستان. و "المخرفة"سكة النخل والبستان من النخل.

وقد وردت الجنة مفردة ومجموعة ومنكرّة ومعُرَّفة في القرآن الكريم. وتقابل "كن"، Gan"" و "كنّه" "Gehenne"="Gannah""، في العبرانية ؛ وهي في معنى "فردوس"الفارسية الأصل، و، "Paradise"، في الانكليزية. ويراد بها موضع للاشجار الجميلة التي تسرّ الناظرين والأشجار المثمرة والورد والزهر والمياه. والحديقة ذات النخيل والشجر، أو ذات النخل والعنب. وهي البستان عند بعض اللغوين. وأما "الجنينة"، فتصغير جنة.

و "البستان"من الألفاط المعربة. ذكر علماء اللغة أنها "معرب بوستان. فبو بمعنى الرائحة، وستِان - با لكسر- الجاذب"بالفارسية و "الروضة" و "الريضة"، مستنقع الماء من قاع فيه جراثيم ورواب سهلة صغار في سرار الأرض. وقيل الأرض ذات الخضرة، وقيل البستان الحسن، وقيل الروضة عشب وماء، ولا تكون روضة إلا بماء معها أو إلى جنبها، وقيل أرض ذات مياه وأشجار واْزهار طيبة. وإن كانت الرياض في أعالي البراق والقفاف، فهي السلقان، واحدها سلق، وان كانت في الوطاآت فهي رياض. ورب روضة فيها حرجات من السدر البري، وربما كانت الروضة ميلا في ميل، فإذا عرضت جداً فهي قيعان. ورياض "الصُمان"والحزن بالبادية أماكن مطمئنة مستوية يستريض فيها ماء السماء، فأنبتت ضروياً من العشب ولا يسرع إليها الهيج والذبول.

ويقال للبستان إذا كان محاطاً بجدار "الحائط"، وتجمع على حوائط. وقد وردت هذه اللفظة في كتب الحديث. وهناك لفظة أخرى تؤدي هذا المعنى هي "الحظار. ويراد بها الأرض التي فيها الزرع المحاط عليها. وقد ذكرت في كتب الحديث. وذكر علماء اللغة أن من معاني "الحظار"، الحائط وكل ما حال بينك وبين شيء، وما يعمل للابل من شجر ليقيها البرد والربح. والجدار من الشجر يوضع بعضه على بعض ليكون ذرى للمال يرد عنه برد الشمال في الشتاء.

ويعبر في المسند عن الحقول والبساتين وكل المزارع التي تكون داخل حدود القرى و "الهكر.""الهجر"أي المدن، أو في ضواحيها وأطرافها، بلفظة "اقنى"، التي تعني الممتلكات، أي المزارع المملوكة المغروسة بالشجر. أما لفطة "أرض"، فتطلق بمعنى المزارع والأرضين المزروعة خارج حسود القرى والمدن، وتزرع عادة بالمزروعات الواطئة، أي: "الخضر".

وتحدد الأرضين بحدود تعين معالمها وتثبتها. ويقال للحدود "وثن"أي حد، ويجمع على "اوثنن". وهناك لفظة أخرى تطلق على الحد هي "زنن". وتعني الخط الفاصل الذي يعين الحدود. وتجمع اللفظة على "ازنن".

والدِّبر مشارات المزرعة، أي مجاري مائها. وقيل: الدبار الكردة من المزرعة، والدبار: الأنهار الصغار التي تنفجر في أرض الزرع. و "الكردة"، الدبرة من المزارع، وهي المشارات أي سواقيها. وهي من الألفاظ المعربة عن الفارسية. و "المشارة"، الكردة، وهي من الألفاظ المعربة.

وبعرف حافظ الكرم والنخل والزرع ب "الناطر" و "الناطور". ذكر علماء اللغة إن اللفظة من كلام أهل السواد، ليست بعربية محضة، ومنهم من جعلها من الألفاط الأعجمية. و "النُطاَّر"الخيال المنصوب بين الزرع.

وقد استغل أهل اليمن الجبال والمناطق المرتفعهّ، فزرعوها بمختلف المزروعات التي تلائم طبيعتها، ففي المحلات التي يكون الجو فيها بارداً في الشتاء ولطيفاً في الربيع والصيف غرست الأشجار الي تلائم ذلك، وزرعت في المناطق الوسط المعتدلة النباتات التي تحب اعتدال الجو. أما في التهائم والمناطق المنخفضة الحارة، فقد زرعت النباتات التي تحب هذا الجو. وبذلك تنوعت المزروعات. وتكاثرت ألوانها، وصار في الامكان الحصول في موسم الشتاء على المزروعات التي تزرع في الصيف ببعض البلاد الباردة، والحصول في موسم الصيف على المزروعات التي تزرع في الشتاء.

ولتحقيق غرس الجبال والمناطق المرتفعة، لا بد من تمهيدها للزرع. وذلك بجعلها مدرّجات عريضة، تسند جوانبها الظاهرة بالصخور والحجارة منعاً من أنهيار تربتها والمزروع فيها، ويقال لهذه المدرجات في المسند "جروب""جرب " جمع "جربت""جربة"، وتحمى الجربة بحائط من الحجارة. وهي تعني الحجارة المقطوعة،على سبيل المجاز المرسل من باب تسمية الكل باسم الجزءعلاقة.

وأهل اليمن لا يزالون يتبعون هذه الطريقة، وفي كثير من المناطق الجبلية والهضاب المهملة الآن آثار تلك المدرجات. تتحدث عن زرع يانع في الأيام القديمة، وهي تناجي أهل البلاد لعلهّم ينتبهون إليها فيعيدون إليها الحياة. وقد كانت زراعة الكروم ولا تزال من أهم المزروعات التي تعتمد على هذه الطريقة. وهي تتحمل جواً بارداً بعض البرودة ومعتدلاً، ولهذا تجود بالثمر الكثير الطيب في هذه المدرّجات.

وقد أشار "بطلميوس"، إلى اتخاذ أهل النجود والجبال في بلاد العرب المدرجات لزرعها وتشجرها.وأطلق على الجبال المكونة للقسم الجنوبي من "السراة" Climax Mons " ومعناه الجبال المدرجة، فترى وكاًنها ذات سلالم. و هذه الطريقة شائعة في اليمن حتى اليوم، ولا سيما في جبل حضور نبي شعيب وفي الأقسام الغربية من السراة. فجبال "القليمس" "Climax Mons" التي يشير إليها "بطلميوس"، إذن هي القسم الجنوبي من السراة الممتد في اليمن وعسير.

وزرع أهل "السراة" على هذه الطريقة أيضاً، وكذلك أهل الجبال والمرتفعات، ففي استطاعة المزارع في المواضع المرتفعة الاستفادة من ماء المطر وبالتحكم فيه، وبحصره في "الركيب"أي المشارة المزروعة، أعني المزرعة التي يزرع بها، وألتي قد تكون ما بين ساقيتين أو الجدول بين الدبرتين، أو المزرعة بصورة عامة. كما جاء في قول تأبط شراٌ: فيوما على أهل المواشي وتارة  لأهل ركيب ذي ثميل وسنبل

لقد تبين من نتائج الفحص العام الذي قام به الباحثون لمواضع من العربية الجنوبية، إن الزراعة كانت متقدمة تقدماً كبيراً في اليمن بالنسبة إلى بقية أنحاء جزيرة العرب، وأن العربي الجنوبي حرص حرصاً شديداً على الاستفادة من الأمطار في إرواء أرضه، كما يتبين ذلك من آثار السدود التي تلاحظ في كل وادّ تقريباً، وهي سدود أقيمت لا لكي تتحكم في سير "السيول"وفي ضبطها خشية إغراق المدن والقرى والزرع فقط، بل لكي يمكن خزنها في أحواض وتوجيهها الوجهة التي يريدونها في اًوقات الحاجة إليها، وذلك بواسطة أبواب تفتح وتغلق حسب الحاجة، وقنوات ومجاري للماء توصل إلى مواضع للزرع والحاجة إلى الماء.

والدِّبر مشارات المزرعة، أي مجاري مائها. وقيل: الدبار الكردة من المزرعة، والدبار: الأنهار الصغار التي تنفجر في أرض الزرع. و "الكردة"، الدبرة من المزارع، وهي المشارات أي سواقيها. وهي من الألفاظ المعربة عن الفارسية. و "المشارة"، الكردة، وهي من الألفاظ المعربة.

وبعرف حافظ الكرم والنخل والزرع ب "الناطر" و "الناطور". ذكر علماء اللغة إن اللفظة من كلام أهل السواد، ليست بعربية محضة، ومنهم من جعلها من الألفاط الأعجمية. و "النُطاَّر"الخيال المنصوب بين الزرع.

وقد استغل أهل اليمن الجبال والمناطق المرتفعهّ، فزرعوها بمختلف المزروعات التي تلائم طبيعتها، ففي المحلات التي يكون الجو فيها بارداً في الشتاء ولطيفاً في الربيع والصيف غرست الأشجار الي تلائم ذلك، وزرعت في المناطق الوسط المعتدلة النباتات التي تحب اعتدال الجو. أما في التهائم والمناطق المنخفضة الحارة، فقد زرعت النباتات التي تحب هذا الجو. وبذلك تنوعت المزروعات. وتكاثرت ألوانها، وصار في الامكان الحصول في موسم الشتاء على المزروعات التي تزرع في الصيف ببعض البلاد الباردة، والحصول في موسم الصيف على المزروعات التي تزرع في الشتاء.

ولتحقيق غرس الجبال والمناطق المرتفعة، لا بد من تمهيدها للزرع. وذلك بجعلها مدرّجات عريضة، تسند جوانبها الظاهرة بالصخور والحجارة منعاً من أنهيار تربتها والمزروع فيها، ويقال لهذه المدرجات في المسند "جروب""جرب " جمع "جربت""جربة"، وتحمى الجربة بحائط من الحجارة. وهي تعني الحجارة المقطوعة،على سبيل المجاز المرسل من باب تسمية الكل باسم الجزءعلاقة.

وأهل اليمن لا يزالون يتبعون هذه الطريقة، وفي كثير من المناطق الجبلية والهضاب المهملة الآن آثار تلك المدرجات. تتحدث عن زرع يانع في الأيام القديمة، وهي تناجي أهل البلاد لعلهّم ينتبهون إليها فيعيدون إليها الحياة. وقد كانت زراعة الكروم ولا تزال من أهم المزروعات التي تعتمد على هذه الطريقة. وهي تتحمل جواً بارداً بعض البرودة ومعتدلاً، ولهذا تجود بالثمر الكثير الطيب في هذه المدرّجات.

وقد أشار "بطلميوس"، إلى اتخاذ أهل النجود والجبال في بلاد العرب المدرجات لزرعها وتشجرها.وأطلق على الجبال المكونة للقسم الجنوبي من "السراة" Climax Mons " ومعناه الجبال المدرجة، فترى وكاًنها ذات سلالم. و هذه الطريقة شائعة في اليمن حتى اليوم، ولا سيما في جبل حضور نبي شعيب وفي الأقسام الغربية من السراة. فجبال "القليمس" "Climax Mons" التي يشير إليها "بطلميوس"، إذن هي القسم الجنوبي من السراة الممتد في اليمن وعسير.

وزرع أهل "السراة" على هذه الطريقة أيضاً، وكذلك أهل الجبال والمرتفعات، ففي استطاعة المزارع في المواضع المرتفعة الاستفادة من ماء المطر وبالتحكم فيه، وبحصره في "الركيب"أي المشارة المزروعة، أعني المزرعة التي يزرع بها، وألتي قد تكون ما بين ساقيتين أو الجدول بين الدبرتين، أو المزرعة بصورة عامة. كما جاء في قول تأبط شراٌ: فيوما على أهل المواشي وتارة  لأهل ركيب ذي ثميل وسنبل

لقد تبين من نتائج الفحص العام الذي قام به الباحثون لمواضع من العربية الجنوبية، إن الزراعة كانت متقدمة تقدماً كبيراً في اليمن بالنسبة إلى بقية أنحاء جزيرة العرب، وأن العربي الجنوبي حرص حرصاً شديداً على الاستفادة من الأمطار في إرواء أرضه، كما يتبين ذلك من آثار السدود التي تلاحظ في كل وادّ تقريباً، وهي سدود أقيمت لا لكي تتحكم في سير "السيول"وفي ضبطها خشية إغراق المدن والقرى والزرع فقط، بل لكي يمكن خزنها في أحواض وتوجيهها الوجهة التي يريدونها في اًوقات الحاجة إليها، وذلك بواسطة أبواب تفتح وتغلق حسب الحاجة، وقنوات ومجاري للماء توصل إلى مواضع للزرع والحاجة إلى الماء.

وقد ذكروا إن "بني حنيفة"كانوا قد اتخذوا إلهاً من حيس، فأصابتهم سنة، فعمدوا إليه فأكلوه فعيرهم الشاعر به. والحيس في تفسير علماء اللغة: تمر يخلط بالسمن وأقط فيعجن، أو هو التمر البرني والأقط يدقان ويعجنان بالسمن عجناً شديداً ثم يندر منه نواه، ثم يسوى كالثريد، وهي الوطبة، وربما جعل فيه سويق أو فتيت عوض الأقط.

وذكر أن اسم اليمامة القديم هو "الجوف"، وأن الجوف المطمئن من الأرض وهو أوسع من الشعب تسيل فيه التلاع والأودية وله جرفة. فالجوف أرض خصبة ذات مياه قد تسيل وقد تكون قريبة من سطح الارض. ولما كانت اليمامة على هذه الصفة، لا يستبعد أن تكون قد سميت بهذه التسمية.

وباًليمامة أودية خصبة، صارت من أهم مواضع الخصب فيها، لوجود الماء فيها على مقربة من سطح الارض ولوجود العيون العذبة بها. من هذه الاودية: "العرض". والعرض الوادي يكون فيه قرى ومياه، أو كل واد فيه نخل، وقال بعضهم: كل وادٍ فيه شجر. ومن أعراض اليمامة، عرًض شمام، وعرض عجر. فالاول يصب في "برك"وتلتقي سيولهما ب "جو"في أسفل "الخضرمة"، فإذا التقيا سميا "محقفاً"، وهو قاع يقطع الرمل. قال الاعشى: ألم تر أن العرض أصبح بطنه  نخيلاً وزرعاً نابتاً وفصافصا

وقال المتلمس وبه لقب: وذاك أوان العرض، جنّ ذباًبه  زنابيره والازرق المتلمـس

وفي الشعر المتقدم دلالة على خصب "العرض"، وكثرة زرعه ونخله، وعلى اشتغال أهله بالزراعة.

وفي اليمامة مرتفع يقال له "عارض اليمامة". والعارض الجبل وقد جاء ذكره في الحديث. وإلى ذلك أشار "عمرو بن كلثوم"بقوله: وأعرضت اليمامة واشمخرت  كأسياف بأيدي مصلـتـينـا

ومن أودية اليمامة "العقيق"، وهو واد واسع مما يلي "العرمة"تتدفق فيه شعاب العارض وفيه عيون عذبة الماء. وبه معدن.

ومن مواضع اليمامة الخصيبة "قُرّان"، موضع به ماء ونخيل، وهو لبني سحيم من بني حنيفة، ويذكر مع "ملهم". و "ملهم"موضع كثيرالنخل، به ماء. ويوم "ملهم"حرب نسبت لهذا المكان بين تميم وحنيفة.

وكانت في الحجاز، ولا سيما ما وقع منه شمال المدينة، عند ظهور الإسلام، مواضع كثيرة ذات عيون ومياه جارية، غرست بالنخيل،واشتغل أهلها باًلزراعة. وقد كان وادي القرى كثير المياه بصورة خاصة،بالنسبة إلى باًطن جزيرة العرب، وعلى مواضع المياه أقيمت مستوطنات وقرى عديدة، عاشت على النخيل والزرع وعلى القوافل التي تسلك هذا الوادي تحمل التجارات. وقد وردت أسماء مواضع عامرة آهلة بالسكان في غزوات النبي، تقع كلها في شمال "يثرب"الى فلسطين، وبين مكة ويثرب بعض مواضع مياه، عاش سكانها على النخيل والقوافل والرعي وبعض الزرع. وكذلك وجدت بعض مواضع مياه "مكة"والعربية الجنوبية.

ومن الأماكن الخصبة "وادي الغرس"، قرب " فدك"بينها وبين "معدن النقرة"،. وكانت فيه منازل بني النضير.

ومن المواضع التي استغلت في الزراعة الجرف. وهو موضع قرب المدينة على ثلاثة أميال منها، بها كانت أموال "عمر"، ومنه حديث "أبي بكر"انه مرّ يستعرض الناس بالجرف فجعل ينسب القبائل حتى مر ببني فزارة. وكان "عبد الرحمن بن عوف"يزرع به على عشرين ناضحاً، فكان يدخل منه قوت أهله سنة. أي انه كان يسقي زرعه نضحاً، والناضح البعير أو الحمار أو الثور الذي يستقي عليه الماء، والنضيح من الحياض ما قرب من البئر حتى يكون الافراغ فيه من الدلو، ويكون عظيماً، وهي ناضحة وسانية.

وأرض يثرب وما تبعها من أطراف، هي من الارضين الخصبة، وقد حفر أصحابها آباراَ بها، وسقوها منها، وغرسوا عليها النخيل وزرعوا بها، واتخذوا لهم بها "الحوائط"و "البساتين". ويظهر أن بعضها كانت واسعة تسقى بآبار غنية بالماء، لها جملة نواضح. وهي تظهر أن أهل المدينة كانوا مزارعين، وأن مزارعهم كانت تأتي عليهم بمال طيب، جعل بعضهم من الأثرياء. وقد استفيد من شراج الحرة في سقي المزارع.، وكانت تستمد ماءها من الحرة. وقد كانت للزبير بن العوّام مزرعة على هذه الشراج، كما كان لأنصاري مزرعة عليها كذلك، وقد ورد ذكرهما في كتب الحديث بسبب اختلافهما على السقي.

وتنافي هذه الأخبار المتحدثة عن اشتغال الأنصار بالِزاعة، الأخبار الأخرى التي يرويها أهل الأخبار أيضاً، الذاكرة أن الأنصار، أهل المدينة لم يكن لهم علم بالزراعة ولم يكونوا يقبلون عيلها، إقبال يهود خيبر وفدك ووادي القرى على الفلاحة. ويظهر أن رواياتّهم هذو إنما نشأت من الوضع السيء الذي كان فيما بين الأوس والخزرج ومن تقاتلهم بعضهم مع بعض، على الرئاسة والزعامة، وبسبب العصبية القبلية الضيقة، فأثر كل ذلك على الزراعة في يثرب وفيما حولها فجعلها متأخرة لاعتداء كل جانب منهما على زرع خصمه، وقد ألهاهم عن الزرع.

وباًلمدينة وأطرافها مواضع عرف الواحد منها ب "البقيع". والبقيع الموضع فيه اًروم الشجر من ضروب شتى، والمكان المتسع ولا يسمى بقيعاً إلا وفيه الشجر، ومنه "بقيع الغرقد"، وقد ورد في الحديث، وهو مقبرة مشهورة بالمدينة. سمي بالغرقد، بشجر له شوك فذهب وبقي الاسم لازماً للموضع، وبقيع الخيل،وبقيع الخبجبة، وبقيع الزبير،وبقيع الخضمات،موضع عند خرم بني النبيت.

وبيثرب ثلاثة أودية مهمة هي: العقيق، وبطحان، وقناة. وفي وادي العقيق عيون ونخيل، وقد ذكر في الحديث. والأودية المذكورة من المواضع الخصبة المنبتة في هذه المنطقة، ومياهها قريبة من سطح الأرض، ومن الممكن العثور عليها بسهولة بحفر الآبار بها.

ومن الأودية التي استفيد منها في الزراعة "وادي مهزور"، وقد ذكر في الحديث. ذكر انه وادي بني قريظة، وان الرسول قضى في سيله ان يحبس حتى يبلغ الماء كعبين. وذكر بعضهم انه يذكر مع "مذينيب"بسيلان بماء المطر خاصة، وهو من أوديةالمدينة. ومن مهزور إلى مذينيب شعبة تصب فيها.

وقد كان من الممكن استصلاح الأرض المحيطة بيثرب، بحفر الآبار بها، فالماء فيها غير بعيد عن سطج الأرض، وهو عذب أو مج لكنه يصلح للشرب ولسقي الزرع. ولما نعمت يثرب بالهدوء في عهد الرسول، أقبل بعض المهاجرين على الزراعة فيها، فحفروا الآبار وزرعوا عليها، وحوّطوها، وجنوا منها ثمراً طيباً، ولولا الفتوحات الاسلامية التي اجتلبت إليها المهاجرين والأنصار على السواء، للخيرات الكثيرة التي كانت في الأرضين المفتوحة، لتحولت يثرب إلى بساتين ومزارع منتجة، تمون الأماكن البعيدة عنها بالتمور وبالفواكه والخضر.

وقد زرع أصحاب الأرض بيثرب أرضهم بقولاّ وحبوباً، ومنهم من زرع تحت النخيل، ورد أن مولى من موالي "عثمان بن مظعون " كانت في يده أرض لآل مظعون بالحرة، فكان يزرعها قثاءً وبقلاً. ولما صارت أرض "بني النضر" خالصة لرسول الله، كان يزرع تحت النخل في أرضهم فيدخل من ذلك قوت أهله وأزواجه سنة، وما فضل جعله في الكراع والسلاح، وقد كان بنو النضير. قد استغلوا أرضهم، واقاموا بها "الحوائط"، ولما أسلم "مخيريق"، وهو أحدهم، جعل للرسول ما له وهو سبعة حوائط، فجعلها الرسول صدقة.

وذكر في بعض الروايات أن "أحيحة بن الجلاّح"، وكان من اًصحاب الأملاك بيثرب، كانت له بساتين وأرضين يزرعها ويسقيها بالسواني فلا يعبأ بتأخر إلمطر وانقطاعه. ونسب بعض أهل الأخبار له هذه الأبيات: إذا جمادي منعت قطرها  إن جناني عطن معصف

معرورف أسبل جبـاره  أسود كالغابة مغـدودف

يزخر في أقطاره مغدق  بحافتيه الشوع والغريف

ويظهر من وجود المصطلحات الآرامية والفارسية والنبطية في لغة زراع يثرب، اًنهم استعانوا في الجاهلية بالرقيق المستورد من العراق ومن بلاد الشام في زراعة الأرض وفي انباتها، حتى أنهم أخذوا مسميّاتها منهم، مثل "الخربز"الذي هو البطيخ في لغة أهل مكة، كانوا يسمونه "الخربز"، و "الخربز"لفظة عربية معربة، من أصل فارسي، وقد وردت في الحديث.

ونجد في مواضع من بقية جزيرة العرب مياهاً صارت مواطن لسكن، اختلفت كثافة سكانها باختلاف مقدار الماء. وهي رحمة وغوث بالنسبة للرحل ولأهل القوافل ولذلك صارت ملاذاً استليذ به في هذه البوادي البعيدة الأبعاد الجافة القاسية، وقد اضطرت القوافل إلى الاتجاه نحوها للوصول إلى أهدافها، لذلك صارت عقداً، تجتمع في بعض منها جملة طرق برية، إذ كانت ذات مياه غزيرة وعلى مفترق طرق، تختصر الأبعاد والمسافات، وفى هذه الأماكن، ظهرت زراعة النخيل، وهي زراعة تقنع بالقليل من الماء، لامتصاصها الرطوبة من باطن الارض،وبعض النباتات الاخرى، التي لا تحتاج الى سقي كثير، وظهرت البيوت المعدة لاستقبال التجار والمسافرين وأصحاب القوافل.

وفي العربية الشرقية مواضع قرب فيها الماء العذب من وجه الأرض، أو ظهر على وجهها وفار على شكل عيون، وفي هذه المواضع صار سكن وزرع تناسبت كثافته مع كثافة الماء ومدى وصوله، حيث توقف عند ذلك المكان الذي انتهى إليه. فالماء هو الذي يحدد الزرع ويعين نوعه، وهو الذي يقرر السكن ويثبت حده. ومن هذه المواضع التي وجد فيها سكن وزع "هجر"، وقد اشتهرت بنخيلها، فقصدها الأعراب لامتيار التمر منها، حى ضرب بها المثل في كثرة التمر، فقيل: كمبضع تمر الى هجر. ويظهر إن مياهها كانت راكدة متجمعة، فتسببت في ظهور الأوبئة فيها. قال "عمر "عجبت لتاجر هجر، وراكب ألبحر. وإنما خصها لكثرة وبائها، أي تاجرها وراكب البحر سواء في الخطر".

والأحساء من المواضع المشهورة باًلزراعة في العربية الشرقية، وقد عرفت بزراعة النخيل وبعض الأشجار والخضر، وهي لا تزال على مكانتها، فلا تزال عيون مائها تمون الناس بماء شربهم وزرعهم. و "قطر"موضع قديم يعود عهده إلى ما قبل الميلاد، وقد أشير إليه في الكَتب اليونانية واللاتينية، وأسس به المبشرون كنائس، وقد ساهم أساقفته في المجامع الكنسية التي انعقدت للنظر في أمور الجدل بين المذاهب النصرانية، كما اشتهرت بثياب جيدة نسبت إليها، أشير إليها في الحديث، كما أشرت الى ذلك في موضع آخر من هذا الكتاب.

و "كاظمة"اسم قديم معروف، يرد في الشعر الجاهلي وفي القصص، جوّ من سيف البحر من البصرة على مرحلتين. وفيه ركايا كثيرة وماؤها شروب. وقد أشير إلى قطاها في شعر لامرىء القيس. و "المرائض"في ديار "تميم"بين "كاظمة"و "النقيرة"فيها أحساء.

الفصل التسعون

الزرع

ولابد من حرث الأرض وتنقيتها من الشوائب الضارة بالزرع، ومن تليينها، وذلك قبل الشروع بالبذر أو بالغرس. وقد كان بعضهم يحرق الأدغال والأعشاب وما يجده على الأرض المراد زرعها من زوائد وأوساخ، وذلك للتخلص منها، وللاستفادة منها في تقوية التربة وزيادة نمائها. ثم يقومون بحراثتها فيندمج رمادها في التربة ويصير جزءاً منها. وقد يقتلون أصول الزرع السابق وما يكون قد نبت على الارض من نبات غريب مؤذٍ للزرع، قبل حراثة التربة. فاذا تم ذلك، ونظفت التربة،سقوها بالماء ليكونً من السهل على الأكار حرث الارض وتعزبقها، وربما لا يسقونها، بل يحرثونها مباشرة. وذلك بالنسبة للارضين التي تسقى بماء السماء، حيث لا يتوفر الماء الجاري، أو ماء الآبار. ومتى تمت الحراثة وقلبت التربة، تهيأت للزرع ونظمت وفقاً لنوع الزرع الذي سيكون فيها، على هيأة ألواح طويلة دقيقة، أو مربعات تتخللها السواقي والقُنيّ، أو غير ذلك، ثم يشرع بعد ذلك في الزرع والغرس. ويقوم الزارع نفسه في العادة بحرث أرضه واصلاحها وتمهيدها للزرع. وقد يقوم بالحراثة أشخاص مقابل أجر يدفع لهم.

والحرث والحراثة العمل في الأرض زرعاً كان أو غرساٌ. وقد يكون الحرث نفس الزرع. وذكر أن الحرث قذفك الحب في الأرض للازدراع، والحرّ اث الزرّ اع. و "الكرّاب"في مرادف الحرّ اث، والكرابة الحراثة. والكِراب والكرب إثارتك الأرض. و "الفلاح"في معنى الحرّ اث والأكار. لأنه يفلح الأرض، وحرفته الفلاحة. ورد: "أحسبك من فلاحة اليمن، وهم الأكرة، لأنهم يفلحون الأرض يشقّونها". والفلاحة الحراثة، وهي حرفة الأكار.

و "الجوَّار"الأكار، وقيل: هو الذي يعمل لك في كرم أو بستان.

و "الأكار"الحرّ اث والزارع، والمؤاكرة المزارعة على نصيب معلوم مما يزرع في الأرض. وهي المخابرة. ويعدّ الأكار من الطبقات المحتقرة عند العرب. وفي حديث قتل أبي جهل، فلو غير أكّار قتلني. أراد به احتقاره وانتقاصه، كيف مثله يقتل مثله، فهو رجل شريف غني ثريّ، فكيف يقتله من هو دونه في المنزلة والمكانة، فكان يتمنى وهو مقتول، لو كان قاتله مثله في المنزلة و المكانة.

وقد اشتهرت اليمن بالفلاحة، ورد: "وأحسبك من فلاحة اليمن. وهم الأكرة، لأنهم يفلحون الأرض، يشقونها". وقد بقيت شهرة أهل اليمن بالفلاحة الى هذا اليوم، ومنهم قوم هاجروا إلى العربية السعودية للاشتغال يالفلاحة في أرضها.

وأساليب الحراثة تكاد تكون واحدة عند جميع شعوب الشرق الأدنى. وبعض الاساليب بدائي جداً، يُستعمل في حراثة الارضين الصغيرة بصورة خاصة. فتستعمل الحجارة أو الاخشاب أو الفؤوس على اختلاف أنواعها، وبعضها متقدم نوعاً ما اعتمد على المسحاة وعلى آلات الحراثة التي تجرها الحيوانات، وتستعمل هذه الطريقة في حراثة المزارع الكبيرة، ومنها سكة الحراث حديدة الفدان التي يحرث بها الارض. وينسب إلى الرسول قوله: ما دخلت السكة دار قوم إلا ذلوا. إشارة إلى ما يلقاه أصحاب المزارع من عسف السلطان وايجابه عليهم بالمطالبات وما ينالهم من الذل عند تغير الاحوال بعده. وقد ذكرت السكة في ثلاثة احاديث بثلاث معان مختلفة. وورد في بعضها ما يفيد العكس، أي مدح للزراعة والزراعة وحث عليها.

وتشبه آلات حراثة الجاهليين الالات التي يستعملها الفلاحون في بلاد العرب اليوم. وقد استعملوا "الفدان"في الفدن. و "الفدان"الثوران اللذان يفدن عليهما، ولا يقال للواحد فدان. وذكرإن "الهيس"الفدان، أو أداته كلها بلهجة أهل اليمن، أو بلغة أهلُ عُمان.

ومن الآلات التي استعملت في حراثة التربة: المحفار، وهي المسحاة وغيرها مما يحفر به. والمِخَدّ ة، حديدة تخدّ بها الارض، والمعول، لتكسير الحجارة والحفر. والمسحاةَ، وهي من حديد، وصانعها سحّاء، وحرفته السحاية، وهي لا تزال تستعمل في الحراثة وفي سد المياه وفتحها في السواقي لسقي المزارع والبساتين، ولقلع الأعشاب والأشجار. و "المرّ"، المسحاة أو مقبضها، وقيل هو الذي يعمل به في الطين.

ومن المصطلحات المستعملة في الحراثة، العزق، وهو تشقيق الارض بفأس. والأداة المعزق والمعزقة. والكور الحفر، ومنها كرت الارض كوراً أي حفرتها. والجوّ ار الأكار، والأكار الحفّار. والتربيك في الحرث رفع الأعضاد بالمجنب. والكَر مَ من الارض التي عدنوها بالمعدن حتى نقوّا صخرها وحجارتها، فتركوا مزرعتها لا حجر فيها، وهي أفضل أرضهم. والارض الكرم يحرث فيها البرّ، وهي سهلة لا تحتاج إن العدن. والمعدن الصّاقور. ويقال عدنت الارض أي أصلحتها. وأما قولهم نخنختُ الارضَ فبمعنى شققتها للحرث. والنخة البقر العوامل. ويقال رضت الارض إذا أثرتها. وأما وطدت الارض فبمعنى ردمتها لتصلب، والميطدة خشبة يوطد بها المكان من أساس بناء وغيره ليصلب. ويقال شحبت الارض و شحباً وأشحبها. إذا قشرت وجهها بمسحاة وغيرها، وهي يمانية. ويقال لكل واحد من أخاديد الارض تَلَمّ والجمع التلام. وهو مشق الكراب في الارض بلغة أهل اليمن. والخرق بمعنى شق الارض للحرث. وخضضت الارض بمعنى قلبتها.

والحيوانات المستخدمة في الحراثة هي الثيران والحمير والخيل والجمال، وذلك بحسب كثرة هذه الحيوانات وقلتها،ويستعمل في الحرث حيوان واحد حيناً وحيوانان حينا آخر. وقد وصلت الينا بعض النصوص الجاهلية محفوراً فيها صور حيوانات تحرث، تجر المحراث ويسوقها الفلاح. ويكون الكراب على البقر، وهو الغالب، وفي المثل " الكراب على البقر".

ويظهر من كتب الحديث أن اعتماد أهل الحجاز في الحراثة كان على البقر. وقد ورد في الحديث: "بينما رجل راكب على بقرة، التفتت إليه، فقالت: لم أخلق لهذا، خلقت للحراثة". ويظهر أنهم كانوا يستعملون الكلاب في الحراثة كذلك. ففي الحديث: "كلب حرث". وقد ورد أيضاً "كلب غنم " و "كلب ماشية"، و " كلب صيد"، و "كلب زراعة".

ويشتغل الفلاح بعد حراثة الارض باصلاحها ونثر الحب فيها نثراً متساوياً منتظماً، ويستعمل لذلك بعض الآلات، مثل "المالق " و "المملْقَةَ". وهي خشبة عريضة، تجرها الثيران، وقد أثقلت لتستوي السنَّة واللؤمة فتتلما على الحب، وتملس التربة المثارة. و "المجَزُّ"، وهي شبحة فيها أسنان وفي طرفها نَقٌران يكون فيهما حبلان وفي أعلَى الشجة نقران فيهما عود معطوف، وفي وسطها عود يقبض عليه ثم يوثق بالثورين فتغمز الاسنان في الارض حتى تحمل ما قد أثير من التراب حى يأتيا به المكان المنخفض. "والمجنب"وهي شبحة مثل المشط، إلا أنها ليست لها أسنان، وطرفها الاسفل مرهف يرفع بها التراب على الاعضاد والفلجان.

ويعبر في عربية القرآن للكريم عن طرح البذر في الارض بلفظة "زرع". ويقال أيضاً: زرعت الشجر كما يقال زرعت البُرَّ والشعير. والزرع الإنبات. ومن هذا الاصل لفظة الزرع والزراعة.

وتثار الارض وتقلب على الحبّ، لضمان طمر الحب في التربة، فلا يظهرعلى سطحها، فتلتقطه الطيور، ويتعرض للعوارض الجوية التي تفسده وتتلفه. ثم تسقى الارض، ويقال للسقية الاولى العَفٌر، ثم تسقى بعد ذلك بحسب الحاجة حتى ينمو الزرع وينضج ويجمع، فيقطع عندئذ السقي.

والحبِة، بزور البقول والرياحين، أو بزر العشب، أو جميع بزور النبات، وبزر كلَ ما نبت. والحبّة أيضاً يابس البقل، تقول العرب: رعينا الحبة، وذلك في آخر الصيف، إذا هاجت الارض ويبس البقل والعشب وتناثرت بزورها وورقها، فإذا رعتها النعم سمنت عليها. ويسموّن الحبة بعد الاندثار: القميم و القف.

والبزر كل حب يبذر للنبات. والبزور: الحبوب الصغار، مثل بزور البقول وما أشبهها. و "البذر"، ما عزل للزراعة من الحبوب. و "البذر"زرع الارض.

وتزرع بعض الزروع على السواقي وأطراف مسايل الماء، وذلك بوضع "البذر" أو "البصل"في حفر، ثم يوضع فوقها قليل من التراب، لمنع الطيور من التهامها، وللمحافظة عليها من أثر الجو فيها. وقد يزرع البزر، فإذا نبت، تقلع النبتة الواحدة، لتزرع في موضع آخر.

وإذا أصاب الزرع الخصب والنماء، عبر عن ذلك بلفظة "خصب" في المسند. اللفظهَ التي نستعملها نحن في الزراعة، بمعنى كثرة العشب والزرع والنماء والوفرة.

ولا بد لنمو الزرع ونضوجه من اسقاء، ويعبر عن السقي بلفظة أخرى هي "المكر". والمكر سقي الارض. يقال أمكروا الارض إذا سقوها.

ولتقوية الارض وإعادة الحيوية إليها، استخدم الجاهليون التسميد. وبالسماد تعاد إلى الارض بعض قوتها، وينمو الزرع، وقد استعملوا في ذلك جملة وسائل كما يفعل المزارعون في الزمن الحاضر الذين لا يزالون يسيرون على طريقة القدماء في التسميد، فاستعملوا فضلات الإنسان والحيوانات، كما استعملوا الزبل أيضاً. وذكر أن من أسمدتهم عذرة الناس والسرقين برماد، يسمد به النبات ليجود. والسرجين، والسرقين، الزبل تدبل به الأرض. والمزبلة موضع الزبل، وزبل زرعه يزبله، سمده، أي أصلحه باًلزبل وكذلك الأرض. ويقال لتسميد الأرض بالزبل "عدن الأرض"أي أصلحها بالزبل. ويقال دبل الأرض دبولاً، بمعنى أصلحها بالسرقين ونحوه لتجود، فهي مدبولة.

ولحماية الزرع من عبث الطيور و بقية الحيوانات به، اتخذوا وسائل عديدة لحمايته. منها: اللعين. ما يتخذ في المزارع كهيأة رجل، أو الخيال تذعر به الطيور والسباع والوحوش. و "الخيال"، كساء اسود ينصب على عود يخيل به للبهائم والطير فتظنه انساناً. وقبل خشبة توضع فيلقى عليها الثوب للغنم إذا رآها الذئب ظنها انساناً. و "الخيلان"، ما ينصبه الراعي عند حظيرة غنمه. وقيل: الخيال، ما نصب في أرض ليعلم إنها حمى، فلا تقرب.

ا لحصاد

ويحصد الزرع بعد نضجه، يحصد بالمنجل. وأكثرما يستعمل في البر والشعير ونحوهما من الزرع. والمحصد، المنجل. والحصاد هو "فقل"في المسند. وقد فسر بعض العلماء لفظة "خرفت"بمعنى الحصاد كذلك. ولا يقصد بالحصاد هنا حصاد الحبوب وحدها، كالحنطة والشعير، كما نفهم من معنى اللفظة في عربيتا، وانما يقصد بها هذا ومعنى آخر هو جني الثمار وقطف الأعناب، عند نضوجها.

ويقال لمن يحصد الحصاد بالأجرة "المحاين"، وللعمل "المحاينة"، يقال استأجره محاينة، أي على الحصاد.

وترد لفظة "افقل"من أصل "فقل"في النصوص الزراعية، وهي من الالفاظ اليمانية القديمة التي وعتها كتب اللغة، فذكرت إن " الفقل"التذرية بلغة أهل اليمن، وان أهل اليمن يذرّون بالمفقلة، وهي الحفراة ذات الاسنان، يرفعون بها الدق ثم ينثرونه ويذرونه لاستخلاص الحب منه. و "الدق"ما قد ديس ولم يذر. و "افقل"في نصوص المسند، هي البيادر التي تتجمع من هذه الحبوب بعد التذرية.

وترد لفظة "خرف"في عربية القرآن الكريم بمعناها الوارد في نصوص المسند. فذكر علماء اللغة، إن "خرف"بمعنى صرم واجتنى، وان الاختراف بمعنى لقط النخل بسراً كان أو رطباً، وأنها تعني قطف الثمر، كما وردت لفظة "المخرفة"بمعنى البستان والنخل والسكة بين صفين من النخل، يخترف المخترف من أيهما شاء، والمخترف هو القاطف للثمر، وأن "المخرف"بمعنى زنبيل صغير يخترف فيه من أطايب الرطب،أو الالة التي تخترف فيها الثمار و "الخارف " حافظ النخل، والخرّ اف النظار، والخرافة ما خرف من النخل.

وقد وردت لفظة "نحقل"بمعنى الناتج والمحصول، و "حقل"بمعنى الحاصل. أي الحاصل الزراعي المجموع من الحقل والمزرعة، وذلك كما في هذه الجملة: "نحفل ثمنيت الفم بقلم لس". ومعناها: "الحاصل ثمانية آلاف لس من البقول". و "لس"نوع من الكيل أو الوزن، أو الكومات، اًو الحزم.

ويعبر عن الدراسة بلفظة "علص"في المسند. وفسّر بعض علماء المسشد لفظة "معلصت"، بمعنى المزرعة والحقل. ولا استبعد كونها آلة من آلات الدراسة أيضاً.

واذا ديس الزرع قيل لذلك العمل الدق والدياس والدّ راس. والإكادة كالإداسة.

وأما الدقّوقة، فالبقر والحمر التي تدوس الزرع لاستخراج حبه وتهشيم سيقانه. وقد تستعمل بعض الالات لقطع سوق الزرع وتهشيمه وتهشيم السنبل، تجرها الثيران أو الحمير، ويجلس عليها شخص ليثقلها، وهي مثل العجلة، التي تقطع الجلّ، يقال لها "الحيلان". وهي آلة من خشب لها محالتان كمحالة العجلة، قد أنعلتا بحديد مضرس إذا دارتا على الجل قطعتاه، فتجعلان فىٍ طرفي عارضة ضخمة، ويقعد عليها رحل ليثقل، ثم يجرها الثور على الجل. وأما "المقحفة" فالخشبة المتقفعة التي يقحف بها الحب، أي يذرى.

وبعد الدياسة والدراسة يذرى الطعام لفصل الحب عن التبن. ويستعملون في ذلك آلات التذرية، وهي آلات يدوية ما زال الفلاحون يستعملونها كما كانت قبل آلاف السنين، تتّألف من مقبض طويل وأصابع في رأسه يذرى بها الهشيم في الهواء، ليحمل الهواء التبن، وهو خفيف الوزن إلى مكان والحب إلى مكان آخر. وقد ذكر العلماء جمله أسماء لآلة التذرية، منها "المذرى"و "المذرّ ة " و "المرو ح"و "المرواح"و "ا لميثار" و "الحفراة"، و هي "الر فش" أيضاً.

ويتولى الفلاحون دوس الحاصل بأنفسهم، لهشم السيقان والحصول على التبن والحب. يستعملون في ذلك أرجلهم وآلات الدياسة. أما إذا كان الحاصل كبيراً، فيستعملون عندئذ الحيوان يمشي عليه، أو يجر آلات الدياسة الثقيلة لهشم السيقان وفصل الحب عنها.

ومن عادات أهل اليمن في الدرس والدياسة التناوب، وذلك بأن يجتمعوا مرّة عند هذا ومرة عند هذا، فيتعاونوا على الدياس، ويسمون ذلك "القاه". وذلك كالطاعة له عليهم، لأنه تناوب قّد ألزموه على أنفسم، فهو واجب لبعضهم على بعض. وقد وصف أحد أهل اليمن ذلك للرسول بقوله: "انا أهل قاه، فإذا كان قاه أحدنا دعا من يعينه، فعلموا له، فأطعمهم وسقاهم من شراب يقال له المزر". وكان اًهل "الجوخان"يتناوبون ويتعاونون على الدياس، بجتمعون مرة عند هذا ومرة عند هذا، يرون التعاون فيما بينهم لزاماً عليهم، وكالطاعة لهم، ونوبة كل رجل قاهة.

ويجمع الفلاحون الحاصل ثم يقسمونه بحسب الانفاق، إن كان هناك فلاح وربّّ أرض، ليأخذ كل واحد منهما نصيبه، أو يوزع حسب نصيب كل من الشركاء، إن كان الزرع شركة. أو يسلم إلى صاحب الزرع، إن كان الزرع زرعه، وكان الفلاحون عبيداً له. ويخزن الحاصل في مخازن مبنية، وفي بيادر وبيدر الطعام كومه. والبيدر الموضع الذي يداس فيه الطعام، والمكان الذي يجمع الطعام فيه. وهو "الأندر"، و "الكدس". و "الأندر"، كدس القمح خاصة. والكُدس: الحب المحصود المجموع. وهو العرمة من الطعام والتمر والدراهم ونحو ذلك، مما يكدس بعضه فوق بعض.

وذكر علماء اللغة أن "الجرين"للحب، والبيدر للتمر. وذكروا أيضاً أن الجرين موضع البر، بلغة أهل اليمن، وان "إلجرد"الطحن شديداً بلغة هذيل وينقل الطعام بأوعية إلى المخازن، ومنها نوع يقال له "العيبة"، وهو زنبيل من أدم، ينقل فيه الزرع المحصود إلى "الجرن"في لغة همدان. وهناك أسماء أوعية أخرى استعملت في نقل الحاصل من أرض الحصاد وكوم التذرية إلى المخازن. ويعبر عن حمل الزرع بعد الحصاد إلى البيدر بلفظة "رفع"كأن يقال: "رفع الزرع"، و "الرفاع"اكتناز الزرع ورفعه بعد الحصاد. وأما "الغبوط"فالقبضات المصرومة من الزرع. و "الغبوط"هي القبضات التي إذا حصد البر وضع قبضة قبضة، الواحد غبط. وأما "المكتل"،فزنبيل يحمل فيه التمر أو العنب إلى "الجرين"، وقيل هو شبه الزنبيل يسع خمسة عشر صاعاً. وفي حديث خيبر: فخرجوا بمساحيهم ومكاتلهم. وكان "عمال خيبر"قد خرجوا بمساحيهم ومكاتلهم، فلما رأوا رسول الله، صلى الله عليه وسلم والجيش، قالوا: محمد والخميس معه، فأدبروا هراباً".

و "الحنوان"، هما الحشبتان اللتان عليهما الشبكة ينقل عليها البُرَّ. و "الوشيجة."، ليفُ يفتل ثم يشبك بين خشبتين ينقل بها البر المحصود.

ويعبر عن جمع المحصولات في مواضع معينة لتحسينها، أو لخزنها، أو لتجفيفها وللمحافظة عليها بجملة ألفاظ، منها: "الكدس"، ويراد بها الحب المحصود المجموع، وهو العرمة من الطعام والتمر والدراهم ونحو ذلك. ومنها "المربد"، والمربد كل شيء حبست به الإبل والغنم. ولهذا قيل مربد النعم الذي بالمدينة. وهو أيضاً الجرين الذي يوضع فيه التمر بعد الجداد لييبس، وهو "الأندر"بلغة أهل الشام، والبيدر بلغة أهل العراق. وأما "المسطح"،فمكان مستو يبسط عليه التمر ويجفف، ويسمى "الجرين"يمانية. وأما "الصبرة"، فما جمع من الطعام بلا كيل ووزن بعضه فوق بعض.يقال اشتريت الشيء صبرة، أي بلا وزن ولا كَيل. والصبرة الكدس.

وللمحافظة على الحبوب وغيرها من التلف، اتخذت مخازن تحت الأرض تحفظ فيها سميت "مدفنن""المدفن"في المسند. ولا تزال هذه الطريقة معروفة في مواضع من جزيرة العرب حيث يخزنون القمح وسائر ألحبوب في حفر تحفر في الأرض. ويعرف "المدفن"ب "قنت"، اي الحفرة فى لغة المسند كذلك. وهي مخزن يخزن فيه الحب. وذكر "الهمداني"، إن أهل اليمن كانوا في أيامه يحفرون حفراً في الأرض ويدفنون الذرة فيها، ويسع المدفن خمسة آلاف، قفيز إلى ما هو أقل. ويسد عليه، ويبقى على ذلك مدة طويلة، فإذا كشف المدفن ترك أيامأ حتى يبرد ويسكن بخاره، ولو دخله داخل عند كشفه لتلف بحرارته.

ويعبر عن قطف الثمار وجزها، ولا سيما النخل بلفظة "الصرام"، و"صرم " و "اصطرام". و "اصطرام"النخل اجترامه. وجرم النخل جرماً، خرصه وجزه، والجرام صرام النخل. وتؤدي لفظة "الجداد"معنى "الصرام" كذلك، وقيل: الجداد بمعنى الحصاد والقطاف.

الفصل الحادي والتسعون

المحاصيل الزراعية

الحبوب

يطلق علماء اللغة على الحنطة والشعير لفظة: "الحب". وهما عماد الخبز في جزيرة العرب حتى الان. وتقابل اللفظة كلمة "ميرس"في المسند.

والحنطة من أهم المواد الضرورية التي يتاجر بها، وهي "بُر"في المسند. والُبر، الحنطة في لغة القرآن الكريم كذلك. وهي "قمح"أيضاً. وقد تكلم بها أهل الحجاز، ووردت في الحديث. وذكر أنها شامية وقيل قبطية. وهي آرامية الأصل، من "قمحو"، "Gamho"، . وهي غذاء الطبقة المترفة والموسرة في الأكثر لغلاء ثمنها بالنسبة إلى الفقراء. وقد تباهى الناس وافتخروا بتقديمهم "البر"إلى الضيوف. و "الحنطة"من الألفاظ التي كانت شائعة عند العرب أيضاً، فهي "حطاه""خطاه""Chittah" في العبرانية مثلاّ. وقد قيل لها "بر"في العبرانية كذلك.

ويقال للحنطة: "البيضاء"، وهي "السمراء" أيضأَ. و "البثنية"، الحنطة الجيدة.

وذكر "ابن المجاور"اسم موضع يقال له "بحرى"، ذكر انه اشتهر بزرع الحنطة، وان سكانه يزرعون الحنطة مرتين في السنة، في كل ستة أشهر مرة.

واشتهرت "الطائف"بزراعة نوع من الحنطة الجيدة. وأشير إلى نوع من الحنطة عرف ب "المهرية"، قيل انها حنطة حمراء، وكذلك سفاها، وهي عظيمة السنبل غليظة القصب مربعة.

والشعير، أرخص من الحنطة، ولذلك كثر استعماله في الأكل، فمنه كان خبز أكثر الناس. ولا زال خبز أهل القرى وبعض الأعراب. وقد كان يرد المدينة يتاجرون به وبدقيق الشعير: يبيعونه في مواطنهم، وفي الأسواق ولا سيما سوق "بني قينقاع". وقد استدان الرسول من أحد اليهود صاعين من دقيق الشعير.

ويقال للطحين في كتابات المسند "دققم"أي "دقيق". ويصنع بطرق مختلفة، أشهرها "الرحى"، التي تدار باليد، والتي يديرها الحيوان. والتي تدار بالقوى المائية. و "الطحانة"التي تدور بالماء. ومع إن معظم الأسر تصنع الطحين في بيوتها، فان كثيراً من الناس يشترون الطحين من الأسواق، ويستوردونه من الخارج من بلاد الشام في الغالب، ويبيعونه في الأسواق المحلية.ويقال للدقيق "طحنم"في لغة المسند كذلك، أي "طحين".

ويظهر إن "الرز" لم يكن من الحبوب المعروفة عند أهل الحجاز، أو الأماكن الأخرى من جزيرة العرب. وهو من طعام الحضر.

وقد تعود الناس استعمال حبوب أخرى بدلاً من الحنطة والشعير والذرة، وذلك في سي الفاقة والعوز. وبعض هذه الحبوب هو من الحبوب التي تنبت بالطبيعة.

ومن جمله هذه الحبوب "الطهف"، حب يؤكل في المجهدة،ضاو دقيق. لونه أحمر، ويختبز. و "العَلَس"، وهو حبة سوداء، إذا أجدبوا طحنوها وأكلوها. وقيل هو ضرب من الحنطة، يكون بناحية اليمن، وقيل هو طعام أهل صنعاء. ويقال إنه العدس. و "البيقية"، وهو حب أخضر يؤكل مخبوزاً ومطبوخاً، حبّه أكبر من الجلبان ينبت في الحروث. و "السلت"، وهو حب بين الشعير والبرّ، إذا نقي انجرد قشره، فكان مثل البر. وقيل شعير لا قشر له أجرد كَأنه الحنطة يكون بالغور والحجاز. ويقال للرطب من السلت "البيضاء.

وقد عرفت زراعة الذرة باليمن بصورة خاصة، كانوا يخبزونها ويستخرجون منها شراباً يقال له: "المزر"0 أشير إليه في كتب الحديث والفقة، وقد نهى الرسول عن شربه. وذكر أن المزر نبيذ الذرة والشعير والحنطة والحبوب، وقيل نبيذ الذرة خاصة، وقيل المزر من الذرة، والبتع نبيذ العسل، والجعة نبيذ الشعير، والسكر من التمر، والخمر من العنب.

القطنية

ويطلق علماء اللغة على حبوب الأرض التي تدخر كالحمص والعدس والباقلاء والترمس والدخن والأرز والجلبان: "القطنية"، وأطلقها بعض آخر على ما سوى الحنطة والشعير والزبيب والتمر، أو على الحبوب التي تطبخ. وجعلها بعضهم: العدس والخلر، وهو الماش، والفول، والدجر، وهو اللوبياء، والحمص وما شاكلها. وقد ذكر إن ا الخليفة "عمر"كان يأخذ القطنية العشر.

و "الحمص" معروف عند العرب. وهو بري، أي وحشيّ، ينبت من نفسه " وبستاني، أي ينبت بزرع الإنسان. وقد علفوا به فحول الدواب والجمال. وقد عالجوا به وبدقيقه وبنقيعه أمراضاً عديدة. و "العدس"، معروف عندهم أيضاً، ويقال له "العلس"، و "البلس"أيضاً. وذكر إن "العلس"، ضرب من البر جيد، تكون حبتان منه في قشر، يكون بناحية اليمن. وهو طعام معروف عند أهل صنعاء.

والجلبان من "القطنية""القطاني"، نبت يشبه الماش، أو هو حب أغبر أكدر على لون الماش إلا انه أشد كدرة وأعظم جرماً يطبخْ. و "الماش"، معروف عند العرب كذلك، يأكله الحضر، ويداوون به.

وقد أشير في القرآن الكريم إلى البقل والقثاء والفوم والعدس والبصل، ولفظة "بقلن"، و "بقلت"، الواردة في نصوص المسند، هي في مرادف "بقل"، و "البقل"في عربيتنا، وأما لفظة "تبقلت"، فتقابل لفظة "تبقيل"، ويراد بها زرع الأرض بالبقول.

والسلق من البقول، وهو نبت، له أوراق طوال،وأصل ذاهب في الأرض، يطبخ ورقه. وقد ذكر إن أهل المدينة كانوا يأخذون ورق السلق، فيجعلون فيه حبات من شعير، ويطبخونه، فيكون من ذلك أكل لذيذ.

و "القثاء"، الخيار، ويقال انه اسم جنس لما يقول له الناس الخيار، والعجور والفقوس، وبعض الناس يطلقه على نوع يشبه الخيار. ويقال هو أخف من الخيار. ويطلق العرب لفظة "الشعارير"على القثاء الصغير. وذكر بعض علماء اللغة أن الخيار شبه القثاء، وأن اللفظة ليست بعربية أصيلة. وهي من أصل فارسي، هو "خيار"، ولهم نوع أخر من الخيار اسمه "خيار جنبر". وأما لفظه "القثاء"،من إلمعرّ باًت كذلك، عربت من أصل آراميْ، و "القثد" نبت يشبة القثاء، وقيل ضرب منه، وهو القثاء المدور، أو هو الخيار. وفي الحديث انه كان يأكل القثد بالمجاج. والمجاج العسل.

ويقال للقثاء "قشّايم""قشاّئيم"، "Kishshu'im" في العبرانية، و "قثو تو" في لغة بني إرم. ويظهر أن لفظة "قثّاء"من الألفاظ القديمة. وقد ذهب بعض الباحثين إلى أنها من الألفاظ الإرمية في الأصل. أما لفظة "خيار" فيرون أنها من أصل فارسي.

وذكر علماء اللغة أن "الففُّوس"، هو البطيخ الشامي، والذي يقال له البطيخ الهندي، بلغة أهل مصر، والحبحب بلغة اًهل اليمن.

وقد اختلف علماء التفسير واللغة في معنى "الفوم"، فذهب بعضهم إلى انه الثوم، وقال بعض آخر الحنطة، وهو لغة قديمة فيها. وذهب بعض آخر، إلى انه الحنطة وسائر الحبوب التي تخبز، كما ذهب جماعة الى إن الفومة هي كل عقدة من بصلة أو ثومة أو لقمة عظيمة.

والثوم، بقلة معروفة كثيرة بأرض العرب، يأكلونها ويداوون بها نيئة ومعجونة، ومسحوقة، ومطبوخة، ومسلوقة.

والبصل معروف وواحدته بصلة. وذكر انه "الفراريس"، أو "الفراديس". وهم يداوون به، ويضرب به المثل، فيقال: أكسى من البصل.

الكمأ

والكمأ نبات معروف في جزيرة العرب، يخرج من غير زرع كما يخرج الفطر. والعرب تسميه "جدري الأرض"، ويقال لبائعه "الكمّاء". وقد استعمل العرب ماءه لشفاء العين. وقت أشير اليه في الحديث. وهو من النبات الذي يقتات به في أوقات ظهوره. والكمأة السوداء خيار الكمأة. وأما "الجبأة،، فالكمأة الحمراء، وقال بعض علماء اللغة الجبأة هنة بيضاء كاًنها كمأة.

وأما "الفطر"، فهو ضرب من الكمأة. وقد ذكر علماء اللغة أنه قتال. وقد أخذوا هذه الفكرة من وجود فصائل سامة منه. إلا أن بينه ما هو غير سام.

وذكر علماء اللغهّ أسماء أنواع عديدة لنبانات تشاكل الكمأة، منها: العرجون، والطرثوث، نبت رملي طويل مستدق كالفطر، يضرب إلى الحمرة وييبس، يؤكل منه حلّز، وهو الأحمر، ومنه مرّ وهو الأبيض، وذكر بعض علماء اللغة أن الطرثوث نبت على طول الذراع، لا ورق له، كأنه من جنس الكمأة و "الطرنوث"و "الضغبوس". وذكر بعض علماء اللغة، أن "الضغابيس"صغار القثاء، جمع ضغبوس. وقيل: هي أغصان شبه العراجين تنبت بالغور، في أصول الثمام والشوك طوال حمر، وهي التي تؤكل، أو نبات كالهليون، ينبت في أصل الثمام يسلق بالخل والزيت ويؤكل.

وهناك بقول برية، منها "القلقلان"، و "البسباس"، و "الذرق"، و "النقل"، و "الملاح"،.

فصيلة اليقطين

و "اليقطن"في تعريف علماء العربية: ما لا ساق له من النبات ونحوه، أو كل شيء ذهب بسطاً في الأرض، نحو القرع، والبطيخ، والشريان، والدباء، والحنظل، ونحوها. فكل هذا النبات هو من اليقطين.

واليقطين، مذكور في القرآن الكريم. وقد ذهب بعض علماء التفسير إلى إن المراد من اليقطين في القرآن الكريم، القرع، وذهب بعض آخر، إلى انه الدباء، وذهب بعض آخر إلى انه البطيخ. وذهب قوم إلى إن اليقطين شجرة غير ذات أصل من الدباء ونحوه أو غيره. وقد ذكروا إن أمية بن أبي الصلت أشار إلى قصة "يونس"، وكيف إن الله أنبت عليه شجرة من يقطين، أظلته وعاش عليها، وذلك قبل الإسلام، إذ قال: فأنبت يقطيناً عليه برحـمة  من الله لولا الله ألفي ضاحيا

وذكر إن "القرع"، حمل اليقطين، وكان النبي يحبه. وأكثر ما تسميه "الدباء"، وقلَّ من يستعمل القرع.

والبطيخ من المزروعات المعروفة في بلاد العرب. وعرف أيضاً ب "الخربز". وهي لفظة معربة من أصل فارسي هو "خربوزة". وقد وردت لفظة "الخربز" في الحديث، مما يدل على انها كانت معروفة في الجاهلية. والظاهر إنها وردت من العراق بواسطة التجار العرب أو التجار الفرس الذين كانوا يتاجرون مع الحجاز، او بواسطة الرقيق المستورد من هناك، والذي استخدم في الزراعة في هذه الديار.

وذكر علماء اللغة أن "الحبحبة " البطيخ المعروف بالبطيخ الشامي، الذي يسميه أهل العراق: "الرقي"والفرس تسميه: "الهندي"لما أن أهل العراق يأتيهم من جهة "الرقة"، والفرس من جهة الهند، وأن أصل منشئه من هناك. وذكر بعض علماء اللغة أنه يسمى "الجوح"، ويسميه المغاربة: "الدلاع".

والحنظل، معروف جداً عند العرب، وهم يداوون به، ويعالجون به أمراضاً كثيرة،ولا زأل الأعراب يقيمون له وزناً كبيراً في طبهم. ويأكلون حبه أيضاً.

النبات الشائك

ومن فصائل النبات عند العرب، النبات الشائك، أي ذو الشوك. وهو كل نبات به شوك، وارض شاكة كثيرة الشوك. وشجرة مشوكة كثيرة الشوك، وأرض مشوكة فيها السحاء والقتاد والهراس، وذلك لأن هذا كله شاك. والسحاء، نبت شائك، له زهرة حمراء في بياض تسمى "البهرمة"، يرعاه النحل عسله غاية. و "القتاد"، شجر صلب له شوكة كالابر، وجناه كجناة السمر، ينبت بنجد وتهامة. قال بعض علماء اللغة، إنه من العضاه، وهو ضربان. فأما القتاد الضخام، فانه يخرج له خشب عظام، وشوكة حجناء قصيرة. وأما القتاد الآخر، فإنه ينبت صعداً لا ينفرش منه شيء، وهو قضبان مجتمعة، كل قضيب منها ملآن ما بين أعلاه وأسفله شوكاً. وفي المثل: من دون ذلك خرط القتاد. وقد ذكر أن الإبل لا تأكل القتاد إلا في عام جدب، فيجيء الرجل ويضرم فيه النار حتى يحرق شوكه ثم يرعيه إبله، ويسمى ذلك التقتيد. والتقتيد هو أن تقطع القتاد، فتحرقه، أي شوكه،فتعلفه الإبل، فتسمن عليه، وذلك عند الجدب.

و "الهراس"، شجر شائك، شوكه كأنه حسك، ثمره كالنبق، قال بعض علماء اللغة: انه شجر، وقال بعض آخر انه بقل، اًو شوك من أحرار البقول. و "الحسك"، نبات له ثمرة خشنة تعلق ثمرته بصوف الغنم ووبر الإبل في مراتعها، وعند ورقه شوك ملزز صلب ذو ثلاث شعب، لا يكاد أحد يمشي في أرض حسكة، إلا أحد في رجليه حذاء. و "النفل"، نبت من أحرار البقرل،ومن سطاحه، ينبت متسطحاً وله حسك، قيل: هو قت البرّ، تأكله الإبل والخيل وتسمن عليه.

والعوسج، شجر من شجر الشوك، له ثمر أحمر مدوّ ر، كأنه خرز العقيق. وقيل: هو شجر كثير الشوك، وهو ضروب، منه ما يثمر ثمراً أحمر يقال له المقنع فيه حموضة. والعوسج المحض، يقصر أنبوبه ويصلب عوده ولا يعظم شجره، فذلك قلب العوسح، وهو أعتقه. وذكر إن "المصعة"ثمرة العوسح وحمله، وهو قدر الحمصة حلو طيب يؤكل، أحمر، ومنه قولهم: هو أحمر كالمصعة، ومنه اسود لا يؤكل على أردأ العوسح وأخبثه شوكاً.

الفصل الثاني والتسعون

الشجر

الشجر في تعربف علماء اللغة: ما قام من النبات على ساق، أو ما سما بنفسه دق أو جل، قاوم الشتاء، أو عجز عنه. وتطلق اللفظة على كل الشجر، مهما كان أصله، شجر زرعه إنسان بغرس، أو بحبّ. أو شجر أنبتته الطبيعة. شجر الحضر، أي الشجر الذي يعيش بين أهل المدر، وشجر وحشي، نبت على الجبال أو في البوادي، دون أن تتعهده يد إنسان.

والشجر: شجر مثمر، وشجر غير مثمر. ثم هوأهلى، أي من غرس وزرع الإنسان، وبري أي من انبات وغرس الطبيعة. والعادة إن ثمر الشجر الأهلي أطيب وألذ من ثمر الشجر البري، لاعتناء الإنسان به ورعايته له. ويستعمل الشجر الذي لا ثمر له، حطباً أو في أعمال البناء إن كان ذا خشب جيد، وفي أعمال أخرى. وفي جبال "السراة"أنواع من أشحار الجبال. ومن الأشجار المثمرة النخيل وسائر أشجار الفواكه.

وقد وجد النخل في كل مكان من جزيرة العرب فيه ماء ولو كان قليلاً. وهو شجر صبور، يصبر على العطش طويلاّ، ومن أجل ذلك صار مثل الجمل رمزاً للصحراء. ولم ينفر العربي من زراعة النخيل نفوره من زراعة أشجار الفواكه والخضر بوجه خاص. وقد تخصص بزراعة النخل المستقرون بالطبع.

أما الأعراب، فإنهم لاضطرارهم إلى التنقل من مكان إلى مكان،ولعدم استقرارهم في موضع واحد استقرار أهل الحضر، لم يكن ميسوراً لهم غرسه. ثم انهم كانوا يزدرون الزراعة بجميع أنواعها، وفي ضمنها زراعة النخيل، وأية زراعة أخرى بلا استثناء.

والنخل، هو شجر التمر، وهو "ن خ ل""نخل"في المسند كذلك. وقد صورت النخلة ونحتت على بعض الصخور وعلى كثير من نصوص المسند، وجعلت رمزاً للشمس. وكان السومريون يجعلونها رمزاً للشمس كذلك. والظاهر أن تحمل النخلة لحر" الشمس، ووجودها في مناطق دافئة، ومنظر رأسها الذي هو على شكل كرة مكونة من السعف، الذي يشبه خيوط أشعة الشمس، حمل الناس على تصور قيام صلة لها باًلشمس، فجعلوها رمزاً لها وعلامة عليها.

وتعني لفطة "انخل""انخل"، "النخيل"وبساتين النخيل ومزارعها، ومن "نخل"أخذتَ لفظة "منخل"بمعنى مزرع النخيل، أي الموضع المزروع نخلاَ. وقد عني العرب الجنوبيون بزراعة النخيل، وكونوا بساتين واسعة منها. وكانت "نجران"من أهم المناطق ألمشهورة بزراعة النخيل.

واذا استقام فسيل النخل وثبت في الأرض، صبر على العطش، وتحمل السكوت عن طلب الماء، أمداَ طويلاَ، لاعتمآده على رطوبة الأرض ولامتصاص جذوره للمياه الجوفية. ويقال للنخلة التي لا تحتاج إلى سقي: "الغامرة".

وقد ورد عن الرسول قوله: "خير المال سكة مأبورة"، قيل أراد النخل المصطف، والسكة أيضاً: السنة وهي الحديدة التي يشق بها الفدان الأرض، وبقال لها أيضاً المان. وقد اعتبر العرب النخل من الشجر المبارك الذي بورك فيه لما فيه من فوائد.

والنخيل، هي مثل الجمال ثروة ورأس مال تدر على صاحبه ربحاً وافراً، ومن كان له نخل وافر كان غنياً ثرياً. وقد ربح أصحاب النخيل أرباحاً طائلة من اشتغالهم بزراعة النخيل. فالتمر هو مادة ضرورية يعيش عليها أكثر العرب وبتأدمون بها. يأكلونه بدلاً من اللحم. وكان الأعراب يأتون أهل الريف، بما عندهم من وبر ومن حاصل البوادي، ليبادلوه بالتمر وباًلدقيق وبما يحتاجون اليه في حياتهم البدوية من حاجات ضرورية. فكسب أصحاب النخيل أرباحاً طيبة من بيعهم التمور. ولا يوجد مكان في جّزيرة العرب فيه ماء، إلا والنخلة هي سيدة المزروعات فيه، بل تكاد تكون النبات المتفرد بالزرع في أكثر الأمكنة، لا يزاحمها نبات اخر من النبات.

ويقال للنخل المرتفع طولاً مجنون، وهو نخل يقل تمره، وتقل فائدته لذلك. واذا غرس النخل سطراً على جدول أو غير جدول، قيل: "نخل ركيب".

و "الجباب"تلقيح النخل، وزمن الجباب زمن التلقيح للنخل، و "الأبر"تلقيح النخل أيضاً. وكانوا يلقحون النخلة بدسَ شمراخ الفحال في وعاء الطلع.

ويؤكل التمر رطباً، ويؤكل يابساً جافاً. ويقال لنضيج البسر قبل إن يتمر "رطباً"وواحدته "رطبة". واذا كان التمر يابساً قيل له "القسب". ويستعل "القسب"بعد انتهاء موسم التمر وذهابه، وهو أكثر تمر الأعراب، لسهولة المحافظة عليه من التلف ومن الفساد وتغير الطعم.

وقد لجأ الجاهليون إلى طريقة كبس التمر، للمحافظة عليه زمنأ طويلاً، ولسهولة نقله والاتجار به من مكان الى مكان. ومن طرقهم في ذلك، أنهم كانوا ينزعون نواة التمر، ثم يكنزونه في قرب وظروف من الخوص، ويقولون لذلك التقليف. والقلف التمر الذي نزع نواه وكنز في القرب وظروف الخوص. ولا تزال طريقة التقليف معروفة، ويقال لما يخصف من التمر في "الخصاف"، تمر مخصوف، وللتمر المكبوس في الخصافْة مع ظرفه "الخصافة"، أما القربة التي يكبس في داخلها التمر، فيقال لها مع تمرها المكبوس بها "الكيشة" في لغة أهل العراق في الوقت الحاضر. و "تمر كيشة"، هو التمر الذي يستخرج من " الكيشة".

وقد يحفظ التمر في "القراب"، وعاء شبه جراب من أدم: " وفي كتابه لوائل بن حجر: لكل عشرة كل من السرايا ما يحمل القراب من التمر".

ويكنز التمر في وعاء من خوص يقال له: "جلة" و "الجلة"، وهو "القفعة"، وبسمى باًلعراق "القفة"، و "جلة التمر"في لغة أهل اليمن.

وللنخل فوائد كثيرة جعلها بعضهم نحواً من "360" فائدة، مثل استعمال سعفه وخوصه وجذوعه وليفه في حاجات الإنسان. حيث يصنع منها مختلف الأشياء، ويباع بعضها في الأسواق، فتكون دخلاً لأصحابها. وصارت منها صناعة تعيَّش عليها أناس، ولا زالت الصناعات المستندة على استغلال النخلة وأجزائها وسعفها باقية، وان أخذت في الأفول والاندثار، بسبب منافسة الجديد للقديم " وانصراف الناس عن الوسائل البدائية القديمة إلى الجديد المريح الرخيص.

والنخل في كل موضع من جزيرة العرب فيه ماء. وهو أنواع وفصائل كثيرة. وقد اشتهرت "هجر" يكثرة تمرها، وبزيادته عن حاجة أهلها، فكان الاْعراب يأتونها للامتيار، ولشراء التمر منها. وفيها ضرب المثل: كمبضع تمر الى هجر، و "كجالب التمر إلى هجر". وكانت تصدره إلى البوادي والى اليمامة، حين يقل تمرها. وقد عرفت بكثرة وبائها. قال "عمر": لا عجبت لتاجر هجر وراكب البحر"، كأته أراد لكثرة وبائها وخطر البحر، فتاجرها وراكب البحر في الخطر سواء.

واشتهرت خيبر بكثرة تمورها كذلك، حتى ضرب بها المثل في كثرته كما ضرب المثل بكثرة تمر هجر. قال "حسان بن ثابت ": فأنا ومن يهدي القصائد نحونـا  كمستبضع تمراً إلى أهل خيبرا

وقال "خارجة بن ضرار المري": فإنك واستبضاعك الشعر نحونا  كمستبضع تمراً إلى أهل خيبرا

ولا تزال أرض خيبر تحتضن النخيل وتتعهدها بالعناية والرعاية، وقد وصف "فلبي"موضعها في الوقت الحاضر، وذكر إن الذي يعتني بالنخيل، هم قوم من "العبيد"، يقومون بفلاحة الأرض وبالعناية بالشجر، مقابل الحصول على نصف الحاصل، فإذا حل موسم القطاف، أخذت الحكومة حصتها قبل اقتسام الحاصل، ثم قسّم الباقي بين الأعراب الذين يدعون ملكية الأرض وبين العبيد الذين يسهرون طيلة ايام السنة على رعاية الشجر وعلى الزرع، والمفروض أن تكون القسمة قسمة عادلة، قسمة مناصفة، غير إن الأعراب يشتطون في القسمة فيأخذون لهم أكثر مما يأخذ العبيد. وينطبق هذا الوصف على حالة قسمة الحاصل في المواضع الأخرى من جزيرة العرب في الجاهلية، ولا سيما في العربية الجنوبية. فقد كان جباة الحكومة أول من يأخذ حصة الحكومة، أو حصة الحاكم المهيمن على المكان، ثم يأتي دور صاحب الأرض، الذي يحاول الاستئثار بالحاصل حتى لا يترك للفلاح الذي يفلح ويتعب ويكدّ إلا أقل ما يمكن اعطاؤه له.

وبأرض -خيبر جملة عيون ومسايل ماء، لا زال الناس يزرعون عليها. وتوجد آثار نقوش وكتابات تشير إلى سكن كان بهذا الموضع يعود إلى أيام الجاهلية. وقد عثر "فلبي"على نقود قديمة، ومن الممكن استصلاح أرض خيبر وتحويلها إلى أرض زراعية منتجة.

و "تيماء"من المناطق الخصبة كذلك. وتشاهد آثارها ظاهرة للعيان. وقد حصل المنقبون على مجموعات أثرية منها، في جملتها قطع من النقود تعود إلى القرن الاْخير قبل الميلاد. وهناك آثار آباًر ومسايل ماء تدل على أن الأرض كانت مخصبة مزروعة، ومن أشهر آبارها بئر "خداج". يستقي منها الأعراب ويزرعون عليها في الوقت الحاضر. وقد وجد "فلبي"صوراَ وصخوراً منحوتة تمثل رأس الإلهَ "صلم"إلَه ثمود وإلَه هذه المنطقة، وأمامها أرض ممهدة كانت موضع تقديم القرابين لذلك الإلَه.

وقد وجد "فلبي"وغيره من السياح ممن زار هذه الأرضين الواقعة شمال "يثرب"، آثار مستوطنات جاهلية كثيرة وآثار قنوات وآبار ومسايل مياه، تدل على أنها كَانت عامرة مزروعة، وان في الامكان احياءها، وآن آفة اندثارها هو كثرة الغزو الذي وقع عليها وعدم وجود حكومات تدافع عنها وتحميها من غزو الأعراب، الذين كانوا وباًءً بالنسبة للحضر، ينهبون ما يجدونه اًمامهم ويحرقون الزرع ثم يهربون.

وعرفت اليمامة بتمورها أيضاً، وهو أنواع عديدة، وكان الأعراب يأتونها لشراء التمر منها، وقد عرف الذين يردون اليمامة لامتيار التمر ب" السواقط"، و "السقاط"ما يحملونه من تمر.

وعرفت يثرب وما حولها وما وقع أعلاها إلى بلاد الشام بكثرة نخلها، وهو نخل زرع سككاً في بساتين على طريقة الأنباط في أمصارهم.، لا يخافون عليها كيد كائد. تتخلله السواني والسواقي لتسقيه، فيثرب حوائط وآطام، عاش أهلها على الزرع والغرس والجلاد. وقد أشير إلى كثرة نخل يثرب في شعر ينسب إلى الشاعر "امرىء القيس"، فنعتها ب "جنة يثرب":

علون بأنطاكية فوق عقـمة  كجرمة نخل أو كجنة يثرب

وقد افتخر "كعب بن مالك"يوم الخندق على قريش بأن قومه غرسوا النخل حدائق تسقى بالنضح من آبار ثقبت من عهد "عاد"أي من آبار قديمة جداً، فهي تسقي النخيل المغروسة عليها، ولهم رواكد فيها "الغاب"و "البردى"يزخر فيها نهر "المرار"، ولهم الزرع الذي يتباهى بسنبله الجميل، لا سيما إذا أصابته أشعة الشمس، لم يجعلوا تجارتهم اشتراء الحمير لأرض دوس أو مراد، بل أثاروا الأرض وحرثوها وغرسوها على نحو ما تفعل النبط في أمصارها، لا يخافون عليها كيد كائد، دلالة على عز أهل يثرب ومنعتهم وأنهم لم يغلبوا على بلادهم من قديم الدهر كما أجليت أكثر الأعاريب عن محالها وأزعجها الخوف عن مواطنها.

ومن أنواع التمور: "الصرفان"، و "البرني"، تمر أصفر مدور، من أجود التمور. وقيل: ضرب من التمر أحمر مشرب بصفرة كثير اللحاء عذب الحلاوة. و "التعضوض"ضرب من التمر، والعمر نخل السكر، وهو معروف عند أهل البحرين. و "البحون"، ضرب من التمر، والصفرى، وقد نعت بأنه سيد التمور، ثم "السرى"، ثم "اللصف"، ثم "الفحاحيل"، ثم "المجتنى"، ثم "الجعا دى"، ثم "الشماريخ"، ثم " المشمرخ"، ثم "البياض"، ثم "السواد"وهما ألوان كثيرة.

الكرم

والكرم شجر العنب، والعنب، ثم الكرم. وقد زرع في مواضع كثيرة من جزيرة العرب في البساتين وفي الحدائق. وفي الأماكن التي توفرت فيها المياه والجو الطيب المناسب لزراعته، مثل اليمن، التي اشتهرت به، و "الطائف"وهو أجناس عديدة،بعض أصيل أي من نابت جزيرة العرب ومن تربتها، وبعض مستورد استورد من بلاد الشام بصورة خاصة ومن أماكن أخرى، فغرس في بلاد العرب ونبت نباتاً حسناً، وأجاد اجادة طيبة،جعل زرّاع الكروم يكثرونه من زراعته.

والعنب، هو "عنيم"، أي "عنب"في لغة المسند كذلك.

وإذا يبس العنب دعي "زبيباً". ويعرف الزبيب ب "فصمم"، أي "فصم""فصيم"في اللهجة الحميرية. وقد وردت هذه اللفظة في نص أبرهة، بمناسبة توزبع أبرهة الزبيب على العمال. الذين ساهموا في بناء سد مأرب.

وقد كان أهل اليمن كما يظهر من نصوص المسند يكثرون من زراعة الأعناب ويربحون من زراعتها كثيراً، بدليل ورود كثير من النصوص الزراعية، وفيها: أن أصحابها قد غرسوا أعناباً في المناطق الفلانية والفلانية، اًو ورثوا المزرعة الفلانية وفيها أعناب كثيرة. وبدليل حفر صور أغصان العنب وعناقيد العنب في الأحجار وابرازها على الألواح المصنوعة من الجبس، أو حفرها على الأخشاب للزينة والزخرفة، وتفننهم في ذلك، حتى صارتَ هذه الزخرفة من مميزات الفن اليماني. وما كانوا يفعلون ذلك لو لم يكن للاعناب وجود في اليمن، ولو لم تَكن زراعته منتشرة كثيراً في تلك البلاد.

ومن أنواع العنب: العنب "الجرشي"، وهو عنب طيب، يقول علماء اللغة: هو أطيب العنب كله، وهو أبيض إلى الخضرة، رقيق صغير الحبة، وهو أسرع العنب إدراكاً، عناقيده طوبلة، ينسب إلى جرش، مخلاف باليمن. والعنب "الكلافي"، وهو نوع من أنواع أعناب أرض العرب، وهو عنب أبيض فيه خضرة، وزبيبه أدهم أكلف، ولذلك سمي: الكلافي. وقيل: هو منسوبّ إلى الكلاف بلد بشق اليمن. والعنب التربي نسبة إلى "تربة"، والعنب التبوكي نسبة إلى تبوك. و "الرمادي"، ضرب من العنب بالطائف أسود. أغبر. و "الغربيب"، ضرب من العنب بالطائف شديد السواد، وهو من أجود العنب وأرقه وأشده سواداً. و "الحمنان"، عنب طائفي، أسود إلى الحمرة صغير الحب. والدوالي نوع من الكروم.

و "العنجد"، الزبيب، أو ضرب منه، أو الأسود منه، أو الرديء منه. و "الفرصد"، عجم العنب، اًو عجم الزبيب.

وقد اشتهرت قرية "ثافت"باليمن يكثرة كرومها، ويقال لها "أثافت " و "اثافة"أيضاً. وقد عرفت بخمرها المصنوع من هذه الكروم. وكان الأعشى كثيراً ما يتجر فيها، وكان له معصار للخمر يعصر فيها ما جزل له أهل أثافت من أعنابهم.

ويقال "الأكار"لمن يشتغل في بستان عنب. ويقال للأكار "الجوار". والأكار الزراع والحرّاث.

والتين هو من الأشجار المعروفة في الحجاز وفي اليمن وفي مواضع أخرى من جزيرة العرب. وقد أشير إليه في القران الكريم. وهو كثير في أرض العرب، وأجناسه كثيرة، برية، وريفية، وسهلية، وجبلبة. ويكون أخضر اللون، أو أصفر،واحمر وأسود. وهو كثير بالسراة مباح، يؤكل رطباً ويزبب ويدخر.

وذكر بعض علماء اللغة انه "البلس"، وقال بعض آخر: البلس: ثمر كالتين يكثر باليمن، وقيل هو التين نقسه إذا أدرك. ومنه "الطبار"، قيل هو تين كبير من أكبر أنواع التين، كميت أنى تشقق، واذا أكل قشر لغلط لحائه، فيخرج أبيض، ويزبب. وذكر بعض علماء اللغة، انه من شجر الضرف، وهو على صورة التين، إلا انه أدق. و "الضرف"، شجر التين، يقال لثمره البلس. أو هو من شجر يشبه الأتأب في عظمه وورقه، إلا إن سوقه غبر مثل سوق التين، وله تين. وقيل: له جني أبيض مدوّر مفلطح كتين الحماط الصغار، مرُّ يضرس يأكله الناس والطير والقرود.

والرمان من الِفواكه المعروفة في الحجاز وفي اليمن، وقد ذكر في القرآن الكريم. ومنه أنواع برّية، ذكر بعض علماء اللغة منها "المظ". وهو ينبت في جبال السراة " وفي بقية الجبال. وذكر بعض آخر، أنه شجر الرمان. و "الجشب"قشور الرمان عند أهل اليمن.

والتفّاح بأرض العرب كثير. والموز معروف عندهم، ولا سيما في العربية الجنوبيه وفي التهائم. و "الخوخ"معروف عند العرب، ويقال له "الفرسك".

و "الفرصاد"، التوت أو حمله أو أحمره. و "التوت"من الألفاظ المعربة. ويربون على ورقه ديدان الحرير.

و "الزيتون"، شجر معروف في بلاد العرب، استخرجوا منه زيت الزيتون. وقد ذكر في القرآن الكريم.

و "السدر"، من الأشجار المعروفة في كل مكان من جزيرة العرب. ورد ذكره في القرآن. واستعمل ورقه في مقام الصابون، كما استفيد من ثمره ومن أغصانه وأخشابه. وهو يتحمل الصبر على العطش لعمق جذوره في باطن الأرض. وبذلك لاءم جوّ جزيرة العرب هذا النوع من الشجر، وما زال الناس يزرعونه في كثير من المواضع. وقد استعمل مظلة يجلسون تحتها في أيام الحرّ الشديد ومجلساً يجلسون فيه لتمضية الوقت والتسلي والترويح عن النفس.

والسدر من العضاه، هو لونان، فمنه عبري ومنه ضال. فأما العبري، فما لا شوك فيه إلا ما لا يضير. وأما الضال، فذو شوك. وذكر أهل الأخبار: أن أجود نبق يعلم بأرض العرب. نبق هجر. وهر أشد نبق حلاوة وأطيبه رائحة. يفوح فم آكله وثياب ملابسه كما يفوح العطر.

الجوز

والجوز معروف بأرض العرب، ويربى باليمن، وبالسروات شجر جوز لا يربى ؛ وخشبه موصوف بالصلابة والقوة،وينبت الجوز في الجبال والمرتفعات. وقد أشير إلى صلابة وقوة خشب الجوز في شعر للأعشى. وقد زعم إن سفينة "نوح"كانت من خشب الجوز. والجوز نوعان: جوز يربى، أي يزرعه الإنسان بنفسه ويرعاه، وجوز وحشي، نبت على الطبيعة، دون إن تزرعه يد انسان. وهو أنواع عديدة، لها اًسماء ترد في كتب إللغة.

اللوز

واللوز ثمر معروف في بلاد العرب، ومن أسمائه القمروص. وهو على نوعين: حلو ومر. وقد استعملا في المعالجة: في معالجة أمراض عديدة، من باطنية وجلدية. واستعمل الحلو منه في الطعام، وفي الحشو. والثمر الملوّ ز، هو الثمر المحشو به. وذلك إن ينزع منه نواه، وبحشى فيه اللوز، واللوز، صنف من المزج، والمزج ما لم يوصل إلى أكله إلا بكسر،وقيل هو ما دق من المزج. أو المرّ من اللوز.

الثمر

والثمر، حمل الشجر. وهو "ثمر"في نصوص المسند كذلك، ويجمع عندهم على "اثمر"، أي "أثمار". و "الفاكهة"الثمر كله. وفي القرآن الكريم: )وفاكهة وأباً(. قال العلماء الأب الكلأ، وما تأكله الأنعام، والمرعى كله. والفاكهة ما أكله الناس. فالأب من المرعى للدواب كالفاكهة للانسان.

ويحتاج الشجر المثمر إلى رعاية وعناية وحماية من أذى الطبيعة ومن أذى الإنسان والحيوان فعلى صاحبه حمايته من الشمس المحرقة، ومن البرد الشديد ومن الأهوية والعواصف، ومن الحشرات التي قد تصيبه فتاْتي عليه، ومن الأمراض والآفات الزراعية، ومن تطاول إنسان غريب عنه عليه، بقطعه أو بسرقة ثمره، ثم حمايته من أذى الحيوان، بأكله أو باًكل ورقه أو ثمره، وكسر أغصانه، وأمثال ذلك مما يلحقه من أذى بالشجر وبثمره.

ولحماية الشجر، أحاطوا الأرض المشجرة بحائط مرتفع قدر الإمكان، ليمنع الإنسان أو الحيوان من دخولها، ومن الاعتداء على شجرها أو ثمرها، ويقال لها "الحائط". و "الحائط"البستان. وقد أطلقت اللفظة على البستان من النخل في الغالب وكانت "يثرب"، ذات "حوائط". وقد أشير إليها في الحديث: ورد: "على أهل الحوائط حفظها بالنهار. يعني البساتين".

وقد عني أهل الجاهلية بتحسين وبتنوبع وبتطعيم أشجارهم المثمرة، وكان منهم مثل أهل الطائف واليمن من استورد الشجر المثمر الجيد من الخارج. من بلاد الشام ومن افريقية والهند ومن المواضع التي اشتهرت بصنف جيد من أصناف الشجر من جزيرة العرب " وبذلك نوّعوا ثمرهم وحسنوا أصناف شجرهم، ويظهر أثر استيراد الشجر من خارج جزيرة العرب، من الأسماء الأعجمية التي عرفت بها في الجاهلية، والتي تتحدث عن المكان الذي استوردت منه.

وقد ذكر أهل الأخبار اسماء عدد من الأشجار نبتت ونمت نمواً طبيعياً، منها ما نبت على الجبال والمرتفعات، ومنها ما نبت في البوادي وفي التهائٍم. فهي من الأشجار الوحشية التي لم تزرعها يد إنسان. بعض منها مثمر، يستفاد من ثمره، وبعض منه مثمر، غير أنه لا يمكن الاستفادة من ثمره، ولا ينتفع به إنسان أو حيوان. وبعض منه عقيم، غير مثمر.

ومن الأشجار المعروفة: التين الوحشي، أو التين البري. ويكثر وجوده في الجبال والمرتفعات. وقد عرفت جبال السراة بكثرة وجود هذا التين بها، والزيتون الوحشي "العتم". ذكر علماء اللغة إن "العتم"شجر الزيتون البري، وقيل هو ما ينبت منه في الجبال، ويوجد شجر يشبهه ينت باًلسراة. ويستخرج الأهلون اليوم منه دهناً قاتم السواد يسمى "القطران"، لطلاء الأبواب والنوافذ في أرض "شمران"المحاذيهَ للسراة في المملكة العربية السعودية. واتخذت منه الأسوكة. ورد: الأسوكة ثلاثة: أراك، فإن لم يكن فعتم أو بطم.

والحماط، شجر شبيه بالتين، خشبه وجناه وريحه، إلا إن جناه هو أصغر وأشد حمرة من التين، ومنابته في أجواف الجبال، وقد يستوقد بحطبه ويتخذ خشبه لما ينتفع به الناس، ويبنون عليه البيوت والخيام. وقيل هو في مثل نبات التين،غير انه أصغر ورقاً وله تين كثير صغار من كل لون أسود وأملح واصفر، وهو شديد الحلاوة، ويحرق الفم إذا كان رطبأَ، فإذا جفّ ذهب ذلك عنه، وهو يدخر، وله إذا جف متانة وعلوكة، وهو أحب شجر إلى الحيات، تألفه كثيراً، ولذلك قيل: شيطان حماط. وهو شجر التين الجبلي، أو هو الأسود الصغير المستدير منه، أو هو شجر "الجميز". و "الجميز " التين الذكر، يكون بالغور، وهو حلو، وهو الأصفر منه والأسود يدمي الفم.

والتألب، وينبت بجبال اليمن، وله عناقيد كعناقيد البطم، فإذا أدرك وجف اعتصر للمصابيح، وهو أجود لها من الزيت. وتقع السرفة في التألبة فتعريها من ورقها. ويتخذ من عيدان التألب القسيّ. و "الألب"شجرة شاكة كاللاترج، ومنابتها قرى الجبال، وهي سمّ، يؤخذ خضبها وأطراف أفنانها فيدق رطباً ويقشب به اللحم ويطرح للسباع كلها، فلا يلبثها إذا أكلته، فإن هي شمّته ولم تأكله عميت عنه.

و "الشوحط"، ضرب من شجر الجبال، تتخذ منه القسيّ. ويكثر وجوده في جبال السراة، فإنها هي التي تنبته. وله ثمرة مثل العنبة الطويلة، إلاّ أن طرفها أدق. وهي لينة تؤكل، و "النبع"، شجر من أشجار الجبال، أصفر العود رزينه ثقيله في اليد، وإذا تقادم احمر. تتخذ منه القسي". وكل القسيّ إذا ضمّت إلى قوس النبع كرمتها قوس النبع، لأنها أجمع القسي للارز واللين، ولا يكون العود كريماً، حتى يكون كذلك، أي شديداً ليناً. وتتخذ السهام من أغصانه. وله ذكر في شعر الشعراء الجاهليين.

ومن أشجار الجبال: "الرنف"، و "الحثيل"، و "البان"، و"الظيان". و "الرنف"، شجر ينضم ورقه إلى قضبانه إذا جاء الليل وينتشر بالنهار. وفي مقتل "تأبط شرأ"، أن الذي رماه لاذ منه برنفة، فلم يزل - "تأبط شراً"يجدمها بالمسيف حتى وصل إليه فقتله، ثم مات من رميتهْ. و"الحُثيَلْ"، شجر جبلي يشبه الشوحط، ينبت مع النبع وأشباهه. و "البان"، شجر، ولحبّ ثمره دهن طيب. وتعالج بحبه جملة أمراض جلدية وداخلية. وهويطول باستواء مثل نبات الأثل، وورقه له هدب كهدب الأثل، وليس لخشبه صلابة. وعدّه بعض العلماء من العظاه، وله ثمرة تشبه قرون اللوبياء، إلاّ أن خضرتها شديدة. فهو من النبات الذي تطبب به. و "الظيان"، ياسمين البرّ، وهو نبت يشبه النسرين، وضرب من اللبلاب. وقد دبغ بورقه، ويلتف بعضه على بعض. وهو على هذا التعريف، ليس من الأشجار التي تعطي الخشب. وبعض ما ذكرته ينبت في الهضاب والأودية. وذكر أن للظيان، ساق غليظة، وهو شاك، ويحتطب. وله سنفة كسنفة العشرق. والسنفة: ما تدلى من الثمر وخرج عن أغصانه. والعشِرق: ورق يشبه الحندقوقا منتنة الرائحة.

والقرظ، شجر عظام لها سوق غلاظ، أمثال شجر الجوز وورقه أصغر من ورق التفاح، وله حب يوضع في الموازين. وهو يخبت في القيعان، واحدته قرظة. ويستعمل حبه للتداوي. ويدبغ به، ويستخرج صبغ منه، يصبغ به الأديم. والقرظ من أشهر مواد الدباغة وصبغ الجلود عند الجاهليين.

و "الضهياء"، وهو شجر يشبه العنّاب تأكله الإبل والغنم. و "العرعر" شجر يعمل به القطران، وهو شجر عظيم جبلي لا يزال أخضر، يسميه البعض "السرو"، وقيل: الساسم، وقيل الشيزى، وله ثمر أمثال النبق، يبدو خضر، ثم يبيض، ثم يسود حتى يكون كالحمم، ويحلو فيؤكل واحدته عرعرة. و "البشام"، شجر عطر الرائحة طيب الطعم، يدق ورقه ويخلط بالحناّء يسود الشعر. و قيل: هو شجر ذو ساق وأفنان وورق صغار، أكبر من ورق الصعتر، ولا ثمر له، واذا قطعت ورقته أو قصف غصنه هريق منه لبن أبيض. قيل: ويستاك بقضبه. وفي حديث "عتبة بن غزوان"، ما لنا طعام إلا ورق البشام.

و "الد لب"، شجر "الصنّار"، معرب "جنار" الفارسية، و احدته "دلبة"، شجر عظيم، ورقه يشبه الخروع إلا أنه أصغر منه، ومذاقه مرَ عصف، وله نوّار صغار. يتخذ منه النواقيس. تقول العرب: هو من أهل الدربة بمعالجة الدلبة، أي هو نصراني. و "التنضب"، شجر ضخام ليس له ورق، وهو يسوق وبخرج له خشب ضخام وأفنان كثيرة، وإنما ورقه قضبان تأكله الإبل والغنم. وقال بعض العلماء: التنضب شجر له شوك قصار، وليس من شجر الشواهق، تألفه الحرابى. وذكر بعض اخر، أن التنضبة شجرة ضخمة يقطع منها العمد للاخبية، وتتخذ منها السهام. وذكر بعض آخر: التنضب شجر حجازي، وليس بنجد منه شيء إلا جزعة واحدة بطرف "ذقان"عند التقيدة، وهو ينبت ضخماّ على هيئة السرح، وعيدانه بيض ضخمة، وهو محتظر وورقه منقبض ولا تراه إلا كأنه يابس مغبرّ وان كان نابتاً. وشوكه كشوك العوسج، وله جني مثل العنب الصغار يؤكل. وهو أحيمر. ودخان التنضب أبيض مثل لون الغبار، ولذلك شبهت الشعراء الغبار به. وقد قطعت منه العصي الجياد. وذكر أن للتنضب تمراً يقال له "الهمقع"يشبه المشمس يؤكل طيباً.

والأيدع، شجر يشبه الدلب، إلا أن أغصانه أشد تقارباً من أغصان الدلب، له وردة حمراء، وليس له ثمر، نهى الرسول عن كسر شيء من أغصانه وعن السدر والتنضب والشبهان، لأن هؤلاء جميعأَ ذوات ظلال يسكن الناس فيها من البرد والحر.

والشبهان والشبه، نبت كالسمر شائلك له ورد لطيف أحمر،وحب كالشهدانج يشرب للدواء، وترياق لنهش الهوام، نافع للسعال، ويفتت الحصى ويعقل البطن. وذكر انه شجر من العضاه. فهو من النباتات التي تطبب بها. و "السرح"شجر كبير عظيم طويل لا يرُعى وانما يستظل فيه وينبت بنجد في السهل والغائط، ولا ينبت في السهل والغلظ، ولا ينبت في رمل ولا جبل، ولا يأكله المال إلا قليلاً. له ثمر أصفر، أو هو كل شجر لا شوك فيه. وقد ورد ذكره في الشعر الجاهلي.

و "السلم"، شجر من العضاه، وورقه القرظ الذي يدبغ به الأديم. وهو سلب العيدان طولاً شبه القضبان، وليس له خشب، وإن عظم، وله شوك دقاق طوال حاد، وله برمة صفراء فيها حبة خضراء طيبة الريح وفيها شيء من مرارة، وتجد بها الظباء وجداً شديداً. والسماق في جملة الشجر الذي ينبت في جزيرة العرب، ذكر بعض العلماء انه يسمى "الظمخ"في الحجاز، و "العرتن "في نجد. وهو من شجر القفاف والجبال.وله ثمر حامض عناقيد فيها حب صغار.

وهو من النبات الذي يداوى به، في جملة أمراض. وورد إن "الظمخ"، هو شجر السماق، ويقال فيه الظنخ، والزمخ، والطنخ. وان الظمخ، شجرة على صورة الدلب، يقطع منها خشب القصارين التي تدفن، وهي العرن، وهي أيضاً شجرة التين في لغة طيء. وذكر إن "العرنة"عروق "العرنتن"، و "العرنة"خشب الظمخ، واحدتها ظمخة. شجرة على صورة الدلب، يقطع منها خشب القصارين التي تدفن. وقيل هو شجر يشبه العوسج ؛ إلا انه أضخم منه، وهو أثيث الفرع وليس له سوق طوال. وسقاء معرون دبغ به.

و "الخزم"، شجر كالدوم سواء، وله أفنان وبسر صغار يسودّ إذا أينع مرّ عفص لا يأكله الناس. تتخذ من لحائه الحبال. والخزّام بائعه. وذكر أنه شحر يشبه ورقه ورق البرديّ، وله ساق كَساق النخلة يتخذ منه الأرشية الجياد. وأما "الدوم"، فشجر ثمره "المقل". تعبل شجرته وتسمو ولها خوص كخوص النخل، وتخرج أفناء كأفناء النخلة. وذكر أن "المقلى"صمغ شجرة شائكة كشجرة اللبان، وهو الذي يسمى "الكور"، أحمر طيب الرائحة. ينبت بعمان،في جبل يدعى "قهوان"مطل على البحر. وهو من الأدوية المعروفة عند العرب. و "المقل المكي"، ثمر شجر الدوم، الشبيه بالنخلة في حالاتها ينضج ويؤكل، ويستعملونه لمعالجة المعدة. ويتدخن اليهود بالمقل، الذي هو الكندر، وحبّه يجعل في الدواء و "الشقب"، شجر ينبت كنبتة الرمّان وورقه كورق السدر، وجناه كالنبق وفيه نوى. وذكر أنه شجر من شجر الجبال ينبت في جبال اليمن على أفواه الأودية، له أساريع كالشطب التي في السيف، يتخذ منها القسي. و"الإثرار" وله ورق يشبه ورق الصعتر وشوك نحو شوك الرمان، ويقدح ناره إذا كان يابساً فيقتدح سريعأَ، وقد يتخذ من "الإثرار"القطران، كما يتخذ من العرعر.

و "المرخ"من شجر النار عند العرب، أي من الأشجار التي تورى بسرعة وتعطي ناراً طيبة، سربع الورى كثيره، حتى قالوا: في كل شجرة نار، واستمجد المرخ والعفار. وقيل هو من العضاه، وهو ينفرش ويطول في السماء حتى يستظل فيه، وليس له ورق ولا شوك، وعيدانه سلبة قضبان دقاق، وينبت في شعب وفي خشب، ومنه يكون الزناد الذي يقتدح به. ذكروا أنه ليس في الشجر كله أورى ناراً من المرخ، وربما كان المرخ مجتمعاً ملتفاٌ وهبت الريح وجاء بعضه إلى بعض فأورى فأحرق الوادي. ولم ير ذلك في سائر الشجر و "العفار"، من شجر النار كذلك. وهو شجر يتخذ منه الزناد، يسوى من أغصانه فيقتدح به. شبيه بشجرة الغبيراء الصغيرة، وهو شجر خوار. وقيل في قوله تعالى: )أفرأيتم النار التي تورون أ أنتم أنشأتم شجرتها( إنها المرخ والعفار. وهما شجرتان فيهما نار ليس في غيرهما من الشجر.

و "الأراك"من الحمض، وقيل الحمض نفسه، له حمل كحمل عناقيد العنب، يستاك به، أي بفروعه. وهو أفضل ما استيك بفروعه، وأطيب ما رعته الماشية رائحة لبن. تتخذ المساويك من الفروع ومن العروق، وأجوده عند الناس العروق. ويقال للغصن من ثمر الأراك "المرد"، والنضيج منه "الكباث"، و "البرير"ثمر الأراك أيضاً. و "الطلح"، شجر عظيم حجازي جناته كجنات السمرة، وهو شوك أحجن ومنابته بطون الأودية، وهو أعظم العضاه شوكاً وأجودها صمغاً. وذكر بعض علماء اللغة، إن الطلح شجرة طويلة لها ظل يستظل بها الناس والإبل وورقها قليل ولها أغصان طوال عظام، ولها شوك كثير مثل سلاء النخل، ولها ساق عظيمة لا تلتقي عليها يدا الرجل، وهي أم غيلان، تنبت في الجبل، الواحدة طلحة. وذكر بعض آخر، إن الطلح أعظم العضاه وأكثره ورقاً، وأشده خضرة، وله أشواك ضخام طوال وشوكه من أقل الشكوك أذى، وليس لشوكته حرارة في الرجل، وله برمة طيبة، وليس في العضاه أكثر صمغاً منه ولا أضخم ولا ينبت إلا في أرض غليظة شديدة خصبة. وقد فسر بعض العلماء قوله تعالى: )وطلح منضود(، بأنه الطلع، و "الطلع"لغة في الطلح. وذكروا إن الطلع الموز. وهذا في نظر بعض آخر، غير معروف، لأن شجر الموز غير شجرالطلح.

و "النشم"، شجر جبلي، تتخذ منه القسي، وهو من عتق العيدان.

و "الغرب"، شجر، يسوى منه الأقداح البيض. و " العرفط"، شجر من العضاه، وهو فرش على الأرض لا يذهب في السماء، وله ورقة عريضة وشوكة حديدة حجناء، وهو مما يلتحى لحاؤه وتصنع منه الأرشية التي يستقى بها، وتخرح في برمه العلفة كأنها الباقلاء، تأكله الإبل والغنم. وقيل لبرمته الفتلة، وهي بيضاء كان هيادبها القطن. وهو من خرج العيدان، وليس له خشب ينتفع به فيما ينتفع من الخشب وصمغه كثير، وربما قطر على الأرض حتى يصير تحت العرفط، مثل الأرحاء العظام. وذكر بعض علماء اللغة: العرفط، شجرة قصيرة متدانية الأغصان، ذات شوك كثير طولها في السماء كطول البعير بأركالها وريقة صغيرة. تنبت في الجبال، تأكل الإبل بفيها أعراض غصنتها، وذكر أن لصمغها رائحة كريهة، فإذا أكلته النحل حصل في عسلها من ريحه. وقد أشير الى رائحته هذه في كتب الحديث.

و "الغرف"شجر يدبغ به، ويعمل منه القسيّ، وذكر انه لا يدبغ به، وقيل يدبغ بورقه، وإن كانت القسي تعمل من عيدانه، وذكر انه إذا جفّ فمضغ شبهت رائحته رائحة الكافور. وجعله بعضهم ثماماً. فقالوا: الثمام أنواع، منه: الغرف، وهو شبيه باًلأسل، وتتخذ منه المكانس، ويظلل به المزاد فيبرد. و "الشث"شجر من أشجار الجبال، وقيل ضرب من الشجر ونبت طيب الريح مرّ الطعم يدبغ به، ينبت في جبال الغور وتهامة ونجد. وقيل شجر مثل شجر التفاح القصار في القدر، ورقه شبيه بورق الخلاف، ولا شوك له، وله برمة موردة صغيرة، فيها ثلاث حبات أو أربع سود، ترعاه الحمام إذا انتثروه.

وذكر إن "الغُر يَف"شجر خو"ار مثل الغرب أو البردي. و " الضرو " شجرة الكمكام، وهو شجر طيب الريح يستاك به، ويجعل ورقه في العطر، وأكثر منابت الضرو باليمن، وهو من شجر الجبال كالبلوط العظيم له عناقيد كعناقيد البطم، غير انه أكبر حباَ، ويطبخ ورقه فإذا نضج صفي وردّ ماؤه إلى النار فيعقد. يتداوى به. وذكر إن الكمكام قرف شجر الضرو، وقيل صمغ شجرة تدعى الكمكام تجلب من اليمن، وقيل هو علك الضرو. وقرف شجرة الضرو أو لحاؤها من أفواه الطيب. وقد يستاك به.

و "المظ"، شجر الرمان أو بريه، ينبت في جبال السراة ولا يحمل ثمراًَ وإنما ينوّر نوراً كثير. ومنابته الجبال. وفي نوره عسل كثير ويمص وتأكله النحل فيجود عسلها، وله حطب أجود حطب وأثقبه ناراٌ يستوقد كما يستوقد إلشمع. وقيل هو الرمان البري الذي تأكله النحل، وإنما يعقد الرمان البري ورقاً ولا يكون له رمان. وقيل هو: دم الأخوين، وهو دم الغزال، الذي يعرف بالقاطر المكي، وهو عصارة عروق الأرطي، وهي حمر، والإرطاة خضراء، فإذا أكلتها الابل احمرت مشافرها.

و "السماق"من الأشجار التي تنبت بجبال تهامة، وأهل الحجاز يسمونه "الضمخ"، وأهل نجد يسمونه "العرتن".

و "الشوع" شجر البان، أو ثمره. قيل شجر طوال وقضبانه طوال سمجة، ويسمى ثمره أيضاًَ الشوع. وهو يريع ويكثر على الجدب وقلة الأمطار، والناس يسلفون في ثمره الأموال. وأهل الشوع، يستعملون دهنه كما يستعمل أهل السمسم دهن السمسم. وهو جبلي، وقيل ينبت في الجبل والسهل. و "الضبر"، شجر جوز البر، يكون بالسراة في جبالها ينور ولا يعقد. وذكر بعض علماء اللغة، أن "الضبر"، "جوز بويا، و "جوز بوا"، كما يسميه البعض. وذكر بعض اخر، أنه جوز صلب. و"الضباّر"، شجر يشبه شجر البلوط، وحطبه جيد، مثل حطب المط فإذا جمع حطبه رطباً، ثم أشعلت فيه النار، فرقع فرقعة المخاريق، ويفعل ذلك بقرب الغياض التي فيها الأسد. فتهرب.

و "الطباق"، شجر ينبت متجاوراً، لا تكاد ترى منه واحدة منفردة، وهو نحو القامة، وله ورق طوال دقاق خضر تتزلج، إذا غمزت يضمد بها الكسفر يجبر. وله نور أصفر مجتمع، ولا تأكله الإبل ولكن االغنم، ومنابته الصخر مع العرعر، والنحل تجرسه والأوعال أيضأَ. وينبت بجبال نواحي مكة، وقد استخدم في معالجة أمراض جلدية وداخلية، و "السراء" ضرب من شجر القسي و "الصوم"، شجرة بلغة هذيل، قيل إنها على شكل الإنسان، كريهة المنظر جداً، يقال لثمرها رؤوس الشياطين، يعني بالشياطين الحيات، وليس لها ورق. وقيل لها هدب ولا تنتشر أفنانها بنبت نبات الأثل، ولا تطول طوله، وأكثر منابتها بلاد "بني شبابة".

و"القتاد" شجر ضخم ينبت بنجد وتهامة. وهو شجر صلب له شوك كالأبر. وهو من العضاه. وهو ضربان، فأما القناد الضخام، فإنه يخرج له خشب عظام وشوكة حجناء قصيرة، وأما القتاد الآخر، فإنه ينبت صعداً ينفرش منه شيء وهو قضبان مجتمعة، كل قضيب منها ملان ما بين أعلاه وأسفله شوكاً، وفي المثل: من دون ذلك خرط القتاد. وإبل قتادية تأكل شوك القتاد.

و "الأشكل"، السدر الجبلي، وقيل: شجر مثل شجر العتاب في شوكه وعقف اغصانه، غير أنه أصغر ورقاً وأكثر أفنافاً، وهو صلب جداً، وله نبيقة حامضة شديدة الحموضة، منابته شواهق الجبال تتخذ منه القسي.

و "الصاب"و "السلع"ضريان من الشجر مران، والمصاب قصب السكر. و "السّرح"من الأشجار، له ثمر يقال له "الأء"، يشبه ألزيتون عل قول أو الموز على قول اخر. يأكله الناس ويرتبون منه الرب و "الغضور"شجر أغبر ينبت في كل جبال تهامة. وذكر أن "السرح"شجر كبار عظام طوال لا ترعى وإنما يستظل فيه، وينبت بنجد في السهل والغلظ، ولا ينبت في رمل ولا في جبل ولا يأكله المال إلا قليلاّ له ثمر أصفر وقيل السرحة، دوحة محلال واسعة يحل تحتها الناس في الصيف يبنون تحتها البيوت.

و "الغاف"شجر عظام ينبت في الرمل ويعظم،وورقه أصغر من ورق التفاح، وهو في خلقته، وله ثمر حلو جداً، وهو غلف كأنه قرون الباقلى وخشبه أبيض، أو هو شجر الينبوت يكون بعمان. وذكر إن الغاف من العضاه، وهي شجرة نحو القرظ شاكة حجازية تنبت في القفاف.

الأشجار العادية

ونجد في كتب اللغة والأخبار ألفاظاً تعبر عن قدم الأشجار وضخامتها، فاستعملوا "العادي"، و "الدمل"، و "العدملة"، و "العُدملي"للقديم من الشجر. وقد رأينا انهم استعملوا "العادي"بمعنى الشيء القديم، ولا شيء قديم لا يعرف أصلهْ. ومنه "العيدانة"، للشجرة الصلبة القديمة، التي لها عروق نافذة الى الماء و "العدمل"، كل مسنّ قديم وقيل هو الضخم القديم من الشجر و "العدولي"، الشجرة القديمة الطويلة و "الربوض"، الشجرة العظيمة الضخمة الغليظة و الدواثح، آلعظام من الشجر و "الهيكل"،النبات الطويل، البالغ العبل، اًي العظيم، وكذلك الشجر أما الشجرة الطويلة، فيقال لها "سحوق"و "سهوق". والنخلة السحوق، الطويلة التي بعد ثمرها على المجتني. وقيل هي الجرداء الطويلة التي لا كرب لها و "السمق"من الشجر، هو الشجر الطويل المرتفع. والقراح، النخل الطويل الذي زال كربه وصار أملس.

جماعة الشجر

وفي دواوين اللغة ألفاظ كثيرة أطلقت على جماعة الشجر من حيث كثافتها فيَ أرض تنبت بها، ومن هذه الألفاط: "الدحل"، الشجر الملتف، كالدغلْ. و "الدغل"، الشجر الكثير الملتف، وقيل هو اشتباك النبت وكثرته، وأعرف ذلك في الحمض، والجمع " أدغال. و "الشجراء"، اسم لجماعة الشجر، و "الغيضة"، مجتمع الشجر في مغيض ماء، والمراد بالشجر، أي شجر كان، أو خاص بالغرب لا كل شجر، و "الأجمة"، الشجر الكثيف الملتف. وأما "الغيطلة"، فهي الشجر الكثيف الملتف، وجماعة الشجر والعشب وكل ملتف مختلط، وقيل جماعة الطرفاء. و "الحرجة"، اسم لمجتمع الشجر، وقيلً الشجر الملتف. وقيل الحرجة تكون من السمر والطلح والعوسج والسلم والسدر. وقيل هو ما اجتمع من السدر والزيتون وسائر الشجر. و "العيص"، الشجر الكثير الملتف، وقيل هو الشجر الملتف النابت بعضه في أصول بعض. وقيل: ما اجتمع بمكان وتدانى والتف من السدر والعوسج والنيع والسلم من العضاة كلها وهو من الطرفاء الغيطلة، ومن القصب الأجمة. وقيل العيص، ما التف من الشجر وكثر مثل السلم، والطلح، والسيا ل، والسدر، والعرفط، والعصاه. وأما "الرمخ"، فالشجر المجتمع كذلك.

وأما "الغيل"، فالشجر الكثير الملتف الذي ليس بشوك يستتر به. وقيل جماعة القصب والحلفاء وأما "الغريف"، فالشجر الكثير الملتف من أي شجر كان، أو الأجمة من البردي والحلفاء، وقد يكون من الضال والسلم. وأما "الأبأة"، فالقصبة، أو أجمة الحلفاء والقصب خاصة، وماؤها شر المياه. وأما "الزأرة"،فالأجمة ذات الحلفاء و الماء و القصب. و "الزأرة"قرية كبيرة بالبحرين، وبها عين معروفة، يقال لها عين الزأرة، وقيل "مرزبان الزأرة"كان منها. و "المرز بان" الرئيس، أي رئيس الأجمة. و "الخيس"، "الخيسة": فالشجر الكثير الملتف، والمجتمع من كل الشجر، أو ما كان حلفاء وقصباً، وقيل الملتف من القصب والأشاء والنخل. وقيل: منبت الطرفاء وأنواع الشجر، و الخيسة، الأجمة، و "الربض"، جماعة الطلح والسمر، وقيل: جماعة الشجر الملتف. و "الوهط"، ما كثر من العرفط، وقيل: وهط من عشر، كما يقال عيص من سدر. وقيل: الوه: المكان المطمئن من إلاْرض المستوى، تنبت فيه العضاه، والسمر، والطلح، والعرفط. ويقال للغملى من النبات، وهو ما التف بعضه على بعض "الشربب".

و "الأيكة"، الشجر الملتف الكثير، وقيل: الغيضة تنبت السدر وألأراك ونحوهما، أو الجماعة من كل الشجر حتى من النخل، وخص بعضهم به منبت الأثل ومجتمعه. وقال بعض علماء اللغة: الأيك الجماعة الكثيرة من الأراك تجتمع في مكان واحد. وقد ذكرت الأيكة في القرآن الكريم. قيل أن شجر أصحاب الأيكة كان الدوم، وقيل: أثل ورهط من عشر، وقصيمة من غضى. وأما "العيكة" فلغة في الأيكة.

و "الغابة": الأجمة ذات الشجر المتكاثف، لأنها تغيب ما فيها، وقيل الغابة: الأجمة التي طالت ولها أطراف باسقة. يقال: ليث غابة. وقيل الغابة أجمة القصب. وفي الحديث: كان منبر الرسول من أثل الغابة، وفي رواية من طرفاء الغابة. والغابة غيضة ذات شجر كثير، وهي على تسعة اميال من المدينة. وقيل: موضع قريب من المدينة. والعرب تسمي ما لم تصبه الشمس من النبات كله: الغيبان.

و "الصور"، جماع النخل، وقيل النخل المجتمع الصغار. قيل: ويقال لغير النخل من الشجر صور. و "العقدة"، المكان الكثير المشجر، يرعونه من الرمث والعرفج، وقيل الحائط الكثير النخل. وتنبت القصباء والحلفاء في الماء الراكد أو الهادىء، على حواشي الأنهار حيث يظهر الماء في المنخفضات. جاءفي شعر للأعشى: كبردية الغيل وسط الغريف إذا ما أتى الماء منها السديرا

والقصباء جماعة القصب، وقيل منبتها. وقد أقصب المكان، وأرض قصبة ومقصبة، أي ذات قصب. وينبت في المواضع التي يكثر وجود الماء الراكدة أو الهادئة بها، مثل المستنقعات والبطاثج، مثل بطائح العراق، حيث تعد من أهم منابت القصب والبردي في العراق حتى اليوم.

والقصب مادة مهمة لأهل الريف، ولمن يعيش على الماء، مثل أهل البطائح والأهوار، والمستنقعات، والأجم التي تتخلها المياه. إذ اتخذوا منها بيوتاً صنعوها من القصب، ولا زال سكان "الأهوار" في العراق يصنعون بيوتهم من القصب. واتحذوا منها فراشاً. يجلسون عليه، هو "البارية"، ويقال لها "البوري"، و "البورية"، و "البورياء"، و "الباري"، و "البارياء". الحصير المنسوج من القصب. وقد أشير إلى "البوري"في الحديث.

والحلفاء نبت من الأغلاس، قلما تنبت إلاّ قريباً من ماء أو بطن واد، وهي سلبة غليظة المسّ، وقد يأكل منها الإبل والغنم أكلاً قليلاً، وهي أحب شجرة إلى البقر. وقد كانت الأسود تأوي إليها. ومن مآوي الأسود الآجام ومنابت الحلفاء. وقد تجف، إذا قلَّ الماء.

والبرَدي من النبات الذي يحتاج مثل القصب والحلفاة إلى ماء. فهو لا ينبت إلا قريباً من ماء أو في مستنقع أو هور، أو منخفض فيه ماء. ويؤلف أجمة في وسط ماء.

و "الجليل"، نبت ضعيف يحشى به خصاص البيوت. وهو "الثمام"في رأي بعض علماء اللغة. و "الثمام"،نبت ضعيف له خوص، أو شبيه بالخوص،وربما حشي به وسدّ به خصاص البيوت. وهو أنواع، فمنها: الضعة ومها الجليلة، ومنها الغرف، وهو شبيه بالأسل وتتخذ منه المكانس، ويظلل به المزاد فيبرد الماء. يقال: "بيت مثموم"مغطى به. وقد يستعمل لإزالة البياض من العين.

الفحم وقطع الشجر

وقد صنع أهل الجاهلية من النباتات البرية والأشجار الجبلية الفحم، وهم لا يزالون يصنعونه من هذه المواد. وذلك بإشعالها أولاً ثم باطفاء جمرها،للاستفادة من الفحم الحاصل من ذلك في أغراض شتى. ويحمله أصحابه إلى أهل المدر، لبيعه لهم، أو لمقايضته مع الباعة بمواد أخرى يحتاجون إليها. وقد أدى الإسراف في ذلك وفي قلع الأشجار البرية النابتة بالطبيعة دون التعويض عنها بزراعة غيرها في مكانها، الى تحوّل الأرضين الشجراء إلى أرض جرداء، وإلى إلحاق ضرر كبير بمصدر ثروة مهمة من الثروات الطبيعية.

وتشاهد في كثير من المناطق الجبلبة والنجود بقايا أشجار قديمة وأصول اشجار ممتدة بين الصخور تدل على أن هذه المناطق الجرد كانت ذات أشجار باسقة، ولكنها أصابها الدمار بفعل جهل الإنسان واعتدائه عليها، وعدم عنايته بها،فتلفت وبادت، حتى استحالت تلك البقاع الشجراء قفاراً جرداَ.

وكان مما ضيق من مساحة الأرضين المشجرة، التي شجرتها الطبيعة بنفسها،قطع الإنسان الشجر من عروقه أو من موضع اتصال الساق بالأرض، للاستفادة من المقطوع إلى أقصى حدّ ممكن، مما أهلك النبت، فأمات عروقه، وقطع عنه مادة الحياة، ولم يحفل بغرس آخر في مكانه، ليآخذ محله، لأن الأرض ليست أرضه، وانما هو يريد بيع الخشب والحطب ليستفيد من الثمن، فقلت مساحة الأرض المشجرة بالطبيعة، بهذا التجاوز الفظيع. ولم تعوض الطبيعة الإنسان عن الضرر الذي ألحقه بنتاجها، فقد أعطته كثيراً، وكان من الواجب عليه أن يعينها في الانبات، لا أن يعمل على إفساد ما زرعته.

آفات زراعية

ويفهم من بعض النصوص الجاهلية إن الزراعة كانت تتعرض لآفات زراعية خطيرة تقضي على المزروعات في بعض الأحيان. وطالما وجدنا أصحابها يسألون الآلهة وقاية مزروعاتهم وحمايتها وانزال البركة عليها ومنحهم غلات وافرة كثيرة. وقد يكون من بين هذه الآفات: الحشرات والجراد وانحباس المطر. ومن طرق هذه الحماية في نظرهم تسمية الزرع باسم إلهَ، ليكون في حمايته ورعايته. وقد يخصص نصيب منه لذلك الإلهَ، في مقابل حمايته له.

وفي كتب اللغة ألفاظ عديدة في معاني الآفات التي تصيب الزروع، مثل: البثق، وهو داء يصيب الزرع من ماء السماء، و " الغمل"، وهو مرض يغمل النبات، فيجعله يركب بعضه بعضاً ويذبل ويعفن. و "الخناس"، داء يصيب الزرع فيتجعثن منه فلا يطول. و "الشفران"، و "اليرقان"، آفة للزرع تصيبه فيصفر منها، وقيل دود يكون في الزرع فيتلفه، و "الأرقان"، والرصع، والوصم، وهو العيب في العود، والقادح، أيضاً يقع في الشجر وفي الخشب فيأكله، والقادح أيضاً العفن، ويقع القادح في الأسنان، وهو السواد الذي يظهر فيها. والسوس، داء يصيب الزرع، لوقوع السوس فيه، بسبب حشرة تعبث فيه، ويقال مثل ذلك بالنسبة إلى الصوف والثياب والطعام، إذا عبثت العثة فيها. و "العُثة" سوسة، أو الأرضة التي تلحس الصوف فتؤذيه. وقيل: دويبة تعلق إلإهاب فتأكله. والجدجد أيضاً دوبية تعلق الإهاب فتأكله. والأرضة ضربان، ضرب صغار، مثل كبار الذرّ، وهي آفة الخشب خاصة، وضرب مثل كبار النمل، ذوات أجنحة، وهي افة كل شيء من خشب ونبات، غير إنها لا تعرض للرطب، وهي ذوات قوائم. وقيل: هي دودة بيضاء شبه النملة تظهر في أيام الربيع. وقيل دودة بيضاء سوداء الرأس، وليس لها أجنحة، وهي تغوص في الأرض وتبني لها كنّاً من الطين، وهي تأكل الخشب وغيره. والنخر، داء يصيب الأغصان والسيقان، والخشب، فيسبب جفافها وتفتتها. و "القادحة"، دودة تأكل الشجر.

و "القتع"، دود حمر تأكل الخشب، أو هي الأرضة، وقيل الدود مطلقاً. وقيل هي السنفة، وللقتعة، والهرنصانة، والحطيطة، والبطيطة، واليسروع، و العوانة، و الطحنة.

و "السرفة"، دويبة تؤذي الزرع، تثقب الشجر ثم تبني فيها بيتاً من عيدان دقاق تجمعها بمثل غزل العنكبوت، وقيل دودة تنسج على بعض الشجر وتأكل ورقه وتهلك ما بقي منه بذلك النسج. وذكر أن "الهرنصانة"،السرفة، وأن "البطيطة"السرفة كذلك. وأن "الحطيطة"السرفة أيضاً.

ومن الأمراض والآفات التي تصيب النخيل، الدمان، ويقع على التمر، فيفسد، وتصيبه العفونة قبل إدراكه حتى يسود. والمُراض، داء للثمار يقع فيها فيهلكها، و "القشام"، وهو أن ينتفض تمر النخل قبل أن يصير بلحاً. وذكر بعض العلماء أن الدمان فساد النخل قبل إدراكه، وإنما يقع ذلك في الطلع يخرج قلب النخلة أسود معفوناً. وذهب آخرون الى أنه فساد الطلع وتعفنه وسواده. وقال بعفضهم: الدمان التمر المتعفن، وانه فساد التمر وعفنه قبل إدراكه حتى يسود من الدمن. وأما المُراض، فذكر بعض العلماء أنه اسم لجميع الأمراض. وأما القشام، فهو أكال يقع في التمر.

ومن الافات التي كانت تصيب الزرع فتؤذي الناس وتلقي بأصحاب الزرع خسائر كبيرة "الجراد". فقد كان يكتسح الزرع في بعض السنين اكتساحاً، فيأتي في موجات كثيفة، ويلتهم كل ما يجده أمامه، حتى يجرد الأرض جرداً، ولا يترك من نبتها شيئأ. ونجد في كتاباًت المسند اشارات إليه. ويقال له: "اربى" في العربيات الجنوبية. وفي العربية: "جراد سد"، أي كثير سد الأفق. ويقال جاءنا سد من جراد، إذا سد الأفق من كثرته.

وللجراد أسماء تمثل مراحل نموه، ذكرها علماء اللغة.مما يدل على مدى اتصاله بحياة الناس، وما كان يحدثه من أذى وأثر في زرعهم. وإذا أكل الجراد نبت أرض. قيل: أرض مجرودة، وجرد الجراد الأرض جرداً، ومن أسماء الجراد "الجندب". وقيل انه الصدى يصر باًلليل ويقفز ويطير، وقيل هو أصغر من الصدى يكون في البراري، وقيل هو الصغير من الجراد.

وكان الجراد يغزو المزارعين فيأتي على ما زرعوه، لا يترك لهم منه شيئاً، وهم عاجزون عن الاتيان عليه. وهو أنواع عديدة من حيث اللون والجسم. وكان إذا انتفل من مكان إلى مكان ظهر في السماء، وكاًنه سحابة من كثرته. وقد صار طعاماً لهم " يأكلونه كما يأكل هو زرعهم. ذكر إن "ابن أبي أوفى"قال: غزونا مع النبي سبع غزوات أو ستاً كنا نأكل معه الجراد.

الأسوكة

السواك سوك الفم بالعود. والعود مسواك. ويتخذ من الأراك، فإن لم يكن فعتم أو بطم. ويستاك باًلبشام كذلك، وهو شجر ذو ساق وأفنان وورق صغار أكبر من ورق الصعتر ولا ثمر له.

الفصل الثالث والتسعون

المراعي

وفي جزيرة العرب مراعي، منها الخاص، ومنها العام. والمراعي الخاصة ما تكون ملكاً لرجل أو أسرة أو قبيلة تفرض سلطانها على المرعى، مثل الاحماء، حيث لا يسمح لأحد غير مأذون بالرعي في "الحمى". أما المراعيَ العامة، فهي التي لا تدخل في ملك أحد، وإنما يرعى فيها كل أبناء الحي، وجميع أبناء ا!قبيلة، لأن أرض القبيلة ملك للقبيلة ما دامت عزيزة فيها مالكة لرقبتها، يرعى فيها كل أبنائها، فإذا ذلت واستخذت طمعت فيها القبائل المجاورة القوية، فشاركتها في أرضها، وربما أجلتها عنها. وإذا ارتحلت القبيلة عن أرضها، وتركتها، ونزل بها نازل جديد، صارت الأرض ملكاً له، ما لم يدفع عنها بالقوة، أو يتركها هو رضاءً. فإذا ارتحل عنها، ونزل في مكان جديد، سقط حقه فيها، وانتقلت رقبة الأرض إلى النازل الجديد. وهكذا تكون المراعي عامة مشاعة بين جميع أبناء القبيلة، ما خلا الحمى، ينتفع بها جميع أبنائها، بما في ذلك سادة القبيلة وأصحاب الاحماء، الذين ترعى إِبلهم في احمائهم، كما ترعى مع إبل الناس في مراعي القبيلة، ولا يجوز لأحد من القبيلة أن يأخذ من أرباب المواشي عوضاً عن مراعي القبيلة، لأنها للجميع. وقد اخذ بهذا الحكم في الإسلام بالنسبة للمراعي الموات، بقول الرسول: "الناس شركاء في ثلاث: الماء، والنار، والكلأ".

و "الر عي"الكلأ، وهو ما ترعاه الراعية. والراعي، هو للذي يتولى أمر الماشية الَتي ترعى، ويقال للذي يجيد رعية الإبل "ترِْ عاية"و "ترعى"، أو هو الحسن الارتياد للكلأ للماشية، أو صناعته وصناعة آبائه رعايةَ الإبل. و "الرُعاوى" الإبل التي ترعى حوالى القوم وديارهم لأنها الإبل التي يعتمل عليها.

ويقال للمرعى في المسند "مرعم"، "مرعيم"، "مرعى". والمرعى موضع الرعي. والر عي الكلأ. والمرعى والرعي ما ترعاه الراعية. ورُعيان، ورُعاء، رعاة الغنمَ على الأكثر. ويقال "ترعى"و "ترعاية"و "تراعية"للرجل يجيد رعية الإبل، أو هو الحسن الارتياد للكلأ للماشية، أو صناعته وصناعة آبائه رعاية الإبل. و "الرُعاوى"، الإبل التي ترعى حوالى القوم وديارهم، لأنها الإبل التي يعتمل عليها. ويقال للمرعى "الأب"، وهو الكلأ جميعه الذي تعتلفه الماشية، رطبه ويابسه.

ويعبر عن الإبل إذا رعت ب "سامت المال"، و "سامت الإبل"، يقال سامت الراعية والماشية والغنم تسوم سوماً، رعت حيث شاءت، فهي سائمة. والسوام والسائمة الإبل الراعية، وقيل كل ما رعى من المال في الفلوات إذا خلى وسومه يرعى حيث شاء، والسائم للذاهب على وجهه حيث يشاء. وذكر إن السوام والسائمة كل إبل ترسل ترعى ولا تعلف في الأصل. وورد في الحديث: سائمة الغنم. و "السرح"المال السائم. وذكر بعض علماء اللغة إن المال لايسمى سرحاً إلا ما يفدى به ويراح.

وتؤدي لفظة "مرتع"معنى "مرعى"، ورتع بمعنى أكل وشرب للبهائم.

ولا يكون الرتع إلا في خصب وسعة. وتؤدي لفظة "النجعة"، معنى طلب الكلا في موضعه. و "والنجعة عند العرب المذهب في طلب الكلأ في موضعه، والبادية تحضر محاضرها عند هيج العشب ونقص الخرف وفناء ماء السماء في الغدران، فلا يزالون حاضرة يشربون الماء العدّ حتى يقع ربيع بالأرض خرفياً كان أو شتياً، فإذا وقع الربيع توزعتهم النجع وتشبعوا مساقط الغيث يرعون الكلأ والعشب، إذا أعشبت البلاد، ويشربون الكرع وهو ماء السماء، فلا يزالون في النجع الى أن يهيج العشب من عام قابل وتنش الغدران فيرجعون إلى محاضرهم على أعداد المياه".

ويقال أرض معرضة، للأرض التي يستعرضها المال ويعرضها، أي هي أرض فيها نبات ي رعاه المال إذا مرّ فيها.

وإذا أقامت الإبل في المرعى، قيل: "عدنت الإبل"، وخص بعضهم به الإقامة في "الحمض"، وقيل يكون في كل شيء.

وقد تكون المراعي عند مشارف أهل الحضر، لا تبعد عن القرى وعن مستوطناتهم كثيراً، وذلك بالنسبة لرعي الغنم. فيؤدي أهل البيوت أغنامهم إلى الراعي، ليأخذها إلى الخارج فيرعى بها وتتجمع عند الراعي أغنام لمختلف الناس، في مقابل أجر يدفع له. وقد كان الرسول راعي غنم، يرعى غنم قريش، وغنم أهله ب "أجياد"بالقراريط.

وكان بين أصحاب الغنم، وبين أصحاب الإبل تنازع، وقد كان يستطيل أصحاب الإبل على أصحاب الغنم.

و "المنقل"، النجعة يتنقلون من المرعى إذا احتفوه إلي مرعى آخر، وذلك

إذا رعوا فلم يتركوا فيه شيئاً. والناقلة ضد للقاطنين، والجمع النواقل. والنقل الطريق المختصر. والنجُعة طلب الكلأ في موضعه. والبادية تحضر محاضرها عند هيج العشب ونقص الخرف وفناء ماء السماء في الغدران، فلا يزالون حاضرة يشربون الماء العدّ حتى يقع ربيع بالأرض خرفياً كان أو شتياً، فإذا وقع الربيع توزعتهم النجع وتتبعوا مساقط الغيث يرعون الكلأ والعشب إذا أعشبت البلاد ويشربون الكرع وهو ماء السماء، فلا يزالون في النجع إلى ان يهيج العشب من عام قابل، وتنش الغدران، فيرجعون إلى محاضرهم على اًعداد المياه.

وإِذا أمطرت السماء مطراً كافيأ، كان ذلك خيرأً للعرب وفرحة عظيمة. إذ تغيث الأرض وتكسوها حلة سندسية جميلة، وتزول الغبرة عن وجهها، وتظهر الأرض فرحة مستبشرة بعد عبوس وكآبة. فتهيج الأرض وتنبت نبتاً أخضر، يكون بهجة للناظرين وطعاماً شهياً للابل ولبقيه حيواناتهم، تقبل عليه إقبالاّ شديداً، فتشبع وتصح أجسامها، ويكثر نسلها. ويقال للخضرة التي تكسو وجه الأرض "الكلأ"، وهو العشب، رطبه ويابسه. وأرض كليئة ومعكلأة، كثيرة الكلأ. وذكر إن العشب الكلأ الرطب، والرطب من البقول البرية، ينبت في الربيع، وهو سرعان الكلأ في الربيع يهيج ولا يبقى. ويدخل في العشب، أحرار البقول وذكورها، فأحرارها ما رق منها وكان ناعماً. وذكورها ما صلب وغلظ منها. وذكر بعضم إن العشب كل ما أباده الشتاء وكان نباته ثانية من أرومة أو بذر.

وفي ذلك يقول الأعشى: ألم تر أن الأرض أصبح بطنها  نخيلاّ وزرعاً نابتاً وفصافصا

والفصافص الرطب من علف الحيوان، ويسمى "القت". وقيل هو رطب القت. وفي الحديث: ليس في الفصافص صدقة.

و "البقل"ما نبت في بزره لا في أرومة ثابتة. وذكر أنه كل ما اخضرت به الأرض. والفرق بين البقل ودقّ الشجر، أن البقل إذا رعي لم يبق له ساق، والشجر تبقى له سوق وإن دقت. وقال بعض علماء اللغة: البقل ما لا يثبت أصله وفرعه في الشتاء. والبقُلة، بقل الربيع خاصة. وبقلت الأرض إذا أنبتت. وذكر أن من أسماء بقل الربيع: الجشر.

وترد لفظة "لسسن"، "لسس"، الواردة في نصوص المسند في معنى "لساس " في عربيتنا. ويراد بها أول البقل، وقيل هو من البقل ما استمكنت منه الراعية وهو صغار. وقيل: البقل ما دام صغيراً لا تستمكن منه الراعية، وذلك لأنها تلسه بألسنتها لساً.

والحشيش الكلأ اليابس، ولا يقال وهو رطب حشيش. والطاقة منه حشيشة. والعشب يعم الرطب واليابس. وقال بعض علماء اللغة: الحشيش أخضر الكلأ ويابسه. وقال بعض آخر العرب إذا اطلقوا امم الحشيش عنوا به الخليّ خاصة، وهو أجود علف يصلح الخيل عليه. وهو من خير مراعي النعم. وقال بعض آخر: البقل أجمع رطباً ويابساً حشيش وعلف وخلي. والخلي: الرطب من النبات. وقال بعض علماء اللغة: هو النبات الرقيق ما دام رطباً.

وترد في المسند لفظة "جمست""جمسة"، بمعنى الحشائش عند جفافها والنبت إذا ما ذهبت غضاضته. وهي بهذا المعنى في عربية القرآن الكريم. فالجامس من النبات ما ذهبت غضوضته ورطوبته فولى وجسا.

وتنبت الأمطار ما دقَّ من الشجر، وبعض أنواع الشجر، وقد تثمر ثمراً يستفيد منه الإنسان. كما يستفيد من عوده ومن حطبه وخشبه. أما ورقه فيكون طعاماً شهيأَ للابل. ونجد في كتب اللغة أسماء عدد كبير من هذه النباتات. وقد استعان الأعراب بالنبات وبالشجر في مداواة أنفسهم،، علمتهم تجاربهم الطويلة القديمة، ما ينفع منها في معالجة ما يصابون به من مرض، فصار لهم طب خاص بهم،يقوم على الفراسة وعلى الملاحظة وعلى التجارب في استخدام النبات في مداواة الإنسان وفي معالجة ماله، ولا زال هذا الطب معمولاً به في البوادي، عند ا لأعراب.

ويعد الأراك من أطايب أكل الإبل، إذا أصابت منه شيئاً.، ظهر طعمه في للبن، وهم يستحسنون هذا اللبن. وقد كان الرعاة إذا مروا به اجتنبوا ثمرته، و "الكباث"، هو أحسن ثمره، ولونه أسود، وهو أطيب ثمر الأراك. وقد اجشاه الرسول يوم كان راعياً، وهو النضيج من ثمر الأراك. وما لم ينضج فهو "بربر". وقيل: الكباث هو ما لم ينضج منه، وقيل حمله إذا كان متفرقاً.

وتكتسي الأرض بعد ظهور الكلأ ثوباً سندسياً جميلاً، فتظهر خضراء، لكثرة ما عليها من "الخضر"، وهو الزرع والنبات الذي نبت عليها. و "الخضر"، المكان ااكثير الخضرة. ويراد بالخضرة "البقلة الخضراء"، وهي بقلة خضراء خشناء ورقها مثل ورق الدخن وكذلك ثمرتها وترتفع ذراعاً،وهي تملأ فم البعير.

و "الخضر" ضرب من الجنبة، والجنبة من الكلأ ما له أصل غامض في الأرضّ، مثل النصى والصليان. وليس الخضر من أحرار البقول التي تهيج في الصيف. وجيدها الذي ينبته الربيع بتوالي أمطاره فتحسن وتنعم، ولكنه من البقول التي ترعاها المواشي بعد هيج البقول ويبسها حيث لاتجد سواها،وتسميها العرب الجنبة، فلا ترى الماشية تكثر من أكلها ولا تستمريها.

والجنبة، عامة الشجر التي تتربل في زمان الصيف. واسم لنبوت كثيرة، وهي كلها عروق. سميت جنبة، لأنها صغرت عن الشجر الكبار وارتفعت عن التي لا أرومة لها في الأرض. فمن الجنبة: النصي والصليان والحماط والمكر والحذر والدهماء. صغرت عن الشجر ونبلت عن البقول. والنصي: نبت ما دام رطباً، فإذا ابيض، فهو الطريفة، فإذا ضخم ويبس، فهو الحليّ. وهو من أفضل المرعى. وذكر أن "الطريفة"من النصي، إذا ابيض ويبس، أو هو منه إذا اعتم وتمّ وكذلك من الصليان. وذكر أيضاً أن الطريفة من النبات، أول الشيء، يستطرفه المال،،فيرعاه كائناً ما كان. وسميت طريفة، لأن المال يطرفه إذا لم يجد بقلاه. وقيل لكرمها وطرافتها واستطراف المال إياه. وقيل: الطريفة خير الكلأ، إلا ما كان من العشب. ومن الطريفة النصيّ والصليان والهلتي والشحم والثغام.

و "الحلي"ما ابيض من يبيس النصي والسبط، وقيل: هو كل نبت يشبه نبات الزرع،أو اسم نبت بعينه. وقيل هو من خير مراتع أهل البادية للنعم والخيل.

والحماط، شجر شبيه بالتين، خشبه وجناه وريحه، إلا أن جناه هو أصغر وأشد حمرة من التين، ومنابته في أجواف الجبال، وقد يستوقد بحطبه، ويتخذ خشبه لما ينتفع به الناس، يبنون عليه البيوت والخيام. وقيل: هو في مثل نبات التين، غير أنه أصغر ورقاً، وله تين كثير صغار من كل لون أسود وأملح وأصفر، وهو شديد الحلاوة يحرق الفم إذا كان رطباً، فإذا جف ذهب ذلك عنه. وهو يدخر وله إذا جفّ متانة وعلوكة. وهو أحب شجر إلى الحيات، أي إنها تألفه كثيراً. يقال: شيطان حماط.

والصليان، نبت من الطريفة، ينبت صعداً وأضخمه أعجازه وأصوله على قدر نبت الحلي"، ومنابته السهول والرياض. وقيل الصليان من الجنبة لغلظه و بقائه.

والمكرة نبتة غبراء مليحاء تنبت قصداً، كأن فيها حمضاً حين تمضغ، تنبت في السهل والرمل، لها ورق وليس لها زهر. وقد تقع المكورعلى ضروب من الششجر كالرغل. و "الدهماء"، عشبة عريضة ذات ورق وقضب، كأنها القرنوة، ولها نورة حمراء يدبغ بها، ومنبتها قفاف الرمل.

الحمض والخلة

ويقسم بعض العلماء المرعى كله إلى حمض وخلة. فالحمض ما فيه ملوحة، والخلة ما سواه. وكل أرض لم يكن بها حمض، فهي خلّه، وإن لم يكن بها من النبات شىء. وخلل الأرض الي لاحمض بها، وربما كانت بها عضاه، وربما لم تكن. ولو أتيت أرضأ ليس بها شيء من الشجر فهي جرز.من الأرض، قات إنها خلة.

والحمض ما ملح وأمر من النبات، كالرمث والأثل والطرفاء ونحوها. وذكر أن الحمض من النبات كل نبت مالح أو حامض يقوم على سوق ولا أصل له. ومن الحمض النجيل، والخذراف، والاخريط، والقضة، و القلام، والهرم، والحرض، والدغل، وما أشبهها. وذكر أن الحمض كل نبات لا يهيج في الربيع ويبقى على القيظ وفيه ملوحة، إذا أكلته الإبل شربت عليه.واذا لم تجده رقت وضعفت. وهي كفاكهة الإبل، والخلة ما حلا، وهي كخبزها، تقول العرب: الخلة خبز الإبل، والحمض فاكهتها ويقال لحمها.

والرمث، مرعى للإبل، وهو من الحمض، وشجر يشبه الغضى،لا يطول ولكنه ينبسط ورقه وهو شبيه يالأشنان، وله هدب طوال دقاق، وهو مع ذلك كله كلأ تعيش فيه اللإبل والغنم وإن لم يكن معها غيره، وربما خرج فيه عسل أبيض كأنه الجمان، وهو شديد الحلاوة وله حطب وخشب ووقوده حار وينتفع بدخانه من الزكام. ويرتفع دون القامة فيحتطب.

والطرفاء جماعة الطرفة، شجر. قيل إنها أربعة أصناف من الأثل، وقيل الطرفاء شجر من العضاه، هدبه مثل هدب الأثل، ويس له خشب، وإنما يخرج عصيّاً سمحة في السماء، وقد تتحمض به الإبل إذا لم تجد حمضاً غيره. وقيل انه من الحمض.

والإثل: شجر، عده بعضهم نوع من الطرفاء، وقال بعض آخر: الأثلة سمرة أو عضاهة طويلة قويمة يعمل منها الأقداح. والنجيل، ضرب من دق الحمض، وقيل هو خيرالحمض كله وألينه على السائمة. وذكر انه إذا أخرج عن الحمض أربع شجرات، فسائره نجيل، هي الرِ مث والغضى والسلج. ومن النجيل: الخذراف، والرغل، والغولان. والهرم، والفذا، والقلام والطمحاء. والخذراف، نبات ربعي إذا أحس بالصيف يبس، أو هو ضرب من الحمض له وَريقة صغيرة يرتفع قدر الذراع. والرُغل، نبت، أو حمضة تنفرش وعيدانها صلاب وورقها نحو من ورق الجماجم إلا إنها بيضاء ومنابتها السهول، والإبل تحمض به.

والغولان، حمض كالأشنان، وقيل شبيه بالعنظوان، إلا انه أدق منه. وهو مرعى. و "الهَرم"، نبت ضعيف ترعاه الإبل، وقيل ضرب من الحمض فيه ملوحة. وقيل هو يبيس الشبرق، وهو أذله وأشده انبساطأ على الأرض واستبطاحا، وقيل شجر، وان الهرمة البقلة الحمقاء. و "الغذام"، نبت من الحمض. و "القلام"من الحمض ة،هو كالأشنان إلا انه أعظم و "القِضاض " شجر من الحمض، وقيل هو دقيق ضعيف أصفر اللون.

والأراك من الحمض، وقوم مؤركون نازلون بالأراك يرعونها، ويقال أطيب الألبان ألبان الأوارك. وفي الحديث أتى بلبن الأوارك وهو بعرفة، فشرب منه.

و "الحرض"، من النجيل. وذكر أنه الأشنان، تغسل به الأيدي على أثر الطعام. وشجرته ضخمة، وربما استظل بها، ولها حطب، وهو الذي يغسل به الناس الثياب. وأنقى وأبيض حرض هو حرض ينبت باليمامة، بواد منها بقال له جو" الخضارم. و "الحيهل"، شجرة قصيرة من دق الحمض لا ورق لها، وقيل إنه "الهرم"، وهو إذا أصابه المطر نبت سريعاً، وإذا أكاته الإبل، فلم تبعر ولم تسلح مسرعة ماتت، وبذلك فسروا تسمية "الهرم"هرماً.

وقد يضطر اصحاب الماشية إلى اطعامها ما ينبت في الأرض السبخة، أي ذات الملح. يقال "ملح الماشية"، بمعنى أطعمها سبخة الملح. و "السبخة"، أرض ذات نز وملح، وهي لا تكاد تنبت إلا بعض الشجر والنبات. وتوجد السباخ في مواضع من جزيرة للعرب، في الأماكن الوطئة، حيث تنز الأرض، ويعلوها الملح، وتكون رخوة.

ولفظة "رعى"من الألفاظ التي كثر ورودها في الكتابات الصفوية، وهي كتابات أصحابها رعاة، كانوا يتنقلون مع ماشيتهم من مكان إلى آخر في طلب المرعى، فكانوا يكتبون خواطرهم على الحجارة والصخور، تخليداً لنزولهم هاتيك المواضع. وهم من عشائر مختلفة امتهنت الرعي، فكانت تتنقل من مكان إلى مكان. تتوغل في الربيع في البوادي، فإذا انتهى الموسم ويبس الكلا، عادت إلى مواضع قريبة من الحضر، حيث يتوفر فيها الماء، فترعى ماشيتها بكلأ هذه الأرضين، وتبيع إلى أهل المدر، ما يكون عندها من وبر وأصواف ومنتوج ألبان.

وتثبت النصوص الصفوية أن أصحابها كانوا جماعة من الرعاة، يتنقلون من مكان إلى مكان، بدليل الإشارة إلى المرعى "همرعى "ه مرعى"، "ها مرعى"، أي "المرعى" والى الماء والى البقر والإبل والشياه "شهى" "شاهي"، والأودية "هنخل" "ه - شخل" "ها نخل"وغير ذلك من الألفاظ التي ترد على ألسنة الرعاة. فكان هؤلاء الصفويون يتنقلون مع الكلأ والماء لرعي ماشيتهم.

أصناف الرعاة

والرعاة على صنفين: رعاة الإبل، وهم إلممعنون في البوادي، والذين يبيتون مع الإبل في المرعى لآ يأوون إلى بيوتهم، ولا يرعون غيرها، وهم: "الجشر" أو هم الذين يرعون الابل، ويقيمون معها في المرعى، ولا يرعون معها غيرها من بقية الحيوانات. وهم جلَ الأعراب، بل كلهم، لأن حياة الأعرابي هي حياة رعي إبل، يرعاها عند ببته أو على مبعدة منه. بات مع الإبل بعيداً عن بيته أو أهله اياماً أو موسم الربيع، أو أقام عند خيمته مع إبله، فهو راعي إبل في الحالتين.

وراعي الإبل، هو الأعرابي الأصيل، ابن البادية جوّاب بيداء، لا يأكل البقل والخضر، هو كما قال الراجز: جواب بيداء بها غروف  لايأكل البقل ولا يريف

ولا يرى في بيته القليف

ويقال للاعرابي الذي ينشأ في البدو والفلوات لم يزايلها: المقحم. ويكون هؤلاء الرعاة الأعراب من أبعد الرعاة عن "المصانع"، أي القرى والحضر، ومن أهلها، لا يذهبون إليها ولا يتصلون بها. فهم يعيشون في عالم خاص بهم بعيد عن القيود والتكاليف، والتنويع في المأكل والمشرب.

ورعاة يرعون إبلاَ ويرعون غيرها معها من بقر وخيل وغنم. وهم لعدم استطاعة البقر والغنم من التوغل في البادية والتعمق في طياتها، لا يستطيعون الابتعاد عن الماء كثيراً، لعدم استطاعة تلك الحيوانات الصبر على العطش كثيراً، ولهذا فهم على اتصال بالحضر وبالحضارة، وهم مرحلة وسطى بين الحضارة وبين الأعرابية، وهم الجرثومة التي نبتت منها المجتمعات العربية الحضِرية في العراق وفيَ بلاد الشام وفي جزيرة العرب، وهم من أهل الخيام السود المنسوجة من شعر الماعز، أو من صوف الأغنام. وقد أشير اليهم في التوراة، وقد كانوا يسكنون شرق العبرانيين وفي أرض فلسطين.

وكانوا ينتجعون أيام الكلأ فتجتمع منهم قبائل شتى في مكان واحد، فتقع بينهم ألفة، فإذا افترقوا ورجعوا إلى أوطانهم ساءهم ذلك، وقد عرف هؤلاء ب "الخلطاء". كما كانرا يتشاركون في الرعي، وذلك أن يستأجروا راعياً أو رعاة، ويقدم كل واحد من الشركاء ما يريد تقديمه من الإبل أو إلشياه، ويحتمل كل واحد من المتشاركين أجر الرعي، حسب عدد إبله أوشياهه.

ولا يشترط في الراعي، أن يكون أجيراً لغيره يرعى إبل وماشية غيره، فقد يكون راعياً، وهو مالك لإبله ولبقية الماشية التي يرعاها " وهو إنماُ سميّ راعياً لأنه اتخذ الرعي وسيلة للحياة يعيش عليها. ويجوزّ أن يكون قد ورثها عن آبائه وأجداده، ويجوز أن يكون قد اختارها هو حرفة له، كما يجوز أن يكون راعيأَ لمال غيره من أهل قبيلته أو من الأبعدين، وقد يكون هؤلاء من أهل الحواضر المستقرين، يسلمون ما لهم للرعاة، لترعى في البوادي، وليكثر نسلها وتصح أجسامها، فإذا أرادوا بيعها طلبوا من الرعاة اعادتها اليهم.

ويقوم الأبناء في العادة برعي إبل الأب والعائلة، ونجد في القصص إشارات اليهم، لطمع الرجال في الإبل، وازدراءهم شأن الراعي لصغر سنه، فيستاقون إبله، مما يتسبب عن ذلك تعقب السراق، ووقوع حوادث بينهم وبين أرباب الإبل.

ولا يربي الرعاة الدجاج والبط والحمام والأوز والطيور المختلفة والخنازبر، انما يربيها أهل الريف. والريف ما قارب الماء من أرض العرب وغيرها، وأرض فيها زرع وخصب، أو حيث تكون الخضر والمياه والزروع. وتربية الدجاج حرفة ينظر العربي إليها نظرة ازدراء واستهجان ؛ فلا يليق برجل حرّ يحترم نفسه، إن يخدم طيراً أو حيواناً صغيراً كالدجاجة، ولذلك كانت من حرف "النبط"والعرب المتنبطة، أي أهل الريف ممن خالط النبط، أي بني إرم، ومن تأثر بهم. وقد ربى أهل القرى الدجاج والطيور، لأكلهم، إذ كانوا يأكلون لحم الدجاج. ذكر إن الرسول والصحابة أكلت لحومها، ونجد الشعراء يشيرون إلى صياح الديكة عند دنوهم من الأرياف، لتربيتهم الدجاح واعتنائهم بها، واعتبارهم لحومها من ألذّ اللحوم.

وترعى ألماشية في القرى وفي المزارع بما يظهر من أخضرعلى وجه الأرض بعد الحصاد، ويقال لذلك: المحشرة.

الرعاة والحضارة

وقد حدث في الجاهلية ما يحدث اليوم: يتنقل الأعراب بمواشيهم وبيوتهم وكل ما يملكون من باطن جزيرة العرب في الجفاف، فيتجهون نحو الشمال، نحو بلاد الشام والعراق للرعي والاكتيال. ينزلون هناك جماعات حيث يجدون الماء والكلأ، في مواضع مختلفة قد تكون بعيدة عن القرى والمدن ممعنة في البادية، وقد تكون في اًطراف القرى وبين الحضر، وقد يدخلون بين الحضر للاكتيال والامتيار وللري في مواضع العشب والكلا المحيطة بهم. وهم على هذه الحالة ما دامت بهم حاجة إلى كل أولئك، فإذا انتهت أو شح ما قصدوه انتقلوا إلى مواضع أخرى، وهكذا كانت سنةّ البدوي في الحياة.

وقد كانوا يفدون دوماً من باطن الجزيرة، فيتوغلون في بادية الشام ومنهم من كان يمعن في التوغل في تلك البادية حتى يصل أقصاها،أي أعاليها في الشمال، فيدخل الأرضين الجنوبية من "تركية"في الوقت الحلضر، وأعالي العراق وبلاد الشام. ومنهم من كان يجد له طيب العيش والمقام، في هذه المهابط والمواطن الجديدة، فيقيم بها، وقد يتحضر قوم منهم، ومن هؤلاء تولد حضر العرب في هذه الديار.

ولمّا كان في مجيء الأعراب علما هذه الصورة محاذير وأخطار على الحضر وعلى الحكومات، اضطرت الحكومات المسيطرة على العراق وبلاد الشام إلى اتخاذ وسائل الحماية المختلفة لحماية أرضها منهم، فبنت المسالح ووضعت الحرس في المواضع المشرفة على البوادي الممسكة بعنان طرقها، لمراقبة القادم والخارج ولابلاغ رجال الأمن بدنوّ الخطر، وحذرت من الأعراب، فأشرفت على حركاتهم وسكناتهم خشية انتهازها فرص الضعف، فتعبث على عادتها بالأمن. وقد أنشأ الرومان واليونان بركأَ واتخذوا صهاريج لخزن مياه الأمطار ليستفيد منها الأعراب وليجدوا فيها ما يحتاجون إليه، فلا يتوغلوا عميقاً في بلاد الشام، كما أقاموا حصوناً في أطراف البادية لمراقبة حركات الأعراب.

وهكذا أمن حكّام الشام من خطر الأعراب، بعد أن اتبعوا معهم سياسة الترضية والتهدئة للاستفادة منهم في حفظ الحدود. وأقام قسم من الأعراب في المواضع التي تتوافر فيها المياه، وزرعوا، واشتغلوا ببعض الحرف مثل غزل الأصواف ونسجها، والتوسط في التجارة بين الأعراب وسكان المدن والقرى البعيدة عن البادية من بلاد الشام، وزرع الحبوب وأشجار الزيتون والكروم. واستفادوا من هذا الحاصل الزراعي ببيعه للاعراب المحتاجين إليه.

ولا حاجة بي إلى الاشارة إلى أثر ألمراعي في حياة جزيرة العرب، وفي حياة الأعراب بصورة خاصة. فعلى المراعي تتوقف حياة الماشية عماد الثروة والمال لأهل البادية، وهي من أهم المشكلات العويصة بالنسبة اليهم وإلى الحكومات حتى الان. والأعرابي ومعه ماشيته وراء المراعي يفتش عنها في كل مكان،وينتقل إليها ليجد فيها الكلأ لماشيته. وسبب هذه المشكلة هو قلة وجود الماء في جزيرة العرب، وقلة الأمطار وانحصارها في مواسم ضيقة لا تمتد طويلاً، وانحباسها في بعض السنين، مما يسبب قصر زمن الرعي، وجفاف الكلا والتأثير في حياة الماشية بحيث تتعرض للهلاك والموت. وهذا مما يحمل القبائل على التنقل من مكان إلى مكان، فتتزاحم وتتطاحن للاستيلاء على المراعي.

الفصل الرابع والتسعون

الثروة الحيوانية

والحيوان ثروة مهمة وخاصة لتلك البلاد الفقيرة التي لا تملك صناعة، والتي تكون مواردها الطبيعية محدودة. فتعوض عن الصناعة بتربية الحيوان وبالزراعة إن توفر الماء. والإبل مصدر ثروة عظيمة في الجاهلية، لاستفادتهم منها في أمور كثيرة عديدة. وبعدد الإبل تقاس الثروات. والإبل المال عند العرب، وأساس التعامل بينهم. قال بعض العلماء: "المال في الأصل، ما يملك من الذهب والفضة، ثم أطلق على كل ما يقتنى ويملك من الأعيان. وأكثر ما يطلق المال عند العرب على الإبل، لأنها كانت أكثر أموالهم". وفي الحديث نهي عن اضاعة المال. قيل أراد به الحيوان، أي يحسن إليه ولا يهمل.

ويطلق العرب على الإبل والبقر والشاء "النعم"، وزاد بعض علماء اللغة المعز والضأن. وذكر بعض آخر، إن النعم، إنما خصت باًلإبل، لكونها عندهم أعظم نعمة. وقيل إن العرب إذا أفردت النعم، لم يريدوا بها إلا الإبل، فإذا قالوا الأنعام: أرادوا بها الإبل والبقر والغنم.

ويراد ب "الماشية"، الإبل والغنم، وقيل الإبل وابقر والغنم، وقال بعض العلماء، وأكثرما يستعمل في الغنم، وقيل: كل مالّ يكون سائمة للنسل والقنية من إبل وشاء وبقر، فهي ماشية وأصل المشاء النماء والكثرة. ومشت الماشية مشاءً كثرت أولادها.

و "الشاة"، الواحدة من الغنم، تكون للذكر والأنثى، أو يكون من الضأن، والمعز، والظباء، والبقر، والنعام، وحمر الوحش. وفي الحديث ": فأمر لها بشياه غنم، انما أضافها إلى الغنم، لأن العرب تسمي البقرة الوحشة شاة، فميزها بالاضافة لذلك، وشاء، وشياه، وشواه، وأشاوه، وشويّ، وشيه، في حالة الجمع.

و "السوام"و "السائمة"، الإبل الراعية، وقيل كل ما رعى من المال في الفلوات، إذا خلى وسومه يرعى حيث شاء. والسائم الذاهب إلى وجهه حيث شاء، يقال سامت السائمة، وأسأمها هو، أي أرعاها أو أخرجها إلى الرعيّ. وذ كَر إن السوام والسائمة كل إبل ترسل ترعى ولا تعلف في الأصل. وسوّم الخيل، أرسلها إلى المرعى، ترعى حيث شاءت.

والجمل هو الحيوان الوحيد الذي رضي بمرافقة الأعراب وبمشاطرتهم حياتهم في البوادي. ألفهم وعاشرهم وشاركهم في مسرّ اتهم وفي أحزانهم، صابراً راضياً، حملهم ويحمل أثقالهم، لا يسألهم على ذلك أجراً، وهو مع ذلك طعامهم إذا جاعوا، اًو شعروا انه قد مرض مرضاً لا يرجى شفاؤه،أو انه قد كبر وأسن، فصار لا يصلح للعمل، ومن وبره صنعوا خيامهم. وهو قنوع يقنع بالقليل ولا يطالب بالكثير. ويصبر على العطش والجوع، لا يباريه في هذا الصبر أي حيوان من الحيوانات التي ألفت الإنسان وقاسمته حياته، إذا اخضرت الأرض، وجد طعامه هبة، لا يكلف مالكه شيئاً عن اقتضامه له، وإذا يبست الأرض، قنع بالتهام اليابس، وبتناول العوسج ونباتات البر، التي يكون عمرها أطول من عمر الكلأ، وإذا بَعُدَ الماء صبر على العطش حتى يجده،لا يلح على صاحبه بوجوب تقديم الما، له، كما تفعل الخيل والحمير والبغال.

وتعد" لحوم الإبل من اللحوم اللذيذة الطيبة عند العرب. وتنحر عند قدوم شخصية كبيرة تقديراً لها، وتنحر تقرباً إلى الأصنام وفي المناسبات الدينية وتعقر القبور إكرامأ لصاحب القبر، ويبيع الجزّارون لحومها وسائر اللحوم الأخرى. ونظراً إلى أهمية الإبل باًلنسبة إلى حياة الأعراب، ولغلاء ثمنها، ولعدم تمكنهم من شراء عدد كثير منها، إلا بالنسبة للموسر منهم، اقتصدوا في ذبحها، إلا لعلة قاتلة ومرض مهلك، لأنها أصول أموالهم، فهم يريدون إكثارها، وفي اكثارها اكثار لأموالهم، ولا سيما في إكثار الإبل النجيبة التي لا توازى عندهم بثمن، والتي تعد مقياس الثراء والجاه والغنى عند العرب.

وإذا مات فصيل الناقة أو ذبح، سلخ برأسه وقوائمه ثم حشي جلده تبناً لتزأمه أمه وتشم رائحته، فتدر عليه ولا ينقطع لبنها، فتحلب. ويقال للجلد المحشو بالتبن "أاِبو".

و "الأشراط"الإبل أو الغنم تعزل للبيع. و "الشريطة"، الجماعة المعزولة منها، المعدّة للبيع.

والجمل،هو الحيوان الوحيد الذي لم يجد الأعرابي في تربيته بأسأَ ولا غضاضة، ولا حطة لقدر ومنزلة. فاجتناه وتباهى به وافتخر، وجعله مقياس ثرائه وماله، وأعزشيء عنده في حياته، وما الذي يملكه الأعراب في دنياه غير هذا الجمل ! أما البقر والغنم والحمير واابغال، فهي دون الجمل في المكانة والمنزلة عنده، فترفّع لذلك عن تربينها، واعتبر تربيتها وخدمتها وبيعها عملاً من أعمال "النبط"والخدم والعبيد والأعاجم.وكيف يقبل أن ينظف تلك الحيوانات وأن يجمع روثها، ويتحمل سقوط أبوالها عليه، وأن يشم رائحة أرواثها وبولها، وهي حوله أو في بيته، والروث قذارة. وكيف يرضى أن يحشها وأن يقدم لها العلف والقت، ثم تروّث له. جاء في المثل: أحشك وتروثني?.

والجمل قليل الكلفة، لا يكلف أكله صاحبه كثيراً، يعيش على ما تنبته الأرض، وعلى ما يجده على وجهها من يابس النبات، ومن عوسج ونبات ذي شوك، ومن نباتات أخرى تتبطر عليها بقية الماشية. وهو لا يطلب من صاحبه علفاً غالياً، أو متنوعاً، كما تفعل بقية الماشية، مثل البقر والخيل والغنم والحمير، مع إنها ليست في صبر الجمل ولا في قدرته على تحمل المشقات وحمل الأثقال إلى مسافات طويلة في البوادي، وفي الرمال التي تفزع منها بقية الماشية، وتهلك إن اجبرت على للسير بها.

والإبل من حيث الأصالة والعرق أجناس وأصناف، فيها الإبل الأصيلة التي يفتخر أصحابها بها، ويظنون على غيرهم بها، ولا يعطون منها لأحد، وفيها الإبل الرخيصة، من الصنف الواطيء المعدود للبيع، لخساسة جنسه، ولعدم نجابته. وكان الملوك وسادات القبائل يجنون الأصيل من الإبل، فكان "النعمان ابن المننر"، وهو من أصحاب الهوايات في حيازة النادر من الأشياء، يمتلك الإبل الجيدة، ومنها إبل عرفت ب "عصافير النعمان". وقد أمر للنابغة بمائة ناقة من عصافيره بريشها وحسام وآنية من فضة، أعطاها بريشها ليعلم أنها من عطايا الملوك. وكانت للملك "المنذر"ملك الحيرة إبل نجائب منهن إبل عرفت ب "عصافير المنذر".

ومن الابل الجيدة الشهيرة، النجائب القطريات. نسبت إلى قطر وما والاها من البر. و "المهرية"، وقد نالت حظاً واسعاً من الشهرة حتى زعم أنها من إبل الجن. وقد اشتهرت "جرش"، باليمن بإبلها. فقيل "ناقة جرشية" وبعير جرشي، . والأرحبيات من نجائب الإبل الكريمة، منسوبة إلى بني أرحب من همدان، والصدفية، و الجرمية، والداعرية.

وكانوا لا يبيعون الإبل النجيبة، إلا عن اضطرار. ويسمونها "الحرائز". ذكر عماء اللغة إن الحرائز من الإبل التي لا تباع نفاسة. ومنه المثل: لا حريز من بيع، أي إن أعطيتني ثمنأَ أرضاه لم أمتنع من بيعه. والحرزة خيار المال، لأن صاحبها يحرزها ويصونها، ومنه الحديث في الزكاة: لا تأخذوا من حرزات أموال الناس شيئاً، أي من خيارها.

وللعرب مصطلحات يقولونها في الإبل إذا كثر عددها. منها "الهجمة" القطعة الضخمة منها، قيل: أولها أربعون إلى ما زادت، و "الهنيدة"، المائة فقط، وقيل: هي ما بين الثلاثين والمائة، أو ما بين السبعين والمائة، أو ما بين السبعين إلى دوينها، أو هي ما بين التسعين إلى المائة. وقال بعض علماء اللغة: إذا بلغت الإبل ستين، فهي "عجرمة"، ثم هي "هجمة"حى تبلغ المائة. وتطلق لفظة "الكور"على الجماعة الكثيرة من الإبل.

والعارض الناقة المريضة أو الكسير، وهي التي أصابها كسر أو آفة، وكانوا ينحرون ا لعوارض،ومن عادتهم انهم لا ينحرون الإبل إلا من داء يصيبها،وتقول العرب للرجل إذا قدم اليهم لحماً أعبيط أم عارضة. فالعبيط الذي ينحر من غير علة. والعرب تعير من يأكل العوارض، ومن ينحر الإبل المريضة للضيوف.

ويقال للابل وللبقر "العوامل"، ويظهر أن ذلك بسبب تشغيل أهل القرى لها في كثير من الأعمال في مثل الحمل وسحب الماء من الابار والحراثة وأمثال ذلك من أعمال. وأطلقت اللفظة على بقر الحراثة والدياسة. وفي حديث الزكاة: ليس في العوامل شيء... العوامل من البقر،هي التي يستقى عليها ويحرث وتستعمل في الأشغال.

وذكر "الهمداني"أن بالعربية الجنوبية من البقر الجندية والخديرية والجبلانية، وهي قوية. وقد استخدم أهل العربية الجنوبية البقر في الحراثة، وكذلك غيرهم في معظم أنحاء جزيرة العرب.

والخيل جماعة الأفراس. و "الفرس" للذكر والأنى، ولا يقال للانثى فرسة. و "الحصان"الفرس الذكر، أو هو الكريم المضنون بمائه، حتى سموا كل ذكر من الخيل حصاناً. و "الحجر"، الأنثى من الخيل. و "الطحون"الكتيبة من الخيل.

لم تكن الخيل كثيرة في الحجاز عند ظهور الإسلام. ففي معركة "بدر"لم يكن مع المسلمين سوى فرسين، فرس للمقداد بن عمرو، وفرس لمرثد بن أبي مرثد، ولم يكن مع قريش سوى مائة فرس. فقد كانت غالية الثمن، وتكاليفها عالية، فعسر عاى من لا مال له شراؤها والانفاق عليها. وقد ورد في.بعض الروايات أن "المقداد بن عمرو"، كان فارس يوم بدر، حتى انه لم يثبت انه كان فيها عاى فرس غيره. وكان اسم فرسه "سبحة".

والأخدرية من الخيل منسوبة ائ "أخدر"فحل أفلت فتوحش، ذكر أهل ا الأخبار انه كان لسليمان، أو لأزدشير "أردشير". وهناك حمر عرفت بالأخدرية كذلك، ذكروا إنها منسوبة إليه أيضاً. والخدري، الحمار الأسود، والأخدري وحشيه، ويقال للاخدرية م ن الحصر بنات الأخدر.

والأغنام عند الحضر وأشباههم،يربونها للاستفادة من لحومها وألبانها وأصوافها، ولحاجتها إلى الماء والكلا والعلف بصورة دائمة، صارت من ماشية أهل الحضر والمراعي. وهي مصدر ثروة لأصحابها، تصدًّر إلى أسواق العراق وبلاد الشام لبيعها هناك. ومن أنواعها المشهورة: الكباش العوسية. والعوس، ضرب من الكباش البيض، ويكون صوفها أبيض، وهو مرغوب مطلوب.

و "المعز"خلاف الضأن من الغنم، والمعز ذوات الشعور، والضأن ذوات الصوف، و "الماعز"واحد المعز. ويستفاد من لحوم المعز ومن ألبانها وشعرها. وكان أعراب بادية الشام الساكنين على مقربة من فلسطين، يتخذون بيوتهم من شعر الماعز، كما تتخذ البسط والسجاجيد منها. و "العنز"الأنثى من المعز. ويكثر وجود المعز البري فيَ جبال السراة وفي المناطق الصخرية،حيث يعيش على الأشجار و الاعشاب البرية. ويربي الرعاة المعز، حيث يأخذون قطعانها الى المواضع المعشبة القريبة من الماء لترعى هناك، وتربى بصورة خاصة فيَ الأرضبن الجبلية والمتوجة، حيث يتسلق المعز المرتفعات، فيأكل ما يجده أمامه من شجر و حشائش.

الطيور

وقد عني أهل المدر وأهل الريف، بتربية الطيور، وعلى رأسها الدجاج. وقد عد أكله من طعام المترفين المتمكنين، لارتفاع ثمنه بالنسبة إلى الفقراء، وكانوا يتفننون في طبخه. وقد أكله ألنبي والصحابة.

والأوز عند العرب البطّ، صغاره وكبار. ويعدونه من طير الماء،ويذكر علماء اللغة أن "بطة"و "بط"من الالفاظ المعربة. واللفظة إرمية أصلها في لغة بني إرم "بطو".

ويربي الزراع الحيوانات للاستفادة منها في الخدمات الزراعية وفي معاشهم، كالجمال للنقل والحراثة ومتَحْ الماء من الآبار العميقة، والبقر للانتفاع بألبانها ولحومها وللحراثة ومتح الماء، والضأن والمعز والدجاج وغير ذلك من الحيوانات الأخرى الأليفة، مثل اليط والأوز، وغيرها، مما يربيه الحضر وأهل الريف.

تربية النحل

والنحل ذباب العسل، يقع على الذكر والأنثىْ. و "اليعسوب"أمير النحل وذكرها والرئيس الكبير. والعسل من الأغذية الثمينة عند أهل الجاهليهّ، وقد استعملوه في المعالجة من أمراض عديدة، نص عليها في كتب الحديث والطب. وقد أطلق العرب لفظة "العسل"على ما يشبه العسل في الحلاوة أو في الشكل، فقالوا: عسل العرفط، وهو صمغ العرفط لحلاوته، وعسل اللبنى، صمغ ينضح من شجرة، يشبه العسل لا حلاوة له، ويتبخر به، وعسل الرمث، شيء اًبيض يخرج منه كالجمان. ويعسل النحل في "الخلى"، وقد يتخذ النحل خليته بنفسه، في الجبال وفي البساتين، فتكون خلايا طبيعية، وقد يعسل الإنسان بيده خلية النحل، كما يفعل من يربي النحل، فيتخذ لها ما يشبه الراقود من طين،ويقال لها "كوارة"، أو خشبة تنقر ليعسل فيها، وأشياء أخرى. وهي خلايا أهلية. و "الكور"موضع الزنابير، و "كوارة النحل"، شيء يتخذ للنحل من القضبان والطين، ضيق الرأس تعسل فيه، وقد يراد باللفظة العسل في الشمع. و "الشمع"الموم كذلك. و "الجزع"خلية النحل.

وتعزل للنحل مواضع منتبذة عن البيوت يقولون لها: "المصانع"، واحدتها مصنعة.

والنحل من الجوارس في اصطلاح أهل الأخبار، ويعنون بذلك أنه يلحس الشجر والنور للتعسيل. فهو من الجوارس.

. وقد عدّ "سترابون"العسل من جملة المحصولات التي اشتهرت بها العربية السعيدة، وذبَر أنه كثير جداً فيها. وهو كثير في اليمن، ولا تزال اليمن على شهرتها به.

وقد كانت الجبال والهضاب المنعزلة، من مواطن النحل الوحشي، وهناك "معيدون"، حذقوا الرقي والنزول من الجبال، يذهبون إلى الجبال للبحث بين صخورها عن خلايا للنحل لاستخلاص العسل منها. وقد اشتهرت جبال "بني سُليم"، بكثرة ما بها من عسل، وبقيت على شهرتها هذه في الإسلام.

وقد عني الحضارمة بتربية النحل ودرَّ العسل عليهم ربحاً طيباً. ونجد في كتاب رسول الله لربيعة بن ذي مرحب الحضرمي واخوته وأعمامه " أن لهم أموالهم ونحلهم ورقيقهم وآبارهم وشجرهم ومياههم وسواقيهم ونبتهم وشراجعهم بحضرموت " وفي ذكر النحل بعد اللأموال، اشارة إلى أهميته وكونه من مصادر الرزق عندهم في ذلك الوقت.

الأسماك

وقد أشير في القرآن الكريم إن صيد البحر، فورد فيه: )أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم وللسيارة، وحرم عليكم صيد البرّ ما دمتم حرماً، واتقوا الله الذي إليه تحشرون(. وصيد البحر، ما يصطاد من البحار من حيوانات تعيش فيه. وقد كان العرب يعتاشون من البحر، ولا سيما سكان السواحل حيث يسدّ هذا الصيد جزءاً مهماً من معيشتهم، فيستعملون ما يحتاجون إليه، ويبيعون الفائض منه، أو يتقاضون به. وقد كان سكان السمواحل يخرجون بالوسائل المتيسرة لهم لصيد السمك، ومنهم من يصطاد عند السواحل فيجمع ما يقع تحت يديه ليستفيد منه.

ويقال لصياد السمك "العركي"كذلك. ولهذا قيل للملاحين "عرك"لأنهم يصيدون السمك. وفي الحديث إن النبي كتب إلى قوم من لليهود على ساحل خليج العقبة عليكم ربع ما أخرجت نخلكم، وربع ماصادت عروككم، وربع المغزل. والعروك جمع عرك، وهم الذين يصيدون السمك.

وقد عاش على صيد البحر خلق كثير من سكنة السواحل، في ذلك الزمن، حيث كانت سبل العيش عندهم قليلة ضيقة. وقد استفادوا من الحيتان والأسماك الأخرى الكبيرة بصورة خاصة للحمها الغزير، ولاستعمال عظامها وهي كبيرة في حاجات متعددة، حتى جلودها استفادوا منها. والحيتان معروفة في البحر الأحمر وفي البحر العربي والخليج. وهي لضخامتها يحتاج في صيدها إلى آلات والى أيدي متعددة. وقد أشير إليها والى ضخامتها في القرآن الكريم.

والحوت، في رأي بعض علماء اللغة السمك كله، ولكن الغالب أنه ما عظم منه، والسمك في العرف أصغر من الحوت.

ويجفف السمك في الشمس، ويملح أحياناً كاَ ويجفف في الهوإء ليؤكل وقت الحاجة اليه. وقد يستعمل علفاً للحيوانات. وقد يطحن السمك المجفف ويؤكل طحينه، ويجعل علفأَ للحيوانات. وقد يحفظ السمك في ماء مملح أو في خلٍّ، ويقال للسمك المملح ما دام طرياً "القريب". وأما السمك الًممقور في ماء وملح، فهو "النشوط". والمقر السمكة المالحة أو المنقعة في الخل. و "الحساس"، سمك يجفف ويسمى "قاشعاً "كذلك.

ومن حيوان البحر "التّامور"، و "الاطوم"سلحفاة بحرية غليظة الجلد، يشبه بها جلد البعير الأملس وتتخذ منها الخفاف للجمالين، وتتخذ منها النعال. وقيل: إنها سمكة عظيمة، يقال لها المصلة والزالخة، تحذى من جلدها النعال.

و "النكيع" دابة من دواب البحر، و "الزجر"، سمك عظام، و "اللخم " سمك بحري، ضخم لا يمر بشيء إلا قطعه، وهو يأكل الناس. وقيل هو الكوسج، وقيل القرش. و "الجمل"، كاللخم من السمك الضخم، ويقال. له "البال"، قيل إن طول السمكة منه ثلاثون ذراعاً، ويقال هي "الكبع".

و "الكبع"، جمل البحر، وقيل سمك بحري وحشي الهيئة، ومنه يقال للمرأة الدميمة: يا وجه الكبع. و "الكنعد" و "الكنعت"ضرب من سمك البحر. و "سابوط"دابة من دواب البحر. و "قضاعة"اسم كلب الماء، وقيل كلبة الماء. و "قبع"دويبة بحرية، و "الدوع"ضرب من الحيتان بلهجة أهل اليمن، وسمكة حمراء صغيرة كأصبع. و "العنز"، ويقال لها "عنز الماء"أيضاً، سمكة كبيرة، لا يكاد يحملها بغل.

و "الجريث"سمك يقال له "الجريّ"". ويظهر أن اليهود كانوا لا يأكلونه، ولما جاء الإسلام، ساًلوا عن أكله، فاختلف الناس فيه، فمنهم من أباحه ومنهم من نهى عنه. وذكروا اسم نوع آخر من السمك اسمه "الصلور"، قالوا إنه "الجريث"، وأما "الانقليس"، فإنه "مار ماهي"بالفارسية، أي حية الماء. وقد ذكر أحد الشعراء أن الأزد كانوا يأكلون: "للشيم"، والجريث، والكنعد، و "الشيم"نوع من السمك أيضاً. فقال: قل لطغام الأزد لا تبطروا  بالشيم والجريث والكنعد

وقد كان أهل للبحرين يحملون "الكنعد"المالح في الجلال البحرانية. يستخرجونه من البحر. وذكر الشاعر "جرير"هذا السمك أيضاً، وذكر أنهم كانوا يشوونه ويأكلونه مع البصل.

و "القرش"سمك ضخم كبير، يقال له Shark في الانكليزية، يستفاد من لحومه، كما يستفاد من شحومه في الأغراض الطبية، وقد يستفاد من جلوده الغليظة في صنع الأحذية. وزعم أهل الأخبار، أن "القرش"، دابة بحرية تخافها دواب البحر كلها.

وأشير في الحديث إلى دابة من دواب البحر، يقال لها "العنبر"، عثر عليها رجال سرية كان الرسول قد أرسلها إلى ناحية السيف، فجاعوا فاكلوها. ويذكر علماء اللغة أنها سمكة بحرية يبلغ طولها خمسين ذراعاً يقال لها يالفارسية"باله"تتخذ من جلدها الترسة،فعرف الترس المتخذ منها بالعنبر. قال العباس بن مرداس: لنا عارض كرهاء الصريم  فيه الأشلة والعـنـبـر

وذكر أن الناس كانوا يحتذون أحذية من جلد العنبر فيكون أقوى وأبقى ما يتخذ منه وأصلب.

وقد اتخذوا من جلد الأسماك الكبيرة الخشنة مادة تحك بها السياط والقدحان والسهام والصحاف، ويقال لهذا الجلد: "السفن". وقيل: السفن جلد الاطوم تسوى قوائم السيوف من جلدها، أو جلد أخشن غليظ كجلود التماسيح أو الضب يجعل على قوائم السيوف، أو يسحج بها القدح حتى تذهب عنه آثار المبراة. وقد ذكر اللؤلؤ والمرجان في القرآن الكريم، ويستخرج اللؤلؤ من أجواف الصدف. وقد اشتهر به أهل العربية الشرقية بصورة خاصة، يستخرجه الغواصون من البحر. ولا تزال هذه المنطقة تستخرجه وتربح منه. ويوجد اللؤلؤ في البحر الأحمر، ولا سيما قرب جدة والى الجنوب، لكنه لم يشتهر لؤلؤه شهرة لؤلؤ الخليج، ولم يشتهر غواصو البحر الأحمر بالغوص. ولعل اللؤلؤ الذي ذكر في القرآن الكريم هو من اللؤلؤ المستورد من الخليج. واللؤلؤ الدر في تفسير علماء اللغة.

وتعدّ جزيرة "فرسان " من مغاصات الدر، أي اللؤلؤ. و "المرجان"مادة كلسية، يفرزها نوع من الحيوانات البحرية نظير هيكل لوقاية جسمه من الأمواج. وقد تتوسع فتكون صخوراً مرجانية تكون خطراً على السفن. وله ألوان مختلفة، من أبيض وآخر أحمر،. بعضه متفرع على هيأة مروحة أو أشكال النبات. وتصنع منه حلي، ولذلك عُدَّ في جملة المواد الثمينة مثل اللآلىء التي تدخل في التجارة. وهو في البحر الأحمر، ولا سيما في ساحل جزيرة العرب، كثير. ويظهر إن أهل الأخبار وعلماء اللغة، لم يكونوا على علم واضح بالمرجان، فذهب بعض منهم إلى انه صغار اللؤلؤ، وقال بعض آخر إلى انه "البسذ"، وهو جوهر أحمر، وذهب بعض آخر الى انه عظام اللؤلؤ، وذهب آخرون إلى انه خرز أحمر، إلى غير ذلك من آراء. و "البسذ"، لفظة فارسية. وقد ذكر علماء التفسير إن "كعب الأحبار"قال: ألمرجان "البسذ".

والصدف، وهو المحار، غشاء اللؤلؤ ويظهر أن أهل الجاهلية كانوا يرون إن السماء إذا أمطرت فتحت الأصداف أفواهها،فما وقع فيها من مطر فهو لؤلؤ. وقد استفادوا من الصدف، إذ اتخذوا منه حلياً وزينة. وأكلوا ما في جوفها. وهناك ألفاظ تؤدي معنى الصدف،مثل الجُمّ، وهو صدف من أصداف البحر. و "القبقب " و "القنقن"ضرب من صدف البحر، يعلق على الصبيان من العين. و "الدوك"ضرب من صدف البحر، والدلاع ضرب من محار البحر.

وقد استفادوا من السلاحف، ولا سيما البحرية منها. استفادوا من هيكلها ومن لحمها، وعالجوا بعض الأمراض بدمها. وذكر أن "الغيلم"السلحفاة، وقيل الذكر منها. واتخذوأ من عصب السلحفاة ومن عظامها خرزاً يظنم منها القلائد والأسورة.

وفي جزيرة العرب حيوانات وحشية، منها ما كانت مؤذية وهي السباع. ومنها ما كانت تفيد الإنسان، إذ كان يصطادها ويأكلها: مثل الغزلان والظباء الوحشية، والبقر الوحشي، و "الناشط"هو الثور البري، والحمر الوحشية، والوعل، وقّد تمكن الإنسان من تأليف بعض هذه الحيوانات مثل الغزال والظبي، فرباها بمقياس صغير في البيوت وفي البساتين.

وتوجد القردة في مواضع من جبال السراة وفي العربية الجنوبية، وقد كانت تؤذي النبات والشجر.

وعرفت "النمور"في مواضع من جزيرة العرب، فقد ذكر العلماء إن في جبل " أقراح"نمور وأراوي، وان في جبل "شواحط"كثير من النمور والأراوي. والأروى أنثى الوعول وهي تيوس الجبل. وعرفت مواضع الأسود ب "مأسدة"، و منها "بيش""بيشة"باليمامة.

ويظهر إن أهل الجاهلية لم يستذوقوا لحم الخنزير، ولعل منهم من كان يحرم كله او يتجنبه. وقد ذكر إن الأحناف كانوا يحرمون أكله على أنفسهم، وان من سنن ابراهيم، تجنب أكل لحم الخنزير، غير إن النصارى العرب، ومنهم "تغلب"كانوا يأكلونه، وقد عيرهم غيرهم بأكله. ولا تجد في الشعر الجاهلي ولا في القصص اشارات إلى أكل أهل الجاهلية لحم الخنزير، ولا إلى تربيتهم له. ويظهر انهم كانوا يكرهونه، وإلا لما سكتت روايات أهل الأخبار عن ذكره، ولقام الرعاة بتربيته وبالعناية به، عنايتهم بالحيوانات الأخرى.

واستعان الجاهليون بالكلاب في الصيد، وهناك فصائل خاصة منها استخدمت في الصيد. كما استخدموها في حراسة الماشية، وفي الحرث.

وقد كانت الذئاب والسباع تؤذي الرعاة. تغتنم الفرص، فتهجم على ماشيتهم وتفترس ما تستطيع افتراسه منها. ولهذا كانوا إذا نزلوا أرضاً مسبعة، أي ذات سباع، خافوا منها، وأوقدوا بها ناراً في الليل، لطرد السباع عنهم، إذ كانت تخشى النار. واذا كثرت السباع في الطريق، قيل: أسبعت الطريق. والمسبوعة البقرة التي أكل السيع ولدها. ويقال للارض التي تكثر فيها الذئاب: أرض مذأبة، كقولك أرض مأسدة من الأسد، للارض التي تكثر فيها الأسود. وإذا جاع الذئب، صار شرساً جريئاً لا يهاب الإنسان، فيهجم على الغنم، مع وجود الرعاة معها، وقد يهاجم البشر. وقد تختقي الذئاب بالغضى، فيقال ذئاب الغضى.

وفي موضع يقال له "بستان ابن عامر"مأسدة. وهو مجتمعع النخلتين: النخلة اليمانية والشامية. و"عثر"مأسدة أيضاً باليمن، وقيل جبل بتبالة مأسدة. ومن مواضع الأسد: أسد خفّان، وأسد الشرى من بلاد لخم، وأسد حاملة، وأسد الملاحيظ، وأسد المقيضا، وأسد الكطاء، واسد تعشر، وأسد لية، وأسد حلية، وأسد السحول،وأسد عتود وغيرها. وهناك مواضع أخرى اشتهرت بوجود الوحش بها.

العلف

و "العلف"هو ما تأكله الماشية، وقوت الحيوان وقضيم الدابة. وبائعه العلاف. ومنه "القتّ"، الفصفصة، وقيل الرطب والبابس من العلف، وخص بعضهم به اليابس منه. و "الفصفصة"رطب القت. وفي الحديث: ليس في الفصافص صدقة. وهي الرطبة من علف الدواب، أي القت. واللفظة من المعربات، عربت من أصل فارسي، هو "اسبست"و "اسفست "والتبن من علف الماشيهَ، وكذلك "الحشيش"، وهو الكلأ اليابس. ذكر بعض علماء اللغة إن الحشيش لا يطلق على الكلأ الرطب، وقال بعض آخر: الحشيش: أخضر الكلأ ويابسه. وذكر بعض: إن العرب إذا أطلقوا اسم الحشيش، عنوا به الخليّ خاصة، وهو أجود علف يصلح الخيل عليه، وهو من خير مراعي النعم، وهو عروة في الجدب وعقدة في الأزمات. وقال بعض علماء اللغة: البقل أجمع رطباً ويابساً. حشيش وعلف وخلي. و "الخلي"، الرطب من النبات. وقيل: هو الحشيش الذي تحش من بقول الربيع، وقيل: هو النبات الرقيق ما دام رطباً. وقيل: كل بقلة قلعتها. وأخلت الأرض كثر خلاها.

وقد تعلف بعض الماشية شعيراً، مثل الخيول الأصيلة والبقرة الحلوب. وقد تعلف نخالة. وقد تمزج النخالة بالملح، لتقوية عظام الحيوان. وقد تعلف سمكاً مجففاً، أو طحين السمك المجفف، أو عظامه، وذلك كما فعل أهل العربية الجنوبية، لكثرة وجود السمك عندهم، فتصح أجسام ماشيتهم وتدر عليهم الحليب. ويعتنى بعلف الخيل الكريمة خاصة، حتى كان الرجل منهم يبيت طاوياً ويشبع فرسه، ويؤثره على نفسه وأهله وولده. وكانوا يعلفون خيولهم ذرة. قال "أبي بن خلف"لرسول الله "إن عندي فرساً أعلفه فرقاً من ذرة " وقد يكون العلف "سحالة"، والسحالة قشر البر والشعير ونحوه، وفد تحات من الدخن والذرة، وتقدم السحالة إلى الدجاج والطيور خاصة.

ومن علف الإبل "الخبط الملجون"، وهو ورق الشجر يخبط ثم يخلط بدقيق أو شعير فيعلف الإبل، وكل ورق أو نحوه، فهو ملجون أو لجين و الخليط من العلف طين مختلط بتبن، أو تبن مختلط بقت.

نجابة العرق

وللعرب عناية خاصة باًلأصل والعرق: عرق الإنسان وعرق الحيوان. فهم يضنون بذي العرق الكريم من أن يتصل بما دونه في الإصالة والنجابة لئلا يتردى نسله، وينحط عقبه. وكذلك كانوا يفعلون بالخيل والإبل. فهم يحافظون على ألشاب الكرم الأصيل النجيب من الجنسين، ويدوّنون شجرة النسب، ويحفظونها حفظهم لأنساب الناس. وكانوا يضنون بضراب الجمل وبعسب الحصان الأصيل، إلا إذا كانت الناقة أو الفرس من الأصائل النجبات. وقد كان بعضهم من يوافق على ضراب فحل نجيب لديه، إذا أعطى ثمناً يوافق عليه عن ذلك الضراب، لحاجته إلى المال.

وكان من شدة عنايتهم بالخيل والإبل، أنهم حفظوا أنسابها، ودونوا أسماء النابه منها، ووضعوا الكتب فيها، وقد طبعت بعض منها، وهي لمشاهر الأخباربين مثل ابن الكلبي. ولا زال العرب يعتنون بنسب فحول الخيل والإبل، ويدونون شجرة أنسابها ويحفظونها حفظ أنساب الناس.

ضراب الفحل

وكان منهم من يأخذ الكراء على ضراب الفحل. فيجعل على الضراب أجراً يتفق عليه. فينزو الفحل على الناقة في مقابل ذلك الأجر. وكانوا يزيدون في ثمن ضراب الجمل إذا كان أصيلاً معروفاً. وقد نهى الإسلام عن ثمن الضراب، وجعله من السحت. كما نهى عن عسب الفحل، أي ثمنه. و "العسب"، ضراب الفحل وطرقه، أو ماء الفحل فرساً كان أو بعيراً. واعطاء الكراء على الضراب، واسم الكراء الذي يؤخذ على ضرب الفحل. ويقال للضراب "الشبر" كذلك. وهو طرق الجمل وضرابه، وأخذ الكراء على ضراب الفحل والعادة عندهم انهم يستأجرون الفحل للضراب للناتج. وللفقهاء في جواز ذلك وعدمه أقوال.

الأمراض والأوبئة

ويصاب الحيوان كما يصاب الإنسان بالأمراض والأوبئة. وقد تفتك به فتكاً فتؤذي صاحبه، وتنزل به خسارة كبيرة، ولا سيما إذا كان ذلك الحيوان من الإبل. وقد يتأذى الحيوان من حيوان آخر فيهلكه، فقد تصيب بعض، الطيور الإبل فتؤذيها. وكل طائر يتطير منه للابل، فهو عرقوب، لأنه يعرقبها. وعرقبه قطع عرقوبه. وطير العراقيب الشقراق، تقول العرب: إِذا وقع الأخيل على البعر ليكشفن عرقوباه. مما يدل على أنه كان يؤذي الإبل. و "القراد"تعفن الإبل وتؤذيها، كما تؤذيَ غير الإبل من الحيوان أيضاً.

وقد تصاب الإبل ب "الهيام"، وهو داء يأخذ بها، فيصيبها مثل الحمى، ولذلك عرف ب "حمى الإبل". وقيل انه جنون يصيب الإبل فيهلكها. يصيبها في الموضع المهيم الموبئ، الذي تكون فيه نقوع ساكرة لا تجري ولذلك قال أهل الأخبار إن الهيام يحدث من ماء تشربه الإبل مستنقعاً وعن شرب النجل إذا كثر طحلبه واكتنفت الذبان به. وبتهامة مياه من هذا النوع.

و "النقبة"قرحة تخرج بالجنب، وجرب يصيب الإبل. "والنقر"، مرض يصيب الشاة.

وقد كانوا يتوسلون إلى الأصنام لتشفي ماشيتهم من أمراض قد تصاب بها. روي عن "ساعدة الهذلي"أنه قال: كنا عند صنمنا سواع، وقد جلبنا إليه غنماً لنا مائتي شاة قد أصابها جرب فأدنيتها منه أطلب بركتهه. فالأصنام تشفي من الأمراض وتبارك في الماشية وفي الإنسان على رأي الجاهليين.

الفصل الخامس والتسعون

الارض

والأرض هي مصدر الثراء والغنى للانسان، وعلى مقدار ما يملكه الإنسان من أرض، تكون ثروته ويكون غناه، وعلى قدر ما يبذله صاحب الأرض من جهد في استغلالها وفي تطويرها وفي استنباط ما في باطنها من خيرات يتوقف دخله منها وغلته التي تأتيه من أرضه هذه.

ولا تعرف ملكية الاْرض والماء، إلا بين الحضر. أما الأعراب، فإن هذه الملكية تكون عندها للقبيلة ولساداتها، حيث يحمون بعض الأرض، أو يستنبطون الماء من أرض موات لا ماء فيها، فتتحول الأرض بذلك إلى أرض نافعة ذات ماء، يبسط حافرها حمايته عليها ويجعلها ملكاً له، وقد يزرع عليها، فتصير الأرض التي يزرعها ملكاً له. وبهذه الطريقة تكونت الملكية بين القبائل.ولا يستطيع أن ينال من هذه الملكية بالطبع إلا المتمكن من أبناء القبيلة ومن ساداتها، من يتمكن بما لديه من مال وامكانيات من استنباط الماء ومن احياء الأرض واستغلالها بما عند من اموالٍ وعبيد.

ويكتسب هذا التملك صفة شرعية، إذ يعتبر ملكاً صرفاً لصاحبه، ليس لأحد حق منازعته عليه. ولمالكه أن يتصرف به كيف يشاء. له أن يبيعه، وله أن يبقيه، وان مات انتقلت ملكيته إلى ورثته.

فالأرض في معظم جزيرة العرب، حق عام مشاع لا تعود ملكيته لأحد. إلى إن صار الرعي، وأخذت القبائل تنتقل من مكان إلى مكان، ففرض سادتها حق الحمى، وهو نوع من التملك المتولد من حق الاستيلاء بسبب الزعامة والقوة والاغتصاب، فصار الحمى ملكاً لسادات القبائل، وصارت الأرض المتبقية التي دخلت في حوزة القبيلة بسبب بسطها سلطانها عليها، ملكاً لها. ملكاً مشاعاً بين جميع أبناء القبيلة، ليس لأحد صد أحد من أبناء قبيلته عن ارتياد أرضها، إلا بقانون القوة والعزة والتجبر، أو بفرض سلطانه على الأرض باستنباط مائها وهو حق لا يعمل به إلا القوي المتمكن.

ومن هذا الإحياء للارض الموات تكونت بعض المستوطنات في البوادي، جلب ظهور الماء فيها الناس إليها، فسكنوا حولها، وجاءوا من أطرافها للاستقاء من مائها، وشجع العثور عليه في هذا الموضع المتمكنين الآخرين على الحفر أيضاً، فكان إذا ظهر ماء عذب، جذب الناس إليه، وسحرهم بسحره، وأناخهم حوله، فتوسعت بذلك تلك المستوطنات، وتعددت،وظهرت فيها الملكية الفردية، والحياة الحضرية القائمة على الحيازة والتملك الفردي، بصورة أوسع مما نجدها عند البدوي الاعتيادي الذي لا يملك إلا بيته، وهو خيمته وأهله، وما قد يكون عنده من الإبل.

ظهور القرى

وصار بعض هذه المستوطنات قرى، توسع قسم منها حتى صار بمنزلة المدن، منها ما كان يضاهي "يثرب"أو مكة في الحجم، غير أنه لم يشتهر ولم يذكر، لعدم وجود تماس له وصلة مباشرة بتأريخ الإسلام. وهي مستوطنات سكن وماء وأسواق وتجارة، ذكرها أهل الأخبار بقولهم: "قرية كانت عظيمة الشأن " وبقولهم: "قرى"، وصار بعض منها "قرى وزروع ونخيل"، أي قرى غلبت الزراعة على أهلها، فظهرت الزراعة بها. زراعة نخيل، إن كانت زراعة النخيل هي الزراعة المتغلبة عليها، وزراعة نخيل وزروع أخرى، إن شاركت الزروع الأخرى النخيل في ذلك. وهذا هو سبب نص "الهمداني"وأمثاله ممن كتب عن مواضع جزيرة العرب، على القرى، بأنها قرى، أو قرى سكن، أو قرى نخيل، أو قرى زراعة ونخيل، أو نخل وقرية.

وأما القرى التي غلب التعدين عليها، فقد نص عليها بأنها "معدن"،لتمييزها عن القرى الأخرى.

وهكذا ظهرت في البوادي مستوطنات زراعية رعوية، كفت نفسها بنفسها، توقف حجمها على كمية الماء فيها، وتوقف انتاجها على مقداره وكمية، وظهرت فيها نتيجة لذلك الملكية الفردية، تملك المقيم فيها الأرض التي استقَر بها وبنى بيته عليها، وتملك زرعه وحاصله إن كان له زرع، وتملك ماشيته إن كان صاحب ماشية. وتولد نتيجة لكل ذلك مجتمع مستقر، تعاون فيما بينه في الدفاع عن نفسه وعن ماله، وفي جلب السلع التي يحتاج إليها الإنسان والميرة، وتولد فيها تعامل وبيع وشراء، توقف حجمه بالطبع على حجم ذلك المكان وعلى مقدار وجود الماء به.

فالبحث عن الماء والحصول عليه بالمال وبالخدم والعبيد،كوّن الملكيات الفردية في الوادي بين الأعراب، وأوجد المستوطنات الحضرية والمستقرات، وصير من بعض البدر حضراً أو أشباه حضر، وغيرّ بعض التغيير من معاييرهم ومقاييسهم الاجتماعية، بجعلهم زراعاً وفلاحين، بعد كره واستهجان للمزارع وللزراعة. وهذه المستوطنات هي مستوطنات نشأت وظهرت بجهد الإنسان. وبعمله وجدّه، وبأستثمار عقله وماله وفي تسخير أتباعه في استنباط الماء، وتحويل الأرض البكر إلى أرض زراعة وسكن، وفي جزيرة العرب مستوطنات عديدة من هذا القبيل، ومعظم مستوطنات يثرب، هي من هذا النوع، مستوطنات قامت على الآبار التي احتفرها المتمكنون من أهلها، فزرعوها وأقاموا الأطم بها لحماية الزرع والناس من الأخطار. والأطم القصور، وكل حصنُ بني بالحجارة أطم. وقيل هو كل بيت مربع مسطح. وقد اشتهرت يثرب باطامها. وذكر "الأعشى" آطام جو بقوله: فلما أتت آطام جوّ وأهلـه  أنيخت فألقت رحلها بفنائكا

وأقيمت الحصون لحماية هذه المستوطنات، واتخذت وسائل التحصن الأخرى لحماية النفس والزرع من الأعراب الجياع. ولا تزال في اليمامة اثار حصون وآطام عادية، تعود إلى ما قبل الإسلام بأمد. وكانت حماية ومنعة للساكنين حولها، وتشاهد آثار السكن في أطرافها، وآثار آبار مندرسة، وآثار زرع، هي مزارع القوم، فنجد في الافلاج حصوناً، ونجد في "ملهم"حصونا كان يتحصن بها "بنو يشكر"، ونجد في أرضين أخرى حصوناً بنيت كلها لدرء النفس من الأخطار واليمامة حصون متفرقة ونخل ورياض، وفيها بتل، والبتيل، هن مربع مثل الصومعة مستطيل في الحماء من طين، ويرجع أهل الأخبار زمانها إلى "طسم"و "جديس"، وذكروا أن طول بعضها خمسمائة ذراع.

وقد أشار أهل الأخبار إلى قرى ومستوطنات قديمة في مواضع متعددة من جزيرة العرب، نسبوها إلى "عاد" والى "طسم"و "جديس"لبعض منها حصون وآبار. فالقرية موضع قديم به ماء عادي، أي ماء قديم، إلى جنبه آبار عادية وكنيسة منحوتة في ااصخر.والقصر العادي بالأثل من عهد طسم وجديسْ، و "القرية": القرية الخضراء، خضراء حجر، هي حضور لطسم وجديس، وفيها حصونهم وبتلهم. والبتيل: هنّ مربع مثل الصومعة مستطيل في السماء من طين. بناء بعضه مائتا ذراع أو خمسمائة ذراع مرتفعاً سامقاً في السماء، وبقرية بني سدوس، قصر مبني بصخر منحوت، نسبه أهل الأخبار إلى "سليمان بن داوود". و "تر" نخيل وحصون عادية وغير عادية.

إلى غير ذلك من قرى وقصور وحصون قديمة ذكرها أهل الأخبار، أشرت الى بعض منها في مواضع من هذا الكتاب، نشأت ونبتت في البوادي، في المواضع التي أمكن للانسان بفنه البدائي وبعلمه في ذلك الوقت من استنباط الماء فيها. وبظهور ذلك الماء نبتت مستوطنات وزروع ونخيل وملكيات في أرض كانت ميتة ليس لها مالك، فأحياها استنباط الماء منها، وجعلها ملكاً لأصحاب الماء.

وقد كانت هذه الآطام والحصون معاقل لأصحاب الأرض ومنازل لهم، ومخازن يخزنون بها حاصل أرضهم وماشيتهم عند دنو الخطر، وقد يحتمي بها عبيدهم وأتباعهم فهي مثل، قلاع الأشراف النبلاء في أوروبة أيام الاقطاع ومثل المحافد والقصور في اليمن. وهي تختلف في الحجم والسعة باختلاف درجة ومنزلة المالك للأرض، من حيث تملكه للمال وللخدم والعبيد وما عنده من ثراء، وقد صارت سبباً في تحويل أصحابها الى حضر أو شبه حضر، ولو انهم كانوا وسط بواد وبين أعراب، فإقامتهم. في أبنية مستقرة وحرثهيم الأرض وزرعها، واستخدامهيم للعبيد في الفلاحة، طورتهم بعض التطوير، حى صاروا على شاكلة الحضر، يتركون منازلهم لزيارة القرى والأرياف، ويتصلون بالحضر وقد يقيمون بينهم على نحو ما يفعله كثير من سادات "شيوخ"القبائل في الوقت الحاضر، وكان جلّ سادات القبائل الكبار من أصحاب الأبنية الثابتة، لهم منازلهم ومزارعهم وأعرابهم الذين لم تمكنهم أحوالهم المادية من تملك الأرض والزرع، فاشتغلوا برعي الإبل، وقد تتعرض مزارع هذه المستوطنات إلى الأخطار مع وجود الحصون وأبنية الحماية الأخرى، فالمزارع الكبيرة لا يمكن حمايتها إلا إذا حميت في حصون عديدة من جميع جهاتها وحمايتها على هذا النحو عمل مكلف باهظ. لذلك كان المهاجم يهاجم الزرع ليحرق قلوب أصحابه المتحصنون في الحصن، فلما هاجم "بنو يربوع""بني يشكر"، تحصن "بنو يشكر"بحصنهم بقريش "ملهم"، فأحرق "بنو يربوع"بعض، زرعهم، وعقروا بعض نخلهم، فلما رأى القوم ذلك نزلوا اليهم فقاتلوهم.

وقد اتخذ المزارعون ملاجىء لهم عند أماكن زرعهم يأوون إليها لحماية أنفسهم من أشعة الشمس ومن المطر والعواصف، وكانوا يسكنون بها، كانت هذه سنتهم في الجاهلية وفي الإسلام. وقد ذكر مؤلف "بلاد العرب"أن بروضة السويس قبتين مبنيتين يسكنها الزراعون.

وقد أولد هذا المجتمع تبايناً في منازل الناس، جعل من أصحاب الأرض الكبيرة ملاكاً كباراً لهم أطم وحصون، يأوون إليها، ولهم خدم يخدمونهم ويخدمون زرعهم وماشيتهم، هم العنصر المنتج، والآلة التي تساعد على الانتاج وعلى تكثيره، وعلى تزييد أموال الملاّك، أما هم أنفسم فمجرد خدم ورقيق، خلقوا لخدمة سادتهم ووجدوا لرعاية أموالهم والعناية بزرعهم وتكثر رزقهم. و،إلى جانب هؤلاء أناس أحرار، كان في رزقهم شحّ، وفي حياتهم عسر، وقوتهم قليل و قاموا بمختلف الأعمال والحرف لإعالة أنفسهم وسدّ رمقهم.

وقد تمكنت بعض هذه المستوطنات من انتاج حاصل زراعي سد حاجة أهل المستوطنة، ومن بيع الفائض منها الأعراب. وبينها مستوطنات زرعت الحبوب، مثل الحنطة وصدرتها إلى أماكن أخرى. فقد ذكر إن قرى اليمامة كانت تمون مكة بالحبّ، وتمون الأعراب بالتمور. وما هذه القرى سوى مستوطنات، ظهرت في البوادي بسبب وجود الماء فيها، وبسسب استنباطه من الأرض بحفر الابار، فنمت وتوسعت، لاتساع صدر الماء بها، ولتفضل الأرض على من نزل بها باعطائهم ماءاً كافياً، كفاية تساعد على توسع المستوطنة، فيما لو عمل النازلون بها على استنباطه من باطنها، واستعملوا عقولهم وأيديهم في استغلال التربة للحصول على موارد الرزق منها.

وتحدد الأرض المملوكة بحدود، وقد توضع على أطرافها علامات، لتكون حدودها معلومة، فلا يتجاوز عليها. ويقال للحد بين الدارين، أو بين الآرضين "الجماد". وقد أشير إلى "الجوامد"، أي الحدود في الحديث. ورد اذا وقعت الجوامد فلا شفعة في الحدود.

والأرض، عامر أو غامر، والعامر المأهول والمزروع والمستغل، والغامر خلاف العامر، وهو الخراب. وقد قسم "عمر"السواد إلى عامر وغامر، أي عامر وخراب. والغامر الأرض ما لم تستخرج حتى تصلح للزراعة والغرس، وقيل: هو ما لم يزرع مما يحتمل الزراعة. واتما قيل له غامر، لأن الماء يبلغه فيغمره. ويقال للارض العامرة: "السوداء"، وأرض سوداء، أرض مغروسة، والأرض في عرف العرب إذا غرست اسودت واخضرت، و "البيضاء" الخراب من الأرض، لأن الموات من الأرض يكون أبيض.

والبور: الأرض قبل أن تصلح للزرع، وقيل: هي الأرض التي لم تزرع،أو الأرض كلها قبل أن تستخرج حتى تصلح للزرع أو الغرس. وفي كتاب النبي لأكيدر دومة: ولكم البور والمعامى وأغفال الأرض. فالبور الأرض الخراب التي لم تزرع،أو هي التي تجم سنة لتزرع من قابل. وذكر أن المعامى الأعلام من الأرض ما لا حدّ له. والأغفال ما لا يقال على حده من الأرض. والمعامى على حدّ قول بعض العلماء أغفال الأرض التي لا عمارة بها، أو لا أثر للمارة بها. والغفل: ما لا عمارة فيه من الأرضين، وقيل الموات، وأرض غفل لا علم بها ولا أثر عمارة، وأرض سبب ميتة لا علامة فيها، وكل ما لاعلامة فيه ولا أثر عمارة من الأرضين والطرق ونحوها غفل، وبلاد أغفال لا أعلام فيها يهتدى بها. وقد ورد في كتاب الرسول إلى الأكيدر: "أن له الضاحية والبور والمعامى وأغفال الأرض والحلقة والسلاح والحافر والحصن، ولكم الضامنة من النخل والمعين من المعمور".

والضاحية ما كان خارج السور من النخل، والضاحية البادية، وضواحي قريش النازلون بظواهر مكة.

والعامر، إما ملك للحكومة، وإما ملك للملوك ولذويهم، وإما ملك للمعبد،أي اوقاف حبست على المعابد، وإما ملك لأسر وأفراد، وذلك بالنسبة للحضر،وفي العربية الجنوبية بصورة خاصة. وأما بالنسبة إلى الأعراب، سكنة البوادي، فأرض القبيلة - كما سبق إن قلت - ملك لها، إلا ما حمى منها. فهو من حق أصحاب الإحماء. فالأرض أذن مشاعة بين أبناء القبيلة، ويدخل في ذلك الماء و الكلأ.

وقد عبر في أحد النصوص عن الأرض التي آلت إلى صاحبها بطريق التملك ب "مقبلت قنيو""، أي الأرض التي أقبلت إلى الشخص بطريق الملكية. ومعناها الأرض المقتناة أي الملك. وهي أرض ملكها صاحبها إرثاً من أهله،وذلك تمييزأَ لها عن الأرض التي يتملكها صاحبها شراءً، وقد عبر عنها ب "شامتهو"، أي الأرض المشتراة.

وتعد كل الأرضين التي لا تملكها الجهات المذكورة ملكاً للدولة. ورقبتها بيد الحكومة، وتسجل باسم الشعب الحاكم. فإذا كانت الحكومة حكومة معين، تسجل الأرض باسم شعب معين، وإذا كانت الأرض في سبأ، تسجل باسم شعب سبأ، وقد توسعت رقعة الأرضين الحكومية بالفتوحات الواسعة التي تمت في عهد الملك "كرب ايل وتر"،وفي عهود الملوك المحاربين مثل "شمر يهرعش"الذين إذا انتصروا على خصومهم جعلوا أرضهم وما يملكونه غنيمة لحكومتهم، تابعة لبيت المال. وذلك على نحو ما فعله المسلمون في الفتوحات من تسجيلهم الأرضين التي فتحوها بأسم "بيت مال المسلمين".

وقد تؤجر أرض التاج للقبائل والعشائر بعقد يتفق عليه، تذكر فيه شروطه في الوثاثق التي تدوّن لهذه الغاية، ويتم الدفع بموجبها، فيكون إما عيناً، وإما نقداً. وقد يقوم سادات القبائل باستغلال الأرضين المؤجرة على حسابهم، وقد يؤجرونها أو يؤجرون أجزاءً منها إلى حاشيتهم أو أتباعهم في مقابل جعل يدفع لهم. فيكون دخلهم من هذه الأرض المؤجرة من العوائد التي اتفقوا على استحصالها من المستأجرين الثانويين ومن صغار الفلاحين.

وقد كان الفلاح مغبوناً في الأكثر، لأنه بحكم فقره واضطراره إلى استئجار الأرض بشروط صعبة في الغالب، مضطر إلى الاستدانة في أغلب الأحيان، لضمان معيشته في مقابل تعهد بدفع ما استدانه في آخر موسم الحصاد وقطف الثمر فإذا حقّ ألاجل، اضطر إلى دفع ديونه وما ترتب عليها من ربا فاحش، وما عليه من حق للحكومة ولصاحب الأرض، فلا يتبقى لديه ما يكفيه في عامه الجديد، فيضطر إلى تجديد الاستدانة، والغالب أن أصحاب الأرض هو الذين يقومون بتقديم الديون الى الفلاحين، لربطهم طول حياتهم بالأرض، فلايتمكن الفلاح من الهروب منها بسبب ثقل ما عليه من الديون، ووجوب دفعها مع فائضها كاملة إن أراد تركها، وهو حلّ لا يتمكن من تنفيذه، فيظل لذلك مرتبطاً مع عائلته بأرض المالك صاحب الديون.

وكانت حكومة سبأ تستغل أرضها الخاضعة للخزينة العامة، أي "أرض السلطان"، إما بأدارتها نفسها وباستغلالها بتشغيل المزارعين بها على حساب الدولة، وإما بيعها، وإما بتأجيرها في مقابل "أجر"يقال له، "اثوبت"في لغتهم.

وامتلكت المعابد أرضين واسعة شاسعة، استغلتها باسم الآلهة، ودرّت عليهم أرباحاً كثيرة. وهي أرضين سجلت بأسمها منذ نشأت المعابد وظهرت، فارتبطت بها، وصارت وقفاً عليها. منها ما سجل في عهد "المكربين"أي حكومات رجال الدين في العربية الجنوبية، يوم كان "المكرب"هو رجل الدين والحاكم الدنيوي، فكانت نظرتهم إن الأرض وما عليها ملك للآلهة. ورجال الدين الحكام هم خلفاء الآلهة على الأرض، وهم وحدهم لهم حق الحكم والفصل بين البشر، وما يقرونه حق، وما يخانفونه ويحرمونه فهو باطل. وهم الذين يفصلون بين الحرام وبين الحلال، ويقررون ما يوافق حكم الآلهة رما يخالفه. فهم حكام الشرع و القانون.

وكانت للمعابد الأخرى أحباس خصصت بها، وحميت للمعبد ولما ينذر له ويحبس عليه من حيوان يرعى فيه، فلا يتطاول عليه أحد. وقد سبق إن تحدثت عن حرم "العزى"، وهو شعب حمته قريش للصنم، يقال له "سقام"في وادي حراض، وقد كان حرماً آمناً، لا يجوز قطع شجره ولا الاعتداء على ما يكون فيه من انسان وحيوان. وهو قرب مكة بين "المشاش"و "الغمير" فوق ذات عرق، الى البستان، وقيل بالنخلة الشامية. كما كان بيت الحرام، حرم واسع به شجر وزرع، سبق إن تحدثت عنه.

وقد وجدت في بعض المناطق، مثل أرض قبيلة "بكل""بكيل"، أملاك واسعة حبست على "المقه"، كانت تديرها وتتصرف بها عشيرة "مرثد"،ووجدت أرضون واسعة في مناطق أخرى، جعلت المعبد من أكبر ملاك الأرض.

وقد استغل المعبد بنفسه بعض أملاكه، وأجر بعضاً آخر للاسر المتنفذه ولسادات القبائل، بموجب اتفاقات دونت وحفظت في خزائن المعابد. وقد كان المتنفذون قد استولوا على بعض حبوس المعابد، واستغلوها، ولما كانوا أقوياء،والأوقاف في مناطق نفوذهم، ولا يمكن للمعبد أن ينتزعها منهم، اضطر إلى تأجيرها لهم ببدل ايجار رمزي، ليحافظ بذلك على اسم وقفه، فلا يستبد أولئك السادة به، ويسجلونه ملكاً بأسمه. فصارت هذه الأملاك من أملاك المعبد بالأسم، ومن أملاك إلملاك الأقوياء بالفعل.

ولا نجد في أخبار أهل الأخبار ما يفيد بوجود حبوس كبيرة وكثيرة على المعابد في العربية الغربية أو العربية الوسطى أو العربية الشرقية، على نحو ما وجدناه في اليمن، ويعود سبب ذلك في رأيي إلى صغر مساحات الأرضين الخصبة المزروعة في هذه الأقسام، والى قلة الماء فيها، مما جعل من الصعب على الناس التخلي عن أرضين كبيرة للمعبد. بل ترينا أخبارهم إن أهل هذه المناطق كانوا لا يتئثمون أحياناً من التطاول على "حرم"المعابد، فكانوا يقطعون شجره ويستقطعون قطعاً من أرضه لأتخاذها منازل لهم كالذي حدث ل"حرم"بيت الله.

وقد كان الملوك وكبار الملاك يقطعون أرضهم اقطاعات لاستغلالها. ويعبر عن ذلك بلفظة "بضع"في المسند، أي القطعة. وقد يراد بها الأرض المعطاة لجماعة لاستغلالها في الزراعة.

وفي أواخر عصور الملكية في سبأ، نجد طبقة الاْشراف وسادات "الأعراب " "اعربم"والقبائل وقد ازداد نفوذها وقوي سلطانها، فنازعت الملك على صلاحياته في بعض الأحيان. وصار لرؤساء القبائل نفوذ قوي في المملكة، حتى قلصت حكم ال "مزود"واستأثرت بالأرض، واحتكرتها، فاضطر الملوك إلى النزول عن حقهم في الأرضين إلى أولئك الرؤساء في مقابل اتفاقيات تحدد الواجبات والمبالغ التي يجب على رئيس القبيلة أن يقدمها الى الملك في مقابل استغلاله للأرض، ويقوم الرئيس بإيجار أرضه لأتباعه المتنفذين في القبيلة أو لأفراد قبيلته الاعتياديين، يتقاضى على ذلك أجراً يتفق عليه، باهظاً مرهقاً للفلاح المسكين الذي لا يملك في العادة أرضاً، فتحولت العربية الجنوبية بذك الى دولة اقطاعية، أرباحها وحاصلها ونتاجها وقف وإقطاع لطبقات معينة متنفذه.

وفي جملة تلك الواجبات تقديم عدد يتفق عليه من أتباع من حصل على أرض حكومية للقيام بالخدمات العسكرية، ووجوب الدفاع عن الحكومة عند ظهور خطر عليها. فيقوم إلمقتطع للارض بإرسال رجاله على حسابه للدفاع عن الملك. وبذلك صارت جيوش الملك مؤلفة من جنود مرتزقة وجنود أرسلوا إلى القتال إرسالاً بأمر سادتهم تنفيذاً لالتزاماتهم التي ألزموا أنفسهم بها مع الملوك.

وممكن حصر الأشخاص الذين تمتعوا بنعم الاقطاع وامتيازاته بالملوك وبذويهم،والملك هو الراعي الشرعي للحق العام، وهو الناظر والوصي لأرض الدولة، وهو بهذه الصفة يصطفي لنفسه ولأولاده ولأهله خيرة الأرضين، ثم يليه من بعده رجال الدين الناطقون باسم الآلهة، وهم في نظر الشرع، أي الدين أصحاب الأرض، لأن الأرض ملك للآلهة. ثم يليهم قادة الجيش وصفوة الملوك وكبار الحكام، والسادات. سادات الحضر وسادات القبائل. أما السواد، وهم غالبية الناس، فليس منهم من يملك إلا المساحات الصغيرة من الأرض، وإلا البيوت، وأغلب الباقين عالة على غيرهم، يتعيشون باستعمال أيديهم في كسب قوتهم وقد يؤجر سيد القبيلة أو سادات الأرض ما استحوذوا عليه من الحكومة من أرضين إلى أناس غرباء أجراء أم إلى قبائل أخرى، في مقابل شروط يعينها، فيستغلون الأرض بموجبها، ويكونون عندئذ في حمايته وفي رحمته ورعايته،فيعاملون عندئذ وكأنهم فرع من فروع قبيلة صاحب الأرض. واذا استمر العقد، فقد يدمجهم الزمن في قبيلة سيد الأرض فيعدّون منها، وينسبون إليها، مع انهم غرباء عنها. ومن هنا نرى إن القبائل في العربية الجنوبية، لم تكن على نحو ما نفهمه من معنى القبيلة، من إنها بنو أب واحد، وأصحاب نسب واحد يصعد حتى يتصل بجد، بل قد تكون من قبائل وعشائر مختلفة ومن جماعات عمل، تمثل مختلف الحرف، انضمت إلى قبيلة كبيرة، أو إلى ملاّك كبير، للعمل في أرضه أو لأداء خدمات له، فلما طال بها المقام اندمجت في القبيلة الكبيرة، أو في قبيلة الملاك الكبير، فعدّت منها، أو في آل وأتباع صاحب الأرض، فعدّوا من أتباعه، ونسبوا إليه، حتى إذا طال الزمن وتقادم العهد، صار ذلك الرئيس جداً لهم، وعدّ نسبهم منه.

ولما ظهر الإسلام، كان الأقيال وسادات القبائل قد استبدوا بالأمر وتحكموا في رقاب الأرض، واقطعوها فيما بينهم، ولقب بعضهم كما سبق أن تحدثت عن ذلك أنفسهم بألقاب الملوك. ومن هؤلاء "بنو وليعة".ملوك حضرموت: "حمدة"، و "مخوس"، و "مشرح"، و "أبضعة". و "الحار ث ابن عبد كلال"، و "نعيم بن عبد كلال"، و "النعمان"قيل ذي دعين "ذي يزن"ومعافر وهمدان وشريح بن عبد كلال، وزرعة ذي رعين. و "جيفر بن الجلندي"و "عبد بن الجلندي"وهما من الأزد. وكان "جيفر"، يلقب نفسه بلقب ملك عمان. و "ذو الكُلاع بن ناكور بن حبيب بن مالك ابن حسان بن تبع"، و "ذو عمرو"، و "معدي كرب بن أبرهة"صاحب خولان. و "ربيعة بن ذي مرحب"الحضرمي، وآل ذي مرحب، وكانوا يملكون الأموال والنحل والرقيق والابار والمياه والسواقي والشراجع بحضرموت، و "وائل بن حجر"، من كندة حضرموت، وكان يملك الأرضين والحصون والأودية، وكان "الأشعث"وغيره من كندة ينازعونه في واد.

ويقال لتقديم الفلاح أو المستأجر لأرض ما،ما عليه من حقوق تجاه الحكومة،التي استأجر الأرض منها، أو صاحب الملك، الذي استأجر أرضه لزراعتها، "دعتم""دعت"، أي "غلة"، تسلم إلى وكلاء الحكومة أو صاحب الأرض عن حقهم المتفق عليه.

وتعرف الأرضون الحكومية التي تعطى باللزمة والإجارة لمن لايملكها ب "مقبلت "و "قبلت"، و "مقبل"، من أصل "قبل". تعطى في مقابل تعهد يتعهد الملتزم والمؤجر بدفع مبلغ معين أو حصة معينة إلى الملك أو ممثليه من الموظفين أو أصحاب الأرض، وذلك في مقابل استغلاله للارض. وقد تدون شروط الأتفاق وتثبت ليرجع إليها إذا حدث اختلاف.

وقد صالح الرسول أهل خيبر، على حقن دمائهم، وعلى إن يقوموا على النخل والزرع، لأن لهم علماً باصلاح الأرض وخدمة الزرع، ولم يكن لرسول الله وأصحابه غلمان يقومون بذلك، فأعطاهم خيبر على إن لهم الشطر من كل زرع ونخل وشيء ما. فبقوا يستغلونها على نصف ما خرج منها، فكان "الخارص"يأتي اليهم عند الموسم يخرج ما يخرج منها، فيأخذ النصف، ويترك النصف الآخر لليهود. وصالح الرسول أهل "فدك"على نصف الأرض بتربتها، وعلى نصف النخل.

عقود الوتف

وقد وصلت الينا وثاثق مهمة تتضمن عقوداً في استغلال الأرضين، عرفت باسم "وتفم""وتف". وهي عقود تبين إن الحكومة كانت تؤجر الأرض لمن يريدها في مقابل حقوق يقدمها إليها. وتشمل عقد الوشف، العقود التي عقدت بين المعبد والوجهاء وسادات القبائل أيضاً، والعقود التي عقدها كبار أصحاب الآملاك الذين فاضت أملاكهم عن حاجتهم الى المحتاجن إليها في مقابل شروط اتفق عليها دونت في "الوتف".

وقد عثر على نصوص "وتف"ورد فيها اسم "مرثد". مما يدل على أن"بني مرثد"هؤلاء كانوا يستأجرون الأرضين لاستغلالها، في مقابل تعهدات خاصة يقدمونها إلى أصحاب الأرض. وتتناول معظم هذه. العقود "الوتف"استئجار أرضين خاضعة للحكومة وأرضين هي من أوقاف المعابد. وجدت المعابد أن من الصعب عليها ادارتها فأجرتها إلى "بني مرثد"لاستغلالها، وقد قام "بنو مرثد"بتأجير قسم منها إلى غيرهم من العشائر التابعة لهم في مقابل جعل يقدمونه لهم،يزيد على مقدار بدل الإجارة المتفق عليه مع المعبد، وبذلك استفادوا من الفرق بنِ بدل الإجاربين.

ولدينا جملة نصوص "وتف"يفهم منها أن بعض المتعاقدين من مستأجري أملاك المعبد قد قدّموا نذوراً وذبائح إلى الآلهة التي أوقفت عليها الأرض المستأجرة لأنها أعطتهم غلة طيبة وحاصلاً وافراً طيباً بعد فقر وجوع. ويظهر من بعضها أن أولئك المستأجرين المتعاقدين كانوا قد تهاونوا في تنفيذ ما ورد في العقد، أو أنهم أخلوا بها عمداً، فلم ينفذوا ما جاء فيها، واتفق أن نزلت آفات طبيعية بزروعهم، مثل جفاف أتلف معظم حاصلهم، ففشا الجوع بينهم، ففسروا ذلك على أنه غضب حلّ بهم من آلهتهم، وانتقام نزل بهم منها. ولهذا كفّروا عن ذنوبهم وتابوا مما ارتكبوه من آثام، بعدم تنفيذهم تلك الاتفاقيات، وعاهدوا آلهتهم على ترضيتها وتقديم الذبائح إليها في كل عام بأنتظام، إن هي غفرت لهم قبح أعمالهم، وباركت في زروعهم، وهم في مقابل ذلك سيوفون بالعهد، ويؤدون ما فرض عليهم من "الوتف"كاملاً غير منقوص.

وقد استغلت الأرض في العربية الجنوبية، ولا سيما في اليمن استغلالاً حسناً بالنسبة إلى باقي أنحاء جزيرة العرب، وذلك لسقوط المطر الموسمي بها بكميات مناسبة للزراعة، ولوجود موارد طبيعية للمياه بكثره فيها بالقياس إلى المواضع الأخرى من جزيرة العرب، ثم لوجود فجوات ومنخفصات بين الجبال والهضاب ساعدت على خزن مياه الأمطار بها، كما ساعدت على اقامة السدود في أفواه الأودية لحصر المياه في المنخفضات ومنعها من السيلان إلى البحر. وبسبب هذه الميزات ظهر في اليمن اقتصاد زراعي وحاصل زراعي،أمكن استغلاله في الداخل، وتصدير الفائض منه الى الخارج.

الاقطاع

الاقطاع في الإسلام يكون تمليكاً ويكون غير تمليلك. والقطائع انما تجوز في عفو البلاد التي لا ملك لأحد فيها ولا عمارة فيها لأحد، وفيما ليس بمملوك كبطون الأودية والجبال، والموات، فيقطع الإمام المستقطع منها قدر ما يتهيأ له عمارته بأجراء الماء إليه أو باستخراج عين منه، او بتحجر عليه للبناء فيه. ومن الاقطاع اقطاع ارفاق لا تمليك كالمقاعدة بالأسواق التي هي طرق المسلمين، فمن قعد في موضع منها كان له بقدر ما يصلح له ما كان مقيماً فيه، فإذا فارقه لم يكن له منع غيره منه، كأبنية العرب وفساطيطهم، فإذا انتجعوا لم يملكوا بها حيث نزلوا منها، ومنها اقطاع السكنى. وفي الحديث: لما قدم النبي المدينة أقطع الناس الدور، معناه أنزلهم في دور الأنصار يسكنونها معهم، ثم يتحولون عنها. ومنه الحديث، انه أقطع الزبير نخلاً،يشبه انه انما أعطاه ذلك من الخمس الذي هو سهمه، لأن النخل مال ظاهر العين حاضر النفع، فلا يجوز اقطاعه. وأما اقطاع الموات، فهو تمليك.

وهر ضربان: إقطاع تمليك وإقطاع استغلال. فلما اقطاع التمليك فتنقسم فيه الأرض المقطعة ثلاثة أقسام: موات وعامر ومعادن. فأما الموات، فعلى ضربين: احدهما ما لم يزل مواتاً على قديم الدهر فلم تجر فيه عمارة ولا يثبت عليه ملك، فهذا الذي يجوز للسلطان إن يقطعه من يحييه ومن يعمره، والضرب الثاني من الموات ما كان عامراً، فصار مواتاً عاطلاً. وذلك ضربان: أحدهما ما كان جاهلياً،فهو كالموات الذي لم يثبت فيه عمارة، ويجوز اقطاعه. والضرب الثاني ما كان إسلامياً جرى عليه ملك المسلمين ثم خرب حتى صار مواتاً عاطلاّ وقد اختلف فيه الفقهاء.

وأما العامر فضربان: أحدهما ما تعين مالكه فلا نظر للسلطان فيه، والضرب الثاني من العامر ما لم يتعين مالكوه ولم يتميز مستحقوه، وهو على ثلاثة أقسام: تكلم فيها الفقهاء.

وأما اقطاع الاستغلال فعلى ضربين: عشر وخراج. فاما العشر: فإقطاعه لا يجوز. وأما الخراج، فيختلف حكم اقطاعه باختلاف حال مقطعه، وله ثلاثة أحوال، ذكرت في كتب الفقه.

وأما اقطاع المعادن، فهو ضربان، ظاهرة وباطنة، فأما الظاهرة، كمعادن الكحل والملح والقار والنفط، وهو كالماء الذي لا يجوز اقطاعه والناس فيه سواء يأخذه من ورد إليه. وأما المعادن الباطنية، ففي جواز اقطاعها قولان: أحدهما لا يجوز كالمعادن الظاهرة، وكل الناس فيها شرعَ. والقول الثاني: يجوز اقطاعها. وفي حكمه قولان: أحدهما أنه إقطاع تمليك يصير به المقطع مالكاً لرقبة المعدن كسائر أمواله في حال عمله وبعد قطعه يجوز له بيعه في حياته وينتقل إلى ورثته بعد موته. والقول الثاني أنه اقطاع ارفاق لا يملك فيه رقبة المعدن ويملك به الارتفاق بالعمل فيه مدة مقامه عليه، وليس لأحد أن ينازعه فيه ما أقام على العمل، فإذا تركه زال حكم الاقطاع عنه وعاد إلى حال الإباحة. فإذا أحيا مواتاً بالإقطاع أو غير اقطاع فظهر فيه بالإحياء معدن ظاهر أو باطن ملكه المعجبي على التأييد كما يملك ما استنبطه من العيون واحتفره من الآبار. واما الاقطاع عند أهل الجاهلية، فكان معروفاً عندهم، وقد أشير إليه في نصوص المسند. وقد كان اقطاع تمليك، واقطاع استغلال.

فأما اقطاع التمليك، فيشمل الموات والعامر والمعادن. وقد أقطع الحكام في كل هذه الأقسام الثلاثة. فكان الملوك، يهبون الموات أو العامر إلى من يريدون من أقربائهم أو قواد جيوشهم أو سادات القبائل، أو كبار الموظفين ومن يرضون عنه. يعطونهم أرضاٌ مواتاً لا أصحاب لها، أو أرضاً عامرة لها أصحاب وملاّك. فقد كانوا محاربون، فإذا انتصروا اصطفوا لأنفسهم ما أحبوا من أرض مملوكة للدولة أو للأشخاص، فسجلوه ملكهاً باسملهم، وأعطوا ما شاءوا الى خاصتهم وذوي رحمهم وقواد جيشهم، ملكاً لهم، يملكون رقبته وكل ما عليه من شجر ونبات وماء ومعادن ورقيق وأناس، لا ينازعهم في ذلك منازع،لهم حق بيعه إن شاءوا، أو حق ايجاره، أو اعطائه لأي شخص آخر لاستغلاله، وإن وجدت فيه معادن، فهي لهم أيضاً.

وقد يغضب ملك أو أي حاكم متفرد بأمره على من هو من تبعته، فينتزع منه ملكه، ويستولي عليه وعلى كل ما عليه، وقد يقطعه كله أو جزءاً منه أحد خاصته، أو يقطعه اقطاعاً، لجملة أشخاص هبة أي تمليكاً، أو غير تمليك، أي عارية، رقبته للحاكم، ومنفعه لمن أقطع له إلى أجل معين أو إلى أجل غير محدود، يكون له ولورثته حق الانتفاع منه. والحاكم الذي يقطع الإقطاع لمن يشاء ويهب الأرض لمن يحب، لا يعجز عن استعادة ما أقتطعه تمليكاً أو استغلالاً متى أحب، فهو الامر بأمره والناهي، لا يعارضه معارض، متى أراد الاستيلاء على أرض أو على اقطاع اقطعه أحداً، أمر بالاستيلاء عليه، فيطاع أمره وينفذ ما دام قوياً له الحول والطول.

ولا يعني الاقطاع عند الجاهليين وجوب وجود العبيد أو الأقنان في الأرض لأستغلالها ولإعمارها، فقد يتعامل الاقطاعي، مع أجراء أو أحرار يتفقون معه على استثمارها في مقابل حقوق يدفعونها له. أما إذا كان متمكناً غنياً له خدم ورقيق وأتباع، فقد يستخدمهم في خدمة ملكه بأجر او بغير اجر، حسب مبلغ هيمنته عليهم ومقدار نفوذه بين قومه واهله.

وقد عرف اقطاع المعادن عند الجاهليين، ما ظهر من المعادن، وما بطن. ويظهر إن أهل اليمن لم يكونوا يفرقون في الاقطاع بين النوعين من المعدن. فكانوا يقطعون المعادن الظاهرة، مثل الذهب والملح، كما كانوا يقطعون المعادن الباطنة، أي المعادن التي يكون جوهرها مستكناً فيها، لا يوصل إليه إلا بالعمل، كمعادن الذهب والفضة والصفر والحديد، فهذه معادن باطنة سواء احتاج المأخوذ منها إلى سبك وتخليص أو لم يحتج، في حين أن المعادن الظاهرة، ظاهرة على سطح الأرض، ولا يبذل لأخراجها ما يبذل في اخراج المعادن الباطنة. أما الإسلام، فقد جعل حكم المعادن الظاهرة حكم الماء العدّ من ورده أخذه، لا يجوز اقطاعه والناس فيه سواء يأخذه من ورد إليه.

وفي كتب السير والتأريخ أن الرسول أقطع بعض سادات القبائل ورؤساء الوفود اقطاعاً، وأمر فكتبت لهم كتب التملك. فأعطى "الزبير بن العوّام"ركض فرسه من موات النقيع "البقيع"، فأجراه، ثم رمى بسوطه رغبة في الزيادة. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أعطوه منتهى سوطه". وفي حديث "أسماء"بنت "أبي بكر"، أنه أقطع الزبير أرضاً من أموال بني النضير ذات نخل وشجر.

وقد سأل "الأبيض بن حمّال"رسول الله، إن يستقطعه ملح مأرب، فأقطعه. " فقال الأفرع بن حابس التميمي: يا رسول الله إني وردت هذا الملح في الجاهلية، وهو بأرض ليس فيها غيره، من ورده أخذه، وهو مثل الماء العدّ بالأرض. فاستقال الأبيض في قطيعة الملح. فقد أقلتك على إن تجعله منى صدقة. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: هو منك صدقة، وهو مثل الماء العد: من ورده أخذه". و "الأبيض بن حمال"، سبأي من أهل مأرب، وكان من سادة قومه. وفد على أبي بكر، لما انتقض عليه عمال اليمن، فأقره أبو بكر على ما صالح عليه النبي، من الصدقة، ثم انتقض ذلك بعد أبي يكر وصار إلى الصدقة. وكان مصاباً ب "حزازة"في وجهه، وهى القوباء، فالتقمت أنفه.

وأقطع الرسول " بلالَ بن الحارثَ، المعادن القبلية جلسّيها وغوريها.وحيث

يصلح الزرع من قدََسٍ، ولم يقطعه حق مسلم". وذكر إن المراد من الجلسي والغوري: أعلاها وأسفلها، وذكر إن الجلسي بلاد نجد والغوري بلاد تهامة. وذكر إن "القبلية"، ناحية من ساحل البحر، بينها وبين المدينة خمسة ايام، وقيل: ناحية من نواحي الفرع بين نخلة والمدينة، وهي التي أقطعها الرسول، بلال بن الحارث. وورد أيضاً: "معادن القبلة". ولم يذكر العلماء أسماء المعادن التي كانت في هذه الأرض. وقد باع بنو "بلال""عمر بن عبد العزيز"أرضاً منها، فظهر فيها معدن أو معدنان، فجاءوا اليه، وقالوا: انما بعناك أرض حرث ولم نبعك المعادن. فقال "عمر"لقيمه: أنظر ما خرج منها وما أنفقت وقاصهم بالنفقة وردّ عليهم الفضل.

وأقطع الرسول "وائل بن حجر"ارضاً بحضرموت. وكان أبوه من أقيال اليمن، وفد على النبي واستقطعه أرضاً فأقطعه إياها وكتب له عهداً. وأقطع "زيد الخيل"الشاعر الفارس لما وفد عليه في سنة تسع من الهجرة أرضين. هي "فيد"وكتب له بذلك، فلما وصل موضع "قردة"، توفي بها فدفن هناك، وأقام عليه "قبيصة بن الأسود بن عامر"المناحة سنة.

واقطع الرسول "حمزة بن النعمان بن هوذة""جمرة"العذري، أرضاً من وادي القرى، وكان سيد "بني عذرة". وكان "جمرة"أول من قدم بصدقة "بني عذرة"إلى النبي، وقدم في وفد قومه، وقد نزل أرضه التي اقطعها الرسول له إلى أن مات. واقطع الرسول "ساعدة التميمي العنبري" بئراً في الملاة. وأقطع "مجاعة بن مرارة"الحنفي اليمامي، وكان من رؤساء "بني حنيفة"أرضاً باليمامة يقال لها "العورة"، وكتب له بذلك كتاباً وكانت خصبة منتجة ذات ماء.

واقطع الخلفاء القطائع كذلك، فأقطع "أبو بكر""الزبير"ما بين "الجرف " إلى "قناة". واقطع "عمر""الزبير""العقيق"، واقطع "خوات بن جبير"الأنصاري أرضاً تتصل بالعقيق، فعرفت بقطيعة خوات، فباعها، واقطع "عليا""ينبع "

الحمى

وتفرد العزيز من أهل الجاهلية بالحمى لنفسه، كالذي كان يفعله "كليب بن وائل"، فإنه كان يوافى بكلب على نشاز من الأرض، ثم يستعديه ويحمي ما انتهى إليه عواؤه من كل الجهات، وتشارك الناس فيما عداه حتى كان ذلك سبب قتله. والحمى، موضع فيه كلأ يحمى من الناس إن يرعى. وذكر إن الشريف من العرب في الجاهلية إذا نزل بلداً في عشيرته استعوى كلباً فحمى لخاصته مدى عواء الكلب، لا يشركه فيه غيره، فلم يرعه معه أحد، وكان شريك القوم في سائر المراتع حوله.

وقد نهى النبي إن يحمى على الناس حمى كما كانوا في الجاهلية يفعلون إلا ما يحمى لخيل المسلمين وركابهم التي ترصد للجهاد ويحمل عليها في سبيل الله، وابل الزكاة كما حمى عمر "النقيع"لنعم الصدقة والخيل المعدة في سبيل الله. وكان الرسول قد حماه، وهو موضع على عشرين فرسخاً من المدينة، وقدره ميل في ثمانية أميال . وقد جعل بعض العلماء هذا النقيع: نقيع الخضمات، وجعله بعضهم غرز النقيع. وذهب بعضهم مذهباً اخر في تعيين موضع المكان.

وقد حمى عمر "السرف""الشرف"أيضاً. وفي الشرف حمى "ضرية"، وضرية بئر وفي الشرف الربذة، وهي الحمى الأيمن. وفي الحديث إن عمر حمى الشرف والربذة. ويقال لحمى الربذة "حمى الحناكية"في الوقت الحاضر. وهناك حمى آخر، يسمى "حمى النير". وذكر إن بالنير قبر "كليب وائل"، الذي تنسب إليه بدعة الاحماء، وهو قريب من "ضرية".

ومن أشهر الأحماء وأكبرها في جزيرة العرب، حمى "ضرية". يذكر أهل الأخبار أنه سمي ب "ضرية بنت ربيعة بن نزار". وقد حماه "عمر"لإبل الصدقة وظهر الغزاة، وكان ستة أميال من كل ناحية من نواحي ضرية، وضرية في وسطها. وحمى "فيد"، ذكر أنه فلاة في الأرض بين "أسد"، و"طيء"، في الجاهلية. فلما قدم "زيد الخيل"على رسول الله أقطعه "فيد". وقر أشير إلى هذا الحمى في الشعر. و "فيد" قلعة وبليدة بطريق مكة، في نصفها من الكوفة في وسطها حصن عليه باب حديد وعليها سور دائر، كان الناس يودعون فيها فواضل أزوادهم إلى حين رجوعهم، وما ثقل من أمتعتهم، وهي قر أجأ وسلمى جبلي طيء. وقد ذكرت في شعر لزهير، وفي شعر للبيد بن ربيعة، وفي شعرلأخرين. وقد زعم بعض أهل الأخبار أنها سنيت ب"فيد ابن حام"أول من نزلها. وقد يشير هذا الزعم إلى وجود جالية من العبيد في هذا المكان، عهد إليها زراعة الأرض. وذكر أنها عرفت بكعكها حتى ضرب به المثل: وتلك فيد قرية والمـثـل  في كعك فيد سائرلايجهل

وقد أعطى الرسول "بني قرة بن عبد الله بن أبي نجيح"النبهانيين المظلة كلها أرضها وماءها وسهلها وجبلها حمى يرعون فيه مواشيهم.

ولا تزال عادة الاحماء متبعة حتى الآن. ف "سجا"مثلاً وهو ماء يعدّ في حمى الأمير "فيصل آل سعود"خص به إبله وخيله.

وقد عرف الاحماء عند العرب الجنوبيين،: قد ذكر "الحمى" بلفظة "محمت " و "محميم " في نصوص المسند. أي "المحماة"و "المحمى"، ومعناها الأرض المحماة، أي "الحمى".

وذكر علماء اللغة إن "الحمى""المحجر". والمحجر: "الحديقة"، والمرعى المنخفض والموضع فيه رعي كثير وماء، وما حول القرية ومنه محاجر أقيال اليمن، أي ملوكها، وهي ألاحماء. كان لكل واحد منهم حمى لا يرعاه غيره. وذكر إن محجر القيل من أقيال اليمن حوزته وناحيته التي لا يدخل عليه فيها غيره. وورد إن "بني عمرو بن معاوية" لما امتنعوا عن دفع الصدقات خرجوا إلى "المحاجر"، وهي أحماء حموها، فنزلوا بها وتحصنوا، وقاوموا منها جيش المسلمين. ويظهر إن المحاجر، هي أبنية حصينة من حجارة، اتخذت في أملاك اهل المحاجر، للدفاع عنها ايام الخطر.

ولم يستعمل الحمى كما يظهر من كتب الحديث والفقه في غير الرعي، رعي الكلأ الذي ينبت فيه. ولم أعثر حتى الآن على نص يفيد انهم استعملوه لأغراض زراعية. ويظهر إن لفظة "الحمى" قد خصصت بهذا النوع من المراعي، لتمييزها عن المراعي العامة التي يتساوى فيها الجميع في حقوق الرعي، فهي مراعي مشاعة لا يجوز منع إبل أحد من الرعي فيها، وتساهم في الرعي فيها إبل السادة أصحاب الاحماء.

الموات

والأرض الموات التي لا مالك لها ولا ينتفع بها ولا ماء بها، والموتان من الأرض ما لم يستخرج ولا اعتمر، وأرض ميتة وموات من ذلك. وقد يستصلح الموات ويعمر، ويكون من خيرة الأرضين المثمرة، فتكون رقبته بيد مصلحه، لأنه أحياه بعد أن كان مواتاً، وصرف عليه مالاً وجهداً، فيكون له.

ويكون إحياء الموات، بجمع التراب المحيط به حتى يصير حاجزاً بينه وبين غيره، أو سوق الماء إليه إن كان يبساً وحبسه عنه إن كان بطائح أو مغموراً بماء، أو بحرثه لزرعه أو لتعديله وتسويته لاعداده للزراعة او للسكن أو لأي أنتفاع آخر، أو بحفر آبار فيه لاسقائه أو لزرعه،أو للاستفادة من البئر، ببيع مائها، فتكون البئر ملكاً لصاحبها، ليس لأحد محاججته فيها، فقد صرف عليها وانفق جهداً في استنباط الماء منها. وفي التأريخ الجاهلي أمثلة عديدة لآبار حفرها أصحابها في أرض موات، فصارت ملكاً لهم، وصارت الأرض المحيطة بها ملكاً له قدر وصول الماء إليها.

احياء الموات

وقد أثبت اقدام سادات القبائل وأعزة أهل القرى على إحياء الموات، بأستنباط الماء من جوف التربة وبالاستفاده من ماء السماء المنهمر قِرَبا، على إن من السهل تحويل الغامر من الأرض إلى أرض عامرة حية منتجة،والى تكوين قرى ومستوطنات في المفاوز والبوادي، كما وقع ذلك في اليمامة وفي الحجاز وفي مواضع أخرى،

حيث حفر رجال آباراً واستنبطوا عيوناً، أحيت الأرض بعد موت، وأولدت قرى عليها. غير إن عقلية البداوة، وأعني بها الروح الفردية ونزعة الغزو بسبب الجهل والفقر، وعدم وجود حكومة تحمي الأمن وتدافع عن هذه المستوطنات وعن مشاريع الأفراد، تشعر إن من واجبها البحث عن الماء في كل مكان، قد كانت من أهم العوائق في عدم إحياء الأرض وإنباتها، وفي تأخر سكان جزيرة العرب وفي تفقيرهم فكان على من يحيي أرضاً حماية ما أحياه بنفسه والدفاع عنه بأهله وبماله وبنفوذه وقوته، وإلا عرّض نفسه وما أحياه للخطر، وهذا عمل جهد شاق، جعل أكثر المتمكنين يحجمون عنه، ولا يقبلون عليه، ولم يقبل عليه إلا المجازف القوي المتمكن من القيام به بما له من جاه ونفوذ.

وأهم ما تعرض له إحياء الموات من خطر،هو خطر الغزو ومحاولات الاستيلاء عليه. وحماقة البحث عن العامر لأخذه أو لأخذ ما يوجد فيه بدلاً من إحياء موات وتعميره. وذلك لما قلته من وجود الفقر وفقدان الأمن والحماية، فتحول قسم كبير من العامر بسبب هذا المرض إلى غامر، إذ خربت مصادر الحياة فيه وهو المياه وطمرت، فماتت، وماتت المستوطنات التي كانت عليها بسبب ذلك.

الماء والكلأ والنار

الماء إذا كان عاماً، فإنه لا يمتلك. والماء العام مثل عيون الماء التي لاتكون في حيازة مالك، بل تكون مشاعة بين الجميع، لا يملكها أحد من أهل الحي،وليس لرقبتها مالك، فماؤها للجميع. مثل أن تكون العين في قرية أو في مدينة أو في أرض قبيلة، فلكل إنسان حق الانتفاع منها، لا يمنعه أحد منها، ولا يستوفى بدل عن ذلك الماء. وقد ورد أن الناس شركاء في الماء، ماء الأرض وماء السماء، إذا كانا في أرض عامة، أي مشاعة،ينتفع منها كل إنسان.

واذا كان الكلأ في أرض عامة، فإنه يكون أيضاً ملكاً للجميع، أي مشاعاً بينهم. فلا يجوز لأي أحد منع آخر من الاستفادة منه، لأنه مشترك بين الجميع، فلا يكون أحد أخص به من أحد، ولو أقام عليه وبنى عليه. وبأستثناء الأحماء فإن الكلأ النابت في موطن قبيلة هو لكل أبناء القبيلة، ليس لأحد صد أحد عنه إلا إذا كان غريباً عن القبيلة دخل أرضها بغير اذن من أبنائها وهو ليس في حماية أحد منها، فالكلأ في البادية لا يعود لمالك فرد، وانما هو ملك القبيلة، أبناء القبيلة فيه شركاء، يرعون فيه سواء.

وقد ورد في الحديث، انه قال: الناس شركاء في ثلاث: الكلأ والماء والنار، ومعنى النار الحطب الشتي يستوقد به، فيقلع من عفو البلاد. وكذلك الماء الذي ينبع، والكلأالذي منبته غير مملوك والناس فيه مستوون. وذهب بعضهم إلى إن الماء ماء السماء والعيون والأنهار التي لا مالك لها. وأراد بالكلأ المباح الذي لا يخص به أحد، وأراد بالنار الشجر الذي يحتطبه الناس من المباح فيوقدونه. فكلى هذه الموارد الثلاثة، موارد مشاعة للجميع، يشترك في الانتقاع بها كل الناس. وهو مذهب أهل الجاهلية أيضاً، ما لم يبسط أحد من الملوك أو سادة القبائل سلطانه عليها، ويعلن إنها في حمايته، إذ تكون حينئذ ملكاً له.

الأرض ملك الآلهة

الأرض كما سبق إن بينت ملك للآلهة. وكل شيء على هذه الأرض هو ملك لها كذلك. والناس أنفسهم عبيد لها "ادم". ورأيهم هذا يطابق رأي الإسلام بالنسبة الى الملك. فالله في الإسلام مالك الملك، وهو مالك كل شيء. والمال مال الله والناس عبيد له. وعندهم أن ممثلي السلطة الإلهية على هذه الأرض هم الذين ينظمون الملك ويقيمون العدل بين الناس ويحقوّن الحق كما تأمرهم الآلهة به. ُكما شرعته لهم وأوصت به. فهم في ذلك مثل الإسلام ايضاً في إن اولي الأمر أي "السلطان"يحكمون بين الناس بالقسط والعدل ومما أنزله الله على رسوله من أحكام وأوامر ونواهٍ فهم ظل الله وخلفاء رسول الله على العباد.

هذا هو المبدأ العام بالنسبهّ الى الملكية والتملك عند العرب الجنوبيين. ويتمثل هذا الرأي في عقود التملك "شامت""شمت"بالشراء المدوّنة باللهجات العربية الجنوبية، حيث يذكر المتعاقدون أنهم باعوا أو تملكوا ملكاً مثل أرض أو دار أو بستان أو غير ذلك، بموافقة "الإله الفلاني"، وبرضاه. وانهم أجروا ذلك وفقاً لأوامره ونواهيه يكتبون ذلك على حجر يضعونه على حدّ الملك أو باب الدار، ليكون بمثابة شهادة تمليك. أو صك بيع أو شراء وسند "طابو"، أي سند تملك كما يعبر عن ذلك في لغة أهل العراق في الوقت الحاضر.

وحكم ان الملك ملك الآلهة، لا يعني إن الملكية هي مجرد انتفاع الى أجل يحدد أو لا يحدد. أو إن من حق السلطان انتزاع الملك صاحبه والاستيلاء عليه أو اعطائه لأخر باعتباره ممثل سلطة الآلهة على الأرض. بل الملكية تملك دائم، لا يجوز لأحد منازعة صاحب الملك على ملكه لأن انتزاع الملك من صاحبه ومن دون رضاه تعسف وظلم. ولا ترضى الآلهة بظلم أحد، حتى وإن صدر ذلك الظلم من "السلطان"أي الملك أو من خوّله الملك الحكم نيابة عنه. وقد خولت القوانين المالك الذي يغتصب.ملكه حق مقاضاة المغتصب عند ذوي الِرأي و "أولي الأمر"وعند المعابد وإن كان ذلك المغتصب ملكاً. صحيح إن بعض الملوك ظلموا الناس، بمصادرة أملاكهم وأموالهم، وبالاستيلاء على كل ما مَلَكه أفراد رعيتهم من دون دفع تعويض عنه. غير إن هذا عمل شاذ، وقد وقع لظروف شاذة. كأن يكون الشخص الذي صودر ملكه من أعداء الملك أو قد قام بعمل معاد للحكومة، أو قاوم "أولي الأمر"بطريقة من الطرق، أو خالف أوامر المعبد وأحكام دينه إلى غير ذلك من أمور. فهذه أمور شاذة لا تكون قاعدة حكمية عامة، لأن الأصل القانوني هو: إن الملكية حىّ مقدس لا يجوز مسه ولا الاعتداء عليه، لأن الآلهة لا ترضى بذلك، وهي تنتقم من المعتدين مهما كانوا.

والملك هو كل ما تملكه يمينك ويكون في حوزتك احتواءً قادراً على الاستبداد به. وكل.ما صار في ملكك إما شراءً واما إرثاً أو لقطة لم يظهر مالكها ولم ينازعه عليها منازع ولم يعارض في تملكه لها قانون، واما هبة او ما شاكل ذلك.

وذلك بالنسبة إلى الملك الدائم الذي لا يمكن انتزاعه من صاحبه، لأن الآلهة أمرت به وأقرته. خلاف الملكية المؤقتة، التي تمنح الإنسان حق التصرف بالملك ولكن لأجل وبشروط تعين وتثبتّ لا يجوز تخطيها والعمل بخلافها. مثل التملك بعقد، أي بشروط ويعبر عن ذلك ب "شامت""شمت". ويكون ذلك شراءً، أو بعقد خاص أو بإيجار.

ولا نجد في الحجاز أو نجد أو العربية الشرقية ملاكاً مزارعين كباراً على نحو ما نجده في اليمن أو في بقية العربية الجنوبية، وذلك لصغر مساحة الأرضين المسقاة بالمطر أو بالمياه الأرضية في هذه البلاد. نتيجة شح الأرض وبخلها على الناس بالماء. ولهذا لم يظهر في الحجاز أو في نجد أو أرض العروض مزارعون كبار، لهم عدد كبير من الفلاحين والرقيق يستغلونهم في استغلال الأرض. ومع ذلك فاننا لا نجد حتى في اليمن أو في للعربية الجنوبية أناساً أصحاب أرضين واسعة أي من نسميهم اليوم ب "اقطاعيين"على نحو ما نجده في أرض السواد، أي العراق، حيث كان الإقطاعيون يملكون مساحات واسعة من الارض، تسقيها الانهار دون كبير عناء، ويعمل فيها الفلاحون بأجور بخسة ورقيق الارض والخول فتأتي لاصحابها بالمال والثراء.

الخليط

ويعرف المشارك في حقوق الملك كالشرب والطريق ونحو ذلك ب "الخليط". والخليط الشريك المشارك في الشيوع. وقد حدثت خصومات في موضوع هذه الشركة. وقد بحث فيها الإسلام. جاء في الحديث: "ما كان من خليطين فانهما يتراجعان بينهما بالسوية". وورد أيضاً: "الشريك أولى من الخليط. و الخليط أولى من الجار". وأراد بالشريك المشارك في الشيوع.

الفصل السادس والتسعون

الارواء

تعطي الديانات السامية الماء أهمية كبيرة. وقد أثابت الأشخاص الذين يتقربون إلى آلهتهم بتقديم الماء إلى العطاشى، وفرضت عليهم تقديم الماء إلى العطشان لاغاثته وانقاذه من الهلاك. وفي الأسفار القديمة أمثلة عديدة على ذلك، كما أشادت تلك الأديان بقيمة الماء في الحياة.

ولا بد إن تكون للوثنية العربية النظرة ذاتها التي نراها في الأديان الأخرى بالنسبة إلى الماء، بأن أعطته شيئاً من التقديس والأهمية، وجعلت له مكانة في عقائدها، وذلك قياساً على ما قلته من تقديس الأديان الأخرى له. وإن كنا نجهل ذلك لعدم ورود شيء عن ذلك في المسند. ولكن عدم ورود شيء من ذلك في المسند لا يكون دليلاً على عدم تقديس العرب الجاهليين له،لأن نصوص المسند لم تختتم بعد، وما وصل الينا ليس إلا شيئاً قليلاً بالنسبة إلى ما قد يعثر عليه في المستقبل ولاشك.

وفي الأخبار المروية عن الجاهلين وغيرهم من تقديس بعض الآبار والعيون، والتبرك بشرب الماء منها، دليل على نظرة التقديس التي نظرتها الشعوب الساميّة وغيرها إلى الماء. فالماء هو الحياة. وفي القرآن الكريم: )وجعلنا من الماء كل شيء حي(. ولا بد أن تكون هذه النظرة التقديسية هي التي حملت الجاهليين على تقديس بئر زمزم. ولا يقدر أهمية البئر حق قدرها إلا قطّان هذا البلد الكائن في واد غير ذي زرع وماء، ولولا زمزم وإلآبار الأخرى التي احتفرها أهله، والآبار والعيون الواقعة في أطرافه، يحملون منها الماء إلى بلدهم حملاً، لهلك أهله، أو هجروه. ولا يدرك المرء قيمه الماء إلا إذا كان في صحراء قفرة لا ماء فيها ثم نفد ماؤه. ولهذا كان الغيث رحمة عظمى للاعراب، بغيثهم بعد أن يتعرضوا للجدب والهلاك.

ولا غرابة بعد ذلك، إذا رأينا العرب تقول في دعائها على الإنسان: ما له أحرَّ الله صدره، أي أعطشه.وفي الدعاء: سلط الله عليه الحِرَّة تحت القِرَّة ! يريد العطش مع البرد ؛ ورماه الله بالحرة والقرة، أي بالعطش والبرد. وقالوا: أحرّ الرجل، فهو محرّ: عطشت ابله . وأي شيء أعظم مصيبة وخطراً على الإنسان من العطش في أرض حارة! وتعدّ بقاع جزيرة العرب من الأرضين الجافة، فالأمطار فيها، ولا سيما أقسامها البعيدة عن البئر شحيحة، والأنهار ألكبيرة معدومة فيها، والعيون قليلة أيضاً، وجوّها جاف لا نكاد نستثني منها إلا سواحلها، وهذا إلجفاف صيرّ القسم الأكبر من أرضها صحاري قاحلة تكسوها طبقة غليطة من الرمال في بعض الأماكن مثل الربع الخالي، كما جعلها غير قابلة للزرع. على إن من الممكن إن تبعث الحياة في مناطق واسعة شاسعة من هذه الأرضين، فتجعل أرضين منتجة مخصبة نافعة، إذا اتبعت الأساليب العلمية في معالجة الأرض، وفي استنباط الماء، وفي السيطرة على الأمطار والسيول التي تنشأ منها في بعض الاحيان وتغور في الرمال دون إن يستفاد منها، بإقامة السدود والحياض الصناعية التي تحزن فيها إلى وقت الحاجة، وذلك كما فعل الجاهليون في بعض الاماكن،وخاصة في العربيه الجنوبية، من اقامة سدود تحجز السيول وتحبسها، فإذا انقطعت الامطار وحل الجفاف استفيد منها في الإرواء.

ونجد في بطون الكتب أسماء مواضع عديدة كبيرة كانت ذات عيون ومياه وآبار ونخيل وأناس عند ظهور الإسلام، وهي اليوم صحاري خالية أو مواضع صغرة لا أهمية لها، وذلك بسبب اهمال الإنسان لها واعتدائه عليها، وتحول الطرق التجارية عنها. ويظهر أن لاشراك القبائل في الفتوح، ونزولها في العراق وفي بلاد الشام والأماكن الغنية الأخرى بعد دخول هذه الأماكن في الإسلام أثراً في هجرة الناس عن مواضع العيون والآبار في الحجاز وفي بقية جزيرة العرب، لقلة خيراتها وحاصلاتها وعدم تعلق الفلاح بالأرض في تلك الأماكن. أما في الوطن الجديد الذي حمله الفتح اليه، فقد وجد فيه خيراً كثيراً وأرضاً وماء،وجواً ألطف وأرق من الجو الذي كان يعيش فيه، وبذلك خسرت جزيرة العرب عدداً كبيراً من سكانها، ممن فضل الهجرة على القعود.

ومن يقرأ كتاب "صفة بلاد اليمن ومكة وبعض الحجاز"وكتباً أخرى من هذا القبيل، يعجب من التدهور الذي أصحاب الزراعة في جزيرة العرب بعد الإسلام، إذ نجد أسماء مواضع عديدة كانت تكفي نفسها، أو تصدر الحاصل الزراعي إلى الأسواق المجاورة، ثم قلّ حاصلها كثيراً باهمال الزراعة. وإعراض الناس عنها، حتى بعض النواحي القربية من مكة والمجاورة لها، كانت مشهورة بالخضر والفواكه والأزهار والرياحين، ثم فقدت شهرتها من بعد. وذكر "ابن المجاور"إن موضع "الزهران"كان معروفاً بزراعة "الزعفران"، وكان الموظفون يجبون جباية لابأس بها منه ومن الزرع والضرع وسقي الأنهار. "فما دار الدهر، نقص جميع ما ذكرناه، لاختلاف النيات مع قلة الأمانات". وفي هذا الكتاب أمثلة عديدة على هذا التدهور المؤسف الذي حل بالزرع وبالماء وبالأيدي العاملة المشتغلة بأصلاح الأرض، والذي كان من جملة أسبابه ما قلته من هجرة المتمولين والمثرين والسادة الكبار من الحجاز وبقية جزيرة العرب إلى العراق وبلاد الشام، لوجود مجال واسع للأثراء، لا مثيل له في جزيرة العرب.

وللعرب مصطلحات كثيرة في الإرواء وفي سقيهم وسقي إبلهم، لارتباط حياتهم بالماء،ولأثر الحر والعطش والجفاف فيهم وفي أموالهم. وفي جملة هذه المصطلحات "الشريعة"، " مورد الشاربة التي يشرعها الناس فيشربون منها ويستقون. وربما شرعوها دوابهم، فشرعت تشرب منها. والعرب لا تسميها شريعة حتى يكون الماء عدّاً لا انقطاع له، ويكون ظاهراً معيناً لا يستقى بالرشاء. واذا كان من السماء والأمطار، فهو الكرع. وقد أكرعوه إبلهم فكرعت فيه وسقوها بالكرع. وهو مذكور في موضعه كالمشرعة". وتقابل هذه اللفظة لفظة "مشترعن"في لغة المسند، أي "المشترع"، والمشرعة.

وقد تخصص أناس باستنباط المياه وتقدير حفر الآبار، كما تخصص آخرون بالسيطرة عليها وحصرها بالسدود. وسمى علماء اللغة المقدر لمجاري المياه "القنَاقنِ"وهو مثل المهندس في هذا الفن. وذكر بعضهم أن "القُناقن"البصير بحفر المياه واستخراجها، والمهندس الذي يعرف موضع الماء تحت الأرض، أو هو الذي يسمع فيعرف مقدار الماء في البئر قريباً أو بعيداً.

وقد قسم بعض العلماء المياه المستخرجة إلى ثلاثة أقسام: مياه أنهار، ومياه ابار، ومياه عيون.

وقسموا مياه الأنهار إلى ثلاثة أقسام: أنهار كبار لم يحفرها الآدميون، وأنهار صغار، لم يحتقرها إنسان، وأنهار احتفرها الناس. فتكون ملكاً لمن احتفرها، لا حق لغيرهم في الانتفاع منها.

وأما الآبار، فابار تحفر للسابلة،فيكون ماؤها مشتركاً، وآبار تحفر للارتفاق بمائها. كالبادية اذا انتجعوا أرضاً وحفروا فيها بئراً لشربهم وشرب مواشيهم. كانوا أحق بمائها ما أقاموا عليها في نجعهم،فإذا ارتحلوا عنها صارت البئر سابلة. وآباًر مملوكة. وتكون ملكاً لمالكها لا ينازعه عليها منازع.

وقسموا العيون إلى ثلاثة أقسام: عيون لم يستنبطها الآدميون. وعيون استنبطها إنسان، فتكون ملكاً لمن استنبطها، ويملك معها حريمها. وعيون يستنبطها الرجل في ملكه، فتكون ملكاً له.

واليمن مثل سائر أقسام جزيرة العرب، خالية من الأنهار الكبيرة كدجلة والفرات والنيل، وخلوّها من امثال هذه الأتهار أثرت كثيراً - ولا شك - في وضع الزراعة فيها. ولكن الطبيعة عوّضتها بعض التعويض عن هذه الخسارة، فصار حالها أحسن كَثيراً من حال الأقسام الشرقية أو الوسطى من جزيرة العرب. فجعلت لها رياحاً تحمل إليها الأمطار في مواسم معروفة، وجعلت لها أمكنة ملائمة لخزن هذه الأمطار الهاطلة، استبدت بها أيدي الإنسان، وتحكمت فيها بأن جعلت لها أبواباً ومنافذ، وسدوداً في بعض المواضع، وتمكنت بذلك من خزن هذه الأمطار للاستفادة منها في أيام الحاجة. ثم جعلت لها تربة حسنة طيبة أريضة تنبت كل ما يبذر فيها، وتنبت ما يتساقط عليها من بذور متطايرة مع الهواء، حتى شاع صيتها وانتشر خبرها بين الناس فعرفت باليمن الخضراء.

وقد ساعدت هذه الأمطار أهل اليمن ع كثيراً في تطوير أحوالهم من النواحي الاجتماعية، فمال كثير منهم ألى الاستقرار والى الاشتغال بالزراعة والتعيش منها. وساعد ذلك على سكناهم في المدر وفي القرى والمدن، على عكَس ما يحدث في الأرضين التي غلبت عليها الطبيعة الصحراوية لانحباس المطر عنها، وهي حالة اضطرت أصحابها إلى التنقل فيها من مكَان إلى مكان طلباً للكلأ والماء، وجعلت من أصحابها أناساً فقراء، يعيشون عيشة شظف وضنك وفقر، مع ما وهبتهم الطبيعة من ذكاء مفرط واستعداد للتطور إن تهيأت لهم الظروف الملائمة وساعدتهم الأحوال.

والأمطار قليلة بصورة عامة في جزيرة العرب، فلم تعتمد الزراعة فيها على الأمطار كما تعتمد في البلاد الأوروبية، وإنما تعتمد على الجعافر والحسي والعيون والابار. ولهذا السبب انحصرت الزراعة في الأماكن التي توجد فيها هذه الموارد المائية. ويختلف عمق الآبار باختلاف المواقع، وبأختلاف سطوح المياه الجوفية عن سطح الأرض. ولما كانت بعض الابار عميقة جداً بسبب بعد سطح مائها عن سطح الأرض، لم يستفد منها في الزراعة كثيراً، وإنما استفيد منها في شرب الإنسان والحيوان فقط.

وفي العربية الغربية مواضع عديدة كانت ذات ماء، ورد اسمها في كتب اللغة وفي كتب "الجغرافيا"والبلدان والرحلات. تكونت من سقوط الأمطار على الجبال والمرتفعات. وبعضها ماء عذب، وبعض منها ماء مج أو مالح، وقد استفيد منها في السقي وفي الزرع. ويظهر من دراسة ما ذكره العلماء عنها، انه قد كان في الامكان الاستفادة منها واستغلالها لأغراض زراعية، لو كان لأهل هذه الأرضين علم بكيفية السيطرة على الماء، وكيفية استنباطه من باطن الأرض، وكيفية الهيمنة عليه بحفر مجار له. فقد كانت لبني الحارث بنُ بهثة بنُ سليم، عيون ماء في صخور، لم يتمكنوا من الانتفاع بها، لأنهم لم يتمنكنوا إن يجروها إلى حيث ينتفعون بها، وكان في "يلَيَل"عين كبيرة تخرج من جوف رمل من أعذب ما يكون من العيون وأكثرها ماءً، لم يزرعوا عليها إلا في مواضع يسيرة، لأنها تجري في رمل، ولم يكن علم على ما يظهر في كيفية استخراج هذا الماء من ذلك الرمل. وكان في امكانهم مسك مسايل الماء من الجري نحو البحر، وحبسها في أحباس، بصنع سدود لها، لو كان لهم علم ومال وحكومة كبيرة تكون عندها المؤهلات والامكانيات لعمل السدود، للاستفادة من مياه بعض المنابع التي كانت تجري طيلة ايام السنة، فتحول بينها وبين الذهاب عبثاًَ إلى البحر. فتخيي بذلك أرضين مواتاً وعدم وجود حكومات كبيرة تقوم بمثل هذه الأعمال وبضبظ الأمن. واشاعة الاستقرار، هو من أهم العوامل انتي كانت سبباً في عدم الاستفادة من المياه وفي تأخر الزراعة في جزيرة العرب، فلو كانت هناك حكومات كبيرة، لكان في وسعها الاستفادة من المياه الظاهرة والباطنة ومن مياه السماء، فتحيي بذلك أرضين كثيرة خصبة، وتحمي الزرع من عبث العابثين وتشيع الأمن والطمأنينة في النفوس فيقبل الناس على الزرع والعناية بالضرع.

وقد ذكر "عرام"اسم موضع دعاه "ذا مجر"، ذكر أنه غدير كبير في بطن وادي قوران، وبأعلاه ماء يقال له "لقف"، وهو آبار كثيرة، عذبة المياه، ليس عليها مزارع ولا نخل، لغلظ موضعها وخشونته، وفوق ذلك ماء يقال له "شسي"ماء آبار عذاب. وذكر اسم جبل يقال له "مغار"في جوفه أحساء، منها حسي يقال له "الهدّار"يفور بماء كثير، لم يستفد منها فائدة تذكر، فكانت المياه تذهب عبثاً إلى سباخ لعدم وجود من يتغلب عليها بعقله وبعلمه وبماله ويستروضها لتخدمه في إحياء الأرض وفي اعاشته وإعاشة ماشيته.

أما العربية الشرقية والعربية الوسطى، فانهما أقل مياهاً من العربية الغربية، لقلة ما يسقط عليهما من الأمطار. ولذلك صارت مواضع الماء فيها متباعدة، والمسافات التي يجب أن يقطعها المسافرون من موضع إلى موضع أطول من المسافات التي تقطع بين منازل العربية الغربية، لتباعد مواضع المياه. ومن أهم موارد الماء في العربية الشرقية نهر "محلم"بهجر البحرين. ذكر بعض أهل الأخبار أنه في أرض العرب بمنزلة نهر بلخ في أرض العجم، وأن "تبعاً" نزل عليه فهاله. وان مياهه الجوفية متصلة بسيح الأطلس الذي يكون مخرج مائه من عين الناقة.

إن قلة الأمطار أو شحّها وانحباسها في بعض السنين وعدم وجود الماء في أكثر أنحاء جزيرة العرب، أثر أثراً كبيراً في حياة أهلها الاجتماعية، فحوّل قسماً كبيراً منهم إلى بدو رحل، يتنقلون من مكان إلى مكان طلباً للكلا والماء، هدفهم في هذه الحياة الحصول على الكلا والماء. والكلا والماء هما العزّ والجاه والثراء وأغلى شيء في هذه الدنيا، فقاتل بعضم بعضاً من أجل الحصول عليهما، وقطعوا مسافات شاسعة بحثاً عنهما. ولم يتمكن الروم والرومان من منعهما من دخول بلاد الشام بحثاً عن الكلأ والماء، ولم يتمكن الساسانيون من منعهم من الوصول إلى هذه الثروة العظيمة كذلك. هذه الثروة التي سببت اقتتال القبائل فيما بينها من أجل الحصول عليها.

ولحماية الماء ولا سيما مياه الآبار من اعتداء الطبيعة أو الإنسان عليه أقاموا أبنية فوقه، في أيام الجاهلية وفي الإسلام. وقد أشار العلماء إلى قباب بنيت فوق المياه، فقد اتخذ أهل بطن "السيدان"قباباً على كل ماء به، ومياهه تسمى الجرور والجراير، لبعد قعرها، ولأنها لا تخرح إلا بالغروب والسواني لبعد الماء فيها عن سطح الأرض.

انحباس المطر

يؤدي انحباس المطر إلى كرارث ومصائب تترك أثراً كبيراً في أحوال السكان. تهلك أموالهم وهي كل ما عندهم في هذه الحياة، وقد يموت الكثير منهم من العطش والجوع. ولهذا عمد الناس في جزيرة العرب،كما عمد غيرهم إلى استرضاء آلهتهم بالتقرب إليها بتقديم الهدايا والقرابين، وبالتوسل إليها لانزال المطر،وبالصلاة لها صلاة خاصة يقال لها صلاة الاستسقاء،هي صلاة أقرتها الأديان السماوية أيضاً، لم يرد في نصوص إلمسند ويا للأسف شيئاً عنها، غير اننا نملك نصا جاء فيه إن شخصاً قدّم قرابين الى الإلَهة "عثتر"والى معابده كلها، لأنه من على سبأ وأتباعهم، فأرسل عليهم "سقي خرف ودثا"، أي "مطر الخريف ومطر الربيع". ومعنى ذلك إن القوم كانوا قد توسلوا إلى هذا الإلَه ليرسل عليهم الغيث الذي انحبس عنها في موسميه المعروفين في اليمن، ونذروا له نذراً إن استجاب لهم، وقد استجاب لدعوتهم فأرسله عليهم، فقدمت إليه تلك الذبائح والقرابين.

وقد تحدثت في أثناء كلامي على الحياة الدينية عن عادة أهل الجاهلية في الاستمطار، وعن هذه النار التي كانوا يولعونها والتي يسمونها "نار الاستمطار". وهي عادة قد تكون مألوفة بين أهل مكة وأهل الحجاز. وهي من العادات التي أبطلها الإسلام، إذ أحل محلها صلاة الاستسقاء.

وقد تهطل الأمطار أحياناً هطولاّ شديداً مؤذياً، فتكون سيولاً عارمة تجرف الزروع والبيوت والمواشي لأئي وتنكب الناس بعيشهم الضيق الذي هم فيه. ونجد في كتب أهل إلأخبار،إشاراتَ الى سيول عديدة حدثت في الجاهلية والإسلام، في الحجاز واليمن وفي أمكنة أخرى، فأصابت الناش، بأضرار كبيرة، حيث تنحدر بشكل سريع وشديد وبقوة كبيرة من الجبال والهضاب والمرتفعات إلى الأودية والسهول فتغمرها بالمياه، وفي كتب الأخبار أن السيول قد أصابت مكة مرارأَ في الجاهلية وفي الإسلام. وهي في جملة المصائب والكوارث التي تنزلل بالناس، فلا عجب إذا ما رأينا المثل العربي يقول: "سال بهم السيل،وجاش بنا البحر. أي وقعوا في أمر شديد، ووقعنا نحن في أشد منه، لأن الذي يجيش به البحر أسوأ حالاً ممن يسيل به السيل".

ولفظة "سقى"من الألفاظ الواردة في المسند، بمعنى "مطر"و "ارواء" و "سقي"، و لفظة "مسقت" "مسقيت"ععنى " سقى"و "مسقية". ووردت لفظة الإرواء في النصوص العربية الجنوبية كذلك: وردت في نص معيني على هذه الصورة "رويم""روي"بمعنى "ارواء " وذلك كما في هذه الجملة: "رويم لا نخلهمى"، أي "لارواء نخيلهم"، وفي هذا المعنى جملة: "رويم وسقبتم لنخلهمو"، أي "ارواء وإسقاء نخيلهم".

و "المكر" سقي إلأرض، وأرض ممكورة، مسقاة، ومكر أرضه، سقاهاْ.

انواع السقي

ويسقى الزرع في جزيرة العرب، إما بالسيح، والسيح الماء الجاري الظاهر على وجه اللأرض، ويقال له: "المسقوي"، وإما بماء المطر أى بما تسقيه السماء، ويقال له: "المظمىّ"،، وإما من الآبار، أي بالدلاء. وقد تستخدم النواعير في رفع الماء من الأنهار الى السولقي لتجري الى المزارع، أي بالطرق الفنية التي يستخدمها الإنسان في تسخير الماء في خدمته.

ويقال لما سقته السماء من النخل "العثري". وقيل "العثرى" هو من الزرع ما سقي بماء السماء والمطر وأجري اليه الماء من المسايل، وقيل النخيل التي تشرب بعروقها من ماء المطر. وفي هذا المعنى "العذي"، والعذي أيظاً الموضع الذي ينبت في الشتاء والصيف من غير نبع ماء، وقيل العذي: الزرع الذي لا يسقيه إلا المطر. وقد اتخذت المرتفعات وذرى الجبال، قرى ومزارع، صارت زراعها أعذاء، لا تسقى. و "عمد"الأرض التي تسقى بماء السماء في لغة المسند. ونقرأ لفظة "أعذاء" في كتب من وصف جزيرة العرب ومواضعها وزروعها، وقد قصدوا بها زروع نبتت على ماء السماء.

المطر

ويقال للمطر في المسند "ذ ن م م""ذنمم". وقد وردت هذه اللفظة في عدد من النصوص، ويقال له "دثن"أيضاً. وهي "الدث"في عربية القرآن الكريم،يقال دثت السماء إذا نزل منها الدث، والدث هو المطر الضعيف. ويراد ب "دثن" الدث"في المسند، المطر الذي يتساقط بعد الحر الشديد وفي نهاية القيظ.

ويقال للمطر الغيث كذلك. وذكر بعض علماء اللغة أن الغيث هو المطر الخاص بالخير الكثير النافع، ومن المجاز: الغيث بمعنى الكلأ ينبت بماء السماء، وكذا السحاب. ورأى بعض العلماء أن الغيث اسم المطر كله. وأما السبل، فالمطر أيضاً، أو المطر بين السحاب والأرض حين يخرج من السحاب ولم يصل إلى الأرض ومثله العثانين. وأما الودق، فالمطر أيضاً. ومنه النزل والرجع في كلام هُذيل. وكذللث الخرج والقطر والخدر. وقيل: النصر، الغيث. والذهاب اسم المطر كله ضعيفه وشديده. و " ألديمة"، مطر يدوم أي يطول زمانه أياماً. وأرض مديمة، أصابتها الديم، والمدام المطر الدائم. و "الديمن"و "الديم"، هو الزرع الذي يسقى بماء المطر، في اصطلاح أهل العراق اليوم.

واذا بكر الغيث في أول الوسمي، قيل له "باكور". أما آخر امطار السنة الذي يأتي في وقت الخراف، أي أواخر الخريف، فإنه "خرفن"في نصوص المسند، أي "الخراف".

ويقال للمطر الذي ينزل في فصل الخريف: "الخريف"، ويقال له: "الخرفي"كذلك، أو هو أول المطر في أول الشتاء، وهو الذي يأتي عند صرام النخل، ثم الذي يليه الوسمي. وهو عند دخول الشتاء، ثم يليه الربيع، ثم يليه الصيف، ثم الحميم. وقال بعض علماء اللغة: أول المطر الوسمي، ثم الشتوي، ثم الدفىء، ثم الصيف، ثم الحميم، ثم الخريف، ولذلك جعلت السنة ستة أزمنة. وقال أبو حنيفة: ليس الخريف في الأصل باسم للفصل، واتما هو اسم مطر القيظ، ثم سمي للزمن به. والحجاز كله يمطر بالخريف، ونجد لاتمطر به.

والمزن السحاب. وقد وردت اللفظة في القرآن الكريم. ويقول علماء اللغة إن المزن جمع مزنة، وهي السحاب الأبيض. وقد كَان جل اعتماد أهل جزيرة العرب في الشرب، وفي الإرواء على ماء المطر. كما في ذلك في الاية: )أفرأيتم الماء الذي تشربون، أ أنتم أنزلتموه من المزن، ام نحن المنزلون(.

ولارتباط حياة العرب بالمطر،كثرت الألفاظ المتعلقة به في لغتهم. ففي معاجم اللغة ألفاظ كثيرة في معنى المطر وفي أمور تتعلق به، في مثل السحاب، وأنواعه وأسماء قطعه، وما شاكل ذلك من ألفاظ وأسماء، تمثل لك مدى عناية العرب بالمطر، لشدة حاجتهم إليه.

وللعرب علامات إذا ظهرت دلت عندهم على أنها أمارات الغيث وعلاماته، منها الهالة التي تكون حول القمر، إن كانت كثيفة مظلمة، كانت من دلائل المطر، ولا سيما إن كانت مضاعفة. ومنها "الندأة، وهي الحمرة التي تكون عند مغرب الشمس أيام الغيوث. والمبشرات، وهي عدة علامات تتوالى، تدل عندهم على نزول الغيث. ومنها الرعد والبرق، ومنها أن ترى القمر أو الكواكب في الصحو يحيط بها لون يخالف لون السماء، وكذلك إن رأيت القمر في الغيم وإن كان قزعاً كأنه تحيط به خطوط كخطوط قوس المزن، وهي القسطانية. وبعض الرواة يجعل قوس الغيم أيضاً بدأة.

وهم يعتبرون الغيث نعمة ورحمة، ولهذا كانوا يفرحون بزوله ويستبشرون، لا سيما إذا كان نزوله بعد قحط وجدب. ويهنأ أحدهم الآخر بانصبابه لما سيصيبهم جميعاً من خير عميم، ولكنه قد يصير نقمة إذا نزل سيلاً مدراراً، يكتسح كل شيء يجده أماه، وقد تمتلىء به بطون الأودية، فتغرق سيولها القرى والمستوطنات. مثل ما كانت تصاب به مكة من السيول. فمكة في وادٍ على طرفيه جبال: إذا نزلت عليها الأمطار سالت الى باطن الوادي، فتؤذي البلدة والحرم، وقد أقيمت الردم لمنع السيول من اغراق الحرم، والبيوت، غير أن السيول تكون قاهرة جبارة في بعض الأحيان، فلا يقف أمامها ردم ولا سكر. وقد أشار أهل الأخبار الى المهم من هذه السيول.

وِقد هددت السيول يثرب بالغرق أيضاً، مع إنها ليست في واد، وذلك من سيل "مهزور". وقد أقام "عثمان" ردهاً لمنع سيل هذا الوادي من اغراق ا لمدينة.

الاستفادة من مياه الأمطار

وقد اضطر سكان جزيرة العرب إن يلجأوا إلى الوسائل الصناعية للاستفادة من المياه وذلك لقلتها وشحها، سواء أكانت مياه أمطار أم مياه أرض، متدفقة من أجواف الأرض على هيأة عيون أو جعافر. وفي جملة ما اتخذوه اقامة السدود في الأرضين التي تساعد طبيعتها على اقامة السدود، وحفر الآبار للاستفادة منها في السقي وفي الزراعة بما يتناسب بالطبع مع كميات مياه الآبار.

وقد اتخذ أهل المواضع المرتفعة مثل الأماكن الجبلية التي يصعب نقل الماء إليها كل الوسائل الممكنة للمحافظة على ماء المطر والسيطرة عليه وجمعه لئلا يذهب سدى، فحفروا الصهاريج العميقة في البيوت وفي أماكن أخرى ليسيل إليها، وسلطوا مياه الميازيب على أماكن تسيل منها إلى هذه الصهاريح. ولا يزال بعض الميازيب الجاهلية في حالة جيدة يستعمل في الأغراض التي صنع من أجلها. وهي مصنوعة من الصخور، وبعضها من المرمر الأبيض الجميل. وفي مسجد "حصن غيمان"، صهريج جاهلياُ قديم، يستعمل لخزن المياه. وهناك صهاريج عديدة في هذا الموضع، كلها من ايام الجاهلية، وبعضها مفتوح على هيأة حوض، وأكثره من النوع المغطى والمنقور في الصخر. وقد تساقطت سقوف بعض هذه الصهاريج أو أصيبت بتلف في بعض أقسامها وظهرت هيآتها للعيان، فعرفت أشكالها وأعماقها، ولبعضها ممرات توصل بعضها ببعض، فتجعلها كأنها شبكة تربط مساحة واحدة تملأ بالماء تحت سطح الأرض. ولهذه الصهاريج فتحات تستخرج منها المياه للأرواء.

ولهذه الصهاريج أهمية خاصة في ايام الحروب، إذ تمنع العدو من قطع الماء عن المحاصرين، وبذلك يستطيعون البقاء مدة طويلة يدافعون عن أماكنهم خلف الأسوار.

وقد استخدمت الصهاريج لخزن الماء، حتى البيوت استخدمتها لذلك، فكان إذا وقع الغيث سال إلى هذه الصهاريج فخزنته. وقد اتخذ أهل المدن الصهاريج الكبيرة لتموين الناس بالماء، وبنوا الصهاريج في المعابد ليستفيد منها المتعبدون القادمون إليها ورجال الدين.

وقد عثر على صهاريج عديدة في حضرموت وفي اليمن،عرفت عند الحضرميين ب "نقب". وهي عبارة عن حفر نقرت في الصخور وفي المواضع الحجرية وفي مواضع أخرى، يبلغ قطر أفواهها وفتحاتها زهاء المتر في الغالب. أما أعماقها فهي مختلفة وكذلك أقطارها السفلى أي من جهة قواعدها، فقد عثر على بعضها، وأعماقها تتراوح من ثلاثة أمتارالى أربعة، وأقطارها السفلى تتراوح من خمسة أمتار إلى ستة. ويقال لعملية إلحفر "نقب"كما في هذه الجملة: "نقبو نقب " اي "نقبوا نقباً"،: معناها "حفروا نقباً"و "حفروا صهريجاً".

وتوصل هذه الصهاريج بمجاري تحت الأرض قد يبلغ أطوالها جملة كيلومترات لايصال الماء منها إلى مواضع السكن أو الزرع. وتكون الصهاريج مرتفعة عن مسايل المياه الأرضية، ليسيل منها الماء الى الجهات التي تريدها. ويكون معينها هو ماء المطر. ويظهر أن طريقة توزيع الماء من النقاب بمسايل المياه أرضية كانت شائعة قبل الإسلام في المدن والقرى المرتفعة البعيدة عن الغيول والنهيرات والآبار والتي تتساقط فيها الأمطار، فلجأت إلى هذه الطريقة الفنية لحبس مياه الأمطار للاستفادة منها في الشرب والاستعمال وفي الزراعة أيضاً.

الذُّهب

ويقال لموضع تجمع مياه الأمطار ومسيلها "ذهبن"، أي "الذُّهب". ويستخدم هذا الماء المتجمع لاسقاء الحيوان وللشرب ولإسقاء الزرع، قال "الهمداني": "والذُّهب... يمتلىء من السيل، فإذا امتلا نف فيه الطهف والدخن، فنضب الماء، ثار نبته". وقد كانوا يستفيدون من أمثال هذه "الذُّهب"بتسويرها وحصر الماء فيها ثم توجيهها إلى الأحواض الكبرى للاستفادة منها عند انحباس الأمطار.

وكانت أشراج الحرة بيثرب من مسايل الماء، فإذا هطلت الأمطار انحدرت إليها وامتلات بها فتسيل إلى الأرضين المزروعة ترويها بالماء. وقد تحبس الشراج فتكون أحواضاً يستفاد منها في السقي والزرع.

وهناك حفر تتجمع فيها المياه فيستفاد منها في الشرب. وقد ذكر علماء اللغة الفاظاً عديدة تتعلق بالحفر على اختلاف أنواعها، وفي جملتها الحفر التي تتجمع فيها المياه. وذلك لكثرتها ولأهميتها في حياتهم العملية، إذ كانت على ضآلة بعضها ووسخ مائها، غوثاً للمسافرين العطاشى الذين هم ودوابهم في آخر رمق من الحياة. فهي تكون في مثل هذه الظروف هبة ولقطة لا تقدر بثمن.

ومن مواضع تجمع الماء في الحفر الأوقة، وهي حفرة يجتمع فيها الماء،وجمعها أوق. والوجيل والمَوجل، حفرة يستنقع فيها الماء يمانية. والمرهة، حفيرة يجتمع فيها ماء السماء. والهَوْقة، وهي حفرة كبيرة يجتمع فيها الماء، وتألفها الطير. و "الركية" البئر. وقد كانوا يتبردون بها في ايام الحرْ. و "المركو"، الحوض الكبير وقيل الحويض الصغير يسويه الرجل بيديه على رأس البئر إذا أعوزه إناء يسقي فيه بعيراً أو بعيرين.

والنقر، الغائر من الأرضين، وهي موارد الماء في جزيرة العرب. إذا احتفرت، ظهر الماء بسهولة في آبارها،وقد تظهر البرك فيها. ومن هذه النقر، موضع "معدن النقرة"، منزل لحاج العراق بين أضاخ وماوان. فيه بركة، وثلاث آبار، بئر تعرف بالمهدي، وبئران تعرفان بالرشيد، يظهر أنها حفرت في أيام الخليفتين: المهدي والرشيد، وآبار صغار للأعراب. وعندها تفترق الطرق، فمن أراد مكة نزل المغيثة، ومن اراد المدينة أخذ نحو العسيلة. ذكر أن هذا الموضع إنماُ سمّى نقرة، لأن النقرة كل أرض متصوبة في هبطة فهي نقرة.

الحياض

وقد ترك الجاهليون حياضاً واسعة كانوا أنشأوها في مواضع كثيرة من اليمن وبقية العربية الجنوبية لخزن الماء فيها للاستفادة منها أيام الجفاف. فإذا ما تساقطت الأمطار، سالت إلى هذه الحياض، وبعضها عميق واسع لا تنضب منها مياهها طوال السنة. وقد أحيطت هذه الحياض بجدران متينة من الصخور صفت ورتبت على هيأة مدرجات، حتى إذا انخفض الماء أمكن لمن يريد الاستسقاء منها أن ينزل على هذه الدرجات حتى يبلغ الماء ولا يزال بعض هذه الحياض موجوداً يستعمله الناس. وقد وصف السوّاح الذين زاروا اليمن بعضها وتحدثوا عنها وعن أبعادها وعن طرق بنائها وهندستها.

ولمنع تسرب الماء من الحوض، يسدّ ما بين الحجارة من منافذ بالمدرة المعجونة، وتطلى أوجه الجدر بمادة تغطيها مثل الصهريج لمنع تسرب الماء وخروجه إلى الخارج، كما يبلط قاع الحوض ويطلى كذلك. وتوضع حجارة تنصب حول الحوض، ويسد ما بينها بالمدرة، ويقال لذلك النصيبة. ويمدر الحوض إذا طين وسدَُّ خصاص ما بين حجارته، كما يعبر عن ذلك بلفظة اللوط. ويوضع الإباد حول الحوض، أي التراب، لدعمه وتقويته. وقد ترفع جسر الحوض فوق الأرض، وتعمل فيه صنابير لخروج الماء فيها وقد تنشأ فيها حنفيات لأخذ الماء منها، تعمل من المعدن أو الحجارة.

وقد عثر على ميازيب ومثاعب حجر نحتت نحتاً جميلاً، وضعت في جدران الأحواض، ليسيل منها الماء. وقد صنعت مواضع مسايل بعضها على هيأة رؤوس حيوانات فتحت أفواهها ومن هذه الأفواه المفتوحة يتساقط الماء. ولا يزال بعضها في هيأة حسنة ومستعملة حتى الآن. واستعملت بعضها في السطوح لسيلان الأمطار منها، كما عثر على صخور منحوتة نحتاً جميلاّ جداً كانت تكوّن الواجهة الظاهرة من جدران الحياض. وقد نحت بعضها على شكل صور حيوانات بارزة أو أوجه حيوانات، ونحت بعضها على صور أوراق نبات وأغصان أعناب أو عناقيد أعناب وما شابه ذلك من أجزاء النبات.

وثعب الماءُ سالَ، ومنه اشتق مثعب المطر. والثعب هو مسيل الوادي، ومنه مثاعب المدينة، أي مسايل مائها. والمثعب المرزاب

وتعمل الأحواض لشرب الإبل وغيرها. وقد يوضع في وسطها حجر، يكون مقياساً للماء، يقال له "القداس"إذا غمره الماء رويت الإبل، أو هو حجر يطرح في حوض الإبل، يقدّر عليه الماء، يقتسمونه بينهم. وقيل هو حصاة، توضع في الماء قدر الري للابل، أو يقسم بها الماء في المفاوز.

وفي كتب اللغة ألفاظ عديدة أطلقت على الحوض، بحسب شكله واتساعه وعمقه منها الحوض المركو. أما المقراة، فالحوض العظيم. وأما الجرموز، فالحوض الصغير، وقيل هو حوض مرتفع الأعضاد. والنضيج الحوض، وخصه بعضهم بالحوض الصغير. والجابية الحوض كذلك. وأما الشّرَبة فالحوض يجعل حول النخلة يملأ ماء، فيكون ري النخلة. والحضج الحوض.

و يقال لموضع تجمع الماء، والمكان الذي يخزن فيه فيكون على هيأة بحيرة صغيرة أو حوض "بحرت"، "البحرة". ولا يزال أهل الشام يطلقون لفظة "بحرة"على حوض الماء الذي يقيمونه في أفناء دورهم، للتمتع بمنظره وبمنظر الماء الذي يتدفق منه. وقد يضعون الأسماك فيه. وقد وردت اللفظة في هذه الجملة: "وصرح ثبرن وبحرت بموثب احلين"، ومعناها: "وأعلى حصن ثبر، والبحرة الكائنة في أسفل السلالم". ويظهر إن أصحاب الحصن كانوا قد أقاموا "بحرة"ضد قاعدة السلالم التي ترتقي إلى الحصن،وذلك من أجل نقل الماء منها الى أعلى للاستفادة منه، ولاحمائه وسكبه على المحاصرين في أثناء الحصار.

والمقرى والمقراة كل ما اجتمع فيه الماء من حوض وغيره، وخصه بعضهم بالحوض. وذكر بعضهم، إن المقراة المسيل، وهو الموضع الذي يجتمع فيه المطر من كل جانب. وقيل المقراة شبه حوض ضخم يقرى فيه من البئر، ثم يفرغ في المقراة. وقريّ الماء مسيله من التلاع، أو مجرى الماء في الروض.

ويقال للموضع الذي يستنقع فيه الماء، أي يجتمع: "النقيع"، فإذا نضب الماء نبت فيه الكلأ. و"المنقع"الموضع الذي يستنقع فيه الماء، أي ويقال لموضع تجمع المياه في خزانات صغيرة لخزنها فيها وتوزيعها على السواقي "مزف". تأتي المياه إليها من خزانات أخرى أكثر منها. فتخزن فيها لإعادة توزيعها. والفعل هو "زف"من "زفف". وتطلق لفظة "زف" على مواد عمل ما. وأما العمل نفسه فيقال له "فعل".

وقد أشير في نصٍ إلى وجود "هور" أمام "محفد"، اي حصن: "بقنو هور محفدهمو ذ معينن"، ومعناها: "أمام هور محفدهم "حصنهم " ذي المعين". و "هور"في هذه الجملة هو "الهور" في عربيتنا. وهو "بحرة تفيض فيها مياه. فتتسع ويكثر ماؤها"، ويجمع على أهوار. أما في النص، فلا يراد به هذا المتسع الواسع من الماء، بل يراد به حوض أو متجمع من الماء أوسع من البحرة، كان أمام الحصن.

وقد وردت لفظة "بركن"أي البركة في اللهجات العربية الجنوبية كذلك، ووردت لفظة أخرى هي "عسن"يظهر أنها تعني بركة كبيرة أو صهريج ماء تحت الأرض، أو جملة برك تتصل بمأخذ أو مآخذ، تتجمع فيها المياه. وقد ذكر علماء اللغة أن البركة مثل الحوض يحفر في الأرض لا يجعل له أعضاد فوق صعيد الأرض. ويسمي العرب الصهاريج التي سويت بالآجر وصرجت بالنورة في طريق مكة ومناهلها بركاً. وربّ بركة تكون ألف ذراع وأقل وأكثر. وأما الحياض التي تسوى لماء السماء، ولا تطوى بالاجر، فهي الأصناع واحدها صنع.

وقد طليت جدران البرك الجاهلية بمادة متماسكة قوية، ترى اليوم وكأتها قد فرغ منها من عهد قريب. فلم تتشقق ولم تصب بتلف إلا قليلا. فيها فتحات عملت لمرور الماء منها إلى السواقي. وقد استعمل مثل هذه البرك لخزن الماء وللأرواء في الوقت نفسه.وتمكن الاستفادة منها إذا ما نظفت من المواد الزائدة التي تراكمت فيها وأدخلت عليها بعض الإصلاحات.

و "الأضاة"الغدير، والماء المستنقع من سيل أو غيره. والغدير مستنقع الماء، ماء المطر صغيراً كان أو كبيراً، غير أنه لا يبقى إلى القيظ الا ما يتخذه الناس من عدّ ووجد أو وقط أو صهريج أو حائر. والعدّ الماء الدائم الذي لا انقطاع له. ولا يسمى الماء الذي يجمع في غدير أو صهريج أو صنع عداً، لأن العدّ ما يدوم مثل ماء العين والركية. ويعبر عن "الغدير"ب "النهي"،. وقيل النهي الغدير حيث يتحير السيل فيوسع، وكل موضع يجتمع فيه الماء أو الذي له حاجز ينهى الماء أن يفيض منه.

وفي كتب اللغة ألفاظ عديدة أطلقت على النهيرات والسواقي المتفرعة منها.

ومنها الشراج، جمع شرج،وهي مسايل الماء من الحَزن إلى السهل. والاربعاء، وهي مسايل ومساقي يسقى منها النخيل والبساتين، ويزرع على جانبيها. وأما "الجعافر"، فقيل: "الجعفر"النهر، وقيل هو النهر الصغير، وقيل هو النهر الكبير الواسع: وقيل النهر الملآن، أو فوق الجدول.

ويقال للجدول الربيع في عربية القرآن الكريم، ويجمع على "أربعاء".وأهل المدينة يغرسون الشجر على جانبيه. ويقال له أيضاً "السعيد". ويراد به النهر الذي يسقي المزرعة. وقد ورد في الحديث: "كنا نزارع على السعيد". و "الجدول"النهر الصغير. ويقال لأوائل الجداول "أقبال الجداول". وأما السواقي بين الزروع، فتسمى "دبار".

ويطلق أهل اليمن على ساقية الماء والجدول الصغير "الغيلَ"، وهي من الألفاظ القديمة المستعملة في الري. وفي اليمن جملة أغيال، يقل ماؤها عند انحباس المطر، ويزداد عند هطوله في مواسمه. ويشرب أهل صنعاء من مياه الغيل المسمى "الغيل الأسود"، ويزرعون عليه. وذكر علماء اللغة إن الغيل الماء الجاري على وجه الأرض، وقال بعضهم ما جري من المياه في الأنهار والسواقي. وأما الذي يجري بين الشجر، فهو "الغلل"." وفي الحديث ما سقي بالغيل ففيه العشر، وما سقي بالدلو، ففيه نصف العشر".

الأودية

والأودية هي من أهم مناطق الماء والخصب في جزيرة العرب، وذلك لوجود الماء بها قريباً من سطح الأرض في الغالب، وقد يخرج إلى وجه الأرض. ولهذا نجد فيها مواضع عديدة خصبة ذات مزارع ونخيل منتشرة كأنها الجزر في البحار. وهي في الأصل مسايل ماء، حفرتها الأمطار والسيول المنهمرة على الجبال والهضاب والتلال، في سيرها نحو الأماكن المنخفضة، وعملت لها منافذ سارت مياهها منها. و "الوادي"، هو "سر""س ر"في العربية الجنوبية. وذكر علماء اللغة أن "السر"بطن الوادي وأطيبه وأفضل موضع فيه، وكذلك سرارة الوادي، أي بالمعنى الوارد من اللفظة في المسند، أو قريب منه.

ومن أودية جزيرة العرب: وادي الحمض، ووادي الدواسر، ووادي الرمة، ووادي حنيفة، ووادي تبالة، ووادي رنية، ووادي تربة، وغيرها مما يرد في كتب "الجغرافيا" وما ألف في وصف جزيرة العرب، أو وصف بقاعها، وفي كتب البلدان.

ولهذء الأودية فضل لا ينكر في ظهور موطن الحضارة في جزيرة العرب، ففي بواطنها وعلى جانبيها قامت مواطن استيطان منها نبتت الحضارة الأعرابية في جزيرة العرب، حضارة تمثل مرحلة متقدمة بالنسبة إلى الحياة الأعرابية،عمادها الزراعة وتربية الحيوان. وهي تثبت للمرء جلإء إن سبب انتشار الأعرابية في جزيرة العرب هو الجفاف الذي غلب عليها وندرة وجود الماء بها، وان الماء لو توفر بها، لكان نصيبها في الحضارة مثل نصيب غيرها من البلاد التي تقدمت في ايامها وازدهرت، فلما ظهر الماء في هذه المواضع، ظهر السكن والاستقرار، ولو رزق العرب سكان جزيرة العرب ما رزق غيرهم من جو طيب، ومن أرض خصبة ذات أنهار وماء، كان شأنهم غير هذا الشأن ولا شك.

ويقال للوادي "العقيق". وذكر أن العقيق كل مسيل شقه ماء السيل فانهره ووسعه. أي في معنى وادي. والأعقة من مواضع الخصب والزرع في جزيرة العرب، إذ تكون المياه فيها قريبة من سطح الأرض. منها عقيق اليمامة، وهو وادٍ واسع مما يلي العرمة، تتدفق فيه شعاب "العارض"، وفيه عيون عذبة الماء، وموضع بتهامة، وموضع بنجد، يقال له عقيق القنان، تجري إليه مياه قلل تجد وجباله، والعقيق، ستة مواضع أخر، وهي أودية شقتها السيل عادية منها عقيقان في بلاد بني عامر من ناحية اايمن. ومن الأودية المشهورة: وادي العتيق بالحجاز. و "العرمة"أرض صلبة تتاخم الدهناء ويقابلها عارض اليمامة. والأودية هي من أحب المواضع في جزيرة العرب، حتى إن.كانت جافة في معظم أيام السنة، وذلك لخصب تربتها، ولقرب الماء فيها من سطح الأرض، ولوجود العيون والبرك في بعض منها. وهي قبلة أنظار الأعراب والرعاة بعد نزول الغيث وامتلائها بالسيول، إذ يظهر فيها الكلأ: وتبقى في حفرها المياه، فتكون بركاً للشرب.

وقد زرع أهل وادي "مهزور"على مياهه، ويستمد هذا الوادي ماءه من السيل، وكذلك وادي "مذينيب". ومن "مهزور"إلى "مذينيب"شعبة يصب فيها. ويسيلان بماء المطر خاصة، و "مهزور" هو وادي "بني قريظة"، وقد كان يحدث اختلاف فيما بين المزارعين في حقوقهم في الماء، ولا سيما في ايام انحباس المطر أو أيام نزوله بشح، واستغلال أهل الأرضين العالية للسماء، مما يسبب انقطاعه عن الأرضين الواطئة الواقعة على مسايله. وقد كان "مهزور"يهدد المدينة بالغرق عند سقوط الأمطار بشدة وتكوينها سيولاً طاغية، ولما هدد المدينة بالغرق في خلافة "عثمان" اتخذ له ردماً. وقد هدد المدينة مراراً بالغرق، ولما كاد إن يغرقها سنة "156 ه"حفرت الحكومة له منسوباً، غاص منه الماء إلى وادي بطحان. وقد قضى الرسول في سيل "مهزور"إن لأهل النخل إلى العقبين، ولأهل الزرع إلى المشراكين، ثم يرسلون الماء الى من هو أسفل منهم.

و "بطحان"هو أحد أودية المدينة الثلاثة، وهي العقيق وبطحان وقناة.

الأنهار

وليس، في جزيرة العرب أنهار كبيرة بالمعنى المعروف من لفظة نهر، مثل نهر دجلة أو الفرات أو النيل، بل فيها أنهار صغيرة أو جعافر. وهي لذلك لم تستفد من نعم الأنهار الكبيرة التي نعمت بها البلاد الأخرى، ولم تسعد بسبب ذلك بظهور المجتمعات الكبيرة بها ولا بظهور الحضارة فيها، لأن الحضارة الراقية لا تكون ولا تنمو إلا في المجتمعات الكبيرة، حيث تتوفر بها بذور الحضارة والثقافة، ولا تظهر هذه البذور مع وجود الجفاف وفقدان الماء أو قاته.

ومن الأنهار الصغيرة التي نجدها في اليمن نهر الخارد. وكان السهل الذي عاش. فيه المعينيون،وبنوا فيه عاصمتهم يسمى بهذا النهر، وتنبت فيه مختلف النباتات والزروع، وكان يصل الى مقربة من العاصمة وربما تجاوزها إلى مواضع أخرى. ولا تزال هذه المنطقة تعدّ من المناطق الزراعية الجيدة، وقد تحول قسم منها بسبب الجفاف الذي حلّ بها الى مناطق تعلوها كثبان رملية، ومناطق قاحلة، بعد ما كانت من أجود الأرضين لأهل معين ومن أنهار اليمن الأخرى، مَور، وهو من أغزر أنهار اليمن ماءاً وأكبرها، وهو بالتسرب من واديَ "صبا". ينبع من جبال الهضبة إلى جنوبي صعدة، وتصب فيه أودية من "عمران"و "حجة"، ويمر من جبال "حجة" وجبال "حجور" في اتجاه البحر الأحمر حيث يصب به شمال،"اللحية". وتجري الأقسام الشرقية من هذا النهر في أكثر أيام السنة. وسُردد، واد متسع بتهامة اليمن، مشتمل على قرى ومدن وضياع. ويتألف من فروع تنبع من جبال "كوكبان"ومن جبال حضور وحراز، ويصب في البحر الأحمر شمال "الحديدة". ووادي سهام واد ينبع من جبال خولان وآنس، ماراً بحنوبي جبال حراز، ثم يصب في البحر الأحمر جنوبي الحديدة. وبه مياه حارة. ووادي "أذنة"من أودية سبأ، وهو الذي كان يموّن سد مأرب بالماء. ومن أودية اليمن الأخرى: رزان، و "رمع""رماع"، وهو متصل بوادي سهام ووادي مور، مشتمل على عدة قرى، وشرس، و "ريمة"و "زبيد". وتعرف هذه الأنهار ب "وادي"في اصطلاح أهل اليمن.

و "الدبل"الجدول من جداول الأنهار. وانما سميت الجداول دبولاً لأنها تدبل، أي تصلح وتجهز وتنقى. ومنه الحديث انه غدا إلى النطاة، وهي من حصون خيبر، وقد دل على مشارب كانوا يسقون منها دبول. كانوا ينزلون إليها بالليل فيتروون من الماء، فقطعها، فلم يلبثوا إلا قليلاّ حتى أعطوا بأيديهم. وتكرى الأنهار وموارد المياه الأخرى، لاستخراج الطمي منها ولتعميقها حتى لا يسيل الماء على حافات مورد الماء وكانوا يكرونها بالمساحي ويرمون الطمي على الجانبين.

وإذا جرى الماء على وجه الأرض قبل له "السيح". وباليمامة ثلاثة أودية بأقصى العرض، عرف كل واحد منها بسيح ، ونسب الى أهله أو مكانه. وقد أشار "الهمداني "الى " السيح يجري تحت النخل والآبار"، وقصد به الماء الجوفي. وأشار إن "سيح الغمر " والى سيح دعاه سيح ابن مربع، ذكر أنه كان غزيراً ثم انقطع بضعف أهله. وذكر اسم سيح آخر دعاه سيح قشير، ويسمى أيضاً بسيح اسحاق.

الحسيّ

وينتفع من الأحساء والرحاب في الزراعة وذلك باستنباط مياهها الجوفية المنحسرة عن قشرة الأرض بمسافة غير بعيدة، والتي قد تظهر على سطح الأرض وتسيل. والحسي سهل من الأرض يستنقع فيه الماء أو غلظ فوقه رمل يجمع ماء المطر. وفي جزيرة العرب أحساء كثيرة، منها أحساء بنى سعد بحذاء هجر بالبحرين، وأحساء خرشاف، بسيف البحرين، وأحساء بني وهب، على خمسة أميال من المرتمى فيه بركة، وتسعة آبار كبار وصغار بين القرعاء وواقصة على طريق الحاج، والأحساء ماء لغنى، والأحساء ماء باليمامة، وأيضاً ماءة لجديلة طيء بأجأ. والأحساء التي على الخليج، هي من أهم هذه الحسي في الوقت الحاضر. وهي وحدة ادارية في المملكة العربية السعودية بها عيون تفيض ماءً، تروي بساتين النخيل والأشجار الأخرى و "البثر" يشبه الأحساء، يجري تحت الحصى على مقدار ذراع أو ذراعين ودون الذراع، وربما أثارته الدواب بحوافرها. والباثر من الماء البادي من غير حفر. والبثر أرض سهلة رخوة. وذكر بعض علماء اللغة إن البثور الأحساء وهي الكرار. وذكر بعضهم إن "الكرار"البئر، أو الحسي، أو موضع يجمع فيه الماء الآجن.

وقد تنيع العيون في مواضع رملية، فلا تمكن الناس من الاستفادة من الماء فائدة كبيرة تخرح من جوف رمل من أعذب ما يكون من العيون وأكثرها ماءً، تجري في رمل فلا تمكن الزرّاعين عليها إلا في مواضع يسيرة من أحناء الرمل، فيها نخيل، وتتخذ البقول والبطيخ، وتسمى هذه العين "البحر".

وتكون تربة الرحبة خصبة، ولهذا صارت مواطن صالحة للزراعة لو استنبطت مياهها التي في جوف الأرض القريبة من السطح، لأفادت في توطين الأعراب. والرحبة في تعريف علماء اللغة " من الوادي مسيل مائه من جانببه فيه. جمعه رحاب. وهي مواضع متواطئة يستنقع الماء فيها، وهي أسرع الأرض نباتاً، تكون عند منتهى الوادي وفي وسطه، وقد تكون في المكان المشرف يستنقع فيها الماء وما حولها مشرف عليها، ولا تكون الرحاب في الرمل، وتكون في بطون الأرض وفي ظواهرها". والرحبة الأرض الواسعة المنبات. ومن الرحاب المشهورة: "الرحبة"حذاء القادسية، وواد قرب صنعاء، وناحية بين المدينة وبلاد الشام قرب وادي القرى، ورحبة باليمامة، تعرف برحبة الهدّار وصحراء بها أيضاً فيها ماء وقرى. وقد وجدت كتابات جاهليه في بعض هذه الرحاب، تشير إلى سكن أناس فيها ونزولهم هناك قبل الإسلام.

والنقرة الوهدة المستديرة في الأرض ليست بكبيرة يستنقع فيها الماء. و "الحفر" الموضع فيه ركايا محفورة، يستقى منه الماء. منها "حفر ضبةّ"، وهي ركايا بناحية "الشواجن"بعيدة القعر عذبة الماء. والشواجن، وادٍ كبير بديارضبة في بطنه اطواء كثيرةن منها الصاف واللهابة وثبرةن ومياهها عذبةز ومنها "حفر سعد بن زيد مناة بن تميم" بحذاء "العرمة" وراء الدهناء يستقي منها بالسانية.

و"القلت" النقرة في الجبل تمسك الماءن وقيل كل نقرة في أرض يستنقع فيها الماءز وإذا سالت السيول ملأت القلات. وفي الحديث ذكر لقلات السيل. ومثلها "الوقب" وهي نقرة في الجبل او في الصخر يجتمع فيها الماء كالوقبة ن أو هي نحو البئر في الصفا تكون قامة أو قامتين يستنقع فيها ماء السماءز

الآبار

وفي الأماكن التي تكون المياه الجوفية فيها غير بعيدة عن سطح الأرض،ويكون من السهولة حفر الآبار فيها، يحفر الناس آباراً في بيوتهم وفي أملاكهم للشرب والزرع إن كانت عذبة وللتنظيف والاستعمال. ويستعان بالخدم وبالسقائين في جلب مياه الشرب من الآبار العذبة والعيون والنهيرات. كما حفروا الآبار في الحصون. وقد كانت في حصن الهجوم بئر عظيمة عميقة، عذبة الماء. وقد بني الحصن من حجارة ضخمة ذكر أن طول الحجر منها سبع أذرع في عرض ثلاثة أذرع، واقام أصحابه عليه الأسوار والأبراج. وقد فتح فيَ أيام الرسولْ.

والبئر هي بار في كتابات المسندز والجمع ابار أي آبار وقد وصلت الينا نصوص عديدة في حفر آبار أو في شرائها وبيعهان وفي تعميرها وإصلاحها. و هي ثروة ورأس مال كبير في جزيرة العرب،تحيي الأرض وتميتها، وتفني الناس وتميتهم، ولذلك كانوا إذا حفروا بئراً أو إذا ظهرت لهم مياه عذبة غزيرة، يقدمون الى آلهتهم الشكَر والحمد والنذور. وقد أقامت الآبار الكبيرة العميقة العذبة مدناً، وأماتت مدناً بسبب نضوب مياهها وجفافها، وهي على هذه الأهمية الخطيرة الى الآن.

وللاهمية المذكورة للآبار في حياة العرب، كثرت في لغتهم المصطلحات الخاصة بها، من أسماء لأنواع الآبار ومن مصطلحات للحفر ولوسائل الحفر، ومن ألفاظ للمواد التي تستعمل في بناء البئر وفي استخراج الماء منها، ومن كلمات تشير إلى أبعاد البئر، ومقدار ما فيها من ماء، وأبعاد أفواهها. ومن أسماء البئر "الطوى" و "الطوية"، إذا بنيت بالحجارة. و "الجب"، البئر، وقيل البئر الكثيرة الماء البعيدة القعر، ولا تكون جباً حتى تكون مما وجد، لا مما حفره الناس. و "القليب" البئر ما كانت. وقيل: البئر قبل إن تطوى، فإن طويت فهي الطوي، أو العادية القديمة منها التي لا يعلم لها رب ولا حافر يكون في البراري. وقد عرفت ب "الرس" كذلك.

ومن أنواع الآبار التي ذكرها علماء اللغة: الشبكة، ويراد بالشبكة الآبار المتقاربة والأرض الكثيرة الآبار. وأما "الفُقُر"، فهي ركايا تحفر ثم ينفذ بعضها الى بعض حتى تجمع ماؤها في ركي. واذا اجتمعت ركايا ثلاث فما زاد إلى ما بلغ من العدة قيل له "فقير"، ولا يقال ذلك لأقل من ثلاث. وورد إن الفقر فم القناة، والمكان السهل تحفر فيه ر كَايا متناسقة، وفم القناة التي تجري تحت الارض، ومخرج الماء منهاْ، وأما "الكظامه"، فإنها بئر إن جنبها بئر بينهما مجرى في بطن الارض. وقيل: كل ما سددت من مجرى ماء أو باًب أو طريق، فهو كظم، والذي يسدّ به الكظامة. وقيل: هي آبار متناسقة تحفر وبباعد ما بينها، ثم يخرق ما بين كل نهرين بقناة تؤدي الماء من الأولى إلى التي تليها تحت الأرض فتجتمع مياهها جارية ثم تخرج عند منتهاها فتسيح على وجه الأرض.

و "الجفر" البئر التي ليست بمطوية، وتجمع على جفار. وأما "الجدّ"، فالبئر الجيدة الموضع من الكلأ، والجمع أحداد، والملك البئر ينفرد بها الرجل، والبود البئر كذلك. والسهبرة من أسماء الركايا. و "القليب" البئر ما كانت، والبئر قبل إن تطوى، فإذا طويت فهي "الطوي"، أو العادية منها التي لا يعلم لها رب ولا حافر يكون في البراري. و "الطوي" البئر المطوية بالحجارة.

ومن المواضع التي عرفت بأطوائها موضع "الأطواء" باليمامة، قرب "قر قرى"، ذو نخل وزرع كثير.

وقد تكون الآبار ذات مياه غزيرة كبيرة، تخص المدينة بأسرها، أو القبيلة بأسرها، وقد تكون ملك أسرة تستغلها الأسرة لحسابها، أو ملك فرد يستفيد منها مباشرة أو يبيع مياهها للناس،لاسقاء الأرضين أو الماشية. وقد تباع لأشخاص آخرين، وقد تؤجر. وطالما كانت الآبار مصدر نزاع خطير بين القبائل وسبباً في إثارة الحروب.

و "العِدُّ " البئر لها مادة من الأرض، فهي كثيرة الماء دوماً ولا تنزح، وأما "المفهاق" فإنها البئر الكثيرة الماء، و "الغروب" الدلاء، واحدها "غرب" وهي التي تجرها الإبل، و "الاسجل" الواسع من الدلاء بمائها، والغَلَل الماء الجاري يجري تحت النخيل،و "اليعيوب" النهر الجاري وتسلسله مضيه في جريته. و "الخسف." البئر ذات الماء الكثير.

وقد اشتهرت بعض الآبار بغزارة مياهها، ذكر "الهمداني" أن "بئر النقير" بناحية البحرين " على عشر قَبَم لا تنكش، ويجتمع عليها كثير من ورّادالعرب وربما سقى عليها عشرة آلاف بعير". وهناك آبار أخرى عرفت بغزارة مياهها.

وقد يحفرون سلسلة آبار نحرق أسافلها، ليفرغ بعضها في بعض من موضع الماء. مثل "الهباءة". وكانوا يزرعون عليها الحنطة والشعير وما أشبه.

ولم يكن من السهل في ذلك الزمن حفر الآبار، لعدم توفر الالات والأدوات الفنية. فإن حفر البئر إلى عمق بعيد الغور كما تتطليه الأماكن المرتفعة يحتاج إلى آلات كثيرة والى علم وتدبير وفن وذكاء في محافظة جدران البئر من الأنهيار على الحفارين، وعلى الماء بعد الانتهاء من الحفر، فتندثر ويذهب المجهود في حفرها عبثأَ. هذا ولا بد لمهندس الآبار من معرفة بطبيعة الأرض ومظنة وجود الماء فيها أو عدمه ومدى عمقه،فلا يعقل اقدام شخص على حفر بئر في أرض لايعرف من أمرها شيئاً. وحفر البئر في النجاد عمل مكلف باهظ، فلا بد إِذن من تخصص أناس بهندسة الآبار،ليقوموا بهذا العمل الذي لا يمكن القيام به ما لم يسنده علم وفهم.

وقد تخصص أناس بحفر الآبار وباختيار المواضع التي يحتمل وجود المياه العذبة بها. ولهم في ذلك علم ودراية وخبرة. وكانوا إذا قربوا من الماء احتفروا بئراً صغيرة في وسط البئر بقدر ما يجدون طعم الماء، فإن كان عذباً حفروا بقيتها، ولذلك يقال "التعاقب" و "الاعتقام". فالاعتقام إذن عملية تجريبية لاختبار طعم ماء البئر وتجربته من حيث العذوبة والملوحة وعليها تتوقف عملية الحفر.

ومتى حفرت البئر ووصل إلى الماء، قيل: أمهت البئر، وأموهت،وأمهيت. ويقال ابتأرت بئراً، اًي حفرتها. ويقال أيضاً: حفرت البئر حتى نهرت، أي بلغت الماء. واذا بلغ الحفارون الأرض الغليطة قيل: يلغت الكدية. واذا وصلوا موضعاً صعباً فصعب الحفر، قيل: بلغ مسكة البئر. ويقال أجبلت، أي انتهيت إلى جبل. ويقال الصلود، وهي الارض التي تحفر فيغلب جبلها الحافر. فيصلد الحفر على الحافر لصعوبة الأرض. واذا حفر الحفارون حتى يبلغوا الطين، فيقال عندئذ: أثلجت، فإذا بلغ الماء، قيل: أنبط ونبط. والنبط أول ما يظهر من ماء البئر حين تحفر. وإن بلغ الرمل، قيل: أسهب، وإن انتهى إلى سبخة، قيل: أسبخت. ويقال: تأثل البئر إذا حفرت البئر، وهزمت البئر حفرتها.

ويتحايل الحفارون في الحفر أذا فوجئوا بصخرة أو أرض صلدة، تمنعهم من الاستمرار في الحفر، خاصة إذا كانوا قد بلغوا عمقاً بعيداً في باطن الارض. وقد كلفهم الحفر صرف مال كثير، فإذا تركوه أصيب صاحب البئر بخسارة، لذلك يتحايل الحفارون على الأرض بالتعريج في الحفر، يمنة ويسرة، للعثور على موضع ينزلون منه إلى موضع وجود الماء، ويقولون لذلك: "التلجيف". ويراد به الحفر في جوانب البئر.

وقد تنقر آبار صغيرة ضيقة الرؤوس في نجفة صلبة، لئلا تهشم، ويقال لمثل هذه الآبار المناقر. وأما المنقر، فيراد بها البئر التي يكثر فيها الماء. وفي بعض المناطق الصخربة والجبلية آبار منقورة تتجمع فيها مياه جوفية تنحدر إليها من المواضع المرتفعة أو من مياه الامطار التي تتساقط على المواضع المرتفعة فتسيل إلى أفواه تلك الآبار وتدخل إليها وتجمع فيها، فيستفيد منها الناس.

وفي جملة الألفاظ الواردة في الكتابات العربية الجنوبية والمستعملة في حفر الآبار وتوسيعها وتعميقها، لفظة "حفر"، وهي بالمعنى المفهوم منها في عربيتنا. ولفظة "سنبط"، ويقصد بها معنى "استنبط"، من "نبط" ويراد بها ظهور الماء واستخراجه من باطن الارض وأما لفظة "سبحر"، فتعني "استبحر"، من أصل بحر، بمعنى التعميق. ولا يزال حفرةُ الابار في العراق يستعملون لفظة تبحير البئر بمعنى تعميقها. وفسرت لفظة "ضفر"، بعنى الدعم بالحجارة، أي كسوة جدار البئر يالحجارة.

وللمحافظة على البئر من الانهيار بسبب رخاوة جدرانها وتساقط المياه الممتوحة منها، عمدوا إلى ربرها من قعرها الى أعلاها بالحجارة. ويعبر عن هذا الجدار بلفظة " كولم" "كول" في المسند. وب "جول" في عربيتنا. ورد في كتب اللغة: "الجول: جدار البئر". ويقال لمثل هذه البئر "المزبورة" أي المطوية بالزبر. وأما "المعروشة"، فالتي تطوى قدر قامة من أسفلها بالحجارة، ثم يطوى سائرها بالخشب وحده، وذلك الخشب هو العرش. فإن كانت كلها بالحجارة، فهي مطوية، وليست معروشة. وهناك تعابير أخرى تشير إلى تبطين البئر وكساء جدرانها بمواد مقوية تمنعها ان تنهار. فإذا بنيت البئر بالحجارة، قيل بئر مضروسة وفى ضريس، وهو ان يسدّ ما بين خصاص طيها بحجر،وكذلك سائر البناء. ويقال الأعقاب للخزف الذيُ يدخل بين الأجر في الطي لكي يشتد. والوَسٌب خشبُ يطوى به أسفل البئر إذا خافوا إن تنهال، والجمع الوسوب. والحامية الحجارة تطوى بها البئر.

وهناك ألفاظ عديدة ذكرها علماء اللغة للآبار التي تكثر مياهها أو تقل. فورد: بئر غزيرة بمعنى كثيرة الماء، وورد بئر ميهة وماهة إذا كثر ماؤها، والعيلم البئر الكثيرة الماء. والخسَيف التي تحفر في حجارة فلا ينقطع ماؤها كثرة، وهي التي خسفت إلى الماء الواتن تحت الارض، ويقال بئر سجر ومسجورة بمعنى مملوءة، وبئر ذات غيث أي مادة. والقيلذم، البئر الكثيرة الماء، وبئر مقيضة كثيرة الماء قد قيضت عن الجبل. والبئر الماكدة التي يثبت ماؤها على قرن واحد لا يتغير، وإن كثر منها، وان وضع عليها قرنان أو أكثر، غير أن ذلك إنما يكون على قدر ما يوضع عليها من القرون بقدر مائها، وبئر مكود وماكدة لا تنقطع مادتها، والهزائم الآبار الكثيرة الماء، وبئر زغربة كثيرة الماء، وبئر ذمة وذميم وذميمة كثيرة الماء كذلك، والنقيع البئر الكثيرة الماء.

ويقال حبض ماء البئر، وذلك إذا انحدر ونقص، ونكزت البئر أي قلّ ماؤها، وبئر نزح ماء فيها، وبئر مكول وهي التي يقلّ ماؤها فيستجم حتى يجتمع الماء في أسفلها، واسم ذلك الماء المكٌلةُ، وبئر قطعة وبئر ذمة قليلة الماء، وبئر ضهول قليلة الماء، والخليقة البئر التي لا ماء فيها، وقيل هي الحفيرٍة في الارض المخلوقة، والضغيط بئر تحفر إلى جنبها بئر أخرى فيقلّ ماؤها، وبئر قَرُوع قليلة الماء وهي كالضنون سميت بذلك لانها تقرع قرعاً كلما فني ماؤها، وبئر رشوح وبروض وبضوض قليلة الماء.

وتستخرج المياه من الآبار بالدلاء، تربط بالحبال الى الأعمدة المثبتة فوق البئر. ويقال للعمود "عمد" "عامود" و الجمع "عمدُ" و "أعمد". وأما "الدلو" وهو الوعاء أو القربة المصنوعة من الجلد في الغالب، فيقال له "علبت" و "علبم" في المسند، تمتلىء بالماء حين دخولها في ماء البئر، فتسحب وهي مملوءة به. فإذا بلغت موضع سكب الماء سحبت إلى ذلك المكان لتفريغ مائها فيه، فينساب إلى "مسقيت" أي "مسقية"، بمعنى الساقيهّ لإرواء المزرعة، أو لايصاله الى المدينة أو البيوت.

وأما الآلة التي تعلق عليها الدلاء والمتصلة بالأعمدة فتعرف ب "اعرز" في المسند. ويقال للدولاب الذي يستقى عليه: المنجنون، وذلك في عربيتناْ.

ويقال لتفريغ الركية وأخذ ما فيها من ماء "حبض" في لغة المسند. وهي بهذا المعنى أيضاً في عربية القرآن الكريم. والاحباض إن يذهب ماء الركية فلا يعود، و "أحبض الركية" احباضاً، فلم يترك فيها ماء.

ولا بد للدلاء من حبال قوية متينة تتحمل الاحتكاك بينها وبين البكرة وتساعدها في حمل الدلو. وهذه الحبال تتخذ من مواد مختلفة، تفتل وتبرم، والعادة إن يقوى الحبل بجملة حبال تبرم بعضها فوق بعض، وتشد شداً قوياٌ لئلا تتهرأ بسرعة فينقطع. وقد يتكون الحيل الواحد من مجموع عشرة حبال. أما مادة الحبل فالليف والخوص والجلود ولا سيما جلود الإبل والابق والمصاص، وهو نبات، ولحاء الشجر والقنب، ومشاقة "السلبْ"، وهو ضرب من الشجر ينبت متسلقأَ فيطول. ويؤخذ فيحل ثم يشقق فتخرج منه مشاقة بيضاء كالليف يتخذ منها أجود ما يكون من الحبال، وقد تصنع من القطن ومن ليف جوز الهند.

ولفتل الحبال تستعمل المغازل والمبارم، لغزل الالياف وبرمها بعضها فوق بعض، كما تستعمل بعض المواد المقوية للالياف مثل الزيوت لتحافظ على قوة الحبل وعلى تماسكه فتبقيه طرياً،فلا ينقطع بسهولة: وقد تخصص أشخاص بصناعة الحبال وعاشوا عليها، وقد كانت ذات أهمية بالنسبة لذلك الزمن.

ويقال للدلو العظيمة: "الغرب". ويتخذ من مسك ثور، والغرب الراوية. و "السانية" الغرب وأداته، والناقة إذا سقت الارض، وسنيت الدابة، إذا استقى عليها، والقوم يسنون لانفسهم إذا استقوا. والسناية والسناوة السقي، وهو سان. والساني، يقع على الرجل والجمل والبقر، كما أن السانية على الجمل والناقة. والمسنوية، البئر التي يسنى منها، وركية مسنوية، إذا كانت بعيدة الرشاء لا يستقى منها إلا بالسانية من الإبل.

وتستخدم الثيران والجمال والحمير والبغال في مَتحْ الماء بالدلاء من الآبار الكبيرة الواسعة لسقي المزارع والبساتين والناس، ويشرف على ذلك العبيد أو الفلاحون أو أصحاب البئر. أما الآبار الصغيرة الخاصة بشرب الناس، فيستخرج الماء منها الإنسان، وتصب الدلاء المياه في أحواض أعدت لذلك، لها منفذ يسيل منه الماء إلى السواقي.

وقد تحمى البئر من الأدران ومن الأتربة ومن أخذ الماء منها، بإقامة بناء فوقها على هيأة غرفة، فإذا أقيم ذلك على البئر عرف ب "منشا" في المسند. وقد تؤدي هذه اللفظة معنى أخذ الماء وتوجيهه إلى الجهة المراد ارسال الماء إليها بمجرى ياخذ ماءه من "فنوت". وفسرت لفظة "ثقول" بمعنى تعليق. وتعليق شيء فوق بئر، أو انشاء سقف فوقها لحماية البئر ولتعليق الأدوات التي يمنح بها الماء من البئر عليها، وذلك كما في هذه الجملة: "ابارسم وثقولسم"، ومعناها: "وكل آبارهم وسقوفها" أو "وكل آبارهم والأعمدة المقامة فوقها للاستقاء بها".

وتتعرض الآبار لسقوط الأتربة والرمال فيها، وقد تنهار جدرانها فينضب ماوها، ولا تمكن الاستفادة منها إلا بنزحها. ويقال لنزح البئر جهرت البئر واجتهرت، أي نزحت. وقيل المجهورة المعمورة منها عذبة كانت أو ملحة. ولا بد من نزح هذه الآبار دائماً، إذا أريد بقاء الماء فيها، وإلا ذهب ماؤها وانتفت فائدتها، فتترك وتهمل وتنظف الآبار بنزول الرجال فيها فيشد الرجل وسطه بالحبل، ويترك طرفه في يد رجل، او مشدوداً بشيء ثابت قوي. ويقال لهذا الحبل "الجعار". وذكر إن "الجعار" حبل يشد به المستقي وسطه إذا نزل في البئر لئلا يقع فيها، وطرفه في يد رجل، فإن سقط مدّه به. وقيل هو حبل يشده الساقي الى وتد ثم يشده في حقوه. وتعمل في جدر الآبار في العادة مواضع للأقدام متقابلة يضع النازل في البئر رجليه عليها، تمكنه من النزول لمنح البئر، واستخراج ما قد يتساقط فيها من أتربة ورمال، أو لحفر قاعها لزيادة الماء فيها.

ويعبر عن انهيار البئر وسقوطها بألفاظ، مثل: "صقعت"، وانقاصت، وانقاضت، وانهارت، وتنقضت، وتجوخت، وانقارت. والهدم ما تهدم من نواحي البئر في جوفها، وانخسفت البئر، تهدمت.

وتنظف الآبار بالجُبٌجبة، تملأ بالأتربة وبالطين وباًلأوساخ المتراكمة في قاع البئر وترفع، وتصنع من جلود وأدم، وهي نوع من الزبيل. ويستعمل في التنظيف "الثوج" كذلك، وهو زبيل، يعمل من خوص، يحمل فيه التراب وغير ذلك. ويستعمل القفير كذلك، وهو الزبيل بلغة أهل اليمن. ومن أسماء الزببل أيضا "الصن" وهو زبيل كبير، والحفص زبيل صغير من أدم، والعرق نوع من أنواع الزببل. ويقال للخشبتين اللتين تدخلان في عروتي الزبيل إذا أخرج به التراب من البئر "المِسْمعان". وقيل المسمع العروة التي تكون في وسط المزادة.

وتسحب الزبيل بحبال أعلى لاستخلاص ما فيها من تراب وطين ووسخ حتى تنظف. ومن الالفاظ المعبرة عن تنقية البئر ونزولها وتنظيفها من الاوساخ والاتربة قولهم: نُثُلِت. البئر، أي أخرج ترابها، واسم ذلك التراب النثيلة والنثالة والثلة والنبيثة. ويقال نبيثة النهر كذلك. وأما خمامة البئر، فيراد بها ما كنس منها. ويقال جهَرَ تُ البئر، بمعنى أخرجت ما فيها من ألحمأة. وأما الشأو، فما يخرج من ترابها، وقد شأوت البئر نقيتها، ويقال للذيُ يخرج به المشآة، ويقال -أخرجت من البئر شأواَ أو شأوين، وهو ملء الزببل من التراب. وجششت البثر أجشها جشاً، أي كنستها. ونكشتُ البئر،أخرجت ما فيها من الحمأة والجيئة والطين.

وقد يتغير طعم مياه الآبار وألوانها لعوامل عديدة. وهناك مصطلحات عديدة ذكرها علماء اللغة للدلالة على فساد ماء البئر ونتنه. مثل: المسيط والضّغيط، والحماًة الطين الاسود المنتن، وقد يحمىء ماء البئر فيكدر وتخالطه الحمأة فتتغير رائحته. وتنزع حمأة الابار وتنظفّ ليمكن الاستفادة منها. والجيئة والجيأة: البئر المنتنة.

وقد كان أهل المدن والقرى يشربون من العيون ومن موارد المياه الطبيعية الاخرى إن كانت في قراهم عندها أو على مقربة منها، كما كانوا يحتفرون الآبار في بيوتهم أو في خارجها للاستفادة من مياهها، فإن كانت عذبة فرحوا بها وشربوا منها. وكانت قريش قبل جمع قصيّ إياها وقبل دخولها مكة تشرب من حياض ومصانع على رؤوس الجبال، ومن بئر حفرها "لؤي بن غالب" خارج الحرم تدعى "اليسيرة"، ومن بئر حفرها "مرة بن كعب" تدعى "الروي"، وهي ما يلي "عوفة" ثم حفر "كلاب بن مرة" خم ورم، و"الجفر" بظاهر مكة، وورد أن الذي حفر بئر "خم" هو "عبد شمس بن عبد مناف"، حفرها بمكة. وأن الذي حفر بئر "رم" هو "مرة بن كعب" أو "كلاب ابن مرة" حفرها بمكة. وذكر أن "الجفر" بئر بمكة كانت لبني تميم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي.

ثم إن "قصي بن كلاب" حفر بئراً سماها "العجول" واتخذ سقاية، ثم إنه سقط في العجول بعد ممات "قصي" رجل فعطلت. وورد أن الذي احتفرها "قصي" أو "عبد شمس". وحفر "هاشم بن عبد مناف" "بذر"،وهي البئر التي عند حطم الخندمة على فم شعب أبي طالب، وهي لبني عبد الدار. وحفر "هاشم" أيضاً "سجلة"، وقد دخلت في المسجد. وحفر "عبد شمس ابن عبد مناف " "الطوى" وهي بأعلى مكة، و "الجفر"، وحفر "ميمون ابن الحضرمي" "بثرة"، وهي آخر بئر حفرت في الجاهلية بمكة. وعندها قبر "المنصور". وورد أن "عبد شمس" حفر أيضاً بئرين وسماهما "خم" و "رم"، على ما سمى "كلاب بن مرة" بئريه. فأما "خم" فهي عند "الردم". وأما "رم"، فعند دار "خديجة بنت خويلد".

وحفرت بنو أسد بئر "شفُيَة". وحفر "بنو عبد الدار" "أم أحراد"، وقد أشير إليها في الحديث. وحفر "بنو جمح" "السنبلة". وذكر إن الذي حفرها "بنو جمح" و "بنو عامر". وحفر "بنو سهم" "الغمر"، وهي بئر "العاص بن واثل". وحفرت "بنو عدي" "الحفير". وحفرت "بنو مخزوم" "السقيا"، و "بنو تيم" "الثريا"، وهي بئر "عبد الله بن جدعان". وحفرت "بنو عامر بن لؤي" "النقيع"، وكانت لجبير بن مطعم بئر، وهي بئر بني نوفل، وكان عقيل بن أبي طالب، حفر في الجاهلية بئراً، وهناك آبار أخرى غيرها، ذكرها "البلاذري" في كتابه "فتوح البلدان".

وقد اشتهرت بعض الآبار وعرفت، ، ولا تزال معروفة نقرأ أسماءها في الكتب. ومن أشهرها "بئر زمزم"، ذات الشهرة البعيدة، بسبب مكانتها من الكعبة، وبئر "طوى". وهي بئر حفرها عبد شمس بن مناف. وبئر "ذروان"، وهي لبني زريق، جاء ذكرها في حديث سحر النبي. و "بئر رومة"، وهي ليهودي كان يببع الماء منها للناس، وقد حصل على مال كثير منها، وكان إذا غاب، قفل عليها بقفل، فلا يستطيع أحد أخذ الماء منها. فشكا المسلمون ذلك إلى الرسول، فقال: "ومن يشتريها ويمنحها للمسلمين ويكون نصيبه كنصيب احدهم، فله الجنة". فاشتراها "عثمان" بخمسة وثلاثين ألف درهم، فوقفها.

وبيثرب وأطرافها آبار عديدة، كان يستقي منها أهلها للشرب، منها بئر "غرس". ويظهر انها كانت من أجود وأحسن آبار يثرب. وقد ورد ذكرها في الحديث، حيث ورد: نعم البئر بئر غرس، هي من عيون الجنة. وغُسّل رسول الله منها. وذكر انها كانت بقباء، وانه برك فيها. ويستقى منها على حمار. ومنها بئر "مالك بن النضر بن ضمضم"، وهي التي يقال لها بئر "أبي أنس". ولما نزل الرسول منزل "أبي أيوب"، كان أبو أيوب يخدمه ويستعذب له هذه البئر، ولما صار الرسول إلى منزله، كان خدمه يحملون قدور الماء إلى بيوت نسائه من بئر السقيا، ومن بئر غرس.

وبئر "يضاعة" بئر معروفة بالمدينة، قطر رأسها ستة أذرع، وهي في بستان، وكان أهل يثرب يطرحون فيها خرق الحيض ولحوم الكلاب والمنتن.

وكان أهل العربية الغربية يحفرون حفراً، يجعلونها كالبئر، يلقون بها الجيف وما شاكلها. وذكر أن "الجباجب"، حفر بمنى كان يلقى بها الكروش، كروش الأضاحي في أيام الحج، أو كان يجمع فيها دم البدن والهدايا، والعرب تعظمها وتفخر بها. وقد ورد أن الرسول كان يشرب من بئر "بضاعة" وأنه بصق فيها وبرك. وأن خيل رسول الله كانت تسقى منها، وأن أهل المدينة كانوا يغسلون مرضاهم بمائها، لاعتقادهم أنه يشفي من المرض. ولعل قصة رمي الجيف والمنتن بها من القصص الموضوع المصنوع، أو أن ذلك حدث فيما بعد، حين أهمل شأنها،فلم يعد الناس يستقون منها، فاتخذت موضعاً يرمى فيه الجيف.

ومن بقية الآبار "البقُعْ" وقيل هي السقيا التي بنقب بني دينار، ويئر "جنب"، وبئر "جاسم"،بئر أبي الهيثم بن التيهان براتج، وبئر "العبيرة"، بئر "بني أمية بن زيد"، وقد شرب منها الرسول وسماها "اليسيرة". وبئر "رومة" باًلعقيق، وكانت لرجل من مزينة يسقى عليها بأجر، فقال رسول الله: نعْمَ صدقة المسلم هذه من رجل يبتاعها من المزني فيتْصدق بها. وكان المزني، قد ضرب خيمة إلى جنب البئر، يأخذ أجور الدلاء، وله جرار بها ماء بارد، مرّ الرسول به مرة فشرب منها ماء بارداً، فقال: هذا العذب ا لزلال.

ويرد في كتب السير مصطلح "بئر السقيا" و "بيوت السقيا"، و"السقيا" ورد أن الرسول كان يشرب من بيوت السقيا، وورد أن خدمه كانوا يحملون قدور الماء إلى نسائه من "بئر السقيا"، وأنه شرب حين خرج إلى "بدر" من "بئر السقيا". وقد ذكر بعض، العلماء، أن "بيوت السقيا" موضع في بلاد "عذرة"، يقال له "سقيا الجزل"، قريب من وادي القرى. وهناك بئر قيل لها "السقيا" بنقب بني ديار، ورد ذكرها في الحديث. وهناك مواضع أخرى عرفت ب "السقيا"، و "سقيا"، منها سُقيا غفار، و "السقيا الجزل"، "سقيا يزيد"، والسقيا للعنبر.

وقد ذكر إن الرسول قد شرب من الآبار المذكورة، وبصق فيها وبرك، ليبارك في مائها.

ولأبي عبيدة، معمر بن المثنى كتاب في الآبار، جمع فيه ما ورد ذكره من الآبار.

وقد اتخذ النبط وغيرهم من القبائل آباراً لشربهم ولشرب مواشيهم، لها فتحات تسدّ بالحجارة، فلا يمكن لأحد غريب الوقوف عليها، فإذا داهمهم عدو، أو أرادوا النقلة إلى أماكن أخرى، سدوا بها فتحاتها، ووضعوا فوقها من التراب ما يخفي معالمها. وقد أشار إليها الكتبة اليونان واللاتين.

ولا تزال بعض الآبار القديمة مستعملة ينتفع بمائها وهناك آبار طمرت، أو جفت مياهها، وقد عثرعند أفواهها على كتابات تشير إليها والى أسماء أصحابها. وهناك آباًر أخرى عديدة عثر عليها في مواضع متعددة من جزيرة العرب، وبعضها عميقة جداً، وهي كلها "عادية" من أيام الجاهلية. والبئر العادية البئر القديمة التي لا يعرف لها مالك.

وقد استغلت بعض الآبار الجاهلية المندثرة، بتنظيفها وتطهيرها واستغلالها. ذكر "فؤاد حمزة" إن آباراً عديدة جاهلية نظفت وأصلحت، فعادت إليها الحياة، واستغلت مياهها في إحياء الأرضين التي كانت خصبة مثمرة ثم تحولت إلى موات. ولا يزال الناس يستغلون في اليمن وفي غير اليمن بعض الآبار القديمة للشرب، وذلك لصعوبة استخراج مياهها للزراعة لعمقها، واقتصار الناس هناك في استخراج الماء على الدلاء. ويظهر من وجود بعض الآبار "العادية" في البراري إن تلك المواضع كانت في محلات مأهولة، ثم تركها أهلها فعميت،وبقيت آثارها تتحدث عن وجود سكن قديم في هذه المواضع. وفيَ اليمامة آبار عديدة عادية، لا تزال على وضعها، وهي من آباًر ما قبل الإسلام. وأشار العلماء إلى مياه عادية، فقد ذكروا إن "لبينة" ماءة عادية، أي من المياه القديمة التي يعود عهدها إلى الجاهلية.

وقد عثر المنقبون على نصوص جاهلية مدوّ نة بالمسند، تتعلق بتملك الآبار وبحفرها وبإصلاحها. وقد أرخ بعض منها بأيام ملك، أو برجل عظيم كان معروفاً مشهوراً في زمانه،أو بحادث وقع لهم ذي يال. وقد أمدتنا هذه النصوص ببعض المعلومات عن الآبار وعن أصحابها وأسماء المواضع التي حفرت بها.

ويكون نضوب الماء من البئر، أو تحول مائها العذب إلى ماء ملح، نكبة بالنسبة لأهل البئر، ففي تبدل طعم الماء هذا خسارة كبيرة لأهل الماء، وعليهم البحث عن مورد آخر لسدّ رمقهم،واطفاء ظمأ أموالهم، وحفر بئر أخرى في مكان آخر. ونقرأ في كتب أهل الأخبار واللغة أمثلة كثيرة عن هذا التبدل الذي حدث في طعم الماء، وسببه، همو انحباس المطر، وتحول مجاري المياه العذبة الجوفية من مكان إلى مكان، مما يسبب نضوب ماء الآبار والعيون التي كانت على المجاري القديمة، أو تقليل كمياته، فتظهر عندئذ ملوحة التربة، وقد تتغلب على طعم الماء العذب، فتحوله إلى ماء ملح وقد هجرت مستوطنات عديدة بسبب وقوع هذه الظواهر المحزنة في موارد مياهها كانت تستمد مياهها من حوض ماء جوفي، فلما قلت المياه فيهما، أو تحولت إلى موضع آخر، لعوامل "جيولوجية"، تأثرت المنطقة التي فيها الماء، بهذا التحول، واضطر سكانها إلى تركها، نتيجة انقطاع موارد المياه عنها، أو تبدل طعمها، تبدلاً لا يطاق.

بنو سهم، و "غمر ذي كندة" بينه وبين مكة يومان، و "الغمر" باليمامة، موضع ماء. وأما لفظة "الركايا"، فتعني الآبار.

الكراف

وترد لفظة "كرفن"، أي "الكرف" و "الكريف"، في النصوص المتعلقة بالإرواء والإسقاء والزراعة. وقد فسرها بعض العلماء ب "صهريج". وفسر "الهمداني" لفظة "كريف" بقوله: "كريف جوبة عظيمة في صفا يكون فيها الماء السنة وأكثر". والكرف صهاريج، نقرت في الصخر، ومنها كريف "درداع"، و هو كريف "وحاظة" واسمها "سباع"، ذكر ا ن مساحته "600 "ذراع في مثلها، وكريف "الوفيت"، منقور في الصخر الأسود، عمقه في الأرض خمسون ذراعأَ، وعرضه عشرون، وطوله خمسون. محجوز على جوانبه جدار يمنع السقوط فيه.

ويقال للموضع الذي يجتمع فيه ماء كثير،أو للماء الجاري الدائم الذي له مادة لا تنقطع كماء العين والبئر "العدُّ". وقد وردت اللفظة في كتب الحديث. وقد نهى الرسول عن اقطاع "الأعدَاد". وقد ذكر علماء اللغة إن من معاني العدّ: الماء القديم الذي لا ينتزح، وانه الماء الكثير بلغة تميم، والماء القليل بلغة بكرَ بن وائل، والركيّ في لهجة بني كلاب. ومن الماء العدّ: كاظمة، جاهلي اسلامي، لم ينزج قط. وفي الحديث نزلوا أعداد مياه الحديبية، أي ذوات المادة كالعيون والآبار.

القنى

والقناة كظيمة تحفر في الأرض تجري بها المياه، وهي الآبار التي تحفِر في الأرض متتايعة ليستخرج ماؤها ويسيح على وجه الأرض. ويكثر وجودها في العربية الجنوبية، ولا تزال آثارها باقية، وقد استفيد من بعضها في الشرب والسقي. والقنا والفقر، واحد، و "الفقرة" الحفرة في الأرض.

التلاع

وقد تنحدر المياه من عيون في الاسناد والنجاف والجبال حتى تنصب في الأودية وفي الأماكن المنحدرة، مكونة تلاعاً. و "التلعة" مسيل الماء من أعلى الوادي إلى أسفله. والتلاع مجاري أعلى الأرض إلى بطون الأودية. وتلعة الجبل أن الماء يجيء فيخدّ فيه ويحفره حتى يخلص منه. وربما جاءت التلعة من أبعد من خمسة فراسخ إلى الوادي، فإذا جرت من الجبال فوقعت في الصحارى حفرت فيها كهيأة الخندق، وإذا عظمت التلعة حتى تكون مثل نصف الوادي أو ثلثيه، فهي ميثاء. وقد نجري التلاع عند سقوط المطر وتكوين السيول، فيجري الماء بسرعة جارفة، تجرف ما قد يقف أمامها من مانع. ولذلك كانوا يخافون نزول التلعة، خشية خطر مجيء السيل فيجرف من قد يكون فيها. وللعرب أمثلة في التلاع، منها: "لا يمنع ذنب تلعة"، يضرب للذليل الحقير، و "لا أثق بسيل تلعتك"، يقال لمن لا يوثق به، "ما أخاف إلا من سيل تلعتي"، أي من بني عمي وأقاربي، لأن من نزل التلعة، وهي مسيل الماء، فهو على خطر إن جاء السيل جرف به. مما يدل على غرق أناس في هذه التلاع.

ويقال لمسيل ما بين التلعتين "المذنب"، وذنب التلعة. والمذنب مسيل في الحضيض ليس بخدّ واسع. وأذناب الأودية ومذانبها أسافلها. وقال بعض علماء اللغة: المذنب: مسيل ما في الحضيض والتلعة في السند، والجدول يسيل عن الروضة بمائها إلى غيرها، فيتفرق ماؤها فيها، والتي يسيل عليها الماء مذنب أيضاً قال امرؤ القيس: وقد اغتدي والطير في وكناتـهـا  وماء الندى يجري على كل مذنب

واذا انحدر المطر إلى موضع واطىء، قيل إنشل، وانشل السيل وانسل ابتّدأ في الاندفاع قبل أن يشتد.

و "الوشل": ماء يخرج من شاهقة، فيسقط إلى منحدر. وتوجد الأوشال في الجبال. وفي الشواهق. وذكر علماء اللغة إن الوشل الماء القليل يتحلب من جبل أو صخرة، يقطر منه قليلاً قليلاً، أو الماء الكثير، فهو من الأضداد. وفي تهامة جبل يقال له الوشل فيه مياه كثيرة. وقد يقال للقطرات التي تنزل من سقف كهف أو لحف جبل فتجتمع في أسفله الوشل.

التحكم في الماء

وللسيطرة على المياه، ولا سيما مياه الأمطار، عند أهل الجاهلية إلى اتخاد مختلف الوسائل في التحكم فيها. بعضها بدائية وبعضها راقية تدلّ على براعة وعلم وفن. منها اتخاذ السدود للهيمنة على الماء، وخزنه للاستفادة منه عند الحاجة، وتوجيهه الجهة التي يريدونها. وقد أظهر العرب الجنوبيون مقدرة كبيرة في الاستفادة من الأمطار ومن مياه الينابيع والأنهار لاستعمالها في الإرواء والشرب والسقي. وتحكم مهندس الإرواء عندهم في الماء وسيطر عليه، لكيلا يذهب هباء، فاستخدم لضبطه الأبواب والفتحات والحواجز والرحاب، ونوّع في المجاري وفي مسايل المياه، ليستفيد من الماء قدر إمكانه فلا يفلت منه شيء.

ولم يكن من السهل على حكومات ذلك الزمن السيطرة على مياه السيول والاستفادة منها، فكانت تذهب سدى، بعد أن كانت تصيب الأرض والناس يالأضرار وحين تنحدر هذه السيول من النجاد والجبال والأمكنة المرتفعة، تتحول الأودية فجأة وبسرعة أنهاراً عريضة كبيرة، تسبل مياهها مندفعة هدارة، لكنها لاتلبث طويلاً،بل تزول وتذهب وتجف الأودية ولا يبقى فيها من الماء شيء، إذ يسيل إلى البحر أو يغور في التربة. وقد اجتهد الجاهليون إن يستفيدوا من هذه السيول فاقاموا السدود على قدر إمكَانهم كما فعلوا في سدّ مأرب وفي سدود أخرى كَما يظهر من الآثار، ولكن قدرتهم الفنية والمالية لم تكن من الاتساع والقوة بحيث تساعدهم على السيطرة على السيول.

وقد عثر على آثار سدود في مختلف أنحاء جزيرة العرب. وقد أنشئت في المواضع التي يزورها الغيث وتنهمل عليها الأمطار. وقد تقام لضبط مياه النهيرات والينابيع، لجمعها، ثم إعادة توزيعها. وبعض هذه السدود المندثرة هو اليوم في مناطق صحراوية لا ماء فيها ولا بشر، مما يشير الى أنها كانت مأهولة، ثم عفى على أهلها الدهر، فأهملت وتهدمت.

وبعض هذه السدود، سدود بسيطة، صنعت من تراب أو من تراب وحجارة لمنع ماء المطر من الذهاب عبثاً، فيسد" طريقه ويحبس في منخفض أو حوض ليستفاد منه. وقد أمر الرسول بسدّ ماء السماء في موضع ليستفاد من الماء، فعرف ب "سد". ويطل جبل "شوران" على السد. وأمر "معاوية" بسد الوادي الذي يمر بحرة المدينة، فحبس سيله بسد، عرف بسد معاوية فهو يحتبس فيه الماء، يرده الناس بمواشيهم يسقونها. ويمر على طرف "قدوم" ويصب في "أحد". و "قدوم" جبل على ستة أميال من المدينة.

وتتخذ "المُسُك" لمسك الماء وحبسه، تمنعه من الذهاب عبثاٌ. كاًن تمنعه من إن ينصب في البحر.

ويقال للسد "عرمن" في العربيات الجنوبية، أي "العرم". فلفظة "العرم" تعني السد عند اليمانين القدماء، ولم تكن علماً على سد معين. أعني سد مأرب. وقد وردت في القرآن الكريم في قوله تعالى: )فأرسلنا عليهم سيل العرم(.

وفي هذه الآية اشارة إلى حادث انفجار سد مأرب كما يذهب إلى ذلك المفسرون. وتولت الحكومات في اليمن إنشاء السدود وحفر القنوات والسواقي، وأنفقت على الأعمال من أموالها، وقدّمت المواد الغذائية وبعض الأجور إلى العمال. وكانت تطلب إلى سادات القبائل والقرى تقديم الرجال للعمل وتقوم هي بإعاشتهم طوال أيام عملهم، كالذي ورد في نص "أبرهة" عامل الحبشة على اليمن، فقد كان يقدم الطعام إلى العمال لقاء اشتغالهم ببناء السد. وقد ذكر مقدار ما قدّمه وما صرفه عليهم من طحين وبرّ وتمر ولحم وقد يشغل العمال سخرة، فلا تدفع الحكومة أو سيد القبيلة أو الموضع اليهم شيئاً. وقد كانت السخرة شائعة في ذلك العهد، لا في اليمن حسب، بل في العالم القديم كله، فيسخر العمال بتكسير الحجارة واقتلاعها من المحاجر ونقلها إلى الأماكن التي يراد إقامة السدود أو منشآت البناء فيها أو غير ذلك، ثم بإصلاحها وببقية أعمال البناء اللازمة، إلى أن تنجز، وعندئذ يسمح لهم بالانصراف إلى حيث يشاؤون.

وفي الحالات الاضطرارية يحشر الناس حشراً، كما في الفيضانات المفاجئة التي تنشأ عن السيول. فتحشر الحكومة ورؤساء المدن والعشائر كل من يجدونه أمامهم للعمل على إنشاء الحواجز والسدود وفتح المجاري لمرور المياه لانقاذ الأرواح والأموال من الكوارث والأضرار.

وقد تتولى المعابد هذه الأعمال، فتصرف عليها من واردها، تعدّ ذلك هبة أو ديناً تتقاضاه من أصحاب الأرض ومن المستأجربن في المدن والقرى، كما يتولاها أيضاً رؤساء القبائل، بأن يكلفوا القبيلة القيام بذلك العمل، مقابل تعهدهم بتقديم الطعام للمشتغلين به، وقد يكلفونهم ذلك سخرة مستخدمين حق القوة التي يتمتعون بها إن كانوا رؤساء أقوياء.

وفي كتب أهل اللغة والأخبار تعابير عديدة عن سيل السيول، وأثرها في الأرض وجرفها التربة وما عليها، وتفتيتها أشفار الأودية والأماكن التي تنْحدر منها وكيفية قلعها الأشجار والصخور. يظهر منها كلها إن أثر السيول كان شديداً مؤذياً، وهو ما زال على أذاه إلى هذا اليوم.

المسايل

وللسيطرة على المياه، ولا سيما مياه الأمطار،عمد العرب الجنوبيون إلى الوسائل الصناعية الفنية في التحكم فيها، فاًنشأوا المجاري الصناعية لتجري فيها المياه وتسيل فلا تذهب عبثأَ ولا تجري في القنوات إلا بقدر. ومن هذه المجاري ما يقال له "مأخذ" و "مأخذت" في لغة المسند. أي "مأخذ" و "مأخذة". ويراد بالمأخذ المجرى المحفور المعمق لمرور المياه إلى الحقول والبساتين أو المعابد.

ويقال للقناة أي الممر الذي تمرّ منه المياه "عبرن" في اللهجات العربية الجنوبية، أي المعبر. ذلك لأن المياه تعبرها وتجري فيها وتسيل منها إلى الأماكن التي كان يقصد وصولها إليها. وترد بكثرة في النصوص المتعلقة بتنظيم الإرواء وفي النصوص المتعلقة بشؤون الزراعة. وأما لفظة "امررن " فتعني "المرور"، والامرار و "الممرات"، وقد وردت فيَ النصوص الزراعية بمعنى الممرات المائية التي تجري فيها المياه، فهي بمعنى سواق لإسقاء الأرض. وأما الممر الواحد أو الوادي، فيقال له "سر ن".

وترد كثيراً في النصوص المتعلقة بشؤون الإرواء لفظة "حرت". وورودها فيها يدل على وجود علاقة لها بالإسقاء والإرواء.ويظهر أن لهذه اللفظة صلة بلفظة "خر" العربية التي تعني ما خدّه السيل من الأرض، والشق، فيقال خر الماء الأرض خراً إذا شقها، والهوى من علو إلى أسفل، واذا تدهدى الشيء من علوه. وهي بهذا المعنى وبمعنى ثقب وفتحة في لغة بني إرم وفي العبرانية المتأخرة، وتؤدي لفظة "خرو" Harru معنى قناة في الأشورية. وهذا يدل على إن للفظة "حرت" معنى قناة أو فتحة تفتح في السد، أو في مجرى ماء، لإسالة الماء من الفتحة إلى القناة أو المجرى المخصص بجري الماء.

وقد عثر السيّاح الذين زاروا اليمن ودرسوا آثار السدود على "حر"ات"كثيرة تتخلل جانبي السدّ. وهي عبارة عن فتحات مستديرة، تختلف أقطار فتحاتها بحسب كميات المياه المراد إمرارها منها إلى "القنوات". وهذه الفتحات هي الحرات "حررتن". والفتحة الواحدة هي "حرت" "حرة".

ويعبر عن احداث فتحة أو ثغرة في جدار أو جبل أو في صخرة لإسالة الماء منها أو فتح شيء ما، بلفظة "بلق". وتؤدي لفظة "مخض" معنى "بلق" أيضأَ، فهي أيضاً بمعنى احداث ثغرة اًو فتحة، غير أنها تستعمل للتعبير عن معان أخرى مثل فتح الطرق وشقها في الجبال في الغالب، أو احداث طريق فوق "منقًلن". ويراد بالمنقل معنى "نقيل" أي ممر.

ولما كانت العربية الجنوبية ذات جبال ومرتفعات، تصطدم بها الرياح المتشبعة باًلأبخرة، فتتساقط مطراً، عمل المهندسون على الاستفادة من هذه الأمطار بالتحكم فيها وبتوجيهها الجهة التي يريدونها، وذلك بإحداث فتحات في الصخور وعمل قنوات وأنفاق لإكراه الماء على المرور منها إلى المواضع التي يريدون خزنها فيها للاستفادة منها عند الحاجة، ولتكوين مسايل كبيرهّ تتجمع فيها المياه فتجري كالأنهار.

وتؤدي لفظة " قلح" معنى سال وجرى وصب، ولها معان أخرى ذات صلة بالحركة. وبهذا المعنى ترد لفظة "سفح" كذلك. ولسفح في عربيتنا معنى قربب من معناها في المسند، فمن معاني السفح، عرض الجبل حيث يسفح فيه الماء، وسفح بمعنى سال وأراق وصب. وهي معان لها صلة بجريان الماء.

وأما لفظة "منفخت" "منفخة" و "منفخ"، من أصل "نفخ"، فإنها تعني فتح الماء واسالته، وذلك بفتح الفتحات الماسكة له ليسيل منها إلى المجاري المخصصة بمسيله. وهي في معنى لفظة "منفس" التي هي من أصل "نفس". ويراد بها خروج الماء وجريانه من الفتحات الحابسة له وارتفاعه نتيجة لفتح الماء. وهي من ألفاظ الإرواء الواردة في الكتابات العربية الجنوبية.

وبستعمل العراقيون جملة "تنفس الشط" بمعنى ارتفع ماء النهر وزاد، وذلك في ايام الفيضان. و "تنفس الموج" و "تنفس دجلة". فالمنفخ والمنفس اذن في معنى واحد، ويطلقان على عملية رفع مستوى الماء بزيادة كمياته من الفتحات التي تضبطه وتسيطر عليه، لأجل رفع مستواه في الأنهار أو في المجاري والسواقي لإرواء الأرضين في يسر وسهولة، ولا سيما الأرضين المرتفعة بعض الارتفاع. ويقال لمجرى الماء الصغير المتفرع من مجرى أوسع منه "مسبا". وذهب بعض الباحثين إلى أن المراد بهذه اللفظة الصهريج. وقد عرف علماء اللغة "المسبا" بأنه الطريق في الجبل.

أما السواقي ومجاري الماء الصغيرة التي تستعمل في اسقاء المزارع والحدائق، فيقال لها "مسقيت"، أي "مسقية" و "ساقية". وذهب "رودوكناكس" إلى أن لفظة "مسفحة" "المسفحة"، تعنى الساقية أيضاً.

ويعبر عن خروج الماء وسيلانه ونزوله بلفظة "فجر". و "الفجر" في عربيتنا تفجير الماء، يقال انفجر الماء وتفجر: سال وانبعث. والمفجر والمفجرة منفجر الماء من الحوض وغيره. وفجرة الوادي، متسعه الذي ينفجر اليه الماء. و "الشرج" مسيل ماء من الحرة إلى الوادي، ومنفسح الوادي، فلها علاقة بمسير الماء وسيلانه. وبهذا المعنى وردت لفظة "سفح" في المسند.

المصانع

وللاستفادة من ماء المطر استعملوا المصانع، جمع مصنعة. مساكات لماء السماء، يحتفرها الناس فيملؤونها ماء السماء يشربونها. والمصنعة كالحوض أو شبه الصهريج، و ذكر ان الحبس مثل المصنعة. و ذكر ان المصانع مساكات لماء المطر يحتفرها الناس، و أن العرب القرى مصانع، تقول هو من أهل المصانع، أي القرى و الحضر، و المصانع أيضاً المباني من القصور و الابار و غيرها و الحصون. و الصنع مصنعة، و هي خشبة يحبس بها الماء و تمسكه حيناً، وسمت المبني للماء. و يكون من حجارة مرصوفة بعضها إلى بعض في مسيل فيجتمع فيها المطر.

السكر

ويعبر في لهجة أهل الحجاز بلفظة "سِكْر" و "سكر الانهار" عن سدّ الماء و حبسه، وذلك لظبط الماء، فلا يتسرب إلى المزرعة أو إلى مكان فيغرقه، أو لحبس الماء للأستفادة منه في الاسقاء. و قد يكون السكر ثابتاً دائماً، مبنياً له فتحات تغلق و تفتح وقت الحاجة اليه؛ و قد تكون مؤقتة تزال و تسدّ بحسب الحاجة، و تكون هذه في السواقي و النهيرات. و تؤدي لفظة "حبس الماء" معنى سدّه و منعه من السيلان و الجري، و ذلك بواسطة السكر و الحاجز المقام. و تؤدي لفظة "سكر"، معنى سدّ النهر و "العرم" أي السدّ، و المسناة.

الاحباس

و "الحِبس" خشبة أو حجارة تبنى في مجرى الماء لتحبسه، كي يشرب القوم و يسقوا أموالهم. و الجمع أحباس. و قيل ما سدّ به مجرى الوادي في أي موضع حبس. و قيل الحبس كالمصنعة تجعل للماء. و "العرمة" سد يعترض به الوادي ليحتبس به الماء، و الاحباس تبنى في أوساط الاودية. و "الرجيع" محبس الماء، و "الحرنق" مصنعة الماء، و السرج و القرى و الحافشة. و هذه مسايل الماء. و "الخربق" مصنعة الماء و اسم حوض. و "الردم" السدّ. و "الحواجز" و "الحاجز" ما يمسك الماء من شفة الوادي و يحيط به. و من الأحباس: حبس ضعاضع. جبيل عنده حبس كبير يجتمع عنده الماء. و هو حجارة مجتمعة وضعت بعضها على بعض.

و تكون السواقي و مسايل الماء و السدود، مسايل جانبية، عند الحاجة لمرور الماء منها إلى المزارع، من المسيل الاعظم يمنة و يسرة، و يقال لها: "النواشط". و طريق ناشط، اذا كان ينشط من الطريق الأعظم يمنة و يسرة.

وقد كان نضوب الماء من الآبار و الغدران و مواضع الماء الاخرى من المشكلات التي جابهت الجاهليين. ومن المسكلات التي ما برح سكان جزيرة العرب يواجهونها اليوم أن بعض الابار يغور ماؤها، فيضطر الناس إلى ترك أماكنهم، أو قد يتبدل طعم الماء، فلا يكون مستساغاً للشرب و لا مجديا في الزراعة. و حفر الابار في مواضع متقرابة يؤدي إلى انخفاض مستوى الماء أو نضوبه في كثير من الاحيان. و قد أدى اهمال الناس للآبار إلى تراكم الأتربة فيها، و اهيار جدرانها و نضوب الماء منها، و ارتحال الناس عنها.

السدود

السد في اللغة الحاجز، و الوادي فيه حجارة و صخور يبقى الماء فيه زماناً. وقد كان الجاهليون يقيمون حواجز عند مخارج السيول، لحبس الماء في المنخفضات لتكوين أحواض لحفظ الماء فيها، للاستفادة من مائها عند انقطاع السيول وظهور الجفاف. ولما كان بناء سد ضخم بحجارة وبجدر مرتفعة طويلة، عمل يحتاج إلى مهارة وخبرة والى مال، والى وجود حكومة كبيرة متمكنة من الناحية المادية، وهي شروط لم تكمن متوفرة في معظم أنحاء جزيرة العرب، ما خلا اليمن، صارت السدود في معظم أنحاء جزيرة العرب سدوداً صغيرة بدائية في أغلب الأحيان، هي مجرد حواجز من تراب أو من صخور كدّست بعضها فوق بعض لحبس الماء في المنخفض ومنعه من الجريان. وقد شاهد السياح آثار سدود جاهلية في أنحاء جزيرة العرب، ووصفوها، وذكروا أن من الممكن الاستفادة من بعض تلك السدود ومن مواقعها، وأشادوا بمقدرة من شيدها وأقامها وبقابلياته الهندسية وبفطنته في حسن اختيار المواقع، بالرغم من ضعف القدرة الفنية وبدائية الأساليب التي استعملت في ذلك الزمن.

ومن السدود: "السد" ماء سماء في "حزم بني عوال"، جبيل لغطفان أمر الرسول بسدّه. وسد "أبي جراب" أسفل من عقبة منى دون القبور عن يمين الذاهب إلى منى، منسوب إلى "أبي جراب عبد الله بن محمد بن عبد الحاراث بن أمية الأصغر"، وسد قناة، وسد "العياد"، وقد أقيم في موضع يبعد عن الطائف زهاء ستة أميال، كتب عليه بالخط الكوفي المحفور على الحجر:

"هذا سد عبد الله بن معاوية أمير المؤمنين. بناه عبد الله بن ابراهيم". وكان ذلك سنة "58" للهجرة. وقد أقيم بالحجارة وحدها، فلم يضع مهندسه، عبد الله ابن ابراهيم، مادةً من مواد البناء مثل الملاط أو الطين وما شابه ذلك بين الحجارة لتثبيتها وضمها بعضها إلى بعض حتى تتماسك، فتكون كأنها قطعة واحدة. وهي طريقة معروفة في اليمن، استعملها المهندسون الجاهليون كما يظهر ذلك من فحص الخرائب العتيقة الباقية من الأبنية وألسدود الجاهلية. ولا يزال هذا السدّ في حالة ممتازة يتحدث عن نفسه وعن قدرة المهندس الذي أقامه في هذا المكان.

سد مأرب

واستبد سدّ مأرب من بين سائر سدود جزيرة العرب بالإسم والذكر، ونال مكانة كبيرة في كتب التفسير والسير والأخبار. ولذكر القرآن ل "سيل العرم"، نصيب كبير في توجه اًنظار علماء التفسير واللغة والأخبار اليه، وفي خلود اسمه إلى الآن. وقد روى أهل الأخبار قصصاً عنه وعن كيفية خرابه، وتشتت شمل سبأ بسببه، ونزوحهم إلى مواضع بعيدة عن ديارهم القديمة.

ويعدّ سدّ "مأرب" من أهم السدود التي أقيمت في اليمن وفي جزيرة العرب، وقد بني من أجل السيطرة على مياه الأمطار والسيول التي تتدفق منها لوقاية المزارع والقرى منها، وللاحتفاظ بهذه السيول للاستفادة منها إذا انقطعت الأمطار. وإرواء مناطق واسعة من الأرضين، جيدة التربة، خصبة مثمرة. لكن بها حاجة شديدة إلى الماء، وما كان في الامكان إنباتها لولا السيطرة على السيول وإنشاء هذا السدّ.

وتأتي السيول إلى السد من أماكن عديدة، من "ذمار"، و "جهران"، و "الحدي"، و "حولان"، و بلاد مر اد، وقيفة، وعروش، وجوا نب ردمان، وشرعة، وكومان وغيرها، وذلك إذا أمطرت السماء وتجمعت فيها السيول وانحدرت، حتى تنتهي إلى وادي "أذنة"، فتسير فيه المياه حتى تنتهي إلى مضيق بين جبلين، يقال لكل منهما "يلق"، ويسميهما "الهمداني" مأزمي مأرب، تسير المياه فيه حتى تدخل منخفضاً من الأرض واسعاً، هو حوض هذا السد. تدخر مياه الأمطار فيه. وله سدود وأبواب لحجز المياه وحبسها، أو لتصريفها حسب الحاجة. فتمر من أبواب تفتح وتغلق،لتمر المياه منها في قنوات توزع إلى الأماكن التي يراد توجيه الماء إليها.

ولا توجد لدينا نصوص عن أول رجل أقام هذا السد، وعن العهد الذي تم فيه البناء. وكل ما لدينا اليوم عن وقت بنائه لأول مرة هو لذلك حدس ونخمين.

ويرى "كلاسر" أن عهده يعود إلى السنة السبعمئة قبل الميلاد. وقد بقي قائماً يؤدي واجبه إلى حوالى السنة "575" بعد الميلاد. ويظهر من بعض الكتابات المحفورة على جدرانه بالمسند أن جملة تحسينات وتعميرات أدخلت عليه في أوقات مختلفة قبل الميلاد وبعدها، وآخرها هو اصلاح أبرهة له الذي تم على أثر تصدعه سنة 542للميلاد. ويظهر أن تصدعاً اخر وقع للسدّ في أيام طفولة الرسول، وذلك في حوالى السنة "575" للميلاد، لم يكن من الممكن التغلب عليه،بسبب التدهور الاقتصادي الذي حدث في هذا العهد في اليمن وارتباك الأوضاع السياسية واضطراب الأمن وانتشار الثورات في كل مكان وتدخل الأجانب في شؤون البلاد، فتصدع قسم كبير منه، ولم يهتم أحد من الحاكمين في اعادته إلى أصله بإصلاحه وترميمه، وتحولت بذلك الأرضين الخصبة التي كانت تروى بمائه والتي كانت واسعة إلى أرضين موات، غطتها الطبيعة بطبقة من الرمال والأتربة وألبستها أكسية الصحراء الحزينة، حداداً على فراقها لذلك السدّ العتيد.

وتعود أقدم الكتاباًت الباقية إلى أيام "المكربين". وتأتي كتابة "سمه على ينف" "سمهعلى ينوف" مكرب سبأ على الرأس. ويظهر منها إن هذا المكرّب قدأقام سد "رحاب"، وقد اشتغل به ابنه "يئع أمر بين" وقوّ اه، كما بنى سداً آخر عند "حبابض"، ويقع في المنطقة الشمالية من سد مأرب.

وقام المكرب "كرب ال بين بن يثع امر"، ببناء جزء من السد وتقوية أجزائه الأخرى. كما قام الملوك بإضافة أجزاء جديدة اليه، وتقوية الأجزاء القديمة منه. ومن هؤلاء الملك "ذمر على ذرح" ملك سبأ، والملك "يدع ال وتر" "يدع ايل وتر".

كذلك أصلح الملك "شمر يهرعش" هذا السد، ورممه الملك "شرحبيل يعفر" في سنة "449" للميلاد. ولكن المياه جرفت أقساماً منه سنة "450" للميلاد، أي بعد سنة من الترميمات، فاضطر إلى إعادة إصلاحه وتقويته.

وقد أقام المهندسون في الجهة الضيقة التي تسيل منها السيول إلى المجاري ثم إلى حوض واسع سداً قوياً طوله نحو من "577" مترأ ونصف المتر، عرف ب "رحاب" في المسند. أقيم في المنطقة التي تضيق فيها الشقة بين جزءي جبل "بلق"، حيث يمر بينهما واد يفصل بين الجزءين المعروفين ب "بلق القبلي" و "بلق الأوسط". فسدّ الوادي بذلك وتحكم السد بمسير ماء السيول. وصار يجري من خلال فتحة، هي باب يتحكم الإنسان فيها كيف يشاء إلى "وادي أذنة" "وادي ذنة"، حيث يملا الحوض. وينتهي الحوض بسدين آخرين أقيما لتنظيم تصريف الماء المخزون عند الحاجة وتوجيهه إلى الأرضين المحتاجة اليه، بهما منافذ هي أبواب تفتح وتغلق للتحكم في توزيع الماء.

وقد استخدمت في بناء السد والحواجز حجارة اقتطعت من الصخور، وعولجت بمهارة وحذق حتى توضع بعضها فوق بعض، وتثبت وتتماسك وتكون وكأنها قطعة صلدة واحدة. ونحتت الصخور، بحيث صارت تتداخل بعض في بعض، بأن يدخل رأس من صخرة في فتحة مقابلة لها، فتكون كالمفتاح في القفل، وبذلك تتماسك هذه الصخور وترتبط ارتباطاً وثيقاً، وتكون كاًنها صخرة واحدة. وقد وجد إن بعض الأحجار قد ربطت بعضها ببعض بقطع من قضبان اسطوانية من المعدن المكون من الرصاص والنحاس يبلغ طول الواحد منها حوالى "16" سنتمتراً، وقطرها حوالى الثلاثة سنتمترات ونصف. وذلك بصب المعدن في ثقب الحجر، فإذا جمد وصار على شكل "مسمار"، يوضع الحجر المطابق الذي صمم ليكون فوقه في موضعه بإدخال "المسمار" في الثقب المعمول في الجهة السفلى من ذلك الحجر، وبذلك يرتبط الحجران بعضهما ببعض برباط قوي محكم. وقد اتخذت هذه الطريقة لشد أزر السد، وليكون في امكانه الوقوف أمام ضغط الماء وخطر وقوع الزلازل. أما المادة التي استعملت في البناء لربط الأحجار بعضها ببعض فهي من أحسن أنواع الجبس Gips، وقد تصلب هذا الجبس الذي طليت به واجهات السد أيضاً حتى صار كأصلب أنواع السمنت.

وقد أقام المهندسون أبواباً لدخول المياه منها وخروجها، كما أنشأوا فتحات لتقسيم المياه وتوزيعها على المجاري والسواقي تفتح وتقفل بحسب حاجة المزارع والأماكن إلى المياه. ولا يزال بعض جدر السد قائماً.، وآثار السواقي والمجاري التي كانت تجري فيها المياه من الحوض باًقية، وهي تدل على مهارة مهندسي الري في ذلك العهد وعلى براعتهم في كيفية الاستفادة من الأرض ومن الطبيعة لخدمة الإنسان.

وبنيت في اليمن سدود أخرى، منها "قصعان" و "ربوان"، وهو سدّ قتاب، وشحران، وطمحان، وسد عباد، وسد لحج، وهو سد عرايس، وسد سحر، وسد ذي شمال، وسد ذي رعين، وسد نقاطة، وسد نضار وهران، وسد الشعباني، وسد النواسي، وسد الخانق بصعدة، وسد ريعان، وسد سيان، وسد شبام، وسد دعان وغيرها. وذكر "الهمداني" أن في مخلاف "يحضب العلو" ثمانين سدأَ.

وسد "الخانق " سد ينسب إلى "نوال بن عتيك" مولى سيف بن ذي يزن، ومظهره في "الخنفرين" من رحبان. وقد خرّ به "ابراهيم بن موسى العلوي" بعد هدم صعدة.

وهناك آثار سدود جاهلية أخرى أقيمت في مواضع متعددة من العربية الجنوبية. منها آثار سد قتباني أقيم عند موضع "هجر بن حميد" بوادي بيحان. وقد درسه ووصفه "بوون". كان يسقي بمائه منطقة واسعة من أرض مملكة قتبان.

وآثار سد "مرخة"، وآثار سد آخر أقيم عند "شبوة"، وسد آخر عند "الحريضة"، تفرعت منه شبكة من القنوات والمجاري لايصال الماء إلى المزارع والأرضين الخصبة التي تعيش عليها.

وقد ظهرت من الصور "الفوتغرافية"، الذي أخذت من الجو لبعض مواضع من جزيرة العرب آثار شبكات للارواء تتصل بأحواض مياه وسدود أقيمت لخزن مياه الأمطار فيها للاستفادة منها وقت الحاجة. ففي "وادي عديم" آثار جدر سدود وقنوات ومجاري مياه متصلة بعضها ببعض تمتد إلى مسافات بعيدة كانت تمدها بإكسير الحياة. وكذلك تشاهد آثار الإرواء عند "حصن العر" و "ثوية" في القسم الجنوبي من "وادي حضرموت". وقد نحتت الصخور عند "نجران" لعمل ممر منها للماء ليذهب إلى حوض واسع أحيط بسد وجدار حيث يمكن خزن مئة مليون "غالون " من الماء فيه.

توزيع الماء

وقد يوزع الماء الجاري من العيون والأنهار، باًلنصيب. بأن تعين أوقات تفتح فيها المياه على مزرعة ما، فإذا انتهى الوقت سد الماء، وحُوّل الى مزرعة أخرى، وذلك لقلة الماء وعدم كفايته في اسقاء المزارع كلها دفعة واحدة، فيوزع بالحصص، في أوقات تثبت وتعين. وقد تقع الخصومات من جراء التجاوز وعدم التقيد بضبط الأوقات، كما يحدث في أيامنا في كثير من الأماكن الزراعية. ونجد في كتب الأخبار أمثلة عديدة من أمثلة هذا النزاع. ويقال للنصيب من السقي "سِقي". أي الحظ من الشرب ّ.

حقوق الري

وللجاهلين أعراف محلية قامت مقام القوانين في الاستفادة من الماء. والمياه عندهم، اما مياه طبيعية لا دخل ليد الإنسان في استنباطها، مثل مياه الأمطار والعيون والأنهار. واما مياه وجدت باستنباط الإنسان لها، باستخدام ماله ويده في تذليلها،كمياه الآبار والعيون التي يفجرها الإنسان ومياه الصهاريح والكهاريس والمياه التي تتجمع من إقامة السدود وما شاكل ذلك مما للانسان يد وعمل في الاستفادة منها.

وطبيعي إن تختلف هذه إلأعراف باختلاف مواضع جزيرة العرب. فالمياه في العربية الجنوبية من أمطار ومن مياه مستخرجة أو نابعة هي أكثر بكثير من مياه أي منطقة أخرى من جزيرة العرب. ولهذا نجد لها ذكراً في الكتابات العربية الجنوبية، حيث نجد فيها إشارات إلى أحكام وإلى كيفية السقي وحقوق أصحاب الأرض في الماء وحقوق المستأجرين للارض في الماء وإلى خصومات وقعت بينهم في موضوع حقوق التصرف بالماء.

ولدينا في الوقت الحاضر كتابات، هي قوانين صدرت من حكومات العربية إلجنوبية في تنظيم حقوق السقي والاستفاده من الماء ومن حق الانتفاع من الابار. كما تعرضت لموضوع حقوق شراء الأرض، وكيفية بيعها وما إلى ذلك مما يتعلق بالري والزراعة.

وأما في الحجاز، فقد استخدمت الآبار المحفورة، يحفرها أهلها ليستفيدوا من مياهها في الشرب وفي اسقاء الزرع والمواشي، وقد يكرونها لغيرهم مقابل كراء يعين. لهذا وضعوا أعرافاً خاصة بالنسبة إلى الاستفادة من حقوق ملكية الآبار.

الخصومات بسبب الماء

وطالما وقعت مشاحنات وخصومات بين أصحاب المزارع بسبب اشتراكهم في الماء، في مثل الشراج والجعافر والأنهار وأمثالها، إذ كان يستأثر بعضهم به، ولا يدع الماء يسيل الى غيره إلا بعد أن يسقي زرعه سقيا كاملاٌ،وكان أصحاب المزارع الذين تقع مزارعهم في أعالي منابع الماء يستأثرون به، بتوجيهه الى مزارعهم، أو بوضع سكر يحبس الماء عن البساتين الواقعة خلف السكر، فيذهب الماء إلى مزارعهم ولا ينال المزارع الأخرى الا للقليل منه. ونجد مثل هذه الخصومات في العربية الجنوبية وفي منطقّة يثرب وفي مواضع الحسي وعيون الماء. وقد خاصم أنصاريٌ " الزبيرَ بن العوّ ام" عند النبي في شراج الحرة، وهي مسايل الماء التي يسقون بها النخل، فقضى النبى، إن يسقى الأعلى ثم الأسفل.

الفصل السابع والتسعون

معاملات زراعية

وقد تطرقت كتب الحديث والفقه إلى ذكر معاملات زراعية، كان المزارعون في الجاهلية يمارسونها. وهي عبارة عن عقود ومواثيق كانوا يأخذونها على أنفسهم بالقيام بأعمال زراعية معينة، مثل: المحاقلة، والمخابرة، والمزارعة، والمساقاة.

المحاقلة

ولم ترد في نصوص المسند معلومات مسهبة عن المحاقلة عند العرب الجنوبين. ولكن في استطاعتنا أن نقول انها لم تكن تختلف في أسلوبها عن المحاقلة عند أهل الحجاز قبيل الإسلام. والمحاقلة عندهم اكتراء الأرض بالحنطة أو الذهب أوشيء آخر، والمزارعة على نصيب معلوم يتفق عليه بالثلث أو الريع أو أقل من ذلك أو أكثر، أو على الأوسق من التمر والشعير، أو على الدينار والدرهم. ويقال للمحاقلة "نحقل" في المسند.

والمخابرة هي المؤاكرة،وهي المزارعة على نصيب معلوم مما يزرع في الأرض. وقيل: المخابرة المزارعة على النصف ونحوه، أي الثلث، والمزارعة على نصيب معين كالثلث والربع وغيرهما وقيل المزارعة ببعض ما يخرج من الأرض. والمؤاكرة المزارعة على نصيب معلوم مما يزرع. وهي المخابرة. وفي الحديث كنا نخابر ولا نرى بذلك بأساً حتى أخبر رافع إن رسول الله نهى عنها. وقد اختلف علماء اللغة في أصل اللفظة، فقال بعضهم: هي من خبرت الأرض خبراً كثر خبارها، وقال بعض آخرمن خيبر، لأن النبي أقرها في أيدي أهلها على النصف من محصولها، فقيل خابرهم، أي عاملهم في خيبر. و "الخبر" في قول علماء اللغة الزرع، ومن هذه اللفظة يجب أن يكون أصل المخابرة. ويظهر من اختلاف العلماء في تعريف المراد من لفظة المخابرة، التي تعني المزارعة أنهم لما أرادوا وضع حد لمعناها، وجدوا المخابرين أي المزارعين أنماطاً وأشتاتأَ في تثبيت حصص المخابرة ونصيبها، فحفظ كل ما سمعه، وظن أن ما وعاه وسمعه هو المخابرة، فجاءت تعاريفهم من ثمَّ على هذا النحو. ولو أخذناها ودققناها، وجدنا أنها كلها شيء واحد، هو: المخابرة المزارعة على نصيب معلوم مما يزرع في الأرض،. أما تثبيت الأنصبة، فلا دخل له بالتعريف، لأنه مجرد تعامل أشخاص واتفاق اًفراد، منهم من كان بزيد في النصيب ومنهم من كان ينقص منه: حسب الحاجة، على نحو ما يقع في كل تعامل مثل البيع والشراء.

والمزارعة، المعاملة على الأرض ببعض ما يخرج منها ويكون البذر من مالكها، فإن كان من العامل، فهي مخابرة.

وقد كانوا يتعاملون مع المزارعين أو الأجراء على "القصارة". وهي ما يبقى في المنخل بعد الانتخال، اْو ما بقي في السنبل من الحب، مما لا يتخلص بعدما يداس، أو ما يبقى على لأرض من حب بعد التذرية. فيشترط بعضهم أن تكون القصارة للمذري، وقد لا يوافق على ذلك صاحب الزرع، فتكون له. وقد يحدث الاختلاف بين صاحب الزرع وبين المذري، بسبب اتهامه للمذري، باستغلال الشرط، والإفراط في إسقاط الحب على الأرض للاستفادة منه.

وذكر إن أحدهم كان يشترط في المزارعة ثلاثة جداول والقصارة، أي ما سقى الربيع. وقد نهى النبي عن ذلك. والجدول النهر الصغير، ونهر الحوض ونحو ذلك من الأنهار الصغار.

ولما جاء المهاجرون إلى يثرب. وكان بينهم قوم يحسنون الزراعة، وكانوا يريدون عملاً يعتاشون منه، حاقلوا أصحاب الأرض على زرع أرضهم في مقابل نصيب معلوم، كانوا يتفقون عليه. وقد نجح بعض منهم في استغلال الأرض، وكسبوا منها. غير إن قسماً منهم اختصموا مع الملاّك، بسبب توزبع الحاصل أو الماء، فكان الرسول يتداخل بنفسه لحسم الخلاف. وقد صار الصحابة من من أهل مكة بين تاجر وبين زراع، ورد في حديث "أبي هريرة": "لم يشغلني عن النبي غرس الوديّ، أي صغار النخل". وورد إن الأنصار قالوا للمهاجرين: تكفونا المؤونة في النخل بتعهده بالسقي والتربية ونشرككم في الثمرة، واتفقوا على ذلك.

وقد نهى الإسلام عن المحاقلة والمزارعة والمؤاكرة، وذلك لما كان يقع بسببها من خلاف بين المالك والفلاح، وما كان يقع من ظلم في القسمة أو اختلاف على توزبع الحاصل. فلما جاء الرسول إلى "يثرب"، ورأى هذه الخصومات، نهى عن إبجار الاْرض وكرائها بقوله: "من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها، فإن لم يفعل فليمسك أرضه". وفي رواية أخرى أنه لم "يحرم المزارعة، ولكن قال أن يمنح أحدكم أخاه خير له من أن يأخذ شيئاً معلوماً، لأنهم كانوا يتنازعون في كراء الأرض حتى أفضى بهم إلى التقاتل بسبب كون الخراج واحداً لأحدهما على صاحبه، فرأى أن المنحة خير لهم من المزارعة التي توقع بينهم مثل ذلك".

وقد ذكر العلماء أن هذا النهي إنما وقع بسبب المنازعات التي كانت تقع فيما بين الطرفين المتعاقدين، لاتفاقهما على شيء مجهول، وذكروا مثلآ آخر على ذلك هو كرى المزارع على الأربعاء وبشيء من التبن. والربيع هو النهر الصغير. فتقع المنازعة وّيبقى المزارع أو رب الأرض بلا شيء. وقد كانوا يتعاقدون على ما ينبت على ربيع الساقي، أي النهر الذي يسقي الزرع. فيقع اختلاف بين المزارع والمالك، أو بين صاحب الماء والمزارع. أما إذا كان الاتفاق على شيء واضح معلوم، في مثلَ استئجار الأرض البيضاء من السنة إلى السنة، او في آجال يتفق عليها بالذهب والفضة، أي بالدنانير والدراهم، فقد جاز كذلك كا ورد في كتب الحديث.

المساقاة

وكما مارس أصحاب الأملاك والمزارعون الجاهليون طريقة المحاقلة والمزارعة، مارسوا "المساقاة" كذلك. وتكون باًلاتفاق بين طرفين على قيام أحدهم بتوجيه الماء إلى صاحب أرض أو ملتزم لها أو غير ذلك، وهو محتاج إلى ماء مقابل تعهد يقدمه الطرف الثاني الى صاحب الماء بعوض، مثل جزء من حاصل أو عين وما شابه ذلك، مقابل ذلك الماء. وذكر إن المساقاة، أن يستعمل رجلاً في نخيل أو كرم ليقوم باصلاحها مقابل أن يكون له سهم معلوم مما تغله.وأهل العراق يسمونها معاملة. وذكر العلماء إن أهل المدينة كانوا يقولون للمساقاة المعاملة، وللمزارعة المخابرة، وللإجارة بيع، وللمضاربة مقارضة، وان لهم لغات اختصوا بها.

وقد يخصص الماء كله بالزرع، أي يكرى كله لمؤجره، وقد يكرى لمايسد حاجة الزرع، أي لإرواء الزرع الذي اتفق على إسقائه باًلماء، في كل وقت، في النهار أو في الليل، وفي أي لحظة يشاء المستأجر لذلك الماء. وقد يكون على حظ من الماء، مثل ربع يوم أو ليلة، أو يوم معين، أو وقت يثبت. ويقالَ لهذا الماء "ربيع"، أي حظ.

وطالما وقعت الخصومات بين المزارعين بسبب اختلافهم على الماء. فالماء هو رأس مال المزارع، فإذا انقطع عن زرعه، تأثر زرعه، وتعرض للهلاك، وزرعه هو رأس ماله وحياته. ومن هذا القبيل الخصومات التي تقع بسبب اشتراك جملة مزارعين في مورد ماء واحد، ومحاولة كل واحد منهم الحصول على أكبر مقدار من الماء، أو أخذه قبل غيره. والخصومات التي تقع من سبل الماء في الشرائج. والجداول التي تمر في عدة مزارع والينابيع والعيون التي تروي جملة أحواط ومحاقل. وقد أشير إلى جملة أنواع من هذه الخصومات في كتب الحديث.

ومن عادة أهل "يثرب" أنهم كانوا يكرون الأرض، لأجل قصير أو لأجل طويل. فإذا كان الأجل طويلاً فربما غرسوا شجراً، على نصيب معلوم من الثمر، وذلك لأن أكثرهم لم يكونوا يملكون كثيراً من الذهب والفضة، فكانوا يتعاملون على الشطر مما تغله الأرض. ولما جاء المهاجرون زارعوا الأنصار بالشكر على الثلث والربع، حتى ما كان بالمدينة بيت هجرة، إلا وزرع على الشطر، أو على التبن أو على أوسق من تمر أو برّ أو غير ذلك.وكرى بعضهم أرضه بالدراهم والدنانير وبالفضة وبالذهب. وقد أشير إلى ذلك في كتب الحديث.

اكراء الأرض

واكراء الأرض، بمعنى إيجار أرض ما لمدة معينة محدودة، أو بدون حد بشروط وفي مقابل بدل. ويقال لهذا البدل الذي يدفع عن ثمرة استغلال الأرض أو أي كراء "اثوبت"، أي "الثواب" "ثواب". ثواب أجر الانتقاع من الشىء الذي اًجر. وقد يكون هذا الشيء أرضاً وقد يكون داراً وقد يكون حيواناً. فورد في بعض النصوص العربية الجنوبية إن اختين استأجرتا أرضاً على ساحل نهر "عبرت"، وبقراً لتقوما بإيجارها إلى الفلاحين لاستغلالها بزرعها، وبتنمية البقر بشروط معينة، تنتهي بأجل نص عليه، في مقابل بدل ايجار "اثوبت" يدفع إلى أصحاب المال. وقد أشير في الكتابة الى أن الإله "المقه"، قد وافق على العقد وباركه. ومعنى ذلك أن العقد عقد شرعي وقد سجل رسمياً وصار عقداً معترفأَ به قانوناً من الحكومة ومن المعبد.

ويراد بلفظة "عبرت"، لفظة "عبرة" و "العبرة" في لغتنا، والعبرة شاطىء النهر وناحيته، قال النابغة الذبياني يمدح النعمان بن المنذر: وما الفرات إذا جاشت غواربه  ترمى أواذيه العبرين بالزبـد

يوماً بأطيب منه سيب نافـلة  ولايحول عطاء اليوم دون غد

وورد في أحد النصوص، إن ناساً "ادم"، استأجروا أرضاً من الالهة، على أن يدفعوا أجرها سنة بعد سنة، وحسبما اتفقوا عليه مع الآلهة، مما يدل على إن هذه الأرض المؤجرة هي من أوقاف المعبد. وقّد أجرها أولئك الناس، من رجال الدبن الذين بيدهم أمر حبوس الآلهة.

ومن حق المؤجر، أي المالك إبطال العقد، إذا أخل المستأجر بشرط العقد أو أظهر كسلا" وتباطؤاً أو عدم مبالاة في استغلال الشيء المؤجر. ويعني هذا إن الاتفاق كان على دفع نصيب معين من الغلة أو من ثمرة العمل. وبما إن هذا النصيب متوقف على مقدار الجهد الذي يبذل في استغلال الملك المؤجر، بحيث إذا زاد، زاد نصيب المؤجر عن ايجار ملكه، وإذا قلّ، قلّ نصيبه أيضاً، ومن حيث إن من مصلحة المؤجر إن يزداد وارد "اثوبت" ملكه، لذلك صار من حقه إبطال العقد، إذا رأى تهاوناً في تطبيق ما جاء فيه.

وقد كان أهل الحجاز، يكرون أرضهم، يكرونها بالثلث والربع والطعام المسمى وباًلذهب وبالورق. وكانوا يدفعون الأرض إلى من يزرعها ببذر من عنده على أن يكون لمالك الأَرض ما ينبت على مسايل الماء ورؤوس الجداول أو هذه القطعة والباقي للعامل. وقد نهى رسول الله عن أكثر أنواع هذه الكراء، ذكر انه قال: "من كانت له أرض فليزرعها، فإن لم يزرعها فليمنحها أخاه، فإن لم يمنحها أخاه فليمسكها".

بيوع زراعية

وتضطر الظروف الاقتصادية المزارعين إلى بيع الثمار وخضر البقول قبل بدو صلاحها،وقد يفعلون ذلك تخلصاً من معاملات جني الثمر وحراسته من اللصوص، وحمله إلى الأسواق، وأمثال ذلك من معاملات تحتاح إلى مال وجهد. ويقال لذلك "المخاضرة". وقد عرفت بأنها بيع الثمار قبل بدو صلاحها، سميت بذلك لأن المتبايعين تبايعا شيئاً أخضر بينهما، مأخوذ من الخضرة، ويدخل في ذلك بيع الرطاب والبقول وأشباهها. فكان صاحب الأشجار والمزرعة يبيع ثمار زرعه لغيره، فيبع الثمار قبل أن تطعم، ويبيع الزرع قبل أن يشتد ويفرك منه. وقد نشأت عن هذا البيع خصومات ومنازعات بسبب وقوع عاهات في الحاصل، تفسد على المبتاع ربحه، فيطلب عندئذ من البائع استرجاع ما دفعه له كله أو بعضه، وتقع عندئذ الخصومات. وقد بقيت سنتهم على ذلك حتى مجيء الرسول إلى المدينة، فكانوا يأتونه للمقاضاة، فوقع النهي منه على هذا النوع من البيوع ولم يسمح به إلا أن يبدو صلاح الثمر، فيتبين صلاحه ونوعه. وعندئذ لا يحق لمبتاع التذمر من شرائه، لأنه شاهد ما ينوي شراءه ورآه، فلا غبن فيه.

ومن بيع المخاضرة شراؤها مغيبة في الأرض، كالفجل، والبصل،واللفت، والثوم وشبهه، وللفقهاء في ذلك جملة آراء.

وورد إن "المحاقلة" نوع من البيوع. وهي بيع الطعام في سنبله بالبر، وقيل اشتراء الزرع بالحنطة. وقد نهي عنها في الإسلام.

ومن أنواع البيوع التي تعرض لها الفقهاء "المزابنة". وهي بيع الثمر في رؤوس النخل بالتمر كيلاً، وبيع الزبيب بالكرم كيلاّ. وذكر بعض العلماء إن المراد بذلك بيع الرطب في رؤوس النخل بالتمر، وبيع العنب بالزبيب، وبيع التمر في رؤوس النخل بالتمر. وذكر أيضاً إن من المزابنة ييع التمر بكيل ُجزاف، وكل تمر بيع على شجره بتمر كيلاَ، وقد نهي عنه في الحديث لأنه بيع مجازفة من غير كيل ولا وزن. وقد نهي عنه لما يقع فيه من الغبن والجهالة. وذكر إن المزابنة كل جزاف لا يعرف كيله ولا عدده ولا وزنه بيع بمسمى من مكيل وموزون ومعدود. أو هو بيع معلوم بمجهول من جنسه، أو هو بيع مجهول بمجهول من جنسه، أو هو بيع المغابنة في الجنس الذي لايجوز فيه الغبن، لأن الَبيِّعين إذا وقفا فيه على الغبن، أراد المغبون أن يفسخ البيع وأراد الغابن أن يمضيه فتزابنا فتدافعا فاختصما.

جمعيات زراعية

ويظهر من بعض الكتابات إن بعض المقاطعات الزراعية كانت في ادارة مجلس يتألف من ثمانية أشخاص عرفوا ب"ثمنيتن"، أي "الثمانية"، أداروا شؤون المقاطعة من إشراف على العمل، ومن ادارة لأمور الزروع، ومن تهيئة للبذور وما يحتاج اليه الزرع، ومن دفع حصص الحكومة والمعبد، ومن خزن وبيع وتصريف. فهم هيأة زراعي لمشروع تعاوني يضم أهل تلك المقاطعة، واجبهم تمشية أمور هذه المؤسسة الزراعية والاشراف عليها، واعطاء كل ذي حق حقه ونصيبه في هذه الجمعية الزراعية التعاونية.

ويظهر إن شيئاً من التخصص، كان قد وجد في هذه الجمعيات، فعهدت أمر الادارة إلى رجل عرف ب "سمخض"، كان بمثابة مدير للجمعية، واجبه الاشراف على الأرض التي أوكل أمر ادارتها اليه. أما وظيفته،فعرفت ب "سمخضت" أي ادارة أرض أو ادارة مقاطعة، أو "ادارة" بتعبير أصح.

وعرف من تولى أمر جباية الضرائب والاشراف على الموظفين الذين يوكل أعمال الجباية اليهم، ب "نحل"، ويقال لوظيفته "نحلت". ولا استبعد أن تكون "نحلت"، جماعة جمعت بين أعضائها روابط فكرية واقتصادية. فتعاونت فيما بينها على العمل معاً والاشتراك في استغلال حاصل هذا العمل. ودليل ذلك أننا في معاجم اللغة تفسر "النحلة" بالديانة، ولهذا التفسير صلة بما ذهبت اليه من معنى للفظة "نحلت"، وعلى ذلك يكون ال "نحل" رئيساً للنحلة، يشرف عليها ويدفع بالنيابة عنها حق الحكومة والمعبد.

وقد ورد في أحد النصوص أن جمعية من هذه الجمعيات الثماني، كانت تدير أرضين في ضواحي مدينة "هرم". وقد نعت أعضاؤها ب "ابعل"، أي سادة ورؤساء. فهم سادة هذه الجمعية وأصحاب الارادة فيها.

الهروب من الأرض

وقد جابهت حكومات العربية الجنوبية المشكلة التي تجابه كل حكومة. مشكلة هرب المزارعين من الأرض والالتجاء إلى المدن. ففي بعض نصوص المسند الخاصة باًلزراعة نجد تهديداً للمزارعين الذين يفرون من المزارع ويجلون عنها، فيلحقون بذلك الأذى بالزراعة وبالحاصل. والواقع أن حياة الفلاح في المزرعة كانت صعبة قاسية ؛ فلا يكاد دخل الفلاح يكفيه مؤونتهه ومؤونة عياله، ولا سيما أيام الشدة حين يقل الزرع أو يتعرض للتلف لعوامل عديدة ليس في طاقة الفلاح مكافحتها، فضلاً عن الضرائب الباهظة التي عليه أن يدفعها إلى صاحب الأرض والحكومة والمعبد. فلاذ بأذيال الهرب من الأرض إلى المدن للاشتغال فيها، بالرغم من تشديد الحكومة في منع الهجرة وترك المزارع من غير موافقة أصحاب الأرض. وقد عرف الهارب من الأرض والمجلي عنها ب "مهسجلت" في نصوص المسند. ويقال للارض التي يهاجر المهاجر إليها، وللمكان الذي يفر اليه المزارع من الحضر ليجد فيه رزقاً يبحث عنه "مهجرت" في لغة المسند. أي "المهجرة"، بمعنى: "المهجر".

العمري والرقبى

ومن عقود أهل الجاهلية: "العمري" و "الرقبي". والعمري ما يجعل لك طول عمرك أو عمره، أو هو أن يدفع الرجل إلى أخيه داراً، فيقول له: هذه لك عمرك أو عمري أينا مات دفعت الدار إلى أهله. وقد عمرته اياه وأعمرته جعلته له عمرة أو عمري، أي يسكنها مدة عمره، فإذا مات عادت الي. و"الرُّقبى" أن يعطي الإنسان انساناً ملكاً كالدار والأرض ونحوهما، فأيهما مات رجع الملك لورثته. أو إن يجعله لفلان يسكنه، فإن مات ففلان يسكنه، فكل واحد منهما يرقب موت صاحبه. وقد أرقبه الرقبى، وأرقبه الدار جعلها له رقبى. وللفقهاء كلام في الاثنين.

ويكون "العمري" و "الرقبى" في الأرض كذلك، كأن يعطي الرجل رجلاً أرضاً يستغلها طول حياة أحدهما، فأيهما مات طبقت بحق الأرض ما اتفق عليها من شروط. وقد كانوا يفعلون ذلك باًلنسبة للاقرباء والأصدقاء والمقربين لمساعدتهم.

العرية

العرية النخلة المعراة. وأعراه النخلة وهب له ثمر عامها. والعرية أيضاً التي تعزل عن المساومة عند بيع النخل، والتي يعريها صاحبها رجلاً محتاجاً، وأن يشتري الرجل النخل ثم يستثني نخلة أو نخلتين، يقال أعرى فلان فلاناً ثمر نخلة، إذا أعطاه إياها يأكل رطبها، وليس في هذا بيع، وإنما هو فضل ومعروف. فالعرية اذن النخلة عزلتها من المساومة، والإعراء أن تجعل ثمرتها لمحتاج أو لغير محتاج عامها ذلك، وقد رخص الرسول في العرايا، وللفقهاء كلام في ذلك.

الفصل الثامن والتسعون

الحياة الاقتصادية

وأقصد بالحياة الاقتصادية كل ما يتعلق بمفهوم الاقتصاد من معنى، ما يتعلق منه بالحكومة أو ما يتعلق منه بالشعب. وما يتعلق منه بالتجارة والمال، أو ما يتعلق منه بالزراعة أو باًلصناعة والحرف.

واقتصاد أية أمة، حاصل أمور عديدة: الجو، من حر وبرد، ومن مطر وجفاف، ومن ثروات طبيعية، تستنبط من الماء أو التربة، ومن نشاط وجهد وظروف اجتماعية، هي من حاصل تأثير المحيط في أهله.

وأدخل هنا في الحياة الاقتصادية ما يشمل التجارة بنوعيها تجارة البر وتجارة البحر، وما يشمل الزراعة، ثم ما يشمل الحرف والصناعات.

وتشمل التجارة: الاتجار داخل جزيرة العرب، أي تعامل أبناء بلاد العرب بعضهم مع بعض، والاتجار مع الخارج، أي مع الحكومات الغريبة مثل الهند وحكومات افريقيا والفرس والروم.

لقد كان الجاهليون مثل غيرهم من الشعوب السامية نشطون في عالم التجارة. والتجارة تكاد تكون الحرفة الوحيدة عند العرب التي لم ينظر العربي إليها والى المشتغل بها نظرة استهجان وازدراء وانتقاص. بل اعتبرت عندهم من أشرف الحرف قدراً ومنزلة. ونظر إلى التاجر نظرة تقدير وتجلة، مع أنها حرفة مثل سائر الحرف، فيها من الحيل والخداع واللعب على الناس ما في أية حرفة أخرى وفيها عمل وجهد على نحو ما نجد في الزراعهّ أو في ا لصناعة. ولكنها نظرة واجتهاد الى الحياة، وظروف طبيعية، جعلت العرب تجاراً في الغالب، فشرفوا التجارة على غيرها من الحرف، وقدموها عليها في المنازل والدرجات. وقد بقيت على هذه المنزلةِ والدرجة في الإسلام كذلك. وأشير الى شرفها وسمو منزلتها في كتب الحديث، مما يدل على ماكان للتجارة من منزلة في نفوس الناس.

والتاجر الذي يبيع ويشتري. ومن المجاز التاجر الحاذق بالأمر ، لما تحتاجه التجارة من ذكاء وحذق في مساومات البيع والشراء. وذكرعلماء اللغة إن العرب تسمي بائع الخمر تاجراً، وان أصل التاجر عندهم الخمّار. يخصونه من بين التجار. والتجارة صناعة التاجر. وهو الذي يبيع ويشتري للربح. و "التاجر" هو "مكر" في لغة المسند، و "تمكرو" في الآشورية.

كان الملوك تجاراً يبيعون ويشترون، وكان رؤساء المعبد تجاراً يتاجرون باسم معابدهم، ويكسبون من الضرائب التي تقدم للمعابد كسباً فاحشاً، وكان أصحاب الأملاك ورؤساء العشائر تجاراً كذلك، يتاجرون بما يقدمه اليهم من هو دونهم في المنزلة من حاصل وغلة، ويتاجرون مما يستوردونه من الخارج، من افريقية أو من الهند، من حاصلات ثمينة غالية في نظر تجار ذلك اليوم، لبيعه في الداخل أو نقله إلى بلاد الشام أو العراق لتصريفه في أسواق تلك الجهات.

وفي اللهجات العربية ألفاظ ومصطلحات كثيرة لها صلة بالتجارة وبالتعامل، وهي من اللغات العالمية الغنية في هذه المادة. ويلاحظ بصورة عامة إن اللهجات السامية غنية كلها تقريباً بالألفاظ المستعملة في البيع والشراء والتعامل والتجارة، وفيها مرادفات كثيرة في هذا الباب. وكثرة هذه االألفاظ دليل على حذق الساميين عموماً بالتجارة وافتتانهم بها، وعلى وجود عقلية تجارية لديهم. والتأريخ يؤيد ذلك، فترى الساميين عموماً، وهم أنشط من غيرهم، يتنقلون من مكان الى مكان طمعاً في ربح، وركضاً وراء تجارة، وهم من أحذق الناس يومئذ في التحكم في الأسعار وفي التعامل وفي البيع والشراء.

وفي القرآن الكريم لفظة "تجارة" و "تجارتهم" ومصطلحات أخرىَ عديدة ذات صلة بالاتجار والتجارة والمعيشة والكسب. كما أن فيه اشارات كثيرة إلى تجارة قريش وألى أثر التجارة في حياة الناس في ذلك الوقت. وفيه تحريم للريا وتوبيخ وتقريع و )ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون، وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون(. وفيه أمور أخرى توحي الينا بما كان للتجارة من أثر كبير في حياة أولئك الجاهليين. بل نجد القرآن الكريم يحاججهم ويناقشهم ويخاطبهم بلغتهم لتي يفهمونها لغة الربح والخسارة والكسب والثواب والعقاب، والتأجيل والتعجيل، وما أشبه ذلك من كلام له أبلغ ألوقع والادراك في نفس التاجر: الذي يعي الناحية المادية من ربح وخسارة وكسب وتوفير، أكثر من وعيه وادراكه للامورالروحية التي لا يفهمها كثيراً، لأنها ليست من صميم حياته ومحيطه العملي.

والتجارة أنواع كثيرة، تشمل كل أنواع البيع والشراء. والتاجر، هو الذي يتاجر في الأسواق، غير أن منهم من تخصص في نوع خاص من أنواع التجارة مثل بيع الحبوب، وقد يتخصص ببيع نوع خاص من الحبوب، مثل الحنطة، فيقال له: "حنّاط" وحرفته "الحنا طة". وقد يتخصص ببيع وشراء "البز"، فيقال له "البزاز" وحرفته "البزازة". وقد يتخصص ببيع "الزيت"، فيقال لبائعه "الزيات" وللذي يعتصره "الزيات" كذلك.

وتكون التجارة بالمقايضة، وهي المعاوضة، إذا عارض التاجر اًو أي شخص متاعاً بمتاع آخر، وبادل سلعة بسلعة أخرى. وهي الطريقة القديمة في الاتجار، قبل ان يتعامل بالذهب والفضة وزناً، في تقييم قيم الأشياء، وقبل ان تعرف النقود، التي ولدت من التعامل بالذهب والفضة. وطريقة المقايضة أو المبادلة أو المعاوضة، لا تزأل طريقة قائمة معروفة، تتبعها الدول، في تصريف منتجاتها بمنتوجات أخرى عوضاً عن النقد، لحاجتها إلى النقد والى تصريف حاصلاتها الفائضة عليها. وقد اتبع الجاهليون هذه الطريقة، فكانوا يبادلون الجلود بسلع أخرى، ويبادلون التمر بالحنطة. وقد اتبع الجاهليون طريقة التعامل باًلذهب والفضة وزناً كذلك، كما تعاملوا بالنقود.

ويتبين لنا من دراسة كتب التفسير والحديث وكتب الأدب والأخبار والسير انه كان لأهل مكة عرف وضعوه في أصول التجارة يمكن إن نسميه "قانون التجارة" بالنسبة لأهل تلك المدينة، تكوّن من تجاربهم في الاتجار ومن تعاملهم بعضهم مع بعض، ومن تجاربهم وتعاملهم مع الخارج، مثل تعاملهم مع الفرس والروم والحبش، حيث أخذوا من هؤلاء الأعاجم النظم والقواعد التجاربة التي كانوا يسرون عليها والتي لم تكن معروفة عند أهل مكة، بسبب اختلاف المحيط وطريقة التعامل التجاري بين الدول. فتجار مكة وأصحاب المال، هم الذين وضعوا أصول التعامل في التجارة فيما بينهم، وهم الذين كوّ نوا بأنفسهم قوانينهم، إذ لا حكومة منظمة لهم تضع التشربع وتقوم بالتنفيذ على نحو ما كان في العربية الجنوبية أو عند الفرس أو الروم.

ويتبين لنا من دراسة الموارد المذكورة كذلك، أن أهل مكة كانوا خبراء في أصول تنمية الأموال وفي كيفية استثمارها واستغلالها، فكانت لهم مرابحات وكانت لهم شراكات وتعامل ومراسلات مع غيرهم من أصحاب المال في مختلف أنحاء جزيرة العرب، وكان لهم ربا، للحاجة، أي للشدة والعسر والضيق. أو للتعامل بالمال المقترض بالربا لانمائه في مشاريع اقتصادية تعود بالفائدة على المقترض أكثر من فاثدة الرباً التي يدفعها للمرابي،حتى ظهر في مكة أناس كانوا يعدّون من كبار الأغنياء بالنسبة لأهل تلك المدينة وبالنسبة لجزيرة العرب في ذلك الوقت.

وفي المسند ألفاظ كثيرة ذات معاني تجارية تتعلق بالبيع والشراء والامتلاك والعقود وهي دليل على أن العرب الجنوبيين كانوا قوماً تجاراً يجنون من التجارة أرباحاً طائلة، ويعيش الكثير منهم عليها. فكانوا يبيعون ويشترون ويصدرون ويستوردون في الداخل والخارج،يقصدون الأسواق الشهيرة القريبة منهم، كما يقيمون الأسواق في بلادهم في المواسم أو في أيام معينة من الاسبوع للبيع والشراء، ولسد حاجاتهم بما يفيض عليهم من حاصل زراعة أو منتوج حيوان يبدلونه مقايضة بما يعوزهم من ضرورات وحاجات.

والتجارة هي "ش ت ي ط" "شتيط" في لغة قتبان. وقد وردت هذه اللفظة في عدد من النصوص القتبانية، في أوامر أصدرها ملوك قتبان لتنظيم التجارة وتنظيم الجباية، وفي كيفية جباية "المكس" عن البضائع التي تباع في الأسواق، وفي العقوبات التي تفرض على المخالفين وعلى المتهربين من دفع جباية السوق. وقد حددت القواعد التي يسمح بموجبها للغرباء في الاتجار بأسواق مملكة قتبان، وفي كيفية اتجار القتبانيين في الأسواق الخارجية.

وفي جملة هذه النصوص نص أصدره الملك "شهر هلال بن يدع اب" "شهر هلل بن يدع اب" في تنظيم التجارة وفي كيفية الاتجار. وقد نشر على شكل اعلان أو مرسوم ملكي موجه من الملك إلى التجار من أهل قتبان، والى الغرباًء الوافدين عليها للاتجار، وقد كتب ونشر ليطلع عليه الناس كما تفعل الدول في الوقت الحاضر.

وقد وردت في النص جملة مصطلحات والفاظ، لها معان تجارية، مثل "يشط" أي يتاجر، و "يعرب" من "عرب" بمعنى يقدم عربونأَ ويضع عربوناً . ومن أصل "عرب" العرابة والعربون في العربية الشمالية. و "خدر" بمعنى أقام ومقيم ومقيمين ونازلين. وقد ورد في المعجمات اللغوية إن من معاني هذه اللفظة الاقامة بالمكان. ويُقصد بذلك النازلون في مكان ما. ولما كان هذا النص أمراً وقانوناً فيَ تنظيم التجارة، فقد حدد ما جاء فيه من أوامر، بالنسبة إلى سكان المدينة "تمنع" وخارجها، وكذلك مملكة قتبان، والمقيمين بها، والوافدين من خارج قتبان للعمل بالأسواق والاتجار. ولذلك وردت هذه الجملة: "ومن يتجر تجارة بتمنع وبخارج تمنع، فعليه ان يقدم عربوناً إلى تمنع، وان يكون مقيماً بشمر، وإن آثر قتبان محلاً لاتجاره، وأراد إن يتجول ليشتري، فعليه أن يشتري من شمر...". فحدد بذلك كيفية الاتجار وحق الاتجار والموضع الذي يجب أن يشترى منه بالنسبة الى تجار قتبان والى التجار الغرباء عن تمنع.

وقد حدد هذا القانون حقوق ال "خدر"، أي التاجر النازل والمقيم في إمارة "شمر"، والذي يتجول فيذهب إلى قتبان للاتجار فيها والتسوق من أسواقها، ويذهب إلى قبائلها لبيع ما عنده إليها أو لشراء ما يحتاح اليه من تجارة منها، وعليه أن يفعل ذلك، ولكنه ملزم بأخبار "عهر شمر": بذلك، وذلك لتسوية المشكلات والحسابات التي تتولد من المعاملات التجارية. وقد تطرق النص إلى الأضرار التي قد تصيب الأجانب أو القتبانيين، والى احقاق الحقوق، ولهذا وضع الملك هذا الأمر. وجاءت في آخر النص هذة الجملة: "وخمسي ورقم " أيَ "خمسين ورق". وقد سقطت كلمات قبلها، فلم يعرف المراد من ذكر هذا الرقم، أقصد وضع تأمينات بهذا القدر المذكور، أم قصد جزاءً يفرض على المخالفين، أو غير ذلك.

وهذه القوانين القتبانية،هي من أقدم وأشهر القوانين التي وصلت الينا باللهجات العربية القديمة في كيفية تنظيم الاتجار والتعامل في السوق وفي تعيين حقوق الحكومة ونصيبها من الأرباح المتأتية من التجارة.وهي دليل ناطق على مقدار عناية القّتبانيين بأمور التجارة بالنسبة لذلك الوقت.

التجارة البرية

والتجارة البرية، هي عماد تجارة الجاهليين، ولا سيما الجاهليين القريبين من الإسلام وسندهم الأول فيَ رخائهم وفي كسب ثرواتهم. وعماد هذه التجارة وسندها القوافل. فقد كان الملوك وسادات القبائل والأشراف يرسلون تجارتهم بقوافل إلى مواضع اتجارهم، فتبيع ما تحمل وتشتري ما تحتاح اليه من تجارة، لتبيعها في مكان آخر بثمن غال، ويكسب أصحاب هذه القوافل كسباً حسناً من هذا الاتجار.

والتجارة البرية: إما تجارة داخلية، أي داخل قطر من أقطار جزيرة العرب وبين أقطارها، وإما تجارة خارجية، كانت تتم مع بلاد الشام والعراق، أي خارج حدود جزيرة العرب في اصطلاح الجغرافيين المسلمين.

وقد أشير في التوراة وفي الكتابات الاشورية والمؤلفات اليونانية واللاتينية إلى اتجار العرب مع الخارج، كما أشير إلى اتجار الآشوريين والفرس والرومان والروم مع العرب، وإلى طمع الدول الكبرى لعالم ذلك الوقت في جزيرة العرب، نظراً لما كانوا يسمعونه عن ثرائها وغناها، ولموقعها الجغرافي المهم الذي يقع بين افريقية وآسية، ويهيمن على المياه الدافئة ذات المنافع الكبيرة بالنسبة للتجارة العالمية في كل وقت وزمان.

والعربية الجنوبية في كتب اليونان والرومان وفي التوراة،بلاد غنية ذات خيرات وثروات وتجارات وأموال، قوافلها تخترق جزيرة العرب إلى بلاد الشام والعراق، وفي بلادها الذهب والفضة والحجارة الكريمة، تتاجر مع الخارج فتربح بتجارتها هذه كثيراً، وبذلك اكتنزت المعادن الثمينة المذكورة والأموال النفيسة حتى صارت من أغنى شعوب جزيرة العرب.

وفي "المزامير" أن "شبا" ستعطي "الذهب" لملك العبرانيين في جملة الشعوب التي ستخضع له، تقدم له الجزية. وورد في "أرميا" أن "شبا" كانت ترسل "اللبان" إلى اسرائيل. وقد ذكروا في سفر "حزقيال" في جملة كبار التجار. كانوا يتاجرون بأفخر أنواع الطيب وبكل حجر كريم وبالذهب. وأشير في "أيوب" إلى قوافل "شبا" التي كانت تسير نحو الشمال حتى تبلغ اسرائيل.

وفي هذه الاشارات دلالة على الصلات المستمرة التي كانت بين العبرانيين والسبئيين، وعلى أن السبئيين كانوا هم الذين يذهبون إلى العبرانيين، يحملون اليهم الذهب وآلأحجار الكريمة والطيب واللبان. فتبيع قوافلهم ما عندها في أسواق فلسطين، ثم تعود حاملة ما تحتاج اليه من حاصلات بلاد الشام ومصر وفلسطين.

ويظهر من سفر "يوئيل" إن السبئيين كانوا يشترون السبي من فلسطين، من "بني يهوذا"، حيث جاء فيه تهديد لأهل صور وصيدا بأن رب اسرائيل سينتقم منهم جزاء اعتدائهم على الاسرائيليين ونهبهم ذهبهم وفضتهم. وسيجعلهم عبيداً يباعون في الأسواق إلى السبئيين: "وأبيع بنيكم وبناتكم بيد بني يهوذا تبيعونهم للسبئيين، لأمة بعيدة، لأن الرب قد تكلم". مما يدل على انهم كانوا من المشترين للرقيق، ينقلونه الى بلادهم للاستفادة منهم في مختلف نواحي الحياة، يتخذون النساء الجميلات زوجات لهم، ويتخذون البشعات والقويات للخدمة، ويعهدون للرجال بالأعمال المختلفة التي تحتاج إلى ذكاء ومهارة وفن واتقان،وبأعمال أخرى صناعية وزراعية، وأمثال ذلك.

وقد أشير إلى ثراء السبئيين وامتلاكهم للذهب والفضة في بعض الكتابات الاشورية، فذكر "تغلاتبليزر" الثالث مثلا" أنه أخذ الجزبة من السبئيين،أخذها ذهباً وفضة وإبلاً: جمالاً ونوقاً ولباناً وبخوراً من جميع الأنواع، كما ذكر "سرجون" أنه أخذ الجزية من "يثع أمر" ملك سبأ، أخذها ذهباً وخيلا وجمالاً ومن مصنوعات الجبال.

وقد سبق لي أن تحدثت عن هذا الموضوع في أثناء حديثي عن صلات الآشوريين مع العرب، وعندي أن هذه الجزية التي دفعت إلى الآشورين، قد تكون جزية بالمعنى المفهوم من اللفظة، أي نتيجة قهر وإكراه وخضوع لحكم الآشورين وهزيمة لحقت باًلسبئيين في حرب أو حروب وقعت مع الآشوربين، وقد تكون بمعنى ضريبة دفعها السبئيون إلى الآشوريين في مقابل السماح لهم بالاتجار في أسواق الحكومة الآشورية،فهي ضرائب يدفعها التجار أو تدفعها الحكومات إلى الحكومات الأخرى في مقابل السماح لها بالاتجار معها، وفتح أبواب أسواقها لرعاياها، للبيع والشراء.

وفي كتب اليونان واللاتين تاًييد واتفاق تام مع ما جاء في التوراة عن ثراء السبئيين، وعن امتلاكهم الذهب والفضة والأحجار الكريمة. وقد بالغت في ذلك مبالغة أخرجتها من حدود الواقع إلى الخيال. فنسبوا لهم استعمال الأثاث المصنوع من الذهب والأواني المستعملة من الذهب والفضة، وغير ذلك مما أخرج وصفهم من حدود المعقول وأدخله في عالم القصص والأساطير.

وقد بالغ "سترابو" في وصف ثراء السبئيين بسبب اتجارهم بنوع من العطور الزكية، دعاها باسم "اللاريم" Larimum وبالمواد الأخرى النفيسة، وذكر انه كانت " لديهم كميات كبيرة من مصوغات الذهب والفضة، كالأسرّة والموائد الصغيرة، والآنية والكؤوس، أضف إليها فخامة منازلهم الرائعة، فإن الأبواب والجدران والسقوف مختلفة الألوان بما يرصع فيها من العاج والذهب والفضة والحجارة الكريمة".

وقد كانت هذه الشهرة من أهم العوامل التي دفعت بالقيصر "أغسطس" إلى ارسال حملته المشهورة المخفقة على اليمن. وهاك ما كَتبه المؤرخ "بلينبوس" Pliny عن ثروة العرب وعن تجارتهم، لترى ما كان ماثلاً في مخيلة الرومان واليونان عن العرب. قال: "ومن الغرابة إن نقول: إن نصف هذه القبائل التي تفوق الحصر، يشتغل بالتجارة، أو يعيش على النهب وقطع الطرق. والعرب أغنى أمم العالم طراً، لتدفق الثروة من روما وبارثيا اليهم، وتكدسها بين أيديهم.

فهم يبيعون ما يحصلون عليه من البحر ومن غاباتهم. ولا يشترون في شيئاٌ مقابل ذلك".

وقد أشار "بلينيوس" إلى إن المعينيين كانوا يملكون اًرضاً غنية خصبة، يكثر فيها النخيل والأشجار، وكان لهم قطعان كثيرة من الماشية، وان السبئيين كانوا أعظم القبائل ثروة بما تنتجه غاباتهم الغنية بالأشجار من عطور وبما يبتاعونه من مناجم الذهب والأرضين المزروعة المرواة، وما ينتجونه من العسل وشمع العسل. كما كانوا ينتجون العطور.

وقد عدّ "سترابو" العسل في جملة المحصولات التي اشتهرت بها العربية الجنوبية، وذكر انه كثير جداٌ فيها.

وقد كان العرب الجنوبيون يتاجرون مع بلاد الشام، فيرسلون إليها قوافلهم مارة بالحجاز إلى أسواق بلاد الشام باًلطرق البرية التي لا يزال الناس يسلكونها حتى اليوم مع شيء من التحوير والتغيير. وقد عثر على كتابة دوّنها كبيران شكرا فيها الإله "عثتر"، لأنه نجاهما مع قافلتهما من الحرب التي كانت قد وقعت بين "مصر" وبين "مذي"، فوصلا معهما سالمين إلى مدينة "قرنو"، أي عاصمة "معين". وقد ورد أنهما كانا يتاجران مع "مصر" و "ا اشر"، أي "آشور"، و "عبر نهرن" "عبر نهران". وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن هذه الكتابة تشير الى حرب وقعت فيما بين السنة "220" والسنة "205" قبل الميلاد. أي في عهد "البطالمة"، وأن تلك الحرب كانت بين "الميديين" الذين أشير اليهم ب "مذى" وبين "البطالمة" الذين أشير اليهم ب "مصر"، لأنهم حكام مصر، أو الحرب التي وقعت فيما بين "السلوقين" وبين "البطالمة"، والتى أدت الى الاستيلاء على "غزة" سنه "217" قبل الميلاد. وقد كان العرب الجنوّبيون يتاجرون مع هذه المدينة التي تعتبر الميناء الذي يؤدي بالتجار إلى موانىء مصر.

وقد كانت "البتراء" أي "سلع" Sela أهم عقدة طرق يمر بها المعينيون والسبئيون. ومنها يتجه طربق نحو البحر الميت، لمن يريد ألاتجار مع بلاد الشام وطربق آخر ينتهي بغزة، لمن يريد الاتجار مع هذا الميناء المهم، الذي بقي العرب يتاجرون معه إلى أيام الرسول. وقد كَان "هاشم بن عبد مناف" ممن يتاجر معه، وبه توفي كما تذكر الأخبار.

وقد كان الذهب في رأس السلع التي حملها تجار العرب إلى الآشوربين وحكومات العراق وبلاد الشام،وفي التوراة ذكر للذهب الذي كان يجلبه العرب إلى العبرانبين، وقد أشرت إلى ما ذكره الكتبة اليونان عن الذهب عند العرب، ولعلهم كانوا يحملون الفضة اليهم كذلك. فقد كانت للفضة مناجم في جزيرة العرب. وقد ورد في أخبار أهل الأخبار إن "أبا سفيان" كان قد حمل فضة كثيرة معه لبيعها في أسواق بلاد الشام، كما سأتحدث عن ذلك فيما بعد، فلا يستبعد تصدير العرب للفضة لبيعها في تلك الأسواق في ذلك العهد.

أما منتوجات الحديد أو مصنوعات معادن أخرى، فلا نجد لها ذكراً في قائمة السلع التى كان يحملها التجار العرب إلى الخارج، بل يظهر إن أهل جزيرة العرب، كانوا هم الذين يستوردون مصنوعات المعادن من الخارج إلى جزيرتهم، فنجد في الأخبار انهم كانوا يفتخرون بالسيوف الهندوانية، أي المصنوعه بالهند، أو المعمولة من حديد هندي، أو المعولة على طراز سيوف الهند. وقد عثر المنقبون على مصنوعات معدنية، تببن لديهم انها من مصنوعات الرومان والروم، مما يدل على انها قد استوردت من الخارج، أو ان العمال والمشتغلين في الصناعات المعدنية، كانوا قد رأوا تلك النماذج فعملوا على محاكاتها وصنع أمثالها. ونظراً لتأخر الصناعة عند الجاهليين، وإلى نظرتهم الازدائية إليها وإحتقارهم لمن كان يشتغل بها، فلا يعقل ان تجد مصنوعاتهم المعدنية مكانة لها بين المنتوجات المماثلة لها في الأسواق ألخا رجية. لهذا اقتصرت صادرات جزيرة العرب إلى ألخارج على المواد الخام، المتيسرة في بلاد العرب، أو المستوردة من افريقية أو من الهند ومن وراء بلاد الهند، وأهمها العطور والطيب والجلود.

وكان "الطيب"، من أهم المواد التي تاجر بها العرب الجنوبيون. تاجروا بتصديره الى خارج العربية الجنوبية الى بلاد الشام ومصر والعراق وتاجروا به في الداخل أي في ألعربية ألجنوبية، وفي مواضع أخرى من جزيرة العرب. وقد عرف "الطيب" ب "طب" "طيب" في لغة المسند. ويستخرج الطيب من أنواع متعددة من الأشجار، ويجلب بعضه من الخارج من الهند.وافريقية، ويصدر الى مصر وأسواق بلاد الشام والعراق.

والبخور من المواد الثُمينة ذات السعر العالي بالنسبة لتجارة ذلك الوقت. والبخور ما يتبخر به، وثياب مبخرة مطيبة. وقد كانوا يحرقون البخور في المباخر، ويبخرون به المعابد والأصنام، كما كانوا يبخرون الضيوف، ويطيبون ثيابهم به. ومنه "القسط"، وهو عود هندي يتبخر به، يجاء به من الهند، يجعل في البخور والدواء، ويوجد قسط عربي. وورد "قسط اظفار"، قيل هو ضرب من الطيب وقيل من العود. وعندي أنه "قسط ظفار"، نسبة إلى "ظفار" قرب مرباط بالعربية الجنوبية، وتعرف ب "ظفار الساحل"، نسب إليها العود الذيَ يتبخر به لأنه يجلب إليها من الهند، ومنها إلى اليمن، كنسبة الرماح الى "الخط"، فإنه لا ينبت به، وإنما تجلب من الهند. وقد أشيرالى "العود" في الحديث. ورد: عليكم بالعود الهندي. وقيل هو القسط البحري.

و "المسك" من أنواع الطيب التي ورد ذكرها في القرآن الكريم، ويحفظ عادة في قوارير، وهو من الطيب الثمين التي يباع بأثمان غالية. وكانت العرب تسميه "المشموم". ويذكر علماء اللغة أن اللفظة معربة،عربت من أصل فارسي هو "مشك". ورد في الحديث أطيب الطيب المسك، واستعملوه في الطب، عالجوا به جملة أمراض.

والعنبر من المواد التي تذكر بعد المسك في العربية، وللأخباريين آراء في أصل العنبر، وأجوده ما يجلب من شحر عمان.

و "المرّ"، وهو "امرر" في المسند، من المواد الثمينة الغالية في قائمة المنتجات العربية التي تباع داخل البلاد العربية وخارجها، وقد أقبل العبرانيون والمصريون على استيراده وشرائه لاستعماله في الأغراض الدينية، فاستعمل في المعابد وفي التحنيط، واستعمل في جملة الأجزاء التي تدخل في الدهن المقدس. وذكر علماء اللغة ان "المر" كالصبر، دواء سمي به لمرارته. وقد عالجوا به جملة أمراض.

و "الصبر" عصارة شجر مرّ، وأجوده "السقطرى"، ويعرف أيضاً بالصبارة.

وأما "القرفة"، فإنها من المواد الثمينة كذلك، وتنبت في جزيرة "سيلان" بصورة خاصة. وتقشر ويستعمل قشرها، أو يستعمل دهنها الحاصل من ثمرها في بعض الأحيان. ويرى علماء اللغة ان "القرفة" ضرب من "الدار الصيني"، وهو أنواع، منه "الدار صيني" الحقيقي، ومنه المعروف ب "قرفة القرنفل".

و "القرنفل" من المواد المستوردة من الهند وما وراءها. وقد استعملوه طيباً، كما عالجوا به، وطيبوا به الأكل. وقد أشير اليه في شعر لأمرئ القيس،حيث أشار إلى رائحته الطيبة: وأشير اليه في شعر لعمرو بن كلثوم.

وقد ذكر "الكافور" في القرآن الكريم: )إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافوراً(. وفي ذلك دلالة على معرفة العرب به ووقوف قريش عليه واستعمالها له. وذكر أن الكأفور، طيب، أو أخلاط من الطيب تركب من كافور الطلع، وقيل يكون من شجر بجبال بحر الهند والصين.

وأما قصب "الذر يرة"، فهو "قليمتن"، أي "القليمة" في المسند، وهو "قصب الطيب". و "الذرور" عطر يجاء به من الهند، كالذريرة، وهو ما انتحت من قصب الطيب، وقيل هو نوع من الطيب مجموع من أخلاط. وبه فسر حديث عائشة: طيبت رسول الله لاحرامه بذريرة.

و "السليخة" نوع من ال Cassia، أي قشرة تؤخذ من شجرة القرفة، أو من أشجارها. وذكر علماء اللغة أن السليخة عطر، وكأنه قشر منسلخ، ودهن ثمر البان قبل أن يربب بأفاويه الطيب، فإذا ربب بالمسك والطيب ثم اعتصر، فهو منشوش. أي اختلط الدهن بروائح الطيب.

و "الكندر" ضرب من العلك، وقيل هواللبان، وقد عولج به. و "اللبان"، مشهور في العربية الجنوبية، وهو من حاصل الهند والعربية الجنوبية وافريقية، وهو ضرب من الصمغ، وذكر انه الكندر. وانه يصنع من عصير جملة أنواع من الشجيرات، ويستخرج من عصير يستنبط بشق قشر الشجيرة، وتجفيف العصير. وقد استخدم في المعابد. وأشير في سفري "أشعياء"، و "أرمياء"، إلى إن العبرانيين كانوا يستوردونه من "شبا"، أي من أرض "سبأ"، وأشهره من شجر عمان. وأحسنه ما في يجمع من موضع تجمعه قبل سقوطه على الأرض، أو تلوثه بمادة غريبة قد تتساقط عليه.

ولفظة "الكندر" من أصل أعجمي هو Cunduru، وهو من الألفاظ "السنسكريتية". فيظهر أن الكَلمة دخلت العربية من الهند.

وقد كانت في المعابد مخازن تجمع فيها أصناف الطيب والمر والبخور، وذلك للتصدير والبيع. وقد كانت تقوم بمهمة وسيط في البيع والشراء، تبيع ما تخزنه وتحصل بذلك على عمولة تستفيد منها وتدر عليها أرباحاً طائلة جداً، تثري منها. وهكذا نجد المعابد وهي تكاد تحتكر تلك المواد وتنفرد ببيعها إلى التجار.

ويقسم الطيب إلى ذكور الطيب وإلى إناثه. وذكور الطيب ما يصلح للرجال دون النساء نحو المسك والعنبر والعود والكافور والغالية والذريرة. وعرف هذا النوع ب " ذكارة الطيب". والمؤنث طيب النساء، كالخلوق والزعفران.

وورد إن "الغالية"، طيب عرف في زمن "معاوية"، وِذلك إن "عبد الله ابن جعفر" دخل عليه ورائحة الطيب تفوح منه، فقال له ما طيبك يا عبد الله ? فقال: مسك وعنبر جمع بينهما دهن بان. فقال معاوية: غالية أي ذات ثمن غال. وقيل أول من سماها بذلك "سلمان بن عبد الملك"، وانما سميت لأنها أخلاط تغلي على النار مع بعضها. والخلوق من طيب النساء،يتخذ من الزعفران وغيره، وتغلب عليه الحمرة والصفرة. وقد نهي عنه، لأنه من طيب النساء.

قوافل سبأ

وقد أشير في التوراة الى قوافل سبأ، وهي قوافل كانت تسير من العربية الجنوبية مخترقة العربية الغربية إلى فلسطين، فتبيع ما تحمله من سلع هناك. وقد كان السبئيون يسيطرون على العربية الغربية، حتى بلغت حدود مملكتهم أرض فلسطين. ولم تشر التوراة إلى وجود قوافل بحرية وسفن للسبئيين في البحر الأحمر، تتاجر مع فلسطين ومصر، ولم نعثر على كتابات باًلمسند تشير إليها، لذلك، فليس في استطاعتنا التحدث عن التجارة البحرية للسبئيين مع بلاد الشام.

سارت حكومة سبأ على سياسة التوسع التجاري، وهذا التوسع يقتضي السيطره على الطرق، فبذلت جهدها لبسط سلطانها على الطرق والمسالك وجعلها تحت نفوذها وحكمها. وبعد استيلائها على بقية الحكومات العربية الجنوبية الأخرى وضعت الطرق الجنوبية المؤدية إلى أرض اللبان والمواد الأخرى التي اشتهرت بها العربية الجنوبية، والى الموانىء والمرافىء التي تتاجر مع إفريقية والهند وتستورد منها السلع النفيسة الثمينة تحت نفوذها وحكمها، وحسنتها وشقت طرقاً جديدة لأغراض حربية واقتصادية، وبلطت بعض مواضع منها لتقاوم السيول والأمطار، وأحكمت جوانبها وحصنتها بالحجارة الصلدة حتى تقاوم السيول التي تنحدر من المرتفعات على هذه الطرق فلا تلحق الأذى بها. ولا تزال آثار تلك الطرق باقية، وقد كتب عنها السياح.

واتجهت نحو السيطرة على الطرق البرية المؤدية إلى بلاد الشام. ولهذه الطرق أهمية كبيرة بالنسبة إلى اليمن والعربية الجنوبية. وهى طرق موازية للطريق البحرية الممتدة في البحر الأحمر، ولها شأن خطير في التجارة العالمية. وقد أسست مواضع حراسة، لحراسة القوافل من قطاع الطرق ومن تحرش القبائل بها، ولعل أهل يثرب الذين يرجعون نسبهم إلى اليمن، هم من الرجال الذبن غرسهم السبئيون في هذا المكان لحماية قوافلهم التي تذهب الى بلاد الشام.

ووجه السبئيون أنظارهم نحو العراق وموانىء الخليج العربي كذلك،فاستخدموا الطربق الممتدة من نجران إلى "السليل" ومن هناك الى الخليج والعراق.

وتوجد آثار طرق جاهلية مبلطة تبليطاً حسناً وأخرى ممهدة تمهيداً فنياً. وقد أنشىء بعضها في أرض جبلية وفي أرضين وعرة، وذلك باستعمال الآلا ت بمهَارة فائقة فيَ قطع الصخور لانشاء هذه الممرآت. وقد زفّت بعض هذه الطرق وغطي بطبقة من الاسفلت، ووضعت عليهاُ صوى وترشد المارة، ولما كانت الطرق الطويلة المبلطة تبليطا" فنياً تحتاج إلى نفقات طائلة إلى أيدٍ عاملة كثيرة وإلى حكومة كبيرة غنية، لم يكن من الممكن يومئذ فتح طرق طويلة ممهدة تخترق جزبرة العرب، على شكل الطرق التي أنشأها الرومان في انبراطوريتهم، لسير القوات العسكرية عليها والتجارات فاقتصر على إقامة الطرق الضرورية القصيرة التي توصل المدن والقرى بالمواضع المهمة.

وقد كان اعتماد التجار على الحيوانات ولا سيما الجهل في نقل تجارتهم. أما العربات فلم تكن مستخدمة في أغراض تجارية في جزيرة العرب. ولم ترد إشارات إليها في نصوص المسند، ولا في النصوص الجاهلية الأخرى، ولا في أخبار أهل الأخبار. وقد ظل اعتماد التجار وأصحاب القوافل على الحيوانات طوال العهود الإسلامية إلى أواخر القرن التاسع عشر للميلاد، ففيه أخذ في تمهيد الطرق لسير وسائل النقل الحديثة عليها، فأخذت تنافس تلك الوسائل القديمة، وستقضي عليها في المستقبل بالبداهة.

والتجارة هي التي نقلت بعض الكتابات الشمالية إلى العربية الجنوبية، وأدخلت الكتابة الثمودية والكتابة النبطية إلى اليمن. وأصحاب الكتابتين من الشعوب المقيمة في العربية الشمالية كما هو معروف. فكتاباتهم لم تأت إلى هنا قافزة متخطية المسافة، بل جاءت مع أصحابها التجار الذين قصدوا هذه الأماكن للاتجار، ومن بينهم من سكن فيها واختلط بأهلها ومات فيها. وقد كتبوا فيها الكتابات التي عثر عليها بعض العلماء في أماكن متعددة من خرائب اليمن، وقد يعثر على عدد منها وعلى كتابات أخرى، قد يكون من بينها كتابات بلغات أعجمية في المستقبل بعد قيام بعثات الحفر بالتنقيب هناك.

الفصل التاسع والتسعون

ركوب البحر

والبحر فى رأي علماء العربية الماء الكثير، ملحاً كان أو عذباً، وقد غلب على الملح فقط، حتى قلَّ في العذب. وهو خلاف البر. وأطلق أهل العربية الجنوبية على البحر اللفظة نفسها التي نطلقها عليه، فيقولون "بحرم" أي بحر. وقد ذكر البحر في معاهدة التآخي والأخوة "تاخين" التي عقدت في القرن الرابع للميلاد بين ملك الحبشة "جدرت" والملك "يدع اب غيلإن " ملك حضرموت، لمقاومة ملك سبأ وذي ريدان. وذكر في النص المعروف بنص "أبنة"،حيث ورد: "وكل الت ذ بحرم ويبسم ومشرقم ومعربم ": ومعناه الحرفي: "وكل آلهة البحر واليابسة والمشرق والمغرب". وقد ذهب "رودوكناكس" إلى أن لفظة البحر تعني الجنوب، وأن لفظة "يبسم" "يابس" "يَبٌس" "يابسة" تعني الشمال، وأن معنى الجملة المذكورة: " وكل آلهة الجنوب والشمال والمغرب". وقد وردت اللفظة بمعنى "بحر" في نص"، "Glaser 830"، حيث جاء: "ببحرم ويبسم وكل تشعث وزبد"، أي "ببحر ويابسة وكل العطايا والهدايا".

ووردت لفظة "اليم" في القرآن الكريم، ويراد بها البحر. وقد ذكر بعض علماء اللغة انها لغة سريانية. وفي اللغة العربية ألفاظ أخرى مرادفة للبحرأيضاً، منها "القلمَّس"، و "الدأماء"، و "الكافر"، و " الحنبل"، و "الخضم"، و "العَيلْم"، وغير ذلك من ألفاظ ترد في كتب اللغة. ولجزيرة العرب سواحل طويلة تحيط بها من جميع جهاتها الثلاث، أما حدها الشمالي فهو أرض تتصل بالعراق وببلاد الشام. وقد عرف أهل السواحل البحر وعركوه، وعملوا على استغلال ثرواته قدر طاقتهم، وتعاملوا مع أهل السفن الذين كانوا يقصدونها من مسافات بعيدة، وركب جميع منهم السفن، للاتجار مع السواحل المقابلة لهم. فباعوا في أسواقها واشتروا، وقد أظهر أهل السواحل العربية الجنوبية والشرقية نشاطاً في ركوب البحر، لا نجده عند أهل السواحل الغربية، على ما يتبين من روايات أهل الأخبار.

ولتكوين رأي عن مدى وقوف الجاهليين على البحار وعلى مدى توغلهم فيها، وركوبهم أمواجها للتجارة أو للاستيطان في مواطن جديدة غريبة، لا بد لنا من الرجوع إلى مراجع لتستحلب منها مادة نكو"ن منها علمنا عن هذا الموضوع. والآثار هي أول ما يجب الرجوع اليه لاستخلاص هذه المادة، ولكنها ويا للاسف شحيحة، ليس فيها شيء كاف منها. وأما الموارد الأعجمية، مثل الموارد المدونة باليونانية واللاتينية والسريانية، فلم تتحرش بموضوع العرب والبحار وبتجارتهم في البحر. وأما الموارد الاسلامية، فهي بخيلة، ليس فيها ما يفيدنا عن العرب والبحر غير نزر يسير يفيد، إن أهل الجاهلية، كانوا يكرهون ركوب البحر، ويتهيبون منه، وانهم لم يكونوا يملكون سفنأَ لعبوره، حتى إن المهاجرين الأولين من المسلمين، لمّا هربوا من مكة إلى الحبشة، ركبوا سفنأَ بدائية حبشية، أوصلتهم إلى الحبشة، وان الخليفة".عمر" كان يتهيب ركوب البحر، وكان يوصي قواده بتجنيب جيوشهم مخاطره، والابتعاد عنه قدر الامكان، وبضرورة وضع أرض آمنة وراء الجيش ليكون في وسعهم الرجوع إليها عند المهالك والمآزق.

وانه لمّا كتب إلى "عمرو بن العاص"، يسأله عن البحر، فقال: خلق عظيم يركبه خلق ضعيف، دود على عود. كتب اليه "عمر" أن لا يركبه أحد طول حياته، فلما كَان بعد "عمر" لم يزل يركب حتى كان زمن "عمر بن عبد العزيز"، فاتبع فيه رأي "عمر". وكان منع عمر شفقة على المسلمين.

وقد عرف العربي عند الأعاجم ببغضه للبحر وبخوفه منه وبابتعاده عنه. ورد في حكم "أحيقار": "لا ترُِ العربي البحر، ولا تُرِِ الصيدوني "الصيداني الصحراء". وذلك لاشتهار العربي عندهم بسكنه في البوادي وبابتعاده عن البحر ولاشتهار أهل "صيدا" بركوبه وبقهر أمواجه.

وإذا كنا قد فشلنا في الحصول على صورة مفصلة واضحة عن العرب واليحر من الموارد التي أشرت إليها، وهي مادة المؤرخ في حصوله على مادته التأريخية، فليس لنا من سبيل لتكوين صورة ولو باهتة عن الموضوع، سوى الرجوع الى اللغة نستلهم من ألفاظها المتعلقة بالبحر وبوسائل ركوبه، ما فات وروده في تلك المصادر. فاللغة كما نعلم مظهر من مظاهر الحياة العقلية والعملية لكل أمة، وهي لم تخلق دفعه واحدة،ولم يأخذها الخلف عن السلف كاملة، وإنما خلقت بالتدريج وعلى قدر الحاجه، فإذا ظهرت أشياء جديدة خلق المتكلمون بها لها ألفاظاَ جديدة وإذا اندثرت أشياء، فقد تندثر ألفاظها. واللغة مثل الناطقين بها في حياة وموت مستمرين. وإذا حصرنا الألفاظ التي أطلقها الجاهليون على البحر وعلى وسائل ركوبه وعلى كل ما فيه، نستطيع اذن أن نعرف إذا كانوا يعرفونه عنه وماذا كانوا يجهلون من أمره.

فلنأخذ الألفاط المتعلقة بالبحر اذن سنداً لنا، من لغتنا العربية نستنبط منها علم الجاهليين به، مع العلم بأن هذه اللغة التي نزل بها القرآن الكريم لا يمكن أن تؤدي المهمة على أحسن وجه، لأنها لغة أهل بر"، وليس لأهل البر علم أهل الساحل به. والأحرى بنا الاستعانة بلغات أهل السواحل في مثل هذه الدراسة، لكننا لا نملك نصوصاً جاهلية مدوّنة بها، حتىنستنبط منها ما نريد، وليس في لهجات المسند عن البحر سوى نزر يسبر، ولكنا ما دمنا لا نملك وسيلة للإحاطة بعلم الجاهليين بالبحر سوى دراسة هذه اللغة، فما علينا إلا أن نتتيع ما جاء فيها عنه، وفي هذا الذي سنقف عليه تصوير لرأي المتكلمين بها باًلبحر،وهو تصوير يمثل رأي أهل البرّ عنه.

يقال لشاطىء البحر "الساحل" في عربية القرآن الكريم، وهوِ بمعنى ريف البحر وشاطئه. وقد وردت اللفظة في كتاب الله. وقد خصصت هذه اللفظة بالبحر، أما شط النهر، فقد عرف ب "الشاطىء". وبقال للساحل أيضاً "السيف" و "سيف البحر". وذكر علماء اللغة إن "العيقة" ساحل البحر وناحيته، وان "العدان"، موضع كل ساحل. وقيل هو الساحل نفسه.

وذكر إن " السيف ساحل الوادي، أو لكل ساحل سيف، وانما يقال ذلك لسيف عمان". وورد إن "الطف" و "الطفطاف" ساحل البحر.

و "القاموس"، بمعنى معظم ماء البحر، أو البحر، أو أبعد موضع فيه غوراَ، ووسط البحر، ولجة البحر، معظم البحر، ومنه بحر لجيّ، و "الشرم"، لجة البحر، وقيل موضع، وقيل هو أبعد قعره، أو الخليج منه. وقد ذكر "أمية بن أبي الصلت "الشروم" في وصفه جهنم:

فتسمو لا يغيبها ضـراء  ولا تخبو فتبردها الشروم

والشرم، مرسى من مراسي خليج السويس، بينهما ستة مراحل.

و "العوطب"، لجة البحر، أو المطمئن بين الموجتين، أو أعمق موضع في البحر، و "الدردور" موضع في البحر يجيش ماؤه، قلما تسلم منه السفينة، و يخاف منه الغرق. و "الخليج"، وهو من البحر، سمي بذلك لأنه يجذب من معظم البحر، والخور الخليج من البحر، وقيل مصب الماء في البحر، وقيل مصب المياه الجارية في البحر إذا اتسع وعرض، وقيل: عنق من البحر يدخل في الأرض، والغبُ الضارب من البحر حتى يمعن في البر.

وذكر علماء اللغة أن الجزيرة إنماُ سميّت جزيرة لانقطاعها عن معظم الأرض أو لما جزر عنه. و "البضيع"، الجزيرة في البحر، والبحر نفسه. وأما "الدبر"، فقطعة تغلظ في البحر كالجزيرة يعلوها الماء وينضب عنها.

والسفينة هي واسطة النقل على وجه الماء في الاْنهار وفي البحار. وهي من الكلمات المعروفة في عربيتا، وقد أشير إليها في شعر عمرو بن كلثوم: ملأنا البرّ حتى ضاق عنّا  وموج البحر نملؤه سفينا

وقد وردت لفظة "سفينة" و "السفينة" في القرآن الكريم، ويدل ذلك على انها من الألفاظ التي كانت معروفة ومستعملة بهذا المعنى في أيام ظهور ا لاسلام.

وعبر عن السفينة بلفظة أخرى هي "الفُلك"، وتقع على الواحد والاثنين والجمع. وقد وردت في مواضع متعددة من القرآن الكريم . كما يعبر عنها ب "مركب"، والجمع مراكب. ولو إن المركب كلمة عامة تطلق على كل ما يركب عليه، فالدواب هي مركب أيضاً لمن يركبها، غير إن "المركب" السفينة على سبيل التغلب والاصطلاح. وقد عبر القرآن الكريم عن السفن والمراكب بلفظة "الجاريات" و "الجوار"، و"الجارية" كما في هذه الاية: )وله الجوارِ المنشآت في البحر كالأعلام(، وكما في هذه الآية: )ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام(، وفي مواضع أخرى. و "الجارية" المركب أيضاً، صفة غالبة لأنها تجري على الماء.

وقد وردت لفظة "الفُلك" بصورة خاصة تعبيراً عن سفينة نوح الواردة في الطوفان. ويذكر بعض المفسرين أن السفينة، أيَ "الفُلك"، كانت مصنوعة من خشب الساج، )ذات ألواح ودُ سُرْ(، أي أن ألواحها قد التصقت بعضها ببعض ب "دسر" وهي المسامير.

وورد في القرآن الكريم: )والفلك التي تجري في البحر(. وورد في الشعر: جَوافِلَ في السراب كما استقلت  فلوك البحر زال بها الشـرير

والفلوك هنا جمع "الفلك"، وأما الشرير، فشجر البحر. ويظهر من هنا أن "الفلك" هي سفينة من سفن البحر. وهي من السفن الكبيرة. وقد ورد في القرآن أيضاً )في الفلك المشحون( أي السفينة المشحونة المملوءة كما ورد: )حتى إذا كنتم في الفُلك وجرين بهم بريح طيبة(. وفي هذه الآية معنى مهم، يدل على إحاطة الجاهليين بالبحر وركوبهم فيه، وتسييرهم لها بفعل الرباح. وقد وردت في القران الكريم إشارات الى صنع الفلك والى سيرها مواخر في البحر.

ويقال للسفينة: "البارجة" أيضاً، والجمع "البوارج". وذكر انها السفن الكبار، وانها سفينة من سفن البحر تتخذ للقتال.

و "القرقور": ضرب من السفن، وقيل: هي السفينة العظيمة أو الطويلة. والقرقور من أطول السفن. وجمعه قراقير. وفي الحديث: " فاذا دخل أهل الجنةِ الجنةَ ركب شهداء البحر في قراقير من درّ".

و "الخليّة" العظيمة من السفن، والجمع خلايا. قال طرفة: كأنّ حدوج المالكـية، غـدوة  خلايا سفين بالنواصف من دَدِ

وقال الأعشى: يَكُبُّ الخليةّ ذات القلاع  وقد كاد جؤجؤها ينحطم

وقيل هي التي يتبعها زورق صغير.

وذكر إن من أسماء السفن الكبيرة "الخلج". وقيل انها دون العدولية. وأما "الصلفة" فسفينة كبيرة، و "الزنبرية" نوع من أنواع السفن الكبيرة. و "القادس": السفينة العظيمة، وقيل صنف من أصناف المراكب، اْو لوح من ألواحها.

وقد ضرب "لبيد ين ربيعة العامري" مثلاً بسفينة "الهندي" في طولها وعرضها وفي إحكام عملها، عملها صانعها من صفائح مشبوحة ودهنها وسدّ المسافات التي تكون بين صفائح الخشب حتى لا ينفذ منها ماء البحر. مما يدل بالطبع على وقوفه عليها وعلى شهرة تلك السفن في تلك الاْيام.

وقد اًشار بعض الكتبة من اليونان واللاتين إلى نوع من السفن دعوه" Madarata" ذكروا أن ميناء"عمانه"، "Omana "كان قد اشتهر ببنائه. وقد صنعت هذه السفن من الألواح المشدودة بالليف. وقد رأى بعض الباحثين أن هذه اللفظة من أصل عربي، هو "مدرّ عات"، ويراد بها السفن المشدودة بدروع النخل. ورأى آخرون أنها من أصل "Mabarata"، جمع "معبر"من أسماء السفن في لغة بني "إرم".

وذكر علماء اللغة أن "االمِعبٌر" ما عبر به النهر من فلك أو قنطرة أو غيره، والمعبرة سفينة يعبر بها النهر. فالمعابر إذن من الوسائل المستعملة في عبور النهر على ما يظهر من شرح أولئك العلماء.

وقريب من هذا الوصف وصف نوع من السفن عرف ب "العمائم". ذكر علماء العربية أنه: عيدان مشدودة تركب في البحر ويعبر عليها. وهو نوع بدائي بالطيع لا يمكن أن يقارن بالسفن التي كانت عند الرومان واليونان. و"الطوف" قرب ينفخ فيها ويشد بعضها الى بعض، فتجعل كهيئة السطح يركب عليها في الماء ويحمل عليها الميرة والناس، ويعبر عليها، وهو الرمث. وربما كان من خشب والجمع أطواف. وذكر بعض العلماء أن الطوف التي يعبر عليها الأنهار الكبار تسوى من القصب والعيدان يشدّ بعضها فوق بعض، ثم يقمط بالقمط حتى يؤمن انحلالها ثم تركب ويعبر عليها، وربما حمل عليها الحمل على قدر قوته وثخانته، و يرسمى: "العامة".

والرمث خشب يضم بعضه إلى بعض كالطوف ويركَب عليه في البحر. وفي الحديث إن رجلاً أتى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقالّ: إنا نركب أرماثاً لنا في البحر ولا ماء معنا، أفنتوضأ بماء البحر. فقال: هو الطهور ماؤه الحل ميتته. قال اًبو صخر الهذلي: تمنيت من حبـيُّ عُـلـيَةّ أنـنـا  على رمثٍ في الشرم ليس لنا وفر

وذكر علماء العربية اسم نوع من السفن قالوا له: "البوصي". وقالوا انه فارسي معرب، وان الكلمة وردت في شعر" للاعشى. وُ ذكر أن "البوصي" الملاح، وقيل الزورق، وان الكلمة معربة "بوزي".

وذهب بعض علماء اللغة إلى إن "العدولية" الواردة في قول طرفة بن العبد: عدولية أو من سفين ابـن يامـن  يجور بها الملاّح طوراً و يهتدي

سفناً منسوبة إلى قرية بالبحرين يقال لها "عدولي"، اًو إلى قوم كانوا ينزلون هجر، أو إلى عدول، رجل كان يتخذ السفن. ولا يستبعد إن يكون مراد الشاعر من السفن "العدولية"، السفن القادمة من ميناء "أدولس" "عدولي" ميناء تجاري على ساحل الحبشة اشتهر بالتجارة قبل الإسلام.

ويظهر من شعر طرفة المذكور، إن رجلا" اسمه "ابن يامين" كان تاجراً يملك سفناً، وأن سفنه كانت تمخر العباب. وذكر أيضاً أنه كان بحاراً، وورد "ابن نبتل" بدلاً من "ابن يامين".

وذكر علماء اللغة أن من أسماء المراكب المائية الصغيرة: الزورق والقارب والركوة. والزورق، السفينة الصغيرة، وقيل هو القارب الصغير. و"الركوة" زورق صغير.

وقد عرفت السفن المستعملة في القتال بأسماء خاصة، منها البارجة، وهي سفينة من سفن البحر تتخذ للقتال.

والشراع هو "ماكنة" السفينة وقوتها المحركة الدافعة لها. ويقال له "القبِع" أيضاً، وجلّ كذلك. وقد ذكر علماء اللغة، أن الشراع كالملاءة الواسعة فوق خشبة من ثوب أو حصير مربوع وتر على أربع قوى، تصفقه الريح فيمضي بالسفينة. ويظهر من هذا الوصف أن أشرعة أهل الجاهلية كانت بسيطة، ولم تكن متداخلة كأشرعة الروم. والشراع البسيط على النحو المذكور، يكون ضعيفاً فاتر الهمة لا يتمكن من دفع السفن الكبيرة، بل وقد لا يتمكن حتى من دفع السفن الصغيرة بسرعة، بسبب صغر حجمه، ثم إنه لا يتمكن من الاستفادة من قوة الريح، ومن استخدام هذه القوة في توجيه السفينة بسرعة نحو هدفها،والسير بها في عرض البحر، بينما يتمكن الشراع المكون من عدة أقلعة، من الاستفادة من الريح، ومن دفع السفينة دفعاً سريعاً، ومن حملها الى عرض البحر، فيقلص من المسافات ويبعدها عن أخطار لصوص البحر، ولذلك لم تتمكن سفن أهل الجاهلية من مواجهة سفن الروم ومن تحديها، حين دخلت سفنهم البحر الأحمر والبحر العربي والمحيط.

والدقل: سهم السفينة، وهو خشبة طويلة تشد في وسط السفينة، يمد عليها الشراع. والجؤجؤ: صدر السفينة، و "المرنحة": صدر السفينة كذلك، وعرى "الدقل" ب "الدوقل" كذلك وتسميه البحرية "الصاري". و "الصاري" الملاّح أيضاً، لحفظه السفينة. و "القب"، رأس الدقل، و "القرية"، خشبة مربعة على رأس القب.

وأما الذي يعدل اتجاه السفن وبغير من اتجاهها، فهو "السُكّان"، وهو "الكوثل" أيضاً. وذكر أيضاً إن "السكان" ما تسُكن به السفينة تمنع به من الحركة والاضطراب. وذكر بعض علماء العربية إن "الكوثل" مؤخو السفينة، وفيه يكون الملاحون ومتاعهم. والأغلب انه "السُكّان"، ويعبر عنه ب "الحيزرانة" كذلك. وبلفظة أخرى هي "الدويطرة". وقد عرفت بأنها كوثل السفينة.

ويعرف سكان السفينة ب "الخيزرنة" وب " الخيزران". قال النابغة يصف الفرات وقت مدّه: يظل من خوفه الملاّح معتصماً  بالخيزرانة بعد الأين والنجـد

ويستعمل الملاحون "المجاديف" "المجاذيف" في تجديف السفينة.

و "المجداف" خشبة رأسها لوح عريض تدفع بها. ويقال له "المقذف" و "المقذاف" أيضاً. ولم يتطرق علماء اللغة ولا أهل الأخبار إلى عدد "مجاديف" السفينة الواحدة، أي إلى عدد رجالها الذين كانوا يجدفون بالمجاديف. فالسفن الكبيرة الضخمة تحتاج إلى عدد من المجدفين، قد يبلغون العشرات. وقد كانت سفن الروم، ذات طابقين بالنسبة للمجدفين، فيجلس عدد منهم في الطابق الأسفل، ويجلس فوقهم عدد آخر من المجدفين، لتسير السفينة بسرعة، وقد استخدموا هذه الطريقة في سفنهم الحربية بصورة خاصة، لأنها سفن، يجب إن تعتمد على السرعة وعلى خفة الحركة لتتمكن من التغلب على سفن الأعداء.

وأما "الُمردي"، فخشبة يدفع بها الملاّح السفينة. وذلك كي يحركها عند الشواطىء والسواحل حيث تكون المياه ضحلة. والقيقلان خشبة يدفع بها السفينة أيضاً.

ويقال للذي يشتغل في السفينة ويعمل على تسييرها "الملاّح"، ويقال له "صار" و "الصاري" أيضاً. وحرفته " الملاحة". و يقال للملاّح: "السفآن" كذلك، وهو الذي يشتغل في السفن،ويعبر عنه ب "النوؤي". والجمع "نوتية" و "نوّاتين". "وفي حديث علي، كرم الله وجهه: كأنه قلع داري عنجه وتية". وورد أن "النوتي" البحار، وهو من كلام أهل الشام. واللفظة من أصل يوناني.

و "الربّان"، أو "ربان السفينة"، هو قائدها الذي يجريها. ويرى علماء اللغة أنها دخيلة معربة.

ويقال للموضع الذي ترفأ اليه السفن "المرفأ". من أصل "رفأ" بمعنى أدنى. وورد في حديث "تميم الداري": "أنهم ركبوا البحر ثم أرفأوا إلى جزيرة". ويعبر عن " المرفأ" بلفظة " الكلاّء"و " المُكلا" أيضاً.لأنه يكلأ السفن من الريح، وذلك بحبس السفن فيه لحمايته من الريح ولإنزال ما فيها، وأخذ ما فيه من تجارة وناس. ويقال للمرفأ "الميناء" كذلك، وعرفوه بأنه الموضع الذي ترفاً فيه السفن. كما يقال له: "فرضة" و"فرضة البحر" و " المرساة"، البقعة التي ترسو السفينة.

ومن مصطلحات السفن في العربية، الشحن، فيقال شحنت السفينة شحناً بمعنى ملئت، ومخرت السفينة، أي جرت. وحبت السفينة، أي جرت، وجنحت السفينة جنوحاً إذا انتهت إلى الماء القليل فلزقت بالأرض فلم تمض، وجمحت جموحاً إذا تركت قصدها فلم يضبطها الملاحون، ويقال ماهت السفينة إذا دخل فيها الماء، ورست وأرست، إذا بلغ أسفلها ا القعر فثبتت،وإذا اًرسيت وسخرت أطاعت وطاب لها السير، وحدرت السفينة أحدرها، وتقاذفت في البر جرت، وشجتّ البحر قطعته. وهناك مصطلحات عديدة أخرى يشير ورودها في اللغة إلى معرفة في البحر وفي استخدام السفن في البحار.

وعند دنوّ السفينة من الأماكن التي تريدها، ترسو في مرفأ لتفرغ حمولتها أو لتحميلها أو لتزود بما تحتاج اليه من زاد وطعام، فتلقي بمراسيها في المرفأ تثبيتاً فلا تتحرك ولا تأخذها الأمواج ولا الرياح. وبسمي الملاحون الِمرساة "الأنجر"، ويكون من الخشب الصلب الثقيل أو حديداً أو حجراً كبيراً، وقد يكون على شكل كرة، وقد يكون على شكل مربع أو مستطيل، أو على شكل "خطاف"، أو حديد محجن. فإذا أرادت السفينة الرسو أنزل إلى الماء ليستقر على القاع فتثبت السفينة. وقد وصف "الأنجر"، انه خشبات يخالف بينها وبين رؤوسها وتشدّ أوساطها في كل موضع واحد، ثم يفرغ بينها الرصاص المذاب فتصير كصخرة، ورؤوس الخشب ناتئة تشد بها الحبال وترسل في الماء إذا رست السفينة، تعريب لنكر من أصل فارسي.

وقد ذكر علماء اللغة أن "السبابجة"، هم قوم من السند يستأجرون ليقاتلوا، وكانوا قوماً جلاوزة وحرّ س السجن في البصرة أيام الإسلام. وكان رئيس السفينة البحرية يستأجرهم ليكونوا معه يبذرقونها، أي يخفروتها ويقاتلون من بتصدى لها بسوء. وقد كانت بالأبلة التي عاشت قبل البصرة جاليات جاءت إليها من الهند، فقد كان الاتجار بين الهند وجنوب العراق وسواحل جزيرة العرب اتجاراً قديراً، وقد أقامت جاليات أخرى منها في موإضع من هذه السواحل، وقد أشتهرت إلى عثور العلماء على هياكل بشرية بأرض عمان، تمثل "الدرافيديين"، أي سكان الهند القدامى، والى وجود أثر لملامح هندية في سكان سااحل عمان تظهر عليهم حتى اليوم.

وصناعة السفن الكبيرة تحتاج إلى أخشاب صلدة قوية والى مسامير من حديد تستعمل في ربط الألواح والأخشاب بعضها ببعض، والى أيدي فنية عاملة، وعلم بهندسة بناء السفن. ولم تتيسر هذه الأشياء في جزيرة العرب. فالخشب الصالح لبناء السفن غير موجود في أكثر أنحائها، و لهذا اقتصرت صناعة السفن على السفن الصغيرة في الغالب، وهي سفن ليس في مقدورها اختراق آفاق البحار الكبيرة والمحيطات، والتجول بحرية في أية ناحية كانت من نواحي البحار الواسعة. ولم يكن لها إلاّ السير في محاذاة السواحل، و هو سير يكلفها كثراً، و على السفن أن تقطع مسافات طويلة معرضة نفسها لمخاطر الاصطدام بالصخور الكامنة في المياه ولهجمات لصوص البحر الجائعين و للجوء إلى مراسي كثيرة طلباً للماء العذب والزاد، ولتمضية وقت طويل، على حين لا تحتاح السفن الكبيرة إلى كل ذلك، فهي قادرة بفضل متانتها وقوة صنعها من اختصار المسافات وتقصير الوقت وحماية نفسها من هجمات لصوص البحر باستخدام الرياح البحرية، وقطع البحر باستقامة و بحُرية إلى أي ميناء يريده الربان.

وكان على أصحاب معامل السفن العرب استيراد الخشب القوي الصالح لبناء السفن من الخارج، أو شراء السفن جاهزة من الأسواق الخارجية، وفي كلتا الحالتين يتكلف المشتغلون بالتجارة البحرية تكلفاً باهظاً ويكونون عالة في قوتهم وفي أعمالهم على الخارج. وهذا ما سهّل للرومان واليونان والفرس مزاحمة الدول العربية الجنوبية في البحر الأحمر وفي المحيط الهندي، ومن إنزال خسائر فادحة في ثروة العرب، أثرت أثراً كبيراً في الأوضاع السياسية والاقتصادية لجزيرة العرب، كما أثرت عليها من الناحية العسكرية إذ جعلت السواحل كل مكشوفة مفتوحة من الوجهة الحربية فأنزلت الدول الكبرى في مواضع منها قواتاً لحماية مصالحها التجارية وقوافلها الحربية وذلك قبل الميلاد وبعد الميلاد إلى ظهور الإسلام.

والساج من أثمن الأخشاب وأنفسها في صناعة السفن، فهو خشب مقاوم صلب، وقد استورد من الهند. ويظهر انه هو الخشب الذي ذكر "ثيوفراستسوس"،Theophrastus، انه كان بجزيرة "تيلوس"Tylus ويقصد بها البحرين، والخشب الذي كان في ميناء "عمانة" عمان الذي أشار اليه صاحب مؤلف "الطواف حول البحر الأريتيري"، والذي ذكر انه خشب مستورد من ميناء "بريجازا" بالهند.

وقد صنع الجاهليون سفنهم وقواربهم بأيديهم، مستعينين بالخشب المستورد وبالخشب المحلى. صنعوها في مواضع متعددة من سواحل جزيرة العرب، ولا سيما على سواحل الخليج، حيث تيسر لسكانها استيراد الخشب الصالح لبناء السفن من الهند. وهي صناعة لا تزال حية، إلا إن الهرم بدأ يظهر عليها، وأخذت تتقلص، وأوشكت على توديع الدنيا، لتراكم الأمراض عليها، ولعجزها عن مد نفسها بمقومات الحياة الملائمة لعصر السرعة.

وتتكون السفن الكبيرة الجيدة من سقائف، وهي ألواح السفينة. وكل لوح سقيفة. وقيل إن اللوح من ألواح السفينة، هو القادس وأما ما بين كل خشبتين من السفينة، فيقال الطائق. وتخرز السفن بالليف، ويجعل في خللها القار والجلفاط الذي يجلفط السفينة، وهو أن يدخل بين مسامير الألواح، وخروزها مشاقة الكتان، ويمسحه بالزفت والقار، وقد تطلى السفن بالقار، وتدسر. ويراد بالدسر المسامير لغاية التسمير والتدسير. وبقال للموضع الذي يجتمع فيه اغلماء الراشح جمة المركب.

ولم ترد في نصوص المسند المصورة صورة سفينة نهتدي بها إلى معرفة أشكال السفن عند إلعرب الجاهليين. كذلك لم يعثر المنقبون حتى الآن على صورة لها في النصوص التي ظفر بها في أماكن أخرى من جزيرة العرب. ولا يستبعد ان تكون سفن العرب انواعاً متعددة، بحسب أغراضها ووفرة ألخشب الصالح لبناء السفن وعلى قدر اختلاط سكان السواحل بغيرهم من اصحاب السفن. ولا أستبعد أن يكون أهل العربية الجنوبية والعربية الشرقية قد تأثروا بصناعة السفن اليونانية والساسانية والهندية والافريقية لاختلاطهم بهم، ومجيء سفن هؤلاء إلى مراسي السواحل ا لعربية، ولتمكنهم من شراء الخشب الصلد الصالح لبناء السفن من افربقية والهند.

ولم تتمكن سفن ذلك اليوم، وحتى أعظمها وأكبرها من مناطحة عواصف البحار ومقاومة أمواجها، فكثرت أمراضها و عللها، وفي جملتها ااخروق التي كانت تصيب مواضع اتصال ألواحها، فتقكك أوصالها فتهلك، ويتعرض أصحابها إلى خسائر كبيرة أضف إلى ذلك تعرضها إلى تحرش لصوص البحر بها، الذين كانوا يترصدون السفن، فإذا وجدوا فرصة مناسبة، هاجموها لأخذ ما قد يقع في أيديهم من حمولتها النفيسة. ولهذا كانت أجور نقل التجارة بالسفن عالية، لتعوض عن خسائر السرقة والغرق، ثم إن أجواف تلك السفن كانت صغيرة، لاتتحمل حملاً كبيراً، فصار أصحابها لا يحملّونها إلا السلع الغالية التي لا تحتاج إلى مكان كبير وا التي تتحمل أرباحها دفع الأجور الغالية عن نقلها الى المواضع التي يراد ايصالها إليها.

ولا يتسع هذا المكان لذكر كل الألفاظ والمصطلحات التي لها علاقة بالبحر، فهناك أسماء لمختلف أنواع السفن، وأسماء أدوات كثيرة استعملت في السفن، وأسماء للساحل وللجزر وللنياتات البحرية زغير ذلك وردت في كتب اللغة، واليها يجب إن يرجع من يريد المزيد من هذه الألفاظ والمصطلحات، غير إن علينا إن ننتبه الى إن في هذه المصطلحات، مصطلحات عديدة دخلت العربية في الإسلام. وتفيد هذه الألفاظ والمصطلحات فائدة كبيرة في الوقوف على مدى تأثر البحرية العربية الجاهلية بالبحرية الأجنبية، وذلك بدراسة أصول هذه الألفاظ والمصطلحات لمعرفة المكان الذي جاءت منه والشعب الذي مون البحارة العرب بها.

الفصل المئة

التجارة البحرية

وليس في كتابات المسند التي وصلت الينا شيء عن التجارة البحرية. ولا يعقل بالطبع ألا يكون لسكان سواحل جزيرة العرب علم بالبحر، والا تكون لهم سفن مهما كان حجمها، كانوا يركبونها في اتجارهم مع افريقية ومع بلاد الهند وايران. فقد علمنا أن العرب الجنوبيين كانوا قد اقاموا دولة "اكسوم" في الحبشة. وقد رأينا أن من المستشرقين من يرى أن أصل كلمة "حبشت" "حبشة"،من أصل عربي، وأن "الحبشة" أرض في العربية الجنوبية في الأصل، منها هاجر الحبش، سكان تلك الأرض، وهم من العرب فنزلوا بالأرض، التي سميت باسمهم في إفريقية، وقد رأينا أيضاً أن العرب امتلكوا السواحل الأفريقية المقابلة للعربية الجنوبية أمداً طويلاً، كما امتلكوا بعضاً منها في الإسلام الى عهد غير بعيد، ولا يعقل بالطبع ذهابهم إلى تلك السواحل و نزلوهم بها بغير ركوب سفن، ولا يعقل أن يكونوا قد ذهبوا إليها بسفن أجنبية، بل لا بد وأن يكونوا قد عبروا إلى تلك السواحل بسفن كانت تعود لهم، ولا بد وأن لهم أسطول تجاري كانوا يمخرون به عباب البحار للاتجار.

وقد رأينا من كتب بعض الكتبة اليونان واللاتين إن الصومال كان يحكمه حكام عرب، وان التجار العرب كانوا يشاهدون بكثرة في "رهابتا" "Rahapta"، على مقربة من "زنجبار". وان مؤلف كتاب "الطواف حول البحر الأريتري"،كان قد ذكر إن رئيس "معافر" كان يحكمها بموجب حق قديم. وان أهل مدينة،"Muza" يحكمونها باسمه،ويبعثون إليها بسفن تجارية يديرها ربابنة ووكلاء عرب ألفوا أهل البلاد، واختلطوا بهم، وصاهروهم، وخبروا الساحل،واطلعوا على لغتهم.

إن خلوّ كتابات المسند من كل إشارة إلى البحر والى السفن والى الاتجار مع الأقطار الواقعة على السواحل، لأمر يؤسفنا كثيراً،فقد حرمنا الكلام على البحرية العربية وعلى علم العرب الجنوبيين بالبحار، وبات علمنا بالتجارة علماُ ضئيلاً محدوداً، وليس لنا إلا التطلع إلى المستقبل، فهو، وحده الكفيل بزيادة علمنا في هذا الموضوع.

وقد كان أكثر ثراء العربية الجنوبية من التجارة، التجارة البرية والتجارة البحرية، والاتجار بالمواد الناتجة في جزيرة العرب ذاتها، والاتجار بالمواد المستوردة من الخارج ولا سيما السواحل الافريقية أو الهند.

وقد كان الاتجار مع افريقية سهلاً يسيراً بالنسبة إلى تجار العربية الجنوبية،ولا سيما تجار اليمن. فإن الشقة بين سواحل افريقية وسواحل اليمن ليست واسعة كبيرة، ولهذا كان في استطاعة السفن الشراعية إن تقطعها بدون مشقات وصعوبة كبيرة. تذهب إلى افريقية تحمل إليها حاصلات اليمن، ثم تعود إليها وهي محملة البضائع الافريقية الثمينة، مثل الأخشاب والعاج. وبضاعة ثمينة أخرى: بضاعة حية تتحرك وتنطق، هي الزنوج. يستوردونهم شراءً من أسواق النخاسة، أو اقتناصاً من السواحل، لحاجة البلاد إلى استخدامهم في الانتاج وفي أداء الخدمات التي يأنف العربيِ عادة من القيام بها. وقد كان هذا الوارد عصاً حساساً في الانتاج في ذلك العهد.

ولم ترد في كتابات المسند التي عثر عليها في جزيرة العرب ويا للأسف معلومات عن أسفار العرب البيرية، لا إلى سواحل افريقية ولا إلى سواحل الهند وجنوب ايران. ولكن وجود السبئيين في الساحل الافريقي وتكوينهم حكومة هناك، ثم احتلال الحبش للعربية الجنوبية الغربية مراراً، وذهاب المسلمين الأوائل مهاجرين إلى الحبشة، وحث الرسول لهم على الذهاب الى أرض الحبشة، لأن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد. وهي أرض صدق. وذهاب المسلمين إلى مرسى "الشعيبة" للسفر منه بسفن التجار إليها، كل ذلك دليل على وجود اتصال بحري بين افريقية واليمن.

وقد أشرت في الجزء الثاني من هذا الكتاب، إلى عثور العلماء على كتابات معينة في جزيرة "ديلوس" Delos من جزر اليونان، وهي نصوص ذات أهمية كبيرة بالنسبة إلى بحثنا هذا، فإنها ترينا وصول المعينيين الى هذه الجزيرة وأقامتهم فيها، واتجارهم مع اايونان، ومن يدري، فاهلّهم كانوا قد توغلوا شمالاً أيضاً، ونزلوا بلاد اليونان، وتاجروا هناك، ومع شعوب أوروبة في ذلك الى العهد. وقد ورد في نص من هذه النصوص: "هنا" أي "هانئ"،و"زيد ايل" من "ذي خذب"، نصبا مذبح ودّ وآلهة معين ب "دلث"، أي ب "ديلوس". وقد كتب بالمسند، وباليونانية، وقد جاء في النص اليوناني: "يا ودّ إلَه معين يا ودّ". وفي هذا النص والنصوص الأخرى دلالة على وجود جالية معينية في هذه الجزيرة وسكناها فيها، وعلى تعلقها بدينها وبآلهتها وعدم تركها لها حتى في هذه الأرض البعيدة عن وطنها. و من يدري? فلعلّها كانت على اتصال ببلادها، وكانت تتجر معها، فترسل إليها حاصلات اليونان و منتوجات أوروبة وتستورد منها حاصلات اليمن والعربية الجنوبية وافريقية والهند.

وقد أشرت في ذلك الجزء أيضاً إلى عثور العلماء على كتابة معينية بمصر، كتبت حوالي سنة "263" قبل الميلاد، وذلك بالجيزة. وهي كتابة قصيرة، ولكنها ذات أهمية كبيرة، لأنها تشير إلى وجود المعينيين بمصر في ذلك العهد. وعن وجود صلات تجارية ربطت بين مصر وجزيرة العرب من البرّ والبحر. وهي تتحدث عن رجل اسمه "زيد بن زيد ايل" من "آل ظبرن"، اعترف بوجود دين عليه وواجب هو توريد وتزويد " ابيتت الالت مصر"، أي "بيوت آلهة مصر"، أو "معابد الهة مصر" ب "امررن وقليمتن" "قليمتن"،أي ب "المرّ والقليمة"،ويقصد بلفظة "قليمتن" "قلمتن"، ما يقال له "Calamus"، في الانكليزية و "Kalamus" في الألمانية، ويراد به ما يقال له قصب الذريرة أو قصب الطيب. و "امررن"،بمعنى " المر"، وهو معروف مشهور عند العرب، ودواء كالصبر مرّ، استعمل في معالجة أمراض عديدة. وقد كان ذلك في شهر "كيحك" من السنة الثانية والعشرين من حكم الملك "بطلميوس". وقد ذهب "رودوكناكاس"، "Rhodokanakis" ناشر النص المذكور ومترجمه إلى احتمال كون "زيد ايل" كان كاهناً في معابد مصر، ولو كان من أصل غير مصري، فقد كان المصريون قد تساهلوا في هذا العهد - كما يرى - فسمحوا للغرباء بالانخراط في سلك الكهان وخدمة المعابد، وتساهلوا مع "زيد ايل" هذا فأدخلوه في طبقة"اويب"، "Ueeb"، وانتخبوه كاهناً ليضمن لهم الحصول على المرّ والقليمة بأسعار رخيصة لاستيراده اياها باسمه ومن موطنه مباشرة من غير وساطة وسيط.

وقد ذهب "رودوكناكس" أيضاً إلى إن "زيد ايل"، كان يستورد المرّ والقليمة لحسابه الخاص ومن ماله، بل لحساب المعابد المصرية ومن أموالها. فلم يكن هو إلا وسيطاً وشخصاً ثالثاً يتوسط ببن البائع والمشتري، يشتري تلك المادة ويستوردها باسمه، ولكنه يستوردها للمعابد ولفائدتها. وهو لا يستبعد مع ذلك احتمال اشتغاله هو لنفسه وعلى حسابه في التجارة، يستوردها لنفسه ويبيعها في الأسواق، ويتصرف بالأرباح التي تدرها كما يريد. وهو لا يستبعد أيضاً احتمال مساعدة المعابد له بتجهيزه بالمال لتقوية رأس ماله، أو انتشاله من خسارة قد تصيبه.

وقد أصيب هذا التاجر كما يظهر من هذا النص بخسارة كبيرة في شهر "حتحر" ربما أتت على كل ما كان يملكه، فهبت المعابد المصرية لإنقاذه، واعادة اعتباره المالي اليه، بإسناده بتقديم أقمشة ال "بص" "بوص" اليه. وقد أخذها وصدرها في سفينته التي يستورد بها المرّ والقليمة إلى الأسواق، فربح منها. واستورد المرّ و القليمة وأعاد إلى المعابد ثمن ما أخذه منها من تلك السلعة، وأدى ديونه في شهر "كيحك". وقد عاد اليه اعتباره وأنقذ من تلك الضائقة المالية التي حلت به بمدة قصيرة لا تتجاوز شهراً كما يرى ذلك "رودوكناكس".

ولم يذكر النص اسم الجهة التي ذهبت السفينة إليها، ولا اسم الموضع الذي ارسل "البوص" اليه، ولا اسم المكان الذي استوردت القليمة وكميات المرّ منه. و "البص" "البوص"، هو "البز" في عربيتنا. والبز: الثياب، وقيل ضرب من الثياب، وبائعه البزاز. ويظهر انه كان من الأصناف الجيدة، التي امتازت مصر به، فاشتهر في الخارج، فكان يصدَّر إلى الأسواق الخارجية. وهي لفظة معربة، عربت من أصل يوناني هو "Vissas"، ومعناه نسيج كتان، ونسيج من كتان هندي رقيق جداً.

لقد كانت حكومة البطالمة قد احتكرت صناعة نسيج الكتان وتجارة البزّ "بوص"، وبيع المرّ والبخور والعطور والصبر وغير ذلك. وكانت تنتهج في خطتها الاقتصادية نهج احتكار الدولة بيع السلع الرائجة المهمة. نعم، سمحت للتجار المستوردين باستيراد ما يشاءون من المر والبخور واللبان والصمغ والصبر وما شاكل ذلك من الخارج، ولكنها لم تسمح لهم ببيعها أو تحويلها أو تغيير شكلها من غير استئذان الحكومة وموافقتها، ذلك لأنها تعدها من المواد الداخلة في دائرة الانحصار والاحتكار "Statesmonopol"، والتابعة لمراقبة الحكومة.

أما نسج "البوص" "البص" البز، فقد أودع أمره إلى المعابد، تشرف عليه وتدير صناعته، ورثت ذلك من عهود سبقت أيام البطالمة،وذلك في مقابل السماح لها بأخذ ما يحتاج إلى استعماله في المعابد أو لحاجات رجال الدين الخاصة، وتسليم بقية ما ينسج إلى دوائر الحكومة المختصة لبيعه الناس.

ويظهر من المؤلفات اليونانية واللاتينية أن العرب كانوا يملكون سفناً في البحر الأحمر وفي البحر العربي وفي الخليج، إلا أن سفنهم لم تكن ضخمة، ولهذا لم تتمكن من مجابهة السفن الرومانية والسفن اليونانية حين نزلت تلك البحار. لأنها كانت أضخم منها، وكانت ذات أربعة صفوف من المجاذيف، كما أنها كانت سريعة الحركة وذات مرونة في الاستدارة وفي الالتفاف وفي والانتقال،وذلك بفضل أشرعتها التي طوّرت تطويراً كبيراً ليناسب تطورها هذا فعل الرياح بها، ولتتمكن من السير مع الأهوية أو ضدها، وبسبب اخر هو تطوير هندستها بصورة مستمرة، لتجاري التيار ولتقطعه بكل سهولة، دون أن يعيقها أو يلحق أذى بها. وبفضل هذا التطوير تمكنت تلك السفن من التغلب على السفن العربية، ومن ملاحقة لصوص البحر "القرصان" الذين كانوا يتحرشون بالسفن ليأخذوا ما فيها، بسفنهم الصغيرة البدائية،وبذلك صار في مستطاع السفن اليونانية والرومانية دخول الموانئ العربية والموانئ الافريقية ومن الوصول إلى الهند.

وقد أشار "أغاثرشيدس" إلى هذا التفوق، كما أشار اليه "سترابو" في أثناء كلامه على حملة "أوليوس غالوس" وعن خطأه في تقدير موقفه من البحرية العربية. فقد ذكر "سترابو" أن "أوليوس غالوس" ظن أن للعرب سفناً كبيرة في البحر وأنها ستظهر أمام سفنه وستقاومه، لهذا أمر ببناء سفن طويلة لمجابهة تلك السفن، مع أن العرب قوم تجارة وبيع وشراء، ولم يكونوا أمة حرب، لا في البحر وحده، بل في البر أيضاً. ومع ذلك بنى ما لا يقل عن ثمانين سفينة حربية، منها سفن ذوات صفّين من المجاذيف ومنها ذوات ثلاث، ومنها ذوات صف واحد... ولما أدرك خطأه ابتنى مئة وثلاثين سفينة للحمل، ركب فيها نحو من عشرة آلاف من المشاة.. وبعد أن خسر كثيراً من سفنه، غرق عدد منها وغرق من فيها من بحارة، وذلك بسبب صعوبة الملاحة لا بمقاومة من عدو.

ولا نجد في كتب أهل الأخبار ما يشير إلى وجود قوى بحرية عربية، بل نجد فيها أن سفن الروم كانت هي التي تمخر عباب البحر الأحمر وكانت هي المهيمنة عليه وأنها كانت تصل إلى سواحل افريقية وتذهب إلى الهند. ونجد فيها أن سفن الحبشة كانت تأتي "الجار" و "الشعيبة"،وموانئ عربية أخرى لتتاجر معها، وأن سفن الساسانيين كانت تهيمن على مياه الخليج العربي والبحر العربي،ثم نجد في روايات أهل الأخبار عن كيفية احتلال الحبش لليمن واحتلال الفرس لها وعن هجرة المهاجرين الاولين من مكة إلى الحبشة ووصفهم لكيفية بناء الكعبة وأخذهم لخشب سفينة رومية ما يؤيد أن الجاهليين لم يكونوا يملكون سفناً كثيرة كبيرة قوية في ذلك العهد، وأنهم كانوا قد تركوا البحر إلى غيرهم منذ عهد قبل الإسلام.

ويعود تفوق سفن اليونان والرومان على السفن العربية في البحار الى ما قبل الميلاد. لا بل نستطيع أن نرجع هذا التفوق إلى ما قبل أيام اليونان والرومان، نستطيع أن نرجعه الى أيام المصريين. فقد ورد في أخبارهم انهم أرسلوا سفنهم إلى البحر الأحمر فوصلت إلى السواحل الأفريقية،وانهم كانوا قد حفروا قناة لتصل بين نهر النيل والبحر الأحمر، فيكون في وسع السفن القادمة من البحر الأبيض من اليونان أو من ايطاليا أو من أي مكان آخر دخول نهر النيل والمرور من القناة الى البحر الأحمر ثم إلى المحيط للاتجار مع أسواق البلاد الجارة، والعودة من تلك الأسواق بحاصلات آسيا وافريقية إلى اوروبة. وهو مشروع يدل على ذكاء وحنكة في السياسة، مهّد الدرب لمشروع قناة السويس الحديث.

ولما استولى "دارا" "داريوس" على مصر، قرر اعادة ذلك المشروع المصري القديم، الذي كان قد اندثر وأكلته الرمال. بأن أمر بشق قناة تصل النيل بالبحر الأحمر عن طريق الفرع البلوزي أحد فروع النيل القديمة، بالقرب من الزقازيق، مخترقة وادي الطميلات ثم البحيرات إلى السويس. وهو مشروع يدل على ذكاء ذلك الملك وادراكه لأهمية ربط البحرين بطريق مائي، والى ما فيه من فوائد في السياسة وفي الاقتصاد وفي الناحية العسكرية.

ووضع "الاسكندر" الأكبر مشروعاً خطيراً آخر يفوق كل ما وضع من قبله من مشاريع. فقد وضع خطة السيطرة على المياه الدافئة بالسيطرة على سواحل جزيرة العرب،وذلك بالاستيلاء عليها، ويكون بذلك ملك أكبر انبراطورية عرفت حتى ذلك اليوم تمتد من الهند إلى مصر وما وراء مصر من أرضين. وقد كلف قوّاده بالالتفاف حول جزيرة العرب، وباشروا بتنفيذ الأمر بالفعل،وقد رأينا قائده "نبرخوس" " Nearchus"،على رأس أسطول ضخم، لعله أعظم أسطول شاهده الخليج والبر العربي حتى ذلك العهد، وقد رأينا كيف قرر الإحاطة بجزيرة العرب من الجنوب والغرب بالسيطرة على سواحلها وانشاء أسطول يمخر المياه المحيطة بها، بعد أن هيمن على السواحل الشرقية. وقد استعان نفسه بخبرة الفينيقيين وعلمهم بالبحر. نقلهم إلى هذه المياه وكلفهم بناء السفن له، وبإدارتها له. ولو قدر للأسكندر أن يعيش طويلا لتحقق مشروعه الضخم، ولكن القدر قضى عليه مبكراً، فمات مشروعه معه، ولم يكن لخلفائه ما كان لسيدهم من عزم، فتركوا المشروع، ولم يتحمسوا له.

وقد أدرك البطالمة قيمة القناة القديمة التي كانت تربط النيل فالبحر المتوسط بالبحر الأحمر، فأمر "بطلميوس الثاني" "185 - 146 ق. م." بإعادتها، ومكن بذلك تجاره من دخول البحر الأحمر ومن نقل التجارة من أسواقها الأصلية إلى مصر، ومنها الى أسواق اليونان والرومان وسائر بلاد أوروبة بالطرق المائية وضبط بذلك الممر المائي، العالي القديم، هذا الممر الذي فتح ذهن "دلسبس" فيما بعد فجعله يفكر في موضع أصلح رآه في المكان الحالي المعروف ب "قناة السويس" القناة العالمية التي تلعب اليوم دوراً خطيراً في الاقتصاد العالمي وفي السياسة الدولية والموقف الحربي للدول.

وعينّ البطالمة موظفين خاصين مهمتهم الإشراف على إدارة التجارة البحرية وسير السفن. فنجد في كتابة تعود إلى سنة "130" قبل الميلاد إشارة إلى موظف كان مسؤولاً عن سير السفن وعن الطريق الصحراوية الممتدة إلى قفط، ونجد أخباراً تعود إلى ما بين سنتي 120 و 110 قبل الميلاد تتحدث عن سفن كانت تسير بين مصر والهند، كما نجد فيها وفي نصوص تعود الى عهود متأخرة عن هذه اشارات إلى وجود موظفين مسؤولين عن البحرين الأحمر والهندي.

وقد كان لوقوف "هيبالس" " Hippalus"، وهو أحد اليونان أو الرومان على سرّ الاستفادة من الرياح الموسمية في تسيير السفن وفي تقصير الوقت في قطع المسافات، وفي تمكينها من الابتعاد عن أخطار السير في محاذاة السواحل أهمية كبيرة في تطوير فن الملاحة الأوروبية بالنسبة لذلك العهد. ويمكن اعتبار وقوف هذا الملاح على هذا السرّ من أهم الأحداث البارزة التي حدثت في ذلك العهد والتي مكنت الغربيين من التوفق في البحر بالنسبة لتلك الأيام. أضف إلى ذلك أن الذين خبروا البحر وعركوه من بعده أضافوا ما استفادوه من فنه ومن علم من تقدم عليه علماً آخر مكن البحارة البطالسة ثم الرومان الذين جاؤوا من بعدهم فحكموا مصر، ثم اليونان من السيادة على البحار ومن انتزاع المغانم من التجار العرب ومن غيرهم ومن إلحاق ضرر بالغ بهم، وبذلك وضعوا لمن جاء بعدهم من دول أوروبة خطط السيطرة على البحار وعلى العالم القديم.

ويعدّ القيصر الروماني "أغسطس قيصر" من أهم القياصرة الذين وجهوا أنظارهم نحو الشرق، ونستطيع إن نقول انه خليفة "الاسكندر الأول" في هذا الباب، ومن أساتذة "نابليون" في خططه العسكرية الرامية إلى السيطرة على الشرق. لقد نوى الاستيلاء على بلاد العرب، وربما على ما وراء بلاد العرب من أرضين، وكانت غايته من هذه النية - كما قال سترابو - "إما إن يسترضي العرب، وإما إن يخضعهم، كما انه فعلت في نفسه الروايات الشائعة منذ القدم إن العرب قوم واسعو الثراء، وانهم يستبدلون الفضة والذهب بعطرهم وحجارتهم الكريمة، دون إن ينفقوا مع الغرباء ما يحصلون عليه في مقايضاتهم التجارية. فأمل أحد أمرين: إما إن يحصل على أصدقاء موسرين، وإما إن يتغلب على أعداء موسرين".

واذا كان "أغسطس" قد أخفق في تحقيق مشروعه في احتلال جزيرة العرب،فإنه لم يهمل ناحية الاستفادة من البحار، فشجع الملاحين، وزاد عدد السفن الذاهبة إلى الهند، وقد كان عددها لا يزيد على عشرين سفينة في السنة الواحدة قبل أيامه، فارتفع عدد ما يصل إلى الهند منها إلى ما لا يقل عن "125" سفينة في السنة الواحدة. وقد أقام اليونان والرومان معبداً في موضع "Mauziris"،على ساحل ال"مالابار" في أيام "أغسطس"، ووجود هذا المعبد في هذا الموضع دليل على المدى الذي وصل اليه التجار اليونان والرومان في بلاد آسية، وعلى مقدار تشجيع القيصر لأولئك التجار.

وبدلاً من أن ينتظر التاجر الروماني أو اليوناني البضائع الثمينة، تأتي اليه إلى أسواق مصر أو بلاد الشام محملة بسفن عربية أو على ظهور جمال القوافل كما كان ذلك في الغالب، وهي بأسعار عالية، إرتاد هو البحر الأحمر، ومنه المحيط الهندي إلى سواحل افريقية أو سواحل العربية الجنوبية أو الهند فما وراءها، يشتري من موانئها وأسواقها ما يريد، بأسعار رخيصة جداً بالقياس إلى تلك الأسعار التي كان يدفعها للتجار الموردين في أسواق مصر أو أسواق بلاد الشام، فاستفاد هو، واستفادت حكومته منه، وخسر التجار العرب بوصول هؤلاء التجار الى تلك الأسواق ومنافستهم لهم خسائر فادحة، أوجدت خللاّ في الحياة الاقتصادية للدول العربية، وضرراً عاماً في جميع نواحي الحياة الأخرى.

وطالما تشكى الرومان واليونان من فداحة الأرباح والضرائب التي كان يفرضها التجار العرب على البضائع المرسلة اليهم، والتي كانوا يحتاجون إليها ويشترونها بأي ثمن كان. وقد ذكر "سترابون" الجغرافي الشهير في جملة الأسباب التي حملت القيصر "أغسطس" على إرسال حملته الشهيرة، هو ثراء أهل تلك البلاد، وحصولهم على ارباح مفرطة من الغرباء وفي ضمنهم الرومان واليونان من اتجارهم معهم، ومن تحكمهم في وضع الأسعار، دون أن يعطوا أولئك التجار والبلاد التي يحملون تجارتهم إليها شيئاً.

وقد كان للاحداث السياسية، في الانبراطوريتين الرومانية واليونانية أثراً كبيراً في حالة الملاحة في البحر الأحر والمحيط الهندي. ففي أيام الفتن والاضطرابات وحدوث القلاقل، لم يكن في وسع أصحاب السفن الرومان أو اليونان التوغل في البحار البعيدة عن مناطق نفوذ الانبراطوريتين،لضعف وسائل حماية السفن التجارية وحماية التجار والمستعمرات العديدة المقامة على السواحل. ولهذا نجد "سترابو" يذكر أنه قبل أيامه لم تكن هناك سفن كثيرة تجتاز البحر الأحمر، فقد كان كل ما يرسله الرومان من السفن لا يزيد على العشرين سفينة، تجتاز هذا البحر،فتصل إلى ما وراءه في المحيط.

وأخذ التجار اليونان والرومان يقصدون سواحل افريقية وبلاد العرب والهند، ويقيمون في موانئها للاتجار. وقد عثر على نقود يونانية ورومانية في مواضع متعددة من هذه السواحل، كما عثر فيها على آثار معابد ومباني تشير إلى أصل يوناني وروماني، كذلك في أخباراً لأشخاص يونانيين ورومانيين ذهبوا الى أرض سبأ للاتجار.

ولم يجد الرومان ولا اليونان مقاومة تذكر حينما ولجوا البحر الأحمر والمحيط الهندي. لقد كانت سفنهم أكبر وأقوى من سفن العرب، وأحدث منها،وأقدر على الحركة والمقاومة. تتحمل صعاب البحر، وتقاوم الأعاصير والظروف القاسية الشديدة، وتتسع لاستيعاب أعداد كبيرة من الرجال، وتحمل حملاً كبيراً بالقياس إلى السفن العربية. وهذا مما يقلل بالطبع من اجور النقل، ومن أخطار الغرق والاصطدام بصخور السواحل، ومن التعرض للصوص البحر، ويخفض من اثمان البضائع في الأسواق، ويزيد في عدد المستهلكين.

وقد رأى البحر الأحمر سفناً أقوى وأضخم من السفن العربية الصغيرة ومن سفن سكان سواحل افريقية: رأى سفناً تسير بقوة أربعة صفوف من المجاذيف "Quadriremes"أخذت تتعقب لصوص البحر،وتحمي سفن اليونان والرومان، وتحمي المستعمرات التي أنشئت على سواحل البحر الأحمر لإيواء تلك السفن،وتقديم المساعدات إلى أصحابها، وشراء السلع من القبائل الساكنة على مقربة منها، وسرعان ما صارت أسواقاً للبيع وللشراء، يبيع فيها هؤلاء التجار الأجانب ما يأتون به من تجارة من حوض البحر المتوسط، ويشترون منهم ما عندهم من مواد أولية، يقبل عليها أهل مصر واليونان والرومان وسكان البحر المتوسط.

وقد أثرت هذه الأسواق بالطبع في مصالح التجار العرب الذين كانوا يقومون بمثل هذه الأعمال، وألحقت بهم ضرراً ولا شك.

ولوعورة الساحل العربي على البحر الأحمر ولكثرة صخوره المؤذية للسفن،ولكثرة لصوص البحر فيه، ولأسباب أخرى تجنبت السفن الرومانية واليونانية هذا الساحل قدر إمكانها، فلم ترسُ به إلا في المواضع الآمنة التي أمنت النزول بها، وسيطرت عليها بوضع حاميات عسكرية بها، أو بعقد محالفات وعهود ومواثيق مع سكانها، وقد كان ميناء "مخا" " Muza" الميناء المفضل لها. قصدته للاتجار ولتموين نفسها بالماء والغذاء. وقد كان في استطاعة سفن تلك الأيام السير على مبعدة من ذلك الساحل ودون توقف حتى تصل إلى الميناء المذكور، أو إلى ميناء عدن "Arabia Eudaemon"،وبذلك تجنبت السفن المخاطر والمهالك التي كانت ستتعرض لها فيما لو سارت في محاذاة الساحل العربي.

ويظهر أن موضع "لويكه كومه"، أي "القرية البيضاء" كان ميناءً معروفاً في القرن الأخير قبل الميلاد، ففيه هبط "أوليوس غالوس" سنة "25 أو 24" قبل الميلاد في حملته التي أمر القيصر "أغسطس" بإرسالها على اليمن. ولو لم يكن من المرافئ الحسنة الصالحة لرسو السفن لما نزل به الجيش الروماني. ويكتنف تأريخه الغموض، فلم يرد اسمه كثيراً في كتب اليونان والرومان ولا في كتب الإسلاميين. ويقال إنه ظل قائماً حتى نهاية القرن الثالث بعد الميلاد. ولعلّه "الحوراء"، مرفأ سفن مصر قديماً، وقد ذكره أصحاب الرحل.

و "الجار"، فرضة أهل المدينة، ترفأ إليها السفن من أرض الحبشة ومصر وعدن والصين والبحرين، وبحذائها جزيرة في البحر ميل في ميل يسكنها التجار. فهي من الموانئ التي كان يقصدها التجار من السواحل المقابلة ومن سواحل افريقية الشرقية والمحيط الهندي. وذكر إن الناس كانوا لا يعبرون إلى الجزيرة إلا بالسفن، وهي مرسى الحبشة خاصة. وان بينها وبين المدينة يوم وليلة، وبين أيلة نحو من عشر مراحل، والى ساحل "الجحفة" نحو ثلاث مراحل. وقد عرفت تلك الجزيرة ب "قراف"، وسكانها تجار كنحو أهل الجار.

و "الشعيبة" من المراسي القديمة في الحجاز، وهي أقدم من جدة. وهي خور أمين تقصده السفن لتتزود بما تحتاج اليه من زاد وماء، ولتفرغ فيه ما تأتي به من شحن من افريقية إلى الحجاز. وهو مرفأ مكة ومرسى سفنها قبل جدة. واليه جنحت سفينة "باقوم"، التي تحطمت بدفع الريح لها، فاستعانت قريش في تجديد عمارة الكعبة بخشب تلك السفينة على نحو ما تحدثت عنه في أثناء كلامي على تجديد بناء الكعبة قبل المبعث بقليل. ومنه هاجر المسلمون إلى الحبشة في السنة الخامسة من المبعث،حيث وجدوا سفينتين للتجار حملوهم فيِها إلى الحبشة. ومنه كان يذهب تجار مكة إلى افريقية للتجارة قبل الإسلام.

وميناء "Muza"="MUZA" من موانئ اليمن المهمة على البحر الاحمر. وكان مقصوداً، وتصل اليه السفن البيزنطية والسفن الواردة من مصر، ومن هنا كانت تتزود تلك السفن بضائع البلاد العربية، أو تبيع فيه ما استوردته من مصر أو من سواحل البحر المتوسط. وقد تتزود ما تحتاج اليه من ماء وزاد، ثم تتجه الى افريقية أو الى سواحل الهند. وقد كانت به جاليات من اليونان أو من غيرهم مقيمة هناك للاتجار والتعامل مع الوطنيين. وهو ميناء "مخا" المشهور. ويذكر أهل الأخبار، إن بين "مخا" وبين "باب المندب"،أي الساحل الافريقي المقابل للساحل العربي يومين أو أكثر، وان باب المندب،مرسى ببحر اليمن،وهو اسم ساحل مقابل لزبيد اليمن، وهو برج معروف ندب بعض الملوك اليه الرجال حتى قدّ وه بالمعاول، لأنه كان حاجزاً ومانعاً للبحر عن إن ينبسط بأرض اليمن، فأراد بعض الملوك أن يغرق عدوّه، فقد هذا الجبل وأنفذه إلى أرض اليمن،فغلب على بلدان كثيرة وقرى أهلك أهلها وصار منه بحر اليمن الحائل بين أرض اليمن والحبشة والآخذ الى عيذاب وقصير إلى مقابل "قوص"،والملك هو "الاسكندر". وبهذه الطريقة أوجد أهل الأخبار لهم تأريخاً لباب المندب،وحلّوا مشكلة كيفية انفصال افريقية عن اليمن.

وميناء "Arabia Eudaemon"، هو ميناء "عدن"، وهو ميناء مهم في ذلك الوقت أيضاً، ولا يزال يحافظ على مركزه وأهميته من الوجهة العسكرية و الاقتصادية. و قد ذكره "بطلميوس" باسم، "Arabia Emporion". وقد كان مركزاً لتبادل السلع الافريقية والهندية والمصرية، ومكاناً تبحر منه السفن إلى الهند، كما تلتجئ اليه السفن الواردة من تلك البلاد. وقد استولى عليه الرومان في فترات.

ويذكر أنه في حوالي سنة "345"، أسس أحد المبشرين واسمه "ثيوفيلوس" "Theophilus" المعروف بالهندي، كنيسة في "عدن" "Adane".

وجزائر "فرسان"، من الجزر التي كان يتاجر أهلها مع الحبشة، ويذكر "الهمداني" أن سكانها كانوا يعملون في التجارة إلى بلاد الحبش، ولهم في السنة سفرة.

وميناء "Cana"، "قنا"،هو موضع "حصن غراب" "حصن الغراب". وهو سوق اللبان الذي يزرع داخل البلاد، يؤتى به إلى ذلك الميناء على ظهور الجمال، أو في الأرماث المصنوعة من الجلد، وفي القوارب. وهو ميناء تجارة كذلك مع مدن الساحل البعيد، مع بعض مدن الهند، وميناء "عمانه" "Umana"، "عمان" والموانئ التي على الخليج. وتقع "قنا" على مرتفع، قريب من "ميفع"،و "ميفع"، قرية على الساحل، و "ميفعة"،بلدة بين "ميفع" و "أحور"، إلا انها ليست على الساحل، بل بينهما مرحلة.

وأما ميناء "Moscha"،فهو "ظفار" من أعمال الشحر،قريب من صحار. وبجبال ظفار "اللبان"، واليه يحمل، وبه يقسم ويوزع، ولا يسمح بحمله إلى غيره، وقد ذكر عدد من المؤلفين اليونان واللاتين. وقد ذهب بعض الباحثين إلى أنه "مسقط" وأنه "Mosca Portus". ويذكر أهل الأخبار،

أن "ظفار" قرب مرباط، وتعرف ب "ظفار" الساحل،واليها ينسب القسط، وهو العود الذي يتبخر به، لأنه يجلب إليها من الهند، ومنها إلى اليمن، كنسبة الرماح إلى "الخط"، فإنه لا ينبت به، وهي قريبة من "الشحر". وكان أهل "جرها" "Gerrha" على ساحل الأحساء من أنشط الناس في التجارة، يتاجرون في البر والبحر،ويتاجرون مع الهند وسواحل ايران الجنوبية، كما كانوا يتاجرون مع العربية الجنوبية وأرض العراق. وكانوا قوماً مسالمين لا يرغبون في الحروب. فلما أراد "أنطيوخس" "Antiochus" الثالث الاستيلاء على المدينة وذلك في حوالي سنة "255" قبل الميلاد، سألوه الصلح والمهادنة، " وألا يقضى على ما أعطتهم الآلهة من سلام وحرية أزليين".

وأما مدينة "أبولوكس" "Apologus"،فهي الأبلة في الكتب الاسلامية و "Uubulum" في الكتابات الأكادية. وقد كانت من أهم موانئ أعالي الخليج في أيام فتح المسلمين للعراق. تصدر الى الهند حاصلات العراق و بلاد الشام وآسية الصغرى وأوروبة، وتستورد منها أخشاب الصندل والآبنوس ومنتجات الهند وسيلان والصين. وقد عرفها أهل الأخبار،فذكروا انها كانت أقدم من البصرة، لأن البصرة، مصرت في أيام "عمر"، وكانت الأبلة حينئذ مسالح من قبل كسرى، وقد كان تجارها يربحون ربحاً عظيماً، وهي أرض واسعة. قال "خالد ابن صفوان": "ما رأينا أرضاً مثل الأبلة مسافة، ولا أغذى نطفة، ولا أوطأ مطيةّ، ولا أربح لتاجر، ولا أحفى بعابد".

وهناك مواني عديدة أخرى، ذكر المؤلفون اليونان واللاتين أسماءها، وقد تحدثت عنها في الجزء الثالث من كتابي: "تاريخ العرب في الإسلام"، وشخصت مواقعها قدر الامكان. وقد كان لا بد من ان يكثر عدد الموانئ في تلك الأيام، فسفن ذلك العهد لم تكن ضخمة كسفن هذا اليوم، ولم يكن في استطاعتها لهذا الابتعاد عن السواحل كثيراً، ولا السير الى مسافات شاسعة، إذ كان لا بد لها من التزود دوماً بالماء والغذاء، ولا سيما بالنسبة الى السفن الصغيرة،فأخذت ترسو في مراسي كثيرة لتموين نفسهاِ ولإراحة أصحابها، من عناء البحر، ولم تتخلص السفن من تعدد الرسو في الموانئ إلا بعد تحسن صناعة بناء السفن،وظهور السفن البخارية، فانتفت حاجتها إليها، وقد قضى هذا التحسن على أكثر الموانئ، فماتت وذهبت مع العصور التي ولدت فيها.

وقد تتجه السفن من ميناء "مخا" إلى السواحل الافريقية مخترقة مضيق المندب،وقد تتجه إلى "عدن"، ثم تواصل سيرها نحو السواحل الافريقية، بعد أن تتمون بما تحتاج اليه من ماء وزاد، أو تتجه الى ميناء "أكيلا"Acilla"، الواقع على مقربة من "رأس الخيمة" "Massandum"،للاقلاع منه إلى الهندا. وهو أقرب طريق يوصل العرب الجنوبيين وعرب سواحل عمان إلى تلك البلاد.

ولما تحسنت هندسهّ بناء السفن صار في امكانها قفل مسافات أبعد من دون حاجة إلى الرسو في موانئ عديدة، وصارت السفن القادمة من مصر ترسو في ميناء "عدن" رأساً، وبعد أن يستريح أصحابها يتجهون إلى سواحل افريقية أبعد مما كانوا يصلون إليها في السابق، أو يتجهون نحو الهند. وبذلك قصر الوقت وقلت كلفة الأسفار، وصار في وسع اليونان والرومان دخول الأسواق الأصلية رأساً، يأخذون منها ما يريدون ويبيعون فيها ما عندهم دون حاجة إلى وسيط. وكانت السفن اليونانية والرومانية تتحمل من صعاب البحر، وتقاوم الأعاصير والظروف القاسية الشديدة، وتتسع لاستيعاب أعداد كبيرة من الرجال، وتحمل حملاً كبيراً بالقياس إلى السفن العربية. وهذا ما قلل بالطبع من أجور النقل، وخفض من أثمان البضائع في الأسواق، وزاد في عدد المستهلكين.

ولكن السفن اليونانية والرومانية جوبهت مع ذلك بلصوص البحر الذين كانوا يتعقبون السفن، ويغيرون عليها عند تقربها من السواحل. كان هؤلاء اللصوص قد ابتنوا سفناً لهم، فإذا رأوا سفنا يونانية أو رومانية أو غيرها وقد وقعت في قبضة الأعاصير، أو اصطدمت بالصخور البحرية أو كانت على مقربة منهم وفي مناطق يمكن وصولهم إليها، أغاروا عليها وأخذوا منها كل ما تقع أيديهم عليه.

ولا ينجو منها أحد، حتى أصحابها يؤخذون أسرى. فيباعون في الأسواق خولاً.

ولحماية السفن والتجار، أنشأ الرومان واليونان قوة بحرية حربية، تولت حراسة السفن التجارية وحماية المستعمرات التي أقاموها على سواحل هذه الطرق المائية العالمية المهمة. ولم تكن المسافات بين المستعمرات الساحلية قصيرة، ليكون في الامكان الدفاع عنها والتعاون فيما بينها. وللتغلب على هذا الضعف ولحمايتها حماية قوية زوّدوها بما تحتاج اليه من مياه عذبة ومن أطعمة ومن جنود لصد غارات المعتدين،وبذلك هيمنوا على البحار: وضبطوا البحر الأحمر بصورة خاصة، ولم يبق للعرب من مجال في التجارة العالمية إلا بسلوك الطرق البرية الموصلة إلى بلاد الشام والعراق.

وقد تكون في إشارة "بليني" "Plinus" إلى وجود جاليات يونانية على سواحل بلاد العرب في مواضع غير بعيدة عن موضع "Attevae" الذي هو "عدن"، ايماءة إلى وجود مستعمرات يونانية على سواحل جزيرة العرب أنشئت قبل أيامه لضبط الأمن في البحار وللاتجار مع العرب وبسط نفوذ الروم عليهم.

وفي جملة تلك الأماكن التي ذكرها: "Arethusa" و "Larisa"و "Chalcis". ذكر انها كلها كانت قد خربت بسبب الحروب، مما يدل على انها كانت قد أقيمت قبل أيامه بزمان.

وقد ضمنت تلك القوة العسكرية الضخمة للرومان السيطرة على البحر الأحمر وعلى البحر العربي، واستطاعت احتلال "عدن". ففي أيام "كلوديوس" "Claudius" "41 - 54م" كان هذا الميناء في قبضة الرومان. وكانت به حامية رومانية.

وتمكن هذا القيصر الذي كانت عدن خاضعة له في أيام مؤلف كتاب "الطواف حول البحر الأريتري"،أو أي قيصر أخر، قد يكون، "Coligula" وقد يكون "طبريوس" "Tiberius"، من عقد معاهدة مع الملك "كرب ايل" "Charibael" "ملك سبأ وذو ريدان" في ذلك الوقت. ولم يشر مؤلف الكتاب المذكور الذي لا نعرف اسمه اليوم إلى اسم القيصر، بل اكتفى بذكر، اللقب فقط، وهو "قيصر"، وهو كما نرى لقب عام، يطلق على كل من يحكم انبراطورية الرومان. وقد ذهب بعض الباحثين الى عدم امكان التفكر في القيصر "أغسطس"، والى احتمال كونه قيصراً آخر، وقد يكون بالاضافة الى من ذكرته "نيرو" أو "تراجان"، أو "سبتيموس سويرس" "سبتيميوس سفيروس" "Septimius Severus".

واهتم "تراجان" بأمر التجارة البرية والبحرية، جعل أرض النبط ولاية خاصة دعاها: "الكورة العربية" أو "المقاطعة العربية" "Arabia Provincia" وذلك سنة "106" للميلاد. واهتم بالطرق البرية، فأصلح طريقاً مهمة تمر من دمشق إلى أيلة فبصرى والبتراء، وهي طرق قديمة ومعروفة، بالنسبة للاتجار مع بلاد العرب، وكانت في حاجة إلى عناية واصلاح ووضع معالم. واعتنى بميناء "أيلة" فعمره ووضع ادارة "كمركية" فيه، وجعله من الفرض المهمة في خليج العقبة، بل والبحر الأحمر، وأصلح القناة القديمة بعد أن تراكمت فيها الأتربة حتى سدّت مجراها، وحفر قسماً جديداً من طرفها الغربي، أوصلها بالنيل عند "بابلون" "Babylon"، موضع مصر القديمة. وبذلك سهل الاتصال بالفرع الغربي للنيل المؤدي إلى الاسكندرية، وبرز ميناء "القلزم" "Clysma" حيث التقت قناة تراجان بالبحر الأحمر.

وعثر على كتابة دوّنها قوم من أهل تدمر، اشتغلوا بالملاحة في البحر الأحمر،أشادوا بفضل القيصر "هدريان" "هدريانوس" "117 - 138 م" عليهم. وتدل هذه الكتابة على اشتراك الندمريين. في الملاحة، مع انهم من أهل مدينة صحراوية، عماد حياتها التجارة بالبضائع الواردة إليها بالطرق البرية.

وقد توغل الملاحون في أيام أسرة "انطونينوس" "Antonines" "98-192م" حتى أدركوا موضع "رهابتا" على مقربة من "زنجبار" في السواحل الافريقية، ووصلوا إلى سواحل الصين في آسية. وهذا هو سر وجود أسماء مواضع في جغرافيا "بطلميوس" "في حوالي 155 - 165 للميلاد" لم ترد في كتب المؤلفين السابقين الذين عاشوا قبل هذا الجغرافي اليوناني الشهير. وفي جملة ما نص هذا الجغرافي أسماء مواضع عديدة في جزيرة العرب، لم يشر إليها المؤلفون اليونان والرومان السابقون، وأوصاف أدق وأصدق من الأوصاف التي ذكروها، وفي ذلك دلالة على زيادة علم اليونانيين والرومان في هذه الأيام بأحوال الشرق نتيجة زيادة اختلاطهم واتصالهم بالشرقيين.

ومعارفنا بأخبار الملاحة في البحر الأحمر وفي المحيط الهندي في العهد البيزنطي أي العهد الذي أصبحت فيه القسطنطينية فيه عاصمة بدلاً من روما "330 م"،قليلة ضحلة، لأن أكثر المؤرخين الذين عاشوا في هذه الحقبة ثم ما بعدها إلى ظهور الإسلام إنما اهتموا بالأمور الدينية، وكانوا إذا ما تطرقوا إلى النواحي الجغرافية أو التاريخية المعاصرة للبلاد الخارجة عن نطاق الانبراطوريه البيزنطية أو نفوذها السياسي، أوجزوا القول إِيجازاً لا يعطى القارئ رأياً في الأحوال العامة وفي ضمنها التجارة والملاحة في البحر الأحمر والمحيط الهندي.

لقد أثرت الأوضاع السياسية القلقة التي حدثت في الدولة البيزنطية، والحروب المتوالية بين الساسانيين والبيزنطيين، أثراً خطيراً على البحرية البيزنطية في البحر الأحمر وفي المحيط الهندي، إذ حدّت من توسعها، وقلصت من عدد سفنها، ولم تجد بسبب انشغال الحكومة في تلك الحروب عناية ورعاية، ولهذا اقتصر نشاطها على البحر الأحمر وعلى السواحل الافريقية التي كانت على صلات حسنة بالبيزنطيين. فكانت تصل إلى ميناء "أدولس"،ومنه يصل التجار إلى أسواق الحبشة الداخلية، أو إلى موانئ "سقطرى"،وقد كان بها مستوطنون يونانيون،أقاموا فيها منذ أمد طويل، وبنوا بها كنائس ومستوطنات للاقامة فيها، وظل بعضهم بها إلى أيام الإسلام.

وكانت السفن اليونانية تموّن نفسها بما تجده في "ادولس" وفي "سقطرى" من تجارات، بعضها من نفائس تجارة الهند جاءت بها السفن الساسانية إلى هذه المواضع، يشتريها التجار اليونان ويأخذونها إلى بلادهم.

ويذكر أهل الأخبار إن "سقطرى" كانت مركزاً هاماً من مراكز التجارة في البحر، وكان بها قوم من اليونان يحفظون أنسابهم محافظة شديدة. وقد كانوا بها من أيام ما قبل الميلاد، وربما كانوا بها قبل أيام "الاسكندر". ولما ظهرت النصرانية تنصر من كان بها من اليونانيين. ويذكرون إن قوماً منهم طرحهم "كسرى" في هذه الجزيرة. وكانت بوارج الهند تأوي إليها. وقد اشتهرت بالصبر الجيد الذي لا يوجد مثله في غيرها، وبدم الأخوين، وهو صمغ شجر يسمونه "القاطر"، وهو "الأيدع"، وقد ساكن العربُ اليونانَ. ويذكر أهل الأخبار إن "أرسطو"،هو الذي أشار على "الاسكندر"، بإجلاء أهل "سقطرى"، وإسكان طائفة من اليونان بها، لحفظ "الصبر" لعظيم منفعته. وذكروا إن بينها وبين "المخا" ثلاثة أيام مع لياليها، وان من مدنها: "بروه" و "ملتده"، و "منيسة"،وهي مسكن ملك الزنج.

أما البحرية والتجارة البحرية الساسانية، فإننا لا نعرف عنها في هذا العهد معرفة واسعة، ولا نستطيع أن نتحدث عن وجود قوة بحرية ساسانية، أو نشاط بحري في البحر الأحمر في كل العهود، وإنما كان أقصى ما وصل اليه نفوذ الساسانيين في البحر، هو باب المندب،أي مدخل البحر الأحمر، حيث وقفوا عنده. وقد صار البحر الأحمر، منذ استيلاء اليونان والرومان على مصر، بحراً يونانياً رومانياً بيزنطياً، حرسوه بأساطيل قوية، ضمنت لهم التفوق فيه، فلم يكن في وسع الفرس ولوجه أو التوغل فيه وقد ذكر أن "أردشير" الأول "225 - 241م" بنى جملة موانئ بحرية وأن"نرسي" "292 - 302م" عقد صلات ودّية مع ملك الزنوج في شرق الصومال، وأن "سابور" الثاني حوالي سنة "315 م" هاجم البحرين، وأقام حامية بها، وفتك بقبائل عديدة، وذلك رداً على هجوم تلك القبائل على سواحل فارس.

وصار للفرس نشاط ملحوظ في الخليج وفي المحيط الهندي. وقد أنشأ الفرس جملة كنائس في سواحل الهند وسقطرى،أنشأها الفرس النساطرة،و كانوا تجاراً، نزلوا في هذه المواضع للاتجار، كما كانت هنالك سفن فارسية في "أدولس". وكان الساسانيون يستغلون الظروف الحرجة، والأوضاع القلقة تقع في انبراطورية الروم، فيزيدون من نشاطهم في البحر، ويمعنون في مطاردة التجار البيزنطيين في البحر العربي وفي الخليج وفي الهند، حتى قل عدد سفن الروم، في المحيط، واكتفت بالوصول إلى باب المندب والسواحل الافريقية في بعض، الأحيان، عند اشتداد الأزمات، ووقوع قلاقل داخلية، أو نزول كوارث بالروم في الحروب.

وقد وجد الساسانيون أن من الأصلح لهم نقل التجارة الآتية إلى تجارهم من الصين والهند وسيلان إلى الخليج حيث لا يزاحمهم أحد، ومنه إلى العراق، أومن الهند والصين إلى فارس، ثم العراق ومنه الى "نصيبين"، أو إلى بلاد الشام،لبيعها إلى البيزنطيين. وفي جملة.مواد هذه التجارة "الحرير" الذي كان مطلوباً عند البيزنطيين، لأنه من الألبسة الفاخرة بالنسبة للطبقة الحاكمة ولرجال الكنيسة والطبقة المترفة المرفهة، فكان يباع بأغلى الأثمان.

وقد دخل الأحباش البحر، فكانوا يسيرون سفنهم بين السواحل الافريقية والسواحل العربية الغربية والجنوبية. ولو لم تكن لهم قوة بحرية ما تمكنوا من الاستيلاء على اليمن وعلى مواضع من العربية الجنوبية جملهّ مرات آخرها فتحهم اليمن سنة "525" للميلاد. وقد تولت سفنهم نقل حاصلات الحبشة والسواحل الافريقية إلى بلاد العرب، وكان التجار العرب ينقلون هذه السلع إلى بلاد الشام أو العراق. وقد ذكر أهل الأخبار إن "الجار"، وهي مدينة على ساحل بحر القلزم بينها وبين المدينة يوم وليلة وبينها وبين أبلة نحو من عشر مراحل، والى ساحل الجحفة نحو ثلاث مراحل، كانت فرضة،ترفأ إليها السفن من الحبشة ومصر وعدن والصين وسائر بلاد الهند، وبحذاء الجار جزيرة في البحر تكون ميلاً في ميل لا يعبر إليها إلا بالسفن، وهي مرسى الحبشة خاصة.

ولكن قوة الحبشة البحرية لم تكن قوة قوية ضخمة، ولم تكن مكونة من سفن كبيرة ذات مرونة وقابلية على الحركة، بل كانت سفناً صغيرة لا تضاهي السفن اليونانية في الضخامة وفي الفن، ولم تكن كثيرة العدد، ولا سيما في الجاهلية القريبة من الإسلام، بدليل ما ورد في بعض الروايات من إن السفن التي حملت جيش ملك الحبشة إلى اليمن لاحتلالها سنة "525" للميلاد، وذلك في عهد "ذي نواس" كانت سفناً يونانية أمر القيصر بأرسالها الى الحبشة لحمل الجيش إلى اليمن. وبدليل ما ورد في روايات إخراج الحبش وطردهم من اليمن، من إن السفن التي حملت الفرس إلى اليمن كانت ثماني سفن، غرق منها سفينتان، وبقيت ست سفن فقط، وقد تغلب من كان بها مع ذلك على الحبش.فلو كان للحبش أسطول بحري قوي، ولو كانت لهم هيمنة على البحر،لما كان في إمكان هذه السفن الفارسية الست الوصول إلى مياه اليمن، و أنزال ما فيها من جنود، ومن التغلب على الحبش والقضاء على حكمهم هناك.

وضعف بحرية الحبشة، هو الذي جعلها لا تستطيع الوفاء بوعدها للقيصر "جستنيان" "Justinian"، في شراء الحرير من الهند ومن وراء الهند، وبيعه للروم. فقد كان هذا القيصر قد أرسل في عام "531م" وفداً إلى "أكسوم"،ليفاوض الحبش في هذا الموضوع لحرمان الساسانيين من ربح كبير كانوا يجنونه من الاتجار بالحرير المستورد من الهند ومن وراء الهند، فوافقوا على ذلك،لكنهم لم يتمكنوا في النهاية من الوفاء بالوعد، لعدم تمكن سفنهم البحرية من الوصول إلى الهند ومن منافسة التجار الفرس الذين كانوا قد استقروا في سيلان وفي الهند وفي مواضع أخرى منذ عهد طويل.

ولم يتمكن الأحباش أن يفُيدوا فائدة تجارية كبيرة من فتحهم لليمن. ولم يحصل البيزنطيون على ما كانوا يتوقعون الحصول عليه من الاتصال بالحبش من البر، وذلك عن طريق "المقاطعة العربية" في جنوب بلاد الشام فالحجاز إلى اليمن. فلم يتمكن الحبش من احتلال الحجاز، للاتصال بالروم. واخفق "أبرهه" في الاستيلاء على مكة على نحو ما تحدثت عنه في موضعه. وتمكن الفرس من طردهم من اليمن بكل سهولة، دون أن يقوم الحبش ولا حلفاؤهم البيزنطيون بإرسال قوات بحرية لمقاتلة السفن الساسانية القليلة التي جاءت بمقاتلين من المساجين المجرمين، لا بجيش نظامي مدرب، وقد تمكنوا مع ذلك من التغلب على الحبش، بمساعدة كبيرة بالطبع من اليمانيين أنفسهم الذين كانوا قد أعلنوا ثورة عامة على الحبش. ولو كان للحبش أو لحلفائهم البيزنطيين أساطيل من السفن المحاربة القوية، لما تمكن الفرس من الاستيلاء على اليمن بتلك القوة الضعيفة ! ولم يكن الساسانيون أقوياء في البحر عند ظهور الإسلام،وآية ذلك هو إن

عاملهم على اليمن، كان يرسل ألطاف اليمن وما يجمعه منها إلى "كسرى" عن طريق البر، وقد تحدثت عن تعرض "بني تميم" بقافلة كسرى التي كانت قادمة من اليمن في طريقها إلى "المدائن". ولو كان للفرس أسطول قوي من سفن ضخمة على نمط سفن البيزنطيين، لاستخدموه واسطة للنقل بين اليمن والعراق،ولسمعنا بوجوده قي البحر. وقد يقال إن الفرس استخدموا البر،لأنه أسهل عليهم من البحر، وأقصر مسافة وأسرع من حيث الوقت، ثم هو يمر بأرضين صديقة للفرس أو موالية لهم، أو تابعة لأمراء موالين لهم، خاضعين لسيادتهم، وليس في ذلك دليل على عدم وجود أسطول قوي لهم في البحر، ولكننا مع موافقتنا على هذا التعليل،فإننا لا نسمع في أخبار أهل الأخبار المنقولة من روايات فارسية أصلية، ما يفيد بوجود فعل وأثر لأسطول ساساني ما وراء عمان إلى اّلسواحل الافريقية، ثم إن الفرس كانوا قد تحكموا في السواحل العربية الجنوبية قبل فتحهم لليمن،ولكننا لا نجد في هذا العهد أثراً لحكم فارسي على السواحل العربية الجنوبية،مما يدل على زوال حكمهم عنها وعدم وجود أسطول ساساني في مياه هذه السواحل، فتخلصت منهم، واستقلت بأمرها وادارتها.

وقد استفاد أهل مكة، من الأحداث التي وقعت في اليمن، ولا سيما بعد موت أبرهة وموت مشروعه في الاستيلاء على مكة قبل وفاته. وإني أرى إن حملة "أبرهة" على مكة، لم تكن حملة غايتها هدم الكعبة. ونقض قواعدها،كما يذكر ذلك أهل الأخبار، وإنما كانت لدوافع اقتصادية وسياسية، فقد كانت مكة قد برزت وظهرت الى الوجود، قبل أبرهة واستغل أهلها مواهبهم وذكاءهم في كيفية جمع المال، حتى صاروا تجاراً ووسطاء في التجارة، يتجرون بين بلاد الشام واليمن، وبين الحبش والعراق، وصاروا أصحاب مال، لهم نقود: دنانير،ودراهم، وذهب، وفضة، وغير ذلك مما يسيل له لعاب التاجر و صاحب المال، أضف إلى ذلك وقوع مكة في موقع مهم، والاستيلاء عليه يمهد للسير نحو بلاد الشام، للاتصال بالروم، أصحاب مشروع الحملة الأصليون،كما تحدثت عن ذلك. فالعوامل إذن اقتصادية سياسية، وليست العوامل التي ذكرها أهل الأخبار.

وقد ساهم أهل الهند في تسخير البحر كذلك، فكانت سفنهم تمخره ما بين الهند وساحل الخليج إلى "الابلة". كما كانت تتجه نحو "سقطرى" وسواحل افريقية الشرقية. فقد ذكر أهل الأخبار أن "بوارج الهند" كانت تتاجر مع هذه الجزيرة. وقد مونت الهند جزيرة العرب بالحديد الجيد، الذي صنعت منه السيوف الهندوانية،نسبة إلى الهند. و "التهنيد"، عمل الهند. كما مونتهم بالعود الطيب، وبالخشب الصلد.

وبظهور الإسلام، وباستيلاء المسلمين على مصر وعلى شمالي افريقية، وبفتح بلاد الشام والعراق وايران وما وراء ايران تغير الحال بالطبع، فماتت الانبراطورية الساسانية، ومات أسطولها معها، وانقطعت صلة البحرية البيزنطية بالبحر الأحمر وبالمحيط الهندي، وأبعد الأوروبيون من البحار الدافئة إلى أن تبدلت الدنيا مرة أخرى، فظهر المكتشفون الأوروبيون وفي مقدمتهم البرتغال، فعاد التفوق البحري للغرب، وانتزع البحر من البحرية الاسلامية، لأنها ظلت جامدة محافظة لم تحدث تغييراً في هندسة السفن، ولا في أسلوب القوى المحركة لها وفي قابليتها على الحركة، فصارت عاجزة عن مقاومة العقل الحديث، وغلبت على أمرها نتيجة جمود العقلية وعدم التطور مع عقلية الزمن.

هذا ولا بد لي هنا من لفت نظر القارئ إلى ورود شيء في كتب أهل الأخبار عن حملات الروم على بلاد العرب وعلى البحر الأحمر، ولو إن هذا المذكور المدون في كتبهم، هو من نوع القصص المعروف المألوف الذي ألفنا قراءته في كتب أهل الأخبار، فيه مبالغة وغرابة وخيال، وفيه سذاجة تنم عن عقلية سطحية تروي كل ما يقال لها من غير نقد ومناقشة. وقد أخذ من أهل الكتاب وفي الإسلام في الغالب. ولكنه قصص يستند - على كل حال - الى أصل وسبب وإن كان بعيداً. ثم انه قصص طريف يريك مبلغ علم القوم بأحوال الماضين،وكيف تروون قصص الحوادث المتقدمة وينقلونه على انه تأريخ للماضين.

ويكاد يكون أكثر تأريخ من تقدم زمن الإسلام من هذا النوع.

الفصل الواحد بعد المئة

تجارة مكة

وكان أهل مكة من أبرع التجار ومن أنشطهم في العربية الغربية عند ظهور الإسلام، وقد أشير إلى تجارتهم في القرآن الكريم. وسبق إن تحدثت عن تجارتهم في أثناء كلامي على مجمل الحالة السياسية لجزيرة العرب عند ظهور الإسلام.

وقد استفاد أهل مكة، ولا شك، من الوضع السيئ الذي طرأ على اليمن بدخول الحبش إليها: ومن تردي الأوضاع السياسية فيها والاضطرابات المستمرة التي وقعت بتصادم الوطنيين والغزاة الأحباش. فانحسر كل نفوذ سياسي أو عسكري كان لحكومات اليمن في الحجاز أو على بعض القبائل، ووجدت قريش نفسها حرّة مستقلة وفي وضع يمكّنها من استغلال مواهبها في التجارة، فقامت بمهمة الوسيط، تنقل تجارة أهل اليمن والعربية الجنوبية إلى أسواق فلسطين، وتنقل تجارة بلاد الشام وحوض البحر المتوسط إلى الحجاز ونجد واليمن، وبذلك حصلت على أرباح طائلة عظيمة، جعلتها من أغنى العرب عند ظهور الإسلام، وصيرّت مكة مركزاً خطيراً من مراكز الثروة والمال في جزيرة العرب في ذلك الحين.

وقد وصف أهل الأخبار أهل مكة بترفعهم عن البخل والشح،فقال "الجاحظ" وهو يصفهم: "ومن العجب إن كسبهم لما قلّ من قبل تركهم الغزو، ومالوا إلى الإيلاف والجهاد، لم يعتريهم من بخل التجار قليل ولا كثير، والبخل خلقة في الطباع، فأعطوا الشعراء كما يعطى الملوك، وقروا الأضياف،ووصلوا الأرحام، وقاموا بنوائب زوار البيت. فكان أحدهم يحيس الحيسة في الأنطاع فيأكل منها القائم والقاعد والداخل والراكب، واطعموا بدل الحيس الفالوذج". فمورد الكسب الأول عند العرب في الجاهلية هو الغزو على رأي أهل الأخبار، وقد ترفعت قريش عنه، وصرفت نفسها إلى التجارة. ومن طبع التجار البخل ومسك اليد، أما قريش، فخالفتهم في البخل، ووصلت الشعراء وقرت الأضياف. ونسب "الجاحظ" سبب تركهم الغزو إلى كونهم أهل حمس ديانين،فقال: "وكانوا ديانين،ولذلك تركوا الغزو، لما فيه من الغصب والغشم واستحلال الأموال والفروج من العرب". ويعتقد "الجاحظ"، بأن للدين أثراً كبيراً على سلوك الإنسان وعلى كره الحرب، إذ تراه يقول: "ثم جاء ما هو أعجب من هذا وأهم، وذلك أنا قد علمنا إن الروم قبل التدين بالنصرانية كانت تنتصف من ملوك فارس، وكانت الحروب بينهم سجالاً فلما صارت لا تدين بالقتل والقتال و القود والقصاص، اعتراهم مثل ما يعتري الجبناء حتى صاروا يتكلفون القتال تكلفاً، ولما خامرت طبائعهم تلك الديانة وسرت في لحومهم ودمائهم، فصارت تلك الديانة تعترض عليهم، خرجوا من حدود الغالبين إلى أن صاروا مغلوبين". فالنصرانية قد أثرت على الروم حتى جعلتهم يكرهون الحروب، وصاروا مغلوبين بعدما كانوا غالبين. ثم جاء بدليل آخر على إثبات رأيه في إن الدين ينقص من شهوة الحرب، هو إن "التغزغز" من الترك، نقصت عندهم الشجاعة وذهبت عنهم الشهامة بعد إن دانوا بالزندقة. فالدين اذن مخفف من شهوة الحرب مرد من التعطش إلى القتال، لكنه على رأيه أيضاً، يحول المتدينين إلى أسود في المعارك، فقريش التي تركت الغزو بتة، كانوا مع طول ترك الغزو، إذا غزوا، غزوا كالأسود مع الرأي الأصيل والبصيرة النافذة، والخوارج على اختلافهم من أحرار وعبيد وموالي يقاتلون قتال الباسل المستميت مع اختلاف أنسابهم وبلداتهم، و" في هذا دليل على إن الذي سوّى بينهم التدين بالقتال"، وان استبسال قريش والخوارج وغيرهم من المتدينين "انما هو بسبب الديانة " ووحدة العقيدة وعامل الدفاع عنها والجهاد في سبيلها.

وقد نسب "الجاحظ" ميل قريش إلى التجارة واشتغالهم بها إلى تحمسهم في دينهم وتشددهم في الدين، فقال: "وقريش من بين جميع العرب دانوا بالتلامس والتشديد في الدين فتركوا الغزو كراهة للسبي واستحلال الأموال واستحسان الغصوب،فلما تركوا الغزو لم تبق مكسبة سوى التجارة فضربوا في البلاد إلى قيصر بالروم والى النجاشي بالحبشة والى المقوقس بمصر، وصاروا بأجمعهم تجاراً خلطاء".

فتحمس قريش في دينهم، حملهم على ترك الغزو، وترك الغزو حملهم على التكسب بالتجارة، فاتجار قريش في مكة وضربهم في الآفاق، هو بسبب البحث عن رزق يعوضهم عن رزق الغزو، الذي أبعده الدين عن قلوبهم، فكان ما كان من أمر تجارتهم. هذا هو رأي الجاحظ في السبب الذي حمل قريشاً على الانصراف إلى التجارة.

وفي القران: )ربنا إني أسكنت من قريتي بوادٍ غير ذي زرع عند بيتك المحرم، ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي اليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون(. فمكة بلد بواد قفر غير ذي زرع ولا ماء، ليس لأهلها ما لسكان الأرياف والقرى التي تملك المياه والأنهار من ثمرات النبات والأشجار، فصارت الطائف مصيفاً لهم، ومورداً يمدهم بثمر النبات والأشجار، واستغل أهلها فقر واديهم،وموقع مدينتهم الذي تمر به القوافل، وشجعوا من كان يسكن حولهم على الحج إلى معبدهم وعلى قصده أيام السنة وموسم الحج،فاستفادوا من الحجاج. وجعلوا الموسم سوقاً يتعاطون فيه البيع والشراء،فربحوا وصار لهم مال استثمروه وشغلوه، في سوق مكة وفي الأسواق الأخرى، وتعاملوا مع الأعراب، وعقدوا الإيلاف مع ساداتهم ومع الفرس والروم والحبش، فصاروا يخرجون إلى خارج مكة بأمان بفضل العقود والعهود التي عقدوها مع سادات الأعراب، وهي أهم في نظري من أي عقد آخر عقدوه مع حكام العراق وبلاد الشام أو اليمن، إذ كان في استطاعة الأعراب نهب قوافل مكة وسلب أموالها، وهي ذاهبة أو آيبة محملة، فلا يستطيع أهل مكة فعل شيء، ولا تبقى أية فائدة عندئذ لعقود الإيلاف المعقودة مع الحكّام المذكورين. وقد علم سادة مكة ذلك، فتعاقدوا مع سادات الأعراب، و أدو لهم نصيباً من الربح، وبذلك أمنوا جانب أعرابهم، فكانوا إذا تحرش بهم متحرش، أدّبه سادة قبيلته،واستعادوا منه ما أخذه من نهب وسلب.

وقوم هم أهل قرار، لهم بيت مقدس، ولهم تجارة، لا يفكرون في غزو، ولا يرتاحون من وجود أهل شغب وفتن بينهم. فالغزو سواء أكان منهم أو كان عليهم مضرّ بهم. ولا يعود عليهم بفائدة، بل هو يبعد القاصدين لهم عنهم، وفي ابتعادهم عنهم خسارة، ثم هو يعرقل تجارتهم ويحول دون اتجارهم، والتجارة مورد رزقهم وعليها معاشهم. وقريش من المستقرين، ومن التجار، ولهم معبد، فكان من صالحهم اشاعة الأمن والابتعاد عن التشاحن. وفض كل خلاف يقع فيما بينهم، أو فيما بينهم وبين غيرهم بالتي هي أحسن، وجرّ الناس اليهم، والعمل على اكتساب صداقة أهل الحضر وأهل الوبر أيضاً، وعلى إنصاف الغريب الذي قد لا يجد له مجيراً من بيت أهل، مكة فيظلم، وعلى تقديم الرفادة للحجاج الضعفاء،وإسقائهم الزبيب المنبوذ بالماء في أيام الحج، وعلى شراء الألسنة، ألسنة الشعراء خاصة، لما كان لها من أثر في النفوس.

وللمنافع المادية التي كانوا يحصلون عليها من تآلفهم مع القبائل، حرصوا على ألا يؤذي أحد منهم أحداً من الغرباء،. فيثير قوم الغريب عليهم، لا سيما إذا كان ذلك الغريب من قبيلة تمر تجارة قريش بها. فلما عذب أهل "مكة" "أبا ذر الغفاري"،أقبل "العباس" عليهم، وقال: "ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار، وأنه من طريق تجارتكم إلى الشام ?. فأنقذه منهم". فزهد قريش وعدم ميلهم إلى الاعتداء على الغرباء، لم يكن كما رأى "الجاحظ عن "تحمس" وعن دين، وإنما كان عن طمع في المال وفي الكسب وفي الحصول على كسب من تجارة تمر بطرق يجب أن تكون آمنة بالنسبة لها أمينة، ولا يكون ذلك الأمان ممكناً،إلا بتأليف قلوب سادات القبائل، والحرص على منع أهل مكة من الاعتداء على الغرباء.

بل نجد أهل مكة يجيرون كل غريب حتى إن كان صعلوكاً أو خليعاً أو مستهتراً بالعرف والأخلاق، أو قاتلاّ غادراً، أملاً في الاستفادة منهم، وفي عدم التحرش برجالهم إن خرجوا متاجرين يحملون أموالهم لبيعها في الأسواق البعيدة، ولاستخدامهم في حمايتهم ممن قد يتحرش بهم من الأعداء والأعراب، ونجد في كتب أهل الأخبار أسماء عديد من أمثال هؤلاء، كانوا قد لجأوا إلى مكة وأقاموا بها واستقروا وعاشوا بها مجاورين لسادتها، آمنين على حياتهم لأنهم في جوار سيد من قريش.

وفيَ القرآن الكريم آيات تدل على وجود مستوى راق في مكة، وفي أماكن أخرى للتجارة والاقتصاد،وتدل على تنسيق وعمل منظم بين التجار. وقد وردت فيه إشارات إلى "رؤوس الأموال"، وهي الأموال الخالصة التي تشغّل في التجارة والتي تعطي أيضاً المحتاجين إليها لتربو ولتعطي صاحبها الربا، كما وردت فيه إشارات إلى البيع والشراء والقروض والرهون والشركات والتكاتب والتعامل التجاري وأمثال ذلك. وكل ذلك قد نظّم وهذّب وفقاً لقواعد الإسلام وصار أساساً لنظم التجارة والمال في الإسلام. ولهذا تستدعي دراسة النظم الاقتصادية والتجارة في الإسلام الرجوع إلى السناد، وسنادها هو نظمها وقواعدها قبل الإسلام.

ويظهر من كتب التفسير والسير إن أهل مكة كانوا يسهمون في رؤوس أموال قوافلهم التي يبعثون بها إلى بلاد الشام واليمن،وفي الأعمال التجارية الأخرى.

يسهم أفراد أسرة تجارية واحدة او جملة أسر، بل معظم أفراد مكة الأحرار في تلك القوافل، كل بحسب نصيبه لينعموا بالأرياح. وقد ساعدت هذه الشركة على إعانة أصحاب السهام وعلى مساعدة أهل مكة في رفع مستواهم المعاشي. وإذا كنا لا نملك موارد تتحدث عن أنظمة تلك الشركة أو الشركات وقوانينها، وعن كيفية توزيع الأرباح بين المساهمين، وعن أنواع تلك الشركات وأصول حساباتها ووكلائها في الخارج، فمن الميسور إن نظفر بقدر كبير من جذورها وأصولها في فصول الشركات والقضايا المتعلقة بتنظيم التجارة في الإسلام في كتب التفسير والحديث والفقه خاصة، ففي هذه الفصول إشارات كثيرة إلى شؤون التجارة والاقتصاد عند الجاهليين.

ويظهر مما ذكره أهل الأخبار وأوردوه عن قوافل مكة، أن مال القافلة، لم يكن مال رجل واحد ؛ أو أسرة معينة، بل كان يخص تجاراً من أسر مختلفة،وأفراداً وجد عندهم المال، أو اقترضوه من غيرهم فرموه في رأس مال القافلة أملاً في ربح كبير.فقد ذكروا أن قافلة قريش التي كانت في خفارة "أبي سفيان" والتي أثارت معركة "بدر"، كان رأس مالها مختلطاً، ساهم فيه كل متمكن من أهل مكة. حتى "لم يبق بمكة قرشي ولا قرشية له مثقال فصاعداً إلا بعث به في العير".

ويظهر من سورة "قريش" أن قريشاً كانت ترحل رحلتين في السنة: رحلة في الشتاء إلى اليمن، ورحلة في الصيف إلى بلاد الشام. وهما رحلتان تجاريتان،تشتري فيها وتبيع، وتربح منها ربحاً صيرها في وضع مالي حسن. وقد صارت مكة لذلك العهد مركزاً مالياً خطيراً في الحجاز، وسوقاً لتبادل السلع. ولم تكن قريش تستورد التجارة لتخزنها في مكة، أو لتصرفها في أسواق مكة وحدها،فمكة وحدها بلدة صغيرة لا تستوعب أسواقها هذه التجارة، بل كانت تستوردها من الشمال والجنوب، لتصرف ما يمكن بيعه في أسواق مكة وهو القليل،ولتصدر وهو الغالب ما استوردته من الجنوب إلى الشمال،أعني بلاد الشام،ولتصدر ما استوردته من بلاد الشام،الى اليمن ومنها إلى بقية العربية الجنوبية والسواحل الافريقية المقابلة، فتربح من هذه الصفقات ربحاً حسناً.

وتروي كتب أهل الأخبار أن قريشاً كانوا لا يخرجون عيراً فيرحلون إلا من "دار الندوة". فكأنها كانت منطلق التجار والتجارة. ولعلهم كانوا يفعلون ذلك لكونها ندوة مكة ودار الرأي والحكم في هذه المدينة ومجلس أهل المال فيها.

وكذلك كان يفعل أهل المدن المتاجرة،تتحرك قوافلهم من ساحة مجالسها ليشاهدوا الناس، وإذا عادت أناخت في هذه الساحات أيضاً، ليراها أهل البلد، فتكون لهم فرحة تشبه أفراح العيد.

والرحلتان المذكورتان، هما من قوافل قريش الكبيرة التي كانت القافلة الواحدة منها تتألف من أكثر من ألف بعير، والتي يساهم فيهما كل من شاء ممن له مال من أهل مكة، ويريد الاتجار به، تشترك فيهما الأسر المعروفة بالغنى والتجارة من قريش ويساهم معها من له مال في ذلك الوقت، رجاء الربح والكسب. وقد كانت قافلة "أبو سفيان" التي أهاجت وقعة بدر من قبائل قريش كلها، وأخصها "بطون كعب بن لؤي". ليس فيها من "بني عامر"، إلا ما كان من "بني مالك بن حِسل"،ولذلك عرفت نفرة قريش إلى "بدر" ب "نفرة بني كعب بن لؤي".

وكانت قافلة "أبو سفيان" المذكورة، قد تاجرت ببلاد الشام وهمّت بالعودة إلى مكة، فلما سمع رسول الله بأبي سفيان مقبلاّ من الشام، بألف بعير، محملة بأموال عظيمة، ندب المسلمين اليه، وقال. هذه عير قريش فيها أموالهم فأخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها،فانتدب الناس، وكان أبو سفيان يتحسس الأخبار، فبلغه خبر استنفار الرسول أصحابه، فأرسل "ضمضم بن عمرو" الغفاري إلى مكة، وأمره إن ياتي قريشاً فيستنفرهم إلى أموالهم ويخبرهم إن محمداً قد عرض لها في أصحابه. فخرج إليها، فلما بلغها، وقف على بعيره ببطن الوادي، وقد جدع بعيره وحول رحله، وشق قميصه، ثم صرخ: يا معشر قريش، اللطيمة، اللطيمة، أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه، لا أرى إن تدركوها، الغوث، الغوث. فتجهز الناس سراعاً،وساروا حتى بلغوا "بدراً"، وكان "أبو سفيان"، قد غير طريقه حين سمع خبر خروج رسول الله بأصحابه، فساحل بقافلته وترك بدراً يساراً، وانطلق حتى أسرع فبلغ مكة، وكانت قريش قد نزلت "الجحفة"،فكتب إليها: انكم انما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم، فقد نجّاها الله فارجعوا. وأمر بعض رؤساء قريش على ورود "بدر"، وكان بدر موسما من مواسم العرب يجتمع لهم به سوق كل عام. وفيه ماء، وعلى الإقامة ثلاثاً، ينحرون الجزور، ويطعمون الطعام، ويسقون الخمر، وتعزف عليهم القيان حتى تسمع بهم العرب وبمسيرهم وبجمعهم، فلا يزالون يهابونهم أبداً بعدها. ومضوا إلى بدر، فوقعت معركة بدر.

وما كان إصرار رؤساء قريش على المسير الى المسلمين لملاقاتهم في الطريق،اسلوباً من أسلوب التجار في الحفاظ على السمعة وفي الظهور بمظهر القوي المتمكن حتى لا يطمع بهم الطامعون ويتجاسرون عليهم. فكان خروجهم هذا نوعاً من التحدي ومظهراً من مظاهر اظهار القوة، لتخويف الغير، لعلمهم بقوتهم، فكأنهم أرادوا انزال ضربة بمن خرج مع الرسول لملاقاة القافلة، معتمدين على عددهم وقوتهم، حتى يتهيب المسلمون في المستقبل من التحرش بقوافلهم،وليكون ذلك درساً لهم. ولعلهم كانوا لا يريدون في الواقع الاشتباك مع المسلمين في قتال،وانما كانوا أرادوا مجرد تخويفهم واظهار أنفسهم مظهر القوي العزيز المهاب،كما يظهر ذلك من قول أهل الأخبار من أنهم كانوا أرادوا الاقامة ببدر ثلاثة ايام، ينحرون الجزور، ويطعمون الطعام، ويسقون الخمر، وتعزف عليهم القيان حتى تسمع بهم العرب وبمسيرهم وبجمعهم، فلا يزالون يهابونهم أبداً بعدها.

ولكن أبت الأقدار إلا إن يقع الاصطدام فوقع على نحو ما هو مذكور. وكانت "بصرى" سوق قريش في رحلتهم إلى بلاد الشام،عندما تقف قوافلهم وتحط رواحلهم، فيشترون ويبيعون ويمكثون حتى ينتهوا من تجارتهم ثم يعودون الى مكة. وكان منهم من يصل الى "غزة" ويتاجر في أسواقها، حيث تبيع أسواقها منتوجات حوض البحر المتوسط وما يرد إليها من "أوروبة" من تجارة. ويبيع التجار العرب فيها ما يحملونه من بلاد العرب من سلع مستطرفة مطلوبة في أسواق البحر المتوسط. وبها مات "هاشم بن عبد مناف" جد النبيّ، حين كان توجه للشأم بالتجارة، فأدركته منيته فمات بغزة وبها قبره، فقيل غزة هاشم.

والأدم، هي في رأس قائمة السلع التي كان يحملها أهل مكة إلى بلاد الشام، وكانوا يجمعونه من اليمن ومن الطائف ويحملونه إلى بلاد الشام والعراق. ومنه ما كان معمولاً مصقولاً معتنى به، زخرف بالذهب، لذلك عرف ب "المذاهب".

و "المذاهب" الجلود المذهبة. وهي من أرقى الجلود وأغلاها،يشتريها الأغنياء لاستعمالها في الأشياء الغالية الثمينة.

وتعّد اليمن من أهم الأماكن المصدرة لجلود البقر في جزيرة العرب، وقد كانت تحمل إلى مكة وإلى مواضع أخرى لبيعها في أسواقها منها البصرة في الإسلام،حيث كان التجار يحملون جلود البقر من اليمن إليها. واشتهرت أيضاً بعطورها لجودتها. روي أن "عبد الله بن أبي ربيعة" كان يبعث بعطر اليمن من اليمن إلى أمه "أسماء بنت مخربة"، أم "أبي جهل"، فكانت تبيعه إلى الأعطية،وكانت تضع العطور في قوارير، وتزنها، فتبيع نقداً أو ديناً. فإذا باعت ديناً كتبت مقدار الدين في كتاب. ولعل شهرة مكة بعطورها، إنما جاءتها من العطور المستوردة التي تأتي إليها من اليمن ومن أماكن أخرى.

وكان الزيت على رأس السلع التي كان يشتريها أهل مكة وتجار يثرب من بلاد الشام لصفائه ولنقاوته وجودته، وكان "دحية بن خليفة الكلبي" يتجر مع بلاد الشام بالزيت والطعام، وصادف رجوعه من الشام وقت صلاة الجمعة،والرسول يخطب، فلما سمع المصلون خلف الرسول صوت أجراس القافلة جعلوا يتسللون إليها، خشية إن يسبقوا إليها، فتباع، حتى بقيت منهم عصابة اثني عشر رجلاٌ وامرأة. فوبخهم الله بالآية )وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً، قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة،والله خير الرازقين(.

وقد عرف الزيت المستورد من الشام بالزيت الركابي،لأنه كان يحمل على الإبل من الشام.

ولم يشر أهل الأخبار إلى رحلة على شاكلة رحلتي الشتاء والصيف إلى العراق.وإنما أشاروا الى تجار منهم كانوا يتاجرون مع الحيرة. ومعنى هذا ذهاب قوافل صغيرة إلى العراق، لم تكن بحجم قوافل قريش إلى بلاد الشام أو اليمن. ولم يشر القرآن الكريم أيضاً إلى رحلة جماعية الى العراق او الى موضع آخر. مما يدل على أن قريشاً كانت ترحل رحلتين جماعيتين كبيرتين في السنة إلى بلاد الشام في الصيف، والى اليمن في الشتاء فقط. أما رحلاتهم الأخرى، فلم تكن كبيرة ضخمة وجماعية، بل كانت قوافل دون القافلتين في الحجم، وكانت خاصة أصحابها أغنياء، لهم رؤوس أموالهم، يبعثون بقوافلهم على حسابهم، في كل وقت شاؤوا، وتكون أرباحها لهم: لا يشاركهم فيها مشارك، وقد يرأسون بأنفسهم قوافلهم، فيذهبون بها إلى العراق، ولهم فيه تجار وأصحاب، فإذا باعوا عادوا ببضاعة جديدة وبما كسبوه إلى مكة.

فقد رووا إن "أبا سفيان" كان يذهب بنفسه إلى العراق للاتجار، يحمل معه حاصلات اليمن والحجاز، ويعود بحاصلات العراق وبما يحتاج اليه أهل الحجاز واليمن من بضاعة. بل ذكروا انه كان يفد على "كسرى"،يحمل اليه الهدايا تقرباً اليه. ذهب اليه مرة، ومعه خيل وأدم، فقبل "كسرى بن هرمز" الخيل وردّ الأدم وأعطاه هدايا وألطافاً. وكان من مصلحة كسرى التقرب إلى أهل مكة، فقد كانوا تجاراً، وكانوا على طريق مهم وفي مركز خطير من الناحية السياسية والتجارية، كما كان نفسه يتاجر مع العرب ويتبايع معهم، لذلك كان من مصلحته مجاملة أهل مكة والاتصال بهم.. وذكر انه قد كانت له صلات برؤساء وتجار الحيرة، وبملوكها أيضاً، يحمل اليهم الهدايا، ويأخذ منهم ألطافهم، ثم يعود بما يجده في أسواق الحيرة من تجارات. قدم مرة على عمرو بن هند، أو النعمان بن المنذر، فوجد عنده "مسافر بن عمرو بن أمية القرشي"، وكان قد ترك مكة ونزل الحيرة، وهو في قبة من أدم حمراء، أمر الملك بضربها له، إكراماً له، وكان الملك إذا فعل ذلك برجل، عرف قدره ومكانته، فالتقى ب "مسافر".

وكان أبو سفيان - كما يقول أهل الأخبار - تاجراً يجهز التجار بماله وأموال قريش إلى الشام وغيرها من أرض العجم، وكان يخرج أحياناً بنفسه، وكانت اليه راية الرؤساء المعروفة بالعقاب، وكان لا يحبسها إلا رئيس، فإذا حميت الحرب اجتمعت قريش فوضعت تلك الراية بيد الرئيس. وكان صديقاً للعباس،ونديمه في الجاهلية.

وكان "مسافر بن أبي عمرو بن أمية"، وهو من رجال قريش جمالاً وجوداً وشعراً، ومن فتيانها، ممن يتاجرون مع العراق، ويربح من تجارته هذه ربحاً طيباً، وكان هلاكه بالعراق. فقد كان قد خرج في تجارة إلى الحيرة، فهاك بها عند "النعمان بن المنذر"، ورثاه "أبو طالب".

وكان "عبد الله بن جدعان" من أثرياء مكة ومن تجارها. ذكر أنه تاجر مع الحيرة. ويظهر مما ذكره أهل الأخبار عنه، أنه كان ثرياً جداً، وربما عدّ أثرى قريش في أيامه، واليه تنسب قصة ادخال "الفالوذج" الى أهل مكة، حيث يذكرون أنه تعلمها من أهل العراق، وجاء ومعه طبّاخ خاص ليطبخ له طبيخ الحيرة وأهل فارس.

وكان "العاص بن واثل هاشم" السهمي من تجار مكة، الذين رحلوا بتجارتهم إلى خارج مكة. وكان من أشراف قريش. وقد مات بالأبواء.

ولعله كان خارجاً في تجارة له فمات هناك. ومن ولده "عمرو بن العاص". وقد أسلم هو وخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة معاً. وكان تاجراً كذلك. ويذكر "ابن كثير" أن "عمرو بن العاص" وفد على "مسيلمة"، و ذلك بعد ما بعث رسول الله وقبل أن يسلم عمرو، فقال له مسيلمة ماذا أنزل على صاحبكم في هذه المدة ? فقال: لقد أنزل عليه سورة وجيزة بليغة، فقال: وما هي ? فقال: )والعصر إن الإنسان لفي خسر. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر(. ففكر مسيلمة هنيهة ثم قال: وقد أنزل علي مثلها، فقال له عمرو: وما هو ? فقال: يا وبر يا وبر، وانما أنت أذنان وصدر وسائرك حفر نقر، ثم قال: كيف ترى يا عمرو ? فقال له عمرو، والله انك لتعلم أني أعلم انك تكذب. والرواية موضوعة، فسورة "العصر" من السور المكية ورقمها "27" حسب ترتيب نزول السور بمكة على رأي العلماء، أي قبل الهجرة، وقبل إسلام "عمرو" بزمن، وقبل مجيء "مسيلمة" إلى المدينة مع وفد حنيفة، وبعد مجيئه إليها بدأت دعوته بمعارضة الرسول. ثم إن جملة: "ماذا أنزل صاحبكم في هذه المدة ?"، جملة تشعر إن "عمرو بن العاص " كان مسلماً إذ ذاك، بينما كان هو من المشركين في ذلك العهد. ثم إن ما نسب إلى "مسيلمة" من آيات، وضع على وزن آيات القرآن ومحاكاة لها، وليس في: "يا وبر يا وبر الخ" أي شيء يضاهي: "والعصر" في النسق أو في المعنى، وعندي أن الخبر من الأخبار الموضوعة. وقد يكون "عمرو بن العاص" قد زار اليمامة، فهذا شيء غير مستبعد. فقد كان تاجراً وكان تجار مكة يسافرون إلى اليمامة والى غيرها للاتجار، أما أنه ذهب خاصة لزيارة "مسيلمة" ومكالمته على نحو ما يرد في الخبر، فأسلوب يدل على وجود الصنعة فيه أكثر مما يدل على الصحة وصدق الرواية.

وقد عرف أهل الحيرة بنشاطهم في الأسواق وباتجارهم مع أسواق جزيرة العرب وغيرها، حتى قيل: "إنك لا ترى بلداً في الأرض ليس فيه حيري".وقد كانت الحيرة نفسها سوقاً مقصودة، تشتري وتبيع، يأتيها التجار من مختلف الأمكنة، وموضع تجاري على هذه الشاكلة لا بد أن يذهب أهله إلى الأسواق الأخرى للبيع والشراء.وقد عرف أهل الحيرة بحذقهم في الصيرفة وفي بيع الفلوس. قيل لأحد اهل الحيرة ممن يتعاطى الطب: "ما لأهل الحيرة وللطب. عليك ببيع الفلوس في الطريق".

وكان تجار الحيرة يزورون مكة للاتجار بها، ولهم مع تجارها عقود وجوار وتجارة، فإذا ذهب أحدهم إلى مكة نزل على حليفه وجاره، ثم باع ما عنده من تجارة، واشترى ما يجده بمكة من سلع مطلوبة مرغوبة ثم يعود الى الحيرة. وكان منهم من كوّن مع حلفائه من أهل مكة تجارة مشتركة تتعامل بالحيرة وبمكة وبمواضع أخرى، وتسوي أشغالها بالمراسلة، يدير الحيريون منهم أعمال الشركة بالحيرة، ويدير المكيون منهم أعمالها بمكة، ثم يتراجعون في الحساب، ويقتسمون الأرباح والخسائر على وفق ما اتفقوا عليه.

وقد كانت تجارة قريش تجارة واسعة، وقد أقام تجارهم وكالات ومتاجر في مواضع متعددة، لتتولى أمر البيع والشراء. ولعلهم كانوا يمثلون مصالح مكة السياسية في الحبشة كذلك، كأن يتولى هؤلاء التفاوض مع الحكومة هناك في عقد عهود سياسية واقتصادية وما شابه ذلك. وقد كان اتصال أهل مكة بالحبشة وثيقاً ودائماً، ويظهر انهم كسبوا منافع مهمة من أعمالهم واشتغالهم في تلك البلاد.

وقد عهدت قريش إلى أناس آخرين من رجالها بقيادة قوافلها، إلى بلاد الشام أو إلى اليمن. كما قام رجال منها بتجهيز قوافل لهم لتتاجر بأموالهم. ولما هاجر الرسول إلى "يثرب" استاؤوا من خبر هجرته استياءً كبيراً،.لعلمهم بأهمية موقع "يثرب"، وبما سيقوم به المسلمون من التعرض بقوافلهم ومن تحرشهم بتجارهم وفي هذا العمل نكبة عظيمة تصيب تجارتهم وأرباحهم ومنافعهم المادية. فتشاوروا في أمرهم وتناقشوا، وقالوا: "قد عوّر علينا محمد متجرنا وهو طريقنا " وقال "أبو سفيان" و " صفوان بن أمية": "إن أقمنا بمكة أكلنا رؤوس أموالنا"، وقال أيضاً: "كناّ قوماً تجاراً، وكانت الحرب بيننا وبين رسول الله قد حصرتنا حتى نهكت أموالنا"، وقال غيره مثل ذلك من كلام، يشعر بمقدار الأضرار والخسائر التي منيت بها تجارة قريش بسبب هجرة الرسول إلى يثرب واعتراضه طرق القوافل. لا سيما بعد أن تبين لها إن جميع السبل التي فكرت في سلوكها لتسيير قوافلها عليها، هي غير أمينة ولا سالمة، وأن المسلمين قد أخذوا يباغتون قوافلهم حتى في الطرق الجنوبية المؤدية إلى اليمن والطرق البعيدة الى تؤدي إلى العراق.

وقد وقف المسلمون لقريش بالمرصاد، وأخذوا باعتراض قوافلهم، فما كادت تمضي سبعة أشهر من مقدم الرسول المدينة، حتى أمر "حمزة" بالتوجه إلى ساحل البحر من ناحية العيص، للتحرش بعير لقريش كانت قد جاءت من الشام تريد مكة، فيها أبو جهل في ثلاثمائة راكب، فكان خبر هذه السرية أول خبر سيء يبلغ مسامع قريش. وقد نجت القافلة، إلا أن الخبر جعل قريشاً تشعر أنه سيكون مقدمة لأخبار سيئة ستصيب مصالحها التجارية وحياتها الاقتصادية، ولن يكون لها من نجاة، إلا بالتهيؤ للقضاء على الرسول والإسلام، كما فكرت في وضع خطط لتغيير طرقها التي تسلكها في ذهابها إلى الشام باتباع طرق بعيدة سالمة، تكون بعيدة عن المسلمين، وقد سلكتها فيما بعد، حين ضيق المسلمون على قوافلها التي كانت تسير على الطرق المألوفة، فتبين أنها لم تكن سالمة أيضاٌ وأن المسلمين أخذوا يهاجمونها على كل طريق، مهما كان.

وكان من غيظهم على الرسول، ومن تأثرهم بما أصاب تجارتهم من خسارة وضرر، إن لقبوا الرسول ب "القاطع". ولما ذهب "الحجاج بن علاط"، إلى مكة، وكان تاجراً له مال بمكة أودعه زوجته، ومالاً متفرقاً في تجار أهل مكة، وكان مسلماً يكتم إسلامه، قالوا له: أخبرنا بأمر محمد، فإنه قد بلغنا إن القاطع قد سار إلى خيبر، وهي بلدة يهود وريف الحجاز. فنعتوا الرسول ب "القاطع" لأنه قطع عليهم تجارتهم وهدد طرقهم التي يسلكونها للوصول إلى أسواق الشام وبلاد العراق.

ولما كان الشهر الثامن من مقدم الرسول المدينة، أرسل سرية إلى بطن "رابغ" بلغت "ثنية المرة"، وهي بناحية الجحفة، لتقابل عيراً لقريش، اختلف في أمرها، فقيل: كان "أبو سفيان"، وقيل بل "مكرز بن حفص"، وقيل "-عكرمة بن أبي جهل". فكان بين المسلمين والمشركين رمى، و نجت القافلة.

وكانت كبيرة على ما يظهر، إذ كان عدد رجالها، أي حراسها مائتين. ورجع المسلمون دون ان يغنموا شيئاً، وقد كانت السرية انذاراً آخر لقريش بالخطر الذي سيلحق بتجارتها وبمصالحها المادية وبأن ما كانت تربحه من أرباح لن يدوم لها فيما بعد.

وقد تمكن "أبو بصير" من إنزال ضربات موجعة بتجارة قريش، اختار "العيص"، وهو ناحية على ساحل البحر على طريق عير قريش إلى الشام موضعاً ينقض منه على قوافل قريش، فيسلب ما فيها من مال ويقتل من يقتل من المارة، حتى ضيق عليها، وهرب اليه من كان بمكة محبوساً من المسلمين، حتى تجمع عنده قريب من سبعين مسلماً، أغار بهم مرة على ركب كان يريد الشام، معهم ثمانون بعيراً، فأخذوا ذلك وأصاب كل رجل منهم قيمة ثلاثين ديناراً. فغاظ قريش تضييق "أبو بصير" عليهم، حتى كتبوا إلى رسول الله يسأله بأرحامهم إلا أدخل أبا بصير اليه ومن معه. فكتب اليه إن يعود ومن معه.

ولما عقد صلح "الحديبية" و كانت الهدنة بين قريش والرسول، استراحت

"قريش"، وإن بقيت خائفة من أن لا تجد أمناً لها، فأرسلت قافلة في نفر من قريش فيها "أبو سفيان"، إلى "غزة" متجرها فيَ بلاد الشام، فوصلت سالمة الى هناك، وتاجرت ثم عادت وذكرت كتب التأريخ والأخبار أسماء عدد من رجال مكة كانوا يخرجون إلى التجارة بأموالهم وأموال غيرهم من أمثال أبي العاص زوج زينب بنت رسول الله، وكان يخرج تاجراً إلى الشام. وكان رجلاّ مأموناً، يخرج بماله وأموال رجال من قريش أبضعوها معه. وقد عرف "بالأمين"، وكان من رجال مكة المعدودين مالاً وأمانة وتجارة، يخرج بماله وبمال غيره تاجراً، يأتمنون به، ثم يعود فيؤدي الى كل ذي مال من قريش ماله الذيَ كان أبضع معه. وكان آخر خروجه تاجراً بأمواله وبأموال قريش قبل الفتح، خرج الى الشام فلما انصرف قافلا" لقيته سرية لرسول الله، أميرهم "زيد بن حارثة"، وكان أبو العاص في جماعة عير، وكان زيد في نحو سبعين ومائة راكب، فأخذوا ما في تلك العيرّ من الأثقال وأسروا منهم ناساً، فاستجار "أبو العاص" بزينب، فأجارته، ورد الرسول الأموال والأسرى إليه، وعاد مع القافلة إلى مكة، فأدى الى كل ذي مال من قريش ماله الذي كان أبضع معه، ثم أعلن أمام قريش شهادة الإسلام، وتركهم فقدم يثرب مسلماً، ورد رسول الله ابنته عليه.

ومن تجار قريش "صفوان بن أمية بن خلف"، ذكر انه كان أحد العشرة الذين اليهم شرف الجاهلية ووصله لهم الإسلام من عشرة بطون. وكان أحد المطعمبن في الجاهلية والفصحاء، وأحد أشراف قريش، واليه كانت الأيسار، وهي الأزلام، فكان لا يسبق بأمر حتى يكون هو الذي يجري يسره على يديه.وكان يقال له: "سداد البطحاء". وهو أحد المؤلفة قلوبهم. وكان غنياً، وكذلك كان أولاده. ورد في الحديث: إن صفوان بن أمية قنطر في الجاهلية، وقنطر أبوه، أي صار لهما مال كبير، كأنه يوزن بالقنطار، فهما من أسرة ثرية ثقيلة الثراء.

وتعدّ أيام مغادرة القوافل وأيام عودتها سالمة، من الأيام المشهودة في مكة، يخرج فيها أهل البلدة لتوديع القافلة متمنين لها النجاح والفلاح والعودة سالمة بربح وافر كثير، داعين آلهتهم ان تبارك في رجالها وتمنحهم العون والفلاح في البيع وفي وقايتها من شر السفر ومن أذى الأشرار قطّاع الطريق. ويخرج فيها أهل مكة فرحين مستبشرين، لاستقبال القافلة قادمةً من سفرتها البعيدة وهي محملة بسلع جديدة وبثمن ما باعته من سلع وما ربحته من فروق الأسعار: سعر الشراء وسعر البيع، حتى إذا ما بلغت القافلة مكة، كان أول واجبها زيارة رئيسها وأصحابها "البيت الحرام" لرفع الحمد والشكر إلى رب البيت على ما أنعمه عليها من الأمن والسلامة وما رزقها من ربح. ثم يعود مع أصحابه إلى بيوتهم ليستريحوا وليقوموا بتصفية حسابهم، واعطاء كل واحد من المساهمين في رأس مال القافلة نصيبه من الربح.

وقد ذكر أن قريشاً كانوا يربحون في تجارتهم للدينار ديناراً، وأن قافلة "ابي سفيان" التي كانت سبب وقعة بدر،كانت ألف بعير، وكان المال خمسين ألف دينار،فسلّم أبو سفيان إلى أهل العير رؤوس أموالهم، وأخرجوا أرباحهم، وكانوا يربحون في تجارتهم للدينار ديناراً.

وقد اشتهرت بعض الأسر من قريش بالتجارة مع الأقطار البعيده عن مكة. وقد ذكر أهل الأخبار أن بني "عبد مناف" المعروفين ب "أصحاب الإيلاف" كانوا أسرة ثرية غنيّة اختصت بالاتجار مع الخارج. وكانوا أربعة أخوة، هم: هاشم، وكان يؤالف الروم، فأمن في تجارته الى الشام. أما الأخ الثاني، فعبد شمس، وكانت تجارته مع الحبشة. وأما الثالث فكان المطلب، وكان يرحل إلى اليمن. وأما الرابع، فهو نوفل، وكان يرحل إلى فارس. وقد عرف هؤلاء ب "المتجرين " وب "المجبرين" وب "المجيرين".

ولم يكن الإيلاف إيلافاً مع الروم أو الفرس أو الحبشة، وإنما كان إيلافاً مع سادات القبائل. فبفضل العقود والعهود التي عقدها "هاشم" واخوته مع سادات العرب أمكن مرور قوافل مكة بأمن وسلام نحو العراق وبلاد الشام واليمن والحبشة. ولولا هذه العقود التي جبرت قلوب سادات القبائل بتقديم حقوق مرورٍ لهم، أو بإشراكهم في مال القافلة، بحمل تجار مكة ما عندهم من سلع لبيعها على حسابهم، وتقديم ثمنها مع الربح الذي جاؤوا به على سعر البيع المقدر، لما كان في إمعَان قريش ضبط أولئك الأعراب ومنعهم من التحرش بقوافلهم ومرورها إلى الأسواق بأمن وسلام.

ويرجع أهل الأخبار مبدأ "الإيلاف" وخروج قريش من مكة بالقوافل إلى بلاد الله الأخرى إلى "هاشم بن عبد مناف"، فهم يذكرون إن قريشاً كانوا تجاراً " وكانت تجارتهم لا تعدو مكة، انما تقدم عليهم الأعاجم بالسلع فيشترونها منهم ثم يتبايعونها بينهم ويبيعونها على من حولهم من العرب، فكانوا كذلك حتى ركب هاشم بن عبد مناف إلى الشام فنزل بقيصر، فكان يذبح كل يوم شاة ويصنع جفنة ثريد ويجمع من حوله فيأكلون،وكان هاشم من أجمل الناس وأتمهم، فذكر ذلك لقيصر فقيل له: ها هنا رجل من قريش يهشم الخبز ثم يصب عليه المرق ويفرغ عليه اللحم، وانما كانت العجم تصب المرق في الصحاف ثم تأتدم بالخبز، فدعا به قيصر، فلما رآه وكلمه أعجب به، فكان يبعث اليه في كل يوم فيدخل عليه ويحادثه، فلما رأى نفسه تمكن عنده قال له: أيها الملك، إن قومي تجار العرب، فإن رأيت إن تكتب لي كتاباً تؤمن تجارتهم فيقدموا عليك مما يستطرف من أدم الحجاز وثيابه فتباع عندكم فهو أرخص عليكم ! فكتب له كتابَ أمان لمن يقدم منهم، فأقبل هاشم بذلك الكتاب، فجعل كلما مرّ بحيّ من العرب بطريق الشام أخذ من أشرافهم إيلافاً - والإيلاف: أن يأمنوا عندهم في أرضهم بغير حلف انما هو أمان الطريق - وعلى ان قريشاً تحمل اليهم بضائع فيكفونهم حملاتها ويؤدون اليهم رؤوس أموالهم وربحهم، فأصلح هاشم ذلك الإيلاف بينهم وبين أهل الشام حتى قدم مكة فأتاهم بأعظم شيء أتوا به بركة، فخرجوا بتجارة عظيمة وخرج هاشم معهمُ يجوّزهم يوفيهم إيلافهم الذي أخذ لهم من العرب حتى أوردهم الشام وأحلهم قراها، ومات في ذلك السفر بغزة. وخرج المطلب ابن عبد مناف إلى اليمن فأخذ من ملوكهم عهداً لمن تجر اليهم من قريش، وأخذ الإيلاف كفعل هاضم، وكان المطلب أكبر ولد عبد مناف،وكان يسمى "الفيض" وهلك بردمان من اليمن. وخرج عبد شمس بن عبد مناف إلى الحبشة، فأخذ إيلافاً كفعل هاشم والمطلب، وهلك عبد شمس بمكة فقبره بالحجون. وخرج نوفل ابن عبد مناف وكان أصغر ولد أبيه فأخذ عهداً من كسرى لتجار قريش وإيلافاً ممن مر به من العرب، ثم قدم مكة ورجع إلى العراق فمات بسلمان. واتسعت قريش في التجارة في الجاهلية وكثرت أموالها، فبنو عبد مناف أعظم قريش على قريش منة في الجاهلية والاسلام". وبهذا القصص، أوجد أهل الأخبار مبدأ الإيلاف، و مبدأ خروج قريش بالتجارة إلى الأقطار المذكورة. ويكون عمل "آل عبد مناف" وفق هذه القصة، عملين: أخذهم أماناً من الملوك المذكورين بمعاملة قريش معاملة حسنة وحمايتهم لهم في أرضهم من كل تعدّ قد يقع عليهم، ومراعاتهم مراعاة خاصة حين مجيئهم اليهم للاتجار، معاملة الأحسن حظوة بين التجار الذين يتاجرون في أسواقهم، والعمل الثاني، هو عقدهم الإيلاف مع سادات القبائل الذين يمرون بهم في ذهابهم وإيابهم إلى الشام والعراق واليمن والحبشة، بأن يأمنوا عندهم في أرضهم، ولا يعتدى على أحد منهم.

وموضوع ذهاب هاشم واخوته إلى الشام أو العراق أو اليمن أو الحبشة،موضوع طبيعي لا داعي إلى اثارة الشك حوله، فقد وجدنا أن غيرهم من تجار مكة كانوا يتاجرون مع الأماكن المذكورة، تاجروا معها قبلهم وتاجروا معها بعدهم، أما أنهم التقوا بقيصر وبكسرى وبالنجاشي وبتبابعة اليمن، وتعاقدوا وتعاهدوا معهم، فقضية أخرى فيها نظر، وقد عوّدنا أهل الأخبار على سماع مثل هذا القصص. وكل ما نستطيع أن نصوره فيما لو صدقنا بالخبر، هو أن أولئك الأخوة قد قابلوا بعض موظفي الحدود وتصادقوا معهم وقدّموا لهم بعض الهدايا، فصاروا يتساهلون معهم في جباية الأعشار وفي أخذ حقوق المرور، فشاع بين قومهم أنهم تعاقدوا مع أولئك الملوك.

والإيلاف، العهد والذمام وشبه الإجازة بالخفارة، من ألف بينهما تأليفاً، أوقع الألفة وجمع بينهما بعد تفرق ووصلهما، ومن ذلك المؤلفة قلوبهم، أمر النبي بتألفهم، أي بمقاربتهم وإعطائهم من الصدقات ليرغبوا من وراءهم في الإسلام، ولئلا تحملهم الحميةّ مع ضعف نياتهم على أن يكونوا مع الكفار على المسلمين. وصار أهل مكة، بفضل الإيلاف، آمنين امتيارهم وتنقلاتهم شتاءً وصيفاً والناس يتخطفون من حولهم، فإذا عرض لهم عارض قالوا: نحن أهل حرم الله فلا يتعرض لهم أحد. فالإيلاف العهود التي أخذتها قريش من سادات القبائل إذا خرجت في التجارات فتأمن بها.

وقد عرف أصحاب الايلاف،وهم الاخوة الأربعة أبناء عبد مناف ب "المجيرين"إذ كانوا يؤلفون الجوار يتبعون بعضه بعضاً، يجيرون قريشاً بميرهم ويجبرون فقيرهم، ولذلك قيل لهم "المجبرين".

وذكر أن كل واحد من الأخوة المذكورين أخذ حبلاّ من ملك. فأما هاشم فإته أخذ حبلاً من ملك الروم، وأما عبد شمس، فإنه أخذ حبلا" من النجاشي. وأما المطلب، فإنه أخذ حبلاّ من أقيال حمير. وأما نوفل، فإنه أخذ حبلاً من كسرى، فكان تجار قريش يختلفون إلى هذه الأمصار بحبال هؤلاء.

و "الحبل" العهد والذمة والايمان، يقال كانت بينهم حبال فقطعوها، أي عهود وذمم. وذلك أن العرب كانت تخيف بعضها بعضاً فكان الرجل إذا أراد سفراً أخذ عهداً من سيد قبيلة فيأمن بذلك ما دام في حدودها حتى ينتهي إلى أخرى فيأمن بذلك. والحبل الحلف أيضاً والعصم. فالحلف بمعنى العهد بين القوم والمعاقدة والمعاهدة على التعاضد والتساعد والاتفاق. وقد كانت الأحلاف كما سبق أن تحدثت عنها من أهم سمات الجاهلية، وقد نهي عنها في الإسلام، لما كانت توقعه من أضرار في المجتمع بسبب التكتلات والتحزبات والعصبية التي تؤدي إلى القتال. فورد: لا حلف في الإسلام وما كان منه في الجاهلية على نصر المظلوم وصلة الأرحام كَحلف المطيبين وما جرى مجراه، فذلك الذي قال فيه الرسول: وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة. يريد من المعاقدة على الخير ونصرة الحق. وهذا هو الحلف الذي يقتضيه الإسلام والممنوع منه ما خالف حكم الإسلام.

وكانت للعرب تعابير ومصطلحات في اعطاء العهد والأمان، ومنها مصطلح: "لا بأس". والبأس العذاب والشدة والخوف، وإن قال الرجل لعدوه لا بأس عليك، فقد أمنه، لأنه نفى البأس عنه. وهو في لغة "حمير" "لبات".

وبفضل اتباع سياسة تأليف قلوب القبائل، باشراك ساداتها في تجارة قريش، أو اعطاء سادتها جعالة مرور، أو هدايا، أو بالتصاهر معها، أو باكراء إبلها لنقل تجارة قريش، تمكنت قريش من تأليف قلوب سادات القبائل، فأمنت على نفسها، وصارت قوافلها تخرج في أي وقت شاءت من أوقات السنة في الشهور الحل أو في الشهور الحرم. لا تخشى بأساً، حتى انها صارت تعطي أمانها لغيرها، وبذلك ألفت القبائل الأخرى التي لم تكن لها عقود وإيلاف وحبال مع القبائل المحالفة لقريش، فصارت تحمل كتاب أمان قريش وشعارها، وهو ما عضد من شجر الحرم، يوضع حول العنق، على ما يزعمه أهل الأخبار، فيكون جواز سفر وكتاب مرور.

والإيلاف، أي عقد "الحبال" مع سادات القبائل، عمل مهم جداً بالنسبة لكل صاحب عمل وتاجر. إذ يتمكن التاجر به من حماية نفسه وماله ومن المرور بأمن وسلام، دون أن يتعرض لخطر النهب والسلب، وهو حتى إذا تعرض للخطر، فإن سيد القبيلة بنفوذه وبسيادته على قبيلته كفيل بأن يعيد اليه ما انتهب منه. ولهذه الأهمية، عقدت قريش الحبال مع سادات القبائل الذين تمر تجارة تجارها بأرضهم. عقدتها قريش، أو أمضاها تجار من تجارها،بما لهم من صداقة وصلات زواج وروابط بسادات القبائل، ولا سيما بسادات قبائل المناطق التي تمر الطرق التجارية بأرضها، فلهذه القبائل بالذات أهمية كبيرة بالنسبة إلى كل تاجر، وللحكومات بصورة خاصة بالطبع، ولهذا تنافست على الاستحواذ عليها حكومات اليمن وحكومة الحيرة، والساسانيون. وقد رأينا "امرأ القيس" المتوفى سنة "328" للميلاد يصل بجيشه إلى "نجران" مدينة "شمر"، ورأينا في خبر سجل بالمسند وصول جيوش اليمن إلى أرض الخليج. فلهذه الأرضين، كاليمامة ونجد والبحرين أهمية كبيرة بالنسبة للتجارة في جزيرة العرب لمرور الطرق البرية التي تربط العربية الجنوبية بالعربية الشمالية وبالعراق وسواحل الخليج بها، ولمرور الطرق التي تربط العربية الغربية بالعربية الشرقية وبالعراق بأرضها. وقد رأينا كيف تعرضت قافلة "كسرى" التي قدمت من اليمن، قاصدة المدائن إلى السلب والنهب، وكيف تعرضت "لطيمة" النعمان إلى النهب في هذه الطرق.

ويذكر أهل الأخبار، إن تجار اليمن والحجاز، كانوا يتحفزون بقريش، إذا كانوا بأرض مضر. وان قريشاً استفادوا من عقدهم الإيلاف مع تميم وأسد، و "بني عمرو بن مرثد" من "بني قيس بن ثعلبة"، ومع قبائل "ربيعة" عامة. و "مضر" و "ربيعة"، هي من قبائل نزار، و "قريش" نفسها من ولد "مضر بن نزار" في عرف النسابين، فإذا أخذنا بذلك علماً، استطعنا القول إن هذا النسب، انما هو مصالح تجارية وروابط سياسية مصلحية، جمعت هذه القبائل في "بوتقة" مصالح مشتركة، فأوجدت منها هذا النسب الذي أفاد أهل مكة كما أفاد القبائل الأخرى المشتركة فيه، والتي كانت تتاجر في أسواق مشتركة فتبيع وتشتري وتنتفع بفضل هذا النسب السياسي.

وللنسب أهمية كبيرة في تأليف القبائل وفي المحافظة على الأمن في البوادي. واتصاهر هو من أهم الروابط التي كانت تربط بين القبائل وبين الأفراد، ومن هذه الأهمية ظهر ااتصاهر السياسي والتصاهر الاقتصادي، عند الملوك وعند سادات القبائل والأشراف، فصاهر رجال من قريش قوماً من "تميم" ومن "بني عامرابن صعصعة" ومن يثرب واليمن، وصاهر ملوك الحيرة سادات القبائل المعروفة، للاستفادة من المصاهرة لمآرب سياسية واقتصادية، بالحصول على تأييد قبائل أولئك السادة: ولمرور تجارتهم من أرضهم بأمن وسلام. وقد كانوا يعرفون كيف يختارون من يصاهرونه بالطبع، يختارونه لكثرة عدد أبناء قبيلته ولمنزلتها ولمكانتها بين القبائل، ليتخذوا منه قوة في تأديب القبائل الأخرى. وهو عمل لم يكن سادات القبائل، في جهل من أسبابه، وفي غفلة عن ادراك كنهه، لذا كانوا يتاجرون به، كما تاجر به الملوك، أو سادات القبائل، فيشترطون فيه شروطاً فيها مكاسب ومنافع لهم. كأن يطعمهم الملوك "الطعم" ويعطونهم الآكال، ويجعلون لهم جباية الطرق، وبعض الامتيازات على القبائل الأخرى، ويجعلونهم على مقربة منهم في مجالسهم، ويقربونهم بذلك على غيرهم من السادات.

وقد كان لهذا التقديم الحضري أهمية كبيرة في نفوس القبائل، فهو عندهم أمارة من أمارات التشريف والتقدير. والأعرابي وإن ازدرى الحضر والحضارة، يقر مع ذلك في نفسه بتفوق الحضري عليه، إن لم يكن بالسلاح وبالقتال، فبالحيل والغش والخداع كما يرى الأعرابي ذلك، أي باستعمال الحضري ذكاءه المبني على التجارب والتقدم في مستوى الحياة في التغلب على الأعراب البسطاء الذين وإن كانوا أذكياء بالبديهة، لكن ذكاءهم لايكافيء ذكاء الحضر في التخاص من المتاعب والورط المعقدة التي تحتاج إلى خداع.

وقد افتخر سادات القبائل اللذبن كان مستواهم العقلي فوق مستوى قبائلهم بكثير- بفضلى اتصالهم بالحضر، وزياراتهم "الأرياف" وبيوت الملوك، بل البلاد الأعجمية المتقدمة أيضاً - بهذا التقديم، واعتبروه شرفاً وتعظيماً، فأكثروا من زيارة الملوك، وانتهزوا المناسبات للاتصال بهم، وأفتخروا بما كانوا ينالونه. منهم من عطايا وصلات وخلع، وهو تكريم كان يؤدي أحياناً الى نتائج محزنة، بسبب مبالغة بعض الملوك في تكريم سيد قبيلة، وتقديمه على غيره من السادات، مما كان يثير حقد بقية السادات، الذين قد تتهيج عواطفهم عندئذ لهذا التقديم، وقد يعتبرونه إهانة خاصة قصد توجيهها اليهم، فينتقمون ممن قدم عليهم، أو ينتقمون من الملك، بالإغارة على أرضه وأمواله. ونجد تأريخ الحيرة مليئاً بحوادث سببها إسراف بعض الملوك في الانصياع لعاطفتهم بتقديم سيد قبيلة: وتأخير آخر بإجلاسه في مكان هو دون المكان الذيَ كان من اللازم اجلاسه فيه من مجلس الملك. ولقرب المكان وبعده من الملك ومن صدر المجلس أهميةَ كبيرة عند سادات القبائل وفي عرف المجتمع آنذاك، حتى صار ذلك سنة لهم، اتبعوها في مجالسهم أيضاً، فإذا دخل الناس مجلس سيد القبيلة جلسوا حسب منازلهم وأقدارهم في مجتمعهم، على الرغم من مظاهر "الدمقراطية" والمساواة التي تظهر عليهم، والتي تبدو عندهم في مخاطبة بعضهم بعضاً.

السلع

والأدم والزبيب والصمغ والطيب والتبر والبرد اليمانية الثياب العدنية والأسلحة ومصنوعات الحديد والمعادن الأخرى، هي من أهم السلع الرئيسية التي تتكون منها تجاره قريش، وبعض هذه السلع مهم وغال ومطلوب. فكان تجار مكة يشترونه من معادنه ومواضعه، ويبيعونه في الأماكن التي تبحث عنها، وتربح من ذلك ربحاً كبيراً. وقد كانت "الأدم" على رأس الأموال التي تاجرت بها، حتى إن قريشاً كانت قد جعلتها على رأس الهدايا والألطاف التي كانت تهديها إلى الملوك والرؤساء وأكابر الناس. فلما ذهب "أبو سفيان" الى العراق،ووصل الى "كسرى" كَما يزعم أهل الأخبار، أهدى اليه أدماً وخيلاّ، فقبل "كَسرى بن هرمز" الخيل وردّ الأدم. ولما أرسلت "قريش" "عبد الله بن اًبي ربيعة" و "عمرو ابن العاص بن وائل" إلى النجاشي ومعهما هدايا مما يستطرف من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتيه منها الأدم، جمعت له أدماً كثيراٌ، ولم تترك من بطارقته بطريقاً إلا وله هدية، فكانت الأدم على رأس ألطاف مكة و هداياها.

ومن العطور التي كانت معروفة بمكة: "الذرور"، عطر يجاء به من الهند كالذريرة، وهو ما انتحت من قصب الطيب، وقيل هو نوع من الطيب مجموع من أخلاط، وبه فسر حديث عائشة: طيبت رسول الله لإحرامه بذريرة.

وأغلى سلع قريش التي كانت تحملها لبيعها في اًسواق بلاد الشام، هي "الفضة". ولما أرسل الرسول "زيد بن حارثة" على عير لقريش كان فيها "أبو سفيان"، وكانت قد غيرت طريقها الذي يسلك إلى الشام، وسلكت طريق العراق، كانت مع "أبي سفيان" فضة كثيرة، وهي أعظم تجارتهم، فالتقى بها "زيد بن حارثة" فأصاب العير، وبلغُ خمس الرسول من الغنيمة عشرون ألفاً، ومعنى هذا إن قيمة الغنائم، كانت مائة ألف. وقد ذكر في خبر هذه السرية ان الفضة كانت آنية كثيرة، وسكت خبر اخر عن نوع الفضة، وانما ذكر إن "أبا سفيان" كان يحمل معه فضة كثيرة.

والأسلحة من أهم مواد التجارة التي كان يتاجر بها التجار. فالسلاح أداة ضرورية جداً بالنسبة إلى الأعرابي، فبه يدافع عن نفسه، وهو لا ينام إلا وسلاحه الى جانبه، حتى إذا ما شعر بأقل حركة، نهض وهو بيده ليدافع به عن نفسه. والتاجر نفسه مع انه انسان مسالم لا يميل بطبيعة عمله إلى حمل السلاح والتقاتل كان مضطراً مع ذلك الى حمله معه والى إستخدام العبيد والأعوان للدفاع عن نفسه وعن أمواله. ولهذا كان يحرص على شرائه من أي مكان يجده فيه ليدافع به عن نفسه، كما كان يتاجر. به لأن الاتجار به من أربح الأعمال في السوق، لإقبال الناس عليه، فكان يشتريه من صناعه ومن أسواقه.، ليبيعه لمن يطلبه بسعر أعلى، فيربح بذلك كثيراً من الفرق بين السعرين.

وكان لأهل مكة خاصة حس مرهف نحو التجارة. كانوا إذا سمعوا أجراس عير، هرعوا نحوها يلتمسون خبرها. فلما أقبلت من الشام عير لدحية بن خليفة الكلبي، أو لعبد الرحمن بن عوف، تحمل زيتاً أو طعاماً، وكان رسول الله يخطب يوم الجمعة، والناس خلفه صفوفاً، فلما سمعوا بها، جعلوا يتسللون ويقومون إليها، خشية أن يسبقوا إليها، فتباع، حتى بقيت منهم عصابة اثني عشر رجلاً وامرأة. وكانوا إذا أقبلت العِير، استقبلوها بالطبل و المزامير والكبر وااتصفيق. فلما نظر رسول الله الى المصلين وقد انفضوا من حوله، عنفهم ووبخهم، ونزل في حقهم ما نزل في الآية من ترك البيع حالة صلاة الجمعة.

ويتبين من كتب الحديث إن الصحابة كانوا يتعاطون التجارة، ويتكسبون في الأسواق، وقد كانوا نشطين جداً في ذلك، وكان اهل مكة أكثر نشاطاً من أهل المدينة في هذا الباب، فلا يكاد بعضهم يصل المدينة مهاجراً من مكة حتى يسأل عن اسوق، ويبحث عن رزق، فذهب بعضهم الى سوق بني قينقاع، وهي من أسواق يهود، فنجحوا فيها وحصلوا على ربح ومال أعالوا به أنفسهم. وقد كان في جملة ما أجاب به أبو هريرة، و قد قيل فيه: إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله، وان المهاجرين والأنصار لا يحدثون عنه بمثل حديث أبي هريرة: "إن اخوتي من المهاجرين كان يشغلهم صفق الأسواق، وكنت ألزم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على ملء بطني، فأشهد إذا غابوا، واحفظ إذا نسوا، وكان يشغل اخوتي من الأنصار عمل أموالهم، وكنت امرءاً مسكيناً من مساكين الصُّفة أعي حين ينسون". فالأنصار كانوا أصحاب زرع وأموال، والمهاجرون كانوا أصحاب تجارات.

وكانوا إذا التهوا في السوق وانصرفوا في التجارة ونسوا أمورهم الأخرى، قالوا ألهانا الصفق بالأسواق، يعني الخروج إلى تجارة وبيع وشراء. وقد أدى انصراف بعض الصحابة الى السوق وتعلقهم بالتجارة إلى انفضاضهم أحياناً عن الرسول وهم حوله، فورد في الحديث: "بينما نحن نصلي مع النبي، صلى الله عليه وسلم، إذ أقبلت من الشام عير تحمل طعاماً فالتفتوا إليها حتى ما بقي مع النبي، صلى الله عليه وسلم، إلا اثنا عشر رجلاً، فنزلت: )واذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً".

وكان "العباس بن عبد المطلب" من أغنياء قريش، ومن المقرضين للمال بفضل يأخذه من المدين يضعه على رأس ماله. وقد بقي على ماله وثرائه في الإسلام كذلك. وكان الرسول قد أبطل ربا العباس في أول ما أبطل من ربا في الإسلام. وكان العباس يتاجر كذلك، له محل يتاجر فيه، ويستقبل التجار الغرباء. وقد ذكر أن "عفيف الكنديَ" كان فيَ جملة من تاجر معه في الجاهلية، وقد جاء اليه ليبتاع منه بعض التجارة.

ولما آخى الرسول بين الأنصار والمهاجرين،آخى بين "عبد الرحمن بن عوف"، وهو من المهاجرين، وبين "سعد بن الربيع"، وهو من أكثر الأنصار مالاً، فقال "سعد بن الربيع": "أقاسمك مالي نصفين وأزوجك". قال "عبد الرحمن": بارك الله لك في أهلك ومالك، دلوّني على السوق. فدلوه على سوق قينقاع، فغدا اليه، ثم تابع الغدوّ، فما لبث أن جمع مالاً من تعامله بالسوق وصار من المثرين.

وقد كان "عبد الرحمن" تاجراً بمكة قبل هجرته إلى يثرب، وصاحب مال. فلعل الرسول أراد من مؤاخاته بين المهاجرين والأنصار، أن يساعد المهاجرون الأنصار وأن يتعاونوا معاً، كما كان شأن عبد الرحمن وسعد بن الربيع، وهما من أصحاب الخبرة والتجربة في العمل، فيفيدوا بذلك الإسلام بما يحصلون عليه من مال.

وقدً ذكر أهل الأخبار، أن عبد الرحمن، تصدق على عهد رسول الله، بشطر ماله، ثم تصدق بعد بأربعين ألف دينار، ثم حمل خمسمائة فرس في سبيل الله وخمسمائة راحلة، وكان أكثر ماله من التجارة. وذكروا أنه أعتق ثلاثين ألف نسمة وأنه أوصى لكل من شهد بدراً بأربعمائة دينار، فكانوا مائة رجل. وذكروا أنه كان تاجراً مجدوداً في التجارة، وكسب مالاً كثيراً، وخلف ألف بعير وثلاثة الاف شاة، ومائة فرس ترعى بالبقيع، وكان يزرع بالجرف على عشرين ناضحاً فكان يدخل منه قوت أهله سنة. وذكروا أنه صالح امرأته التي طلقها في مرضه من ثلث الثمن بثلاثة وثمانين ألفاً، وقيل عن ربع الثمن من ميراثه. ورووا أنه أعتق في يوم واحد ثلاثين عبداً. وأنه كان يقول: "قد خشيت أن يهلكني كثرة مالي. أنا أكثر قريش كلهم مالا"".

وكان "أبو بكر" تاجراً معروفاً بالتجارة بمكة قبل الإسلام. ولقد بعث النبي وعنده أربعون ألف درهم، ولما أسلم كان يعتق منها ويعول المسلمين، حتى قدم المدينة بخمسة آلاف.

وكان "طلحة بن عبيد الله بن عثمان" القرشي التيمي، من تجار.مكة، ولما قدم المدينة مهاجراً، أخذ يتاجر مع "الشام"، وذكر انه اشترى مالاً ب "بيسان"، وان غلته تبلغ اًلفاً وافياً كل يوم. والوافي في وزنه وزن الدينار، وعلى ذلك وزن دراهم الفرس التي تعرف بالبغلية. وقد ساهم في حرب الجمل، التي وقعت سنة ست وثلاثين.

والزبير من رعيل التجار كذلك، وكان تاجراَ مجدوداً في التجارة، كان له ألف مملوك يؤدون اليه الخراج، وله أرضون واسعة وأموال طائلة.

تجار يثرب

ولم يشتهر أهل "يثرب" في كتب أهل الأخبار بالتجارة، وانما اشتهروا فيها بالزراعة، ولا سيما بزراعة النخيل. ولكننا نجد إن من بين هم من كان يتاجر مع بلاد الشام واليمن، وله أموال شغلها في التجارة، كما إن من بينهم من كان يعطي فضل ماله بالربا للمحتاح إلى المال، وكان منهم من حصل على مال كثير فابتنى له "الأطم" و "الحصون" ليحصن نفسه وماله بها. ولما هاجر المهاجرون إليها، تعاظم شأن التجارة بها، إذ أخذ المهاجرون والأنصار يتاجرون مع الشام، فيبيعون ويشترون ويستوردون التجارة إلى المدينة، بقوافل تأتي محملة بالزيوت وبتجارة الشام إليها. حتى أمر الرسول باتخاذ سوق بها، يتاجر فيه التاجر دون ان يدفع خراجاً، بقوله: هذا سوقكم لا خراج عليكم فيه. فرفع عن تجار يثرب ما كان يدفعه تجار الأسواق الأخرى من خراج الأعشار.

ويظهر من دراسة وتشريح كتب التفسير والحديث والسير والأخبار، أنه قد كان بين أهل "يثرب" وأهل مكة فروق في أصول العامل التجاري، فوزن أهل يثرب يختلف عن وزن أهل مكة، وكيلهم يختلف عن كيلهم أيضاً، وتعاملهم في السوق يختلف بعض الاختلاف عن تعامل أهل مكة. ثم هم فوق ذلك يختلفون عن أهل مكة في أنهم أصحاب زرع، وأهل مكة أصحاب تجارة، ولما جاء الرسول إلى المدينة، وجد لهم معاملات تخص أكثرها الزراعة لم تكن معروفة بمكة، فسألهم عنها، وحدد لهم موقف الإسلام منها.

وسبب هذا الاختلاف، هو اختلاف طبيعة المكانين. فمكة بلد غير ذي زرع فقلَّ عندهم التعامل الزراعي، لعدم احتياجهم اليه. أما "يثرب"، فبلد زراعة عيشة أهله على الزراعة واستغلال الأرض، لذلك صار أكثر تعاملهم بأعمال تتعلق بالزراعة وباستغلال الأرض، وبالاشتراك والتعاون في استغلال الملك الفائض على حاجات صاحبه، فظهرت عندهم أعراف زراعية، لم تعرف بمكة. وكانت عندهم بعض حرف، لم تشتهر بمكة. ومن هنا راعى التشريع الإسلامي في التجارة أعراف أهل مكة فيها، وراعى في التشريع الزراعي وفي الحرف،أعراف أهل يثرب في الاثنين.

واقتصاد يثرب اقتصاد زراعي، الانتاج فيه انتاج زراعي، ثم حيواني، عماد الأنتاج فيه التمور والخضر، أما اقتصاد مكة، فهو اقتصاد تجاري عماده التجارة القائمة على أساس شراء السلع من الأسواق ونقلها إلى مكة، وتصريفها من هناك على أهل مكة ومن حولهم، ونقل الفائض إلى الأسواق الموسمية وأسواق العراق وبلاد الشام والعربية الجنوبية. فهو اقتصاد لا يعتمد على الانتاح المحلي ولا على حرف محلية، إنما يقوم على أساس شراء المنتجات الأجنبية من مصادرها بأسعار أعلى، للحصول على الاْرباح عن طريق الفرق بين السعرين: سعر الشراء وسعر البيع، أو عن ثمن التوسط في معاملات البيع والشراء.

ويظهر إن أهل يثرب لم يكونوا قد أقبلوا على الزراعة اقبالاً كافياً، وان الأرض لم تكن قد استغلت استغلالاً جيداً، لهذا نجد الرسول بعد هجرته إلى هذه المدينة يحث المسلمين على الاقبال على الزراعة وعلى العمل بها، وعلى استغلال الأرض، لأن فيها قوت المسلمين، فأراد بذلك سد النقص الذي كان يجابه أهل المدينة وغيرها في الحبوب وفي أقواتهم الأخرى، وهذا مما أدى إلى احياء بعض أرضها في أيامه، أحياها أهل يثرب وأحياها بعض المهاجرين.

وكان بعض تجار مكة يمرون بيثرب في طريقهم من مكة إلى بلاد الشام، وفي عودتهم منها إلى مكة. ولما خرج "هاشم" في عير لقريش فيها تجارات، كان طريقه علىَ المدينة، ثم نزل بسوق النبط، وهي سوقّ تقوم بها في السنة يحشدون لها، يبيعون ويشترون. وهي سوق يظهر انها كانت تقام في موسم معين من السنة، فيتجمع فيها التجار للبيع والشراء، ولما خرج "عبد الله" والد الرسول إلى الشام إلى غزة في عير من عيرات قريش يحملون تجارات، ففرغوا من تجارتهم ثم انصرفوا، مرّوا بالمدينة، وبها توفي فدفن هناك، في دار النابغة، وهو رجل من بني عدي بن النجار.

وقد كان الأنباط يتاجرون مع المدينة، يأتون إليها ب "الدرمك"، وهو الدقيق الحواري، وهو دقيق أبيض،وبالزيت. وكانوا يأتون اليهم بأخبار الروم. ولعلهم كانوا يتاجرون في موضع معين من أسواق يثرب،فعرف لذلك بسوق النبط. وقد نافست "يثرب" مكة في التجارة بعد هجرة الرسول إليها، إذ أخذ المهاجرون يتاجرون منها مع بلاد الشام والعراق، وصارت القوافل ترد إليها محملة ببضائع بلاد الشام، واأخذ الأنصار والمهاجرون يتاجرون معاً في الأسواق، وقد تضخمت هذه التجارة بعد فتح مكة،ودخول القبائل في الإسلام ووصول الصدقات الى بيت المال في المدينة، فتحسن حال أهل المدينة وصار لهم رأس مال مكنهم من تشغيله في التجارة وفي الزراعة، فاستغلوا أرض يثرب بزرعها زروعاً مختلفة، ثم استغلوا اموالهم هذه في الخارج بعد الفتوح.

وقد نشأت يثرب وتوسعت لوجود الماء بها، وهذا الماء هو الذي صيرها مستوطنة زراعية، كما صير غيرها من المستوطنات العديدة التي تقع في شمالها وتمتد حتى تتصل في فلسطين مستوطنات زراعية منتجة ذات بساتين ومزارع يعتمد في زرعها على العيون والابار. وكان عماد حاصلها التمر. وقد أحاطت بيثرب هالة من "الحوائط" المغروسة بالنخيل، غرسها سادات يثرب، فصارت من أهم موارد رزقهم، وقد زرعوا بعض الخضر والبقول تحت النخيل، لسد حاجتهم وبيع الفائض منه في الأسواق، ولكبار الملاكين فيها "أطم" يعيشون فيها ويخزنون بها ميراتهم وحاصلهم، ويحتمون بها عند الخطر. وأما سواد للناس، فلهم بيوتهم، وبعضها بيوت ذات طابقين. ولم تكن المدينة مسورة ولا محاطة بخندق على ما يظهر من روايات أهل الأخبار، بل كانت مدينة مكشوفة، إذا داهمها خطر، قام أهلها بسد منافذ طرقها، وبالدفاع عنها من السطوح، وبمقاومته في الأزقة.

وأرض يثرب أرض خصبة كان من الممكن زرعها لو أقبل أهلهما على الزراعة، ولكنهم لم يقبلوا عليها اقبالاَ تاماً، بل قام المتمكنون منهم بغرس الأرضين الغنية بالماء، والأرضين التي كان الماء فيها قريباً من سطح الأرض بحفر الآبار بها، وتركوا الأرضين الأخرى مواتاً لم تزرع. وشغلوا الموالي والرقيق في الزراعة، ولو أجهدوا أنفسهم في استصلاح التربة وفي استنباط الماء، وحبس مياه السيول، لأحيوا بذلك أرضين واسعة. بدليل إن بعض المهاجرين ممن كانت عندهم رغبة في الزراعة وأموالاً، عملوا في استصلاح أرضين مواتاً حتى أحيوها، وصارت تاًتي اليهم بغلات وافرة، ومن أثرياء يثرب "أحيحة بن الجلاّح"، وهو من سادة الأوس. وهو من أصحاب الأرض. وكان شريفاً في قومه، مات قبل الإسلام. وكانت تحته "سلمى بنت عمرو الخزرجية"، وتزوج "سلمى" بعده "هاشم بن عبد مناف" فولدت له "عبد المطلب" جد النبي.

وسعد بن عباده بن دليم، سيد الخزرج، هو من أغنياء يثرب ومن اصحاب الأطم فيها. وكان سيداً كريماً مضيافاً، جفنته تدور مع النبي في بيوت أزواجه وكان يأخذ كل ليلة جماعة من أهل الصفة يعيشهم، وكان أهل الحاجِة يذهبون إلى أطمه ينالون الشحم واللحم.

والطائف مصيف أهلَ مكة ومتمونها من الفواكه والزبيب والعسل والخضر. وقد أشترى أغنياء قريش بها الأملاك والبساتين وشاركوا أهل الطائف في التجارة. وهي بلاد "ثقبف". وثقيف من المتحضرين النشطين الأذكياء. وللطائف قرى، أولها "لقيم"، وآخرها "الوهط". وكان اسمها القديم "وج". ويذكر أهل الأخبار، أن "الطائف"، كانت في الأصل قرية بالشأم، أو قطعة من الجنة التي كانت لأصحاب الصريم، أو باليمن بنواحي صنعاء، فنقلت بدعوة "ابراهيم" إلى الحجاز، لتكون مصيفا وجنة لأهل مكة. وكانت بغير سور، فلما جاء "الصدف بن الدمون" من حضرموت إلى "وج"، وكان قد أصاب دمأَ في قومه، لحق بثقبف وأقام بها، وأقام لهم طوفاً اطاف بوج، فسميت بالطائف منذ ذلك الوقت. ومنهم من يزعم، أنها إنما سميت بذلك لأن "جبريل" لما نقلها من موضعها، طاف بها بالبيت سبعاً، ثم وضعها بموضعها، فعرفت بالطائف.

وكان أهل الطائف مزارعين، عاشوا على الزراعة، واتخذوها تجارة لهم. زراعة الكروم والفواكه والحبوب. وكسبوا من ذلك مالاً، وكان منهم من اشتغل بدبغ الجلود، وبيع "الأدم" أي الجلود المدبوغة أو تصديرها إلى الخارح، ومنهم من تاجر، وساهم مع تجار مكة فىِ تجارتهم. فتجمع من كل ذلك رأس مال شغله أصحابه في الربا، فكانوا يقرضون المال لمن يحتاج اليه من أهل الطائف ومن غيرهم، لوجود مال فائض عندهم.

ووجد التجار في كل مكان وجدت فيه أسواق وسلع وتجارة من بلاد العرب في الجاهلية وفي الإسلام، لم تكن تخلو منهم مدينة من المدن أو قرية كبيرة. فسوق الفلج كان سوقاً لبني نزار واليمن . وب "العوسجة" وهي معدن، تجار، من الجائز إن يكونوا قد تجمعوا في هذا المكان للاتجار بالمعدن الذي يستخرج منه، فكانوا يتعاطون الاتجار بالمعادن.

الفصل الثاني بعد المئة

القوافل

وتنقل التجارة البرية بطرق القوافل، وذلك لضمان حماية الأموال والتجارة والأرواح. و "القافلة"، الرفقة القفال والمبتدأة في السفر. وذكر علماء اللغة أن "القافلة" العير كذلك. وذكر بعض منهم أن "العير" الإبل التي تحمل الميرة، أو كل ما امتير عليه إبلاً كانت أو حميراً أو بغالاً. وقد أطلق أهل السير والتأريخ ومن تحدث عن وقعة بدر: لفظة "العير" على قافلة قريش التي كان يرأسها "أبو سفيان"، كما أطلق بعضهم "ركبان قريش" على من كان مع "أبي سفيان" من تجار قريش، معهم أموالهم وتجارتهم من بلاد الشام. ونجد كتب السير والتواريخ تطلق لفظة العير على قوافل قريش بغير حصر، مهما كان حملها. فلما تحدثوا عن سرية "حمزة" إلى العيص استعملوا لفظة "عير" لقريش، واستعملوا هذه اللفظة في مناسبات أخرى، مما يدل على أنهم أرادوا بها قافلة، أي جماعة من جماعات السفر، مهما كان حملها.

والركبان والركب: ركاب الإبل. وقال بعض علماء اللغة: الركب: ركبان الإبل في السفر دون الدواب، وهم العشرة فصاعداً، وذكر ان من الجائز استعمال "الركب" للخيل وللجيش.

و "القيروان" الجماعة من الخيل. والقفل، جمع قافلة. وهو معرب "كاروان". وقد تكلمت به العرب. قال امرؤ القيس: وغارة ذات قيروان  كأن أسرابها الرعال

وورد في الحديث انهم كانوا يترصدون عيرات قريش، أي إبلهم ودوابهم التي كانوا يتاجرون عليها.

ويقال للعير التي تحمل الطيب: "اللطيمة". وذكر إن اللطيمة العير التي تحمل الطيب وبز التجارة. فاللطيمة، قافلة تحمل تجارة نفيسة الى الأسواق. وقد كان ملوك الحيرة يرسلون لطائمهم الى الأسواق، لتتاجر بالطيب، ومنهم "النعمان بن المنذر"، وكان يبعث إلى "سوق عكاظ" في وقتها بلطيمة يجيزها له سيد مضر، فتبتاع وتشتري له بثمنها الأدم والحرير والوكاء والمغراء والبرود من العصب والوشي والمسير والعدني

ويقال لقافلة الإبل التي ليجاء عليها بالطعام، "ركاباً" حين تخرج، وبعد ما تجيء. وتسمى عيراً على هاتين المنزلتين. والتي يسافر عليها إلى مكة أيضاً ركاب تحمل عليها المحامل، والتي يكترون ويحملون عليها متاع التجار وطعامهم كلها ركاب، ولا تسمى عيراً، وإن كان عليها طعام، إذا كانت مؤاجرة بكرى. وليس العير التي تأتي أهلها بالطعام، ولكنها ركاب. يقال: هذه ركاب بني فلان. ويقال زيت ركابي،لأنه يحمل من الشام على ظهور الإبل. وذكر ان العسجدية: ركاب الملوك التي تحمل الدق من المتاع. فهي عير اذن تحمل متاعاً ثميناً،كالذهب والجوهر، وذكر إن العسجدية الإبل تحمل الذهب، وهي ركاب الملوك التي تحمل الدق الكثير الثمن، والسوق يكون فيها العسجد، وهو الذهب، وركاب الملوك، وهي إِبل، كانت تزين للنعمان بن المنذر.

و "السابلة" "الواطئة"، وهم المارة. سموا بذلك لوطئهم الطريق. وهم الذين يسلكون الطرق. والسابلة من الطرق المسبولة، المسلوكة، وابن السبيل، هو ابن الطريق، والذي قطع عليه الطريق، والمنقطع.

ويسمى كل طريق يكثر الاختلاف عليه محجة ويسمى الطريق المدروس "الأيتار المليكي"، ويسمى الطريق الضيق الحبل شركاً، وحبال الطريق ايتاره. وطريق جادة، أي مجدودة بالوطء، وقارعة الطريق، في معنى مقروعة، والريع الطريق.

وكلما كانت الأموال ثمينة وكثيرة، كانت القافلة كبيرة. يحرسها عدد كبير من الحراس لحمايتها من لصوص الطرق وقطاع السبل الذين كانوا يعيشون على السلب والنهب. ونقل التجارة بالقوافل طريقة عالمية قديمة،أشير إليها في الكتابات، وفي الكتب المقدسة.

ولم يكن من السهل على التجار في ذلك الزمن التوسع في تجارتهم والمجازفة بالمتاجرة مع أماكن أخرى بعيدة. فالتاجر محتاج إلى حماية حياته وأمواله، ولم تكن الحماية ممكنة إلاّ في ظل حكومة مدنية قوية، تحمي أبناءها وكل من يفد على أرضها وعلى الأرض الخاضعة لها من اعتداء المعتدين.

لهذا صار لزاماً على التجار الالتجاء إلى نظام القوافل، ولا سيما القوافل القوية الكبيرة معتمدة على حماية نفسها بنفسها أولا"، ثم على حماية الحكومة ثانياً. وقد عمدت في الدرجة الأولى إلى استرضاء سادات القبائل، وذلك لتأمين حمايتهم في المناطق التي تمرّ بها القافلة ولبذل العون والمساعدة لها بتقديم حق مرور للرؤساء وهدايا وعطايا مناسبة وعقد عقود ومواثيق، وإلا تعرضت أموال القافلة للأخطار.

ولطول الطرق وبُعد المسافات، كان على القوافل استرضاء كبار سادات القبائل للحصول على حمايتهم،ومعنى هذا دفع اتاوات لهم، وتحميل المشترين تلك الاتاوات. وهذا مما زاد في الأسعار وجعل الأثمان عالية، وقد أضر ذلك بالتجارة العربية ولا شك، كما أضر.بالمنتجين الذين كانوا يبيعون انتاجهم اليسير وأكثره مواد خام يتعيشون عليها بأسعار بخسة لسد رمقهم في هذه الحياة.

وقد عمد تجار مكة - كما ذكرت ذلك في مواضع من هذا الكتاب - الى أساليب مختلفة في استرضاء سادة القبائل الذين تمر بأرضهم قوافلهم، منها استرضاؤهم بالمال، وإشراكهم معهم في رأس المال، بتقديم ما عندهم من سلع يتوسطون لهم ببيعها في الأسواق، أو بشراء ما يريدون شراءه من تلك الأسواق وتقديمه لهم، ومنها التصاهر معهم، ودعوتهم لزيارة مكة وتقديم الهدايا لهم، ثم ضبط كل ذلك بعقود "الإيلاف"، التي وضعت قواعد وأصول وحقوق مرور قوافل مكة وقوافل تجارها الخاصة في كل الأيام والمواسم بأمن وسلام، في مقابل تعهدات وعقود عينت بعقود الإيلاف.

وكان كل تاجر يخرج من اليمن والحجاز يتخفر بقريش ما داموا في بلاد مضر. "لأن مضر لم تكن تعرض لتجار مضر، ولا يهيجهم حليف لمضري. كان ذلك بينهم. فكانت كلب لا تهيجهم لحلفهم بني تميم،وطيء أيضاً لاتهيجهم لحلفهم بني أسد. وكانت مضر تقول: قضت عنا قريش مذمة ما أورثنا اسماعيل من الدين. فإذا أخذوا طريق العراق، تخفروا ببني عمرو بن مرثد، من بني قيس بن ثعلبة، فتجيز ذلك لهم ربيعة كلها".وهكذا تمكنت قريش من تأمين مصالحها التجارية بعقد الأحلاف مع سادات القبائل،وصار تجارها يتنقلون في مختلف أنحاء جزيرة العرب بحرية وأمان:

والجمال هي واسطة النقل في جزيرة "لعرب، هي قطار القوم وسياراتهم في ذلك العهد. وليس في استطاعة حيوان آخر القيام بمثل تلك المشاق من قطع المسافات البعيدة في أماكن لاماء فيها إلا في مواضع متباعدة وفي أماكن يتغلب عليها الجدب والشظف. كان على ذلك الحيوان إن يتحمل ثقل ما يوضع على ظهره،وان يسير به مسافات طويلة، ثم عليه إن يتحمل العطش والجوع. ولولا الخواص الجسمية التي امتاز بها عما عداه من الحيوانات، لما كان في امكانه احتمال هذه المشقات ولعجز عنها حتماً. وقد أشير في التوراة إلى قوافل الإبل الضخمة التي كانت تأتي من جزيرة العرب إلى بلاد الشام، وهي محملة بالبضائع الثمينة النفيسة لتبيعها هناك.

ولا تحتاج الإبل إلى شرب الماء كل يوم، لذلك غدت الحيوان المثالي الملائم لحياة الأعرابي وللبادية. والجمل صبور على الجوع وفي استطاعته مكافحة جوعه بأكل العوسج والنباتات التي تنبتها البادية. وللعرب أسماء في اظماء الإبل. ومنها "الخمس" أن ترد الإبل الماء يوماً فتشربه، ثم ترعى ثلاثة أيام، ثم ترد الماء اليوم الخامس، فيحسبون اليوم الأول والآخر اليومين اللذين شربت فيهما. وقيل أن ترعى ثلاثة أيام وترد اليوم الرابع. ومن الأظماء "للغبّ"، وذلك أن ترد الإبل يوماً وتصدر، فتكون في المرعى يوماً، وترد اليوم الثالث. وما بين شربتيهما ظمأ طال أو قصر. وعرف "الغب" أنه ورد يوم وظمىء آخر. وقيل.: هو يوم وليلتين، وقيل هو أن ترعى يوماً وترد من الغد. ومن أمثال العرب المتعلقة بهذا الموضوع: يضرب اخماساً لأسداس، أي يسعى في المكر والخديعة. وأصله من اظماء الإبل، فقد كان الرجل إِذا أراد سفراً بعيداً عوّد إبله أن تشرب خمساً سدساً، حتى إذا دفعت في السير صبرت، ثم ضرب مثلًا للذي يراوغ صاحبه ويريه اًنه يطيعه، وقيل يضرب لمن يظهر شيئاً ويريد غيره، أو للذي يقدم الأمر يريد به غيره، فيأتيه من أوله، فيعمل رويداً رويداًْ.

وإذ كانت هذه القوافل في حياة القوم على جانب من الخطورة، كما كانت المصدر المهم من مصادر الثروة، وضعها أصحابها في حماية آلهتهم، واتخذ بعضهم إلهاً خاصأَ واجبه حماية القافلة وايصالها سالمة إلى المحل المقصود. وقد عرف الإلهَ "شيع ه - قوم" "شيع القوم"، بأنه إله القوافل، الساهر على حمايتها وحماية أصحابها التجار. وعرف اللإله "أبو إيلاف" "ايلف" "ايلاف"، بأنه إلَه القوافل والتجار وأرباب القوافل كذلك. وكان أصحاب " القوافل يقدمون الى آلهتهم النذور والقرابين بعد انتهاء رحلة القافلة، براً بنذرهم لها، وتقرباً إليها، كي تستمر في بذل حمايتها لهذه القوافل ورعايتها لها، كما كانوا يأتون إلى المعابد والمحجات فيطوفون بها، ويقصدون أصنامهم فينحرون عندها شكراً وتقرباً إليها لما أنعمت عليهم من نعم الحماية والربح الوافر الذي كسبوه في رحلاتهم هذه. وفي الذي يذكره أهل الأخبار عن طواف رؤساء قوافل مكة بالكعبة قيل بدئهم الرحلة وبعد انتهائهم منها، الكفاية للدلالة على أهمية هذه الرحلات التجارية في نفوس القوم.

والغالب إن تعهد حراسة القوافل منذ يوم مغادرتها مكانها إلى حراس أشداء أقوياء يحملون سلاحهم معهم، لمقاومة المعتدين. أما رئاسة القافلة، فلا تعطى إلا للمعروفين بشجاعتهم وبقوتهم وببأسهم وبالحيل وبمعرفتهم للطرق، ولأهل البيوتات والجاه العريض والسمعة بين القبائل، فرئيس القافلة وكبيرها، هو دماغها المفكر وقلبها النابض، وعلى حركاته وأعماله يتوقف مصير القافلة ومصير الأموال الثمينة التي توضع تحت يديه، فإذا أظهر الرئيس جنباً أو عدم مقدرة في قيادة القافلة وفي الدفاع عنها، حين تعرّضها للخطر، فقد تقع فريسة سهلة بأيدي لصوص الطرق، وتنتهب أموالها، فتكون هذه النتيجة طامة كبرى للمساهمين في أموال القافلة.

ولأهمية قادة القوافل المذكورة، عملت لهم تماثيل لتخليد ذكراهم، وكرّمواِ في الكتاباًت. وقد عثر على عدد من هذه التماثيل والكتابات في مدينة "تدمر". وحمل الكثير منهم ألقاب الشرف التي كانت لا تمنح إلا لمن يؤدي خدمات ممتازة للمدينة فيَ ذلك العهد، ووصل بعضهم إلى درجة عضو فيَ مجلس المدينة الحاكم. وقد نال بقية قادة القوافل مثل هذا الاحترام من أصحابهم. ولقب قائد القافلة في الكتابات الجاهلية ب "زعيم القافلة" وب "زعيم السوق".

حتى رؤساء الحكومات مثل كسرى وملوك الحيرة، كانوا لا يسلمون زمام قوافلهم إلا للاشداء المعروفين من الرجال. كانوا يتاجرون في الأسواق يشترون ويبيعون، فإذا أقبل الموسم أرسلوا قافلتهم إلى السوق برئاسة رجل مشهور معروف بالشجاعة لا يهاب الموت ليوصلها إلى السوق المقصود أو المكان المراد وصول البضاعة اليه، ذلك لأن مجال حكمهم أو نفوذهم، لا يصل إلى الأنحاء البعيدة، فاضطروا إلى استئجار الشجعان المعروفين بقيادتهم للقوافل، لحماية تجارتهم وأموالهم من اعتداءات المعتدين.

وتعتمد القوافل على الأدلاء الخبراء بطرق البوادي لإيصالها إلى أهدافها بأمن. وسلام وبأقصر الطرق،ولتجنيها أخطار الأعداء وشر قطاع الطرق، عند شعورها بوجود خطر عليها إذا ما سلكت الطريق العام، أو طريقها الذي قررت السير به نحو المكان الذي تريده. فلما أبلغ جواسيس "أبو سفيان" أن النبي قد خرج يترصده نحو "بدر"، أسرع فاستعان بالأدلاء فانحاز عن بدر، وساحل، وتخلص بعلم أدلائه وعلمه بالطرق من وقوعه ووقوع قافلته بأيدي المسلمين. والى الدليل والأدلاء أشير في قول الشاعر: شدوا المطيّ على دلـيل دائب  من أهل كاظمة بسيف الأبجر

وقد استعان قادة الجيش وأمراء السرايا والغارات بالأدلاء أيضاً، لإرشادهم إلى المواضع التي كانوا يقصدونها، وكان الرسول يستعين بالأدلاء، ويسأل الخبراء أصحاب العلم بطرق البادية حين يغزو، أو حين يرسل سراياه على قوم. وفي غزوة "بئر معونة" كان "المطلب السلمي" دليلها على الطريق.

ويذكر أهل الأخبار، إن "قريش بن بسر بن يخلد بن النضر"، كان دليل "بني كنانة" في تجارتهم، فكان يقال: "قدمت عير قريش"، فسميت قريش بذلك. وأبوه "بدر" صاحب "بدر" الموضع الذي لقي فيه رسول الله قريشاً. فقريش بن بدر، اذن هو على هذه الرواية، هو أول دليل يصل الينا خبره من أدلاء قوافل قريش، وهو مؤسس تجارتها.

ولا بد للقوافل من منازل تنزل بها لتستريح ولتريح دوابها من للتعب ولتتمون بالماء وبالزاد إن احتاجت اليه. ونظرأَ إلى بطء الحيوان في سيره وعدم تمكنه من سيره مسافات طويلة دون توقف وراحة، كانت "منازل" ذلك الوقت غير متباعدة. ويقال للمكان الذي تنزل به القوافل: "المنزل". والمنزل: المنهل والدار، وهو في معنى "الخان"، و "الخان" لفظة معربة معناها المنزل والحانوت. وقد اشتهرت اللفظة في الإسلام، وأطلقت على منازل المسافربن في الطرق وفي القرى والمدن، وتعني المنزل، المخصص لنزول المسافر، وهو منزل يكون كبيراً في الغالب، يستريح فيه المسافر، تاجر كان، أو في غير تاجر، ويضع فيه مطاياه.

وأما "الفندق"، فبمعنى المنزل الذي ينزل به التجار والمسافرون، وهي من الألفاظ المعربة عن اليونانية من أصل Pandhokiyon. وقد استعملها عرب بلاد الشام. ويظهر انها من الألفاظ التي شاع استعمالها في الإسلام. وقد ذكر بعض علماء العربية، إن الفندق بلغة أهل الشام الخان والسبيل من هذه الخانات التي ينزلها الناس مما يكون في الطرق والمدائن، وهو فارسي.

ولم تكن منازل أهل الجاهلية منازل مبنية بالضرورة، فقد كان المسافرون يضربون لهم خياماً يأوون إليها، أو يلجأون إلى ظل مثل شجرة، يحتمون به من أشعة الشمس، وقد يفترشون الأرض وينامون جنب إبلهم، وكل ما يلزم في المنزل أن يوجد به ماء. فالماء هو اكسير الحياة بالنسبة للمسافر، وهو أهم لهم من الطعام، فطعامهم في ذلك الوقت طعام قليل بسيط، تمرات مع لبن، أو سوبق،و ما شاكل ذلك، ثم هم لا يأكلون كثيراً ولا يقيمون لوجبات الطعام وزناً، وقد يكتفي أحدهم بأكلة واحدة من هذه الأكلات الجافة التي يحملها، وقد يقتاتون بما يجدونه من نابت في طريقهم من ثمر شجر بري أو بقل أو أعشاب، ولهذا، صارت المنازل على مواضع الماء.

ولم تكن الأبعاد بين هذه المنازل متساوية، بل كانت مختلفة، تتوقف أبعادها على الماء. فإذا وجد الماء في مواضع متقاربة، قامت عليها مستوطنات متقاربة، وصارت المسافات فيما بينها غير بعيدة، وإذا كان الماء بعيداً، صارت المنازل متباعدة، وقد لا يهم الماء القوافل إذا كانت مزودة به، وكل ما تلاحظه في سفرها هو تعب الإنسان ومقدار تحمل دابته مشقة السفر والبعد، ولهذا كانوا يقطعون طرقهم بمراحل، و "المرحلة" المنزل بين المنزلين، يقال بيني وبين كذا مرحلة أو مرحلتان. فهم يقطعون طرقهم على قدر طاقتهم ومقدار تحمل إبلهم على السير. وقد علمتهم تجاربهم مقدار ما يقطعون، فإذا شعروا بالتعب وبتعب دوابهم، نزلوا منزلاٌ، قد يكون مأهولاً به ماء، وقد يكون خالياً في عراء، للاستراحة به، فإذا ارتاحوا استمروا في سيرهم نحو جهتهم ا لمقصودة.

و "الفرسخ" في تفسير علماء العربية الراحة، و "فرسخ" الطريق هو ثلاثة أميال هاشمية، أو ستة، أو اثنا عشر ألف ذراع، أو عشرة آلاف ذراع، سمي بذلك لأن صاحبه إذا مشى قعد واستراح من ذلك، كأنه سكن. واللفظة من الألفاظ المعربة عن الفارسية. وقيل: الفرسخ الساعة من النهار.

و "الميل" مقياس تقاس به الأبعاد، يقال قطع كذا ميلاً. وهو منار يبنى للمسافر في أنشاز الأرض، ومنه الأميال التي في طريق مكة، وهي الأعلام المبنية لهداية المسافرين.

ونظراً إلى وجود إمارات وعشائر وقبائل عديدة تمرّ بآرضها القوافل، فقد كان على أصحاب القوافل وأرباب المال إرضاء هؤلاء المتنفذين بإعطاء إتاوات مرور لهم، وهدايا لحمايتهم وللسماح لهم بالمرور، على نحو ما تفعله حكومات هذا اليوم من استيفاء حق المرور "ترانزيت" "ترانست" عن التجارة والسيارات. فإذا تحرش بهم متحرش، وحاول قطاع الطرق الاعتداء عليهم، كان من واجب سيد القبيلة والرئيس المتنفذ في تلك الأرض تعقب المعتدين وتاديبهم وإعادة ما استولوا عليه إلى أصحابه. وبهذه الطريقة أمنت القوافل على أموالها،وأخذت تقطع البوادي والطرق البعيدة الطويلة، وهي في حمى هؤلاء المتنفذين.

وقد كان الملوك وسادات القبائل والمتنفذون الذين تمر قوافل التجارة بمناطق نفوذهم، أو الذين تقع الأسواق في أرضهم أو في مناطق نفوذهم، يشتطون في الإتاوة، ويشتدون في جباية المكس، و يبالغون في رفع حق المرور والحقوق الأخرى المكتسبة بالعرف والعادة اًو بقانون القوة والكيف، فيؤذون بذلك التجار والتجارة ويضطرون التجار إلى رفع أسعار البيع، للحصول على أرباح لهم، فتضررت التّجارة بذلك ضرراً كبيراً، وقل الاقبال على شراء السلع المستوردة من جزيرة العرب إلا ما كان ضرورياً، ولا مناص من شرائها، وارتفع على المشتري سعر المواد المستوردة، واضطر التجار إلى التحكم في أسعار الشراء من الأسواق المحلية في جزيرة العرب، بشرائها بأسعار متهاودة لضمان تصريفها في الأسواق الخارجية وفي كل هذه الأحوال ضرر عام للبائع وللمشترى وللمستهلك وللاقتصاد العربي بوجه عام.

وقد كانت القوافل تقصد الأماكن التي تريد البيع والشرإء فيها في مواسم معينة في الغالب، وذلك لاجتماع التجار فيها، وهذا مما يهيىء للتاجر أكبر عدد ممكن من التجار، كما كان التجار يقصدون الأسواق المؤقتة التي تقام في الأعياد وفي المناسبات الدينية لبيع ما عندهم من بضاعة ولشراء ما يأتي به الناس من أموال، ولم يكن ذلك خاصاً بجزيرة العرب، فقد كان العبرانيون وغيرهم من بقية الشعوب السامية يفعلونه أيضاً. ونرى إن الأسواق التي كانت تقام في جزيرة العرب، كانت تقام في مواسم معينة تقع في الأشهر الحرم، وذلك لضمان مروّر التجار بأمان، فلا يتحرش بهم إلا مستهتر طريد،والغالب إن سادات القبائل التي تحرش المستهترون بالقافلة التي مرّت بأرضهم ينتقمون بأنفسهم منهم.

وقد كان الجاهليون يضعون أعلاماً على الطريق ليهتدي بها، يقال لها "الصوُّى" و "الثوة". ويقول علماء اللغة إن الصُّوى: الأعلام المنصوبة من الحجارة في المفازة المجهولة يستدل بها على الطرق. والثوة كالصُّوة، وربما نبت فوقها الحجارة ليهتدى بها، وإن العوة كالصوة التي هي العلم. وفي الحديث: "إن للاسلام صُوى ومناراً كمنار الطريق" وذكر أن "الصُوة"، حجر يكون علامة في الطريق.

وذكر أن "الثوة" حجارة ترفع فتكون علما" بالليل للراعي إذا رجع، وأخفض علم يكون بقدر قعدتك، وارتفاع وغلظ وربما نصبت فوقها الحجارة ليهتدى بها.

والمنار. العلم يجعل للطريق أو الحدّ للارضين والعلامة التي توضع على الحدود لتوضح معالمها. وقد كان أهل العربية الجنوبيهّ يضعون علامات على ااطرق لتشير إلى معالمها، فلا يضل عنها من يسلكها من الرجال والقوافل. وقيل في الإسلام للأعلام المبنية في طريق مكهّ أميال لأنها بنيت على مقادير مدى البصر من الميل الى الميل، وكل ثلاثة أميال منها فرسخ. والمنار محجة الطريق، قال الشاعر: لعك في مناسمها مـنـار  الى عدنان واضحة السبيل

و العلامة، شيء منصوب في الطريق يهتدى به. ويقال لما يبنى في جوادِّ الطريق من المنازل يستدل بها على الأرض أعلام، والأعلام الحدود. والمعلم، ما يستدل به على الطريق من الأثر. فقد كان من الصعب حتى على خبراء البادية الاهتداء إلى الطرق بدون وضع علامات تشير إليها.

والنعامة المفازة، وقيل علم من أعلام المفاوز يهتدى به. و. "المنقل"، الثنية في الجبل وكل طريق في الجبل نقيل، في لغة أهل اليمن.

والآجام علامات وأبنية يهتدى بها في الصحاري. و "الوجم"، حجارة مركومة بعضها فوق بعض على رؤوس القور والآكام، وهي أغلظ وأطول في السماء من الأروم. وحجارتها عظام، لا يحركها الإنسان ولو اجتمع جمع منهم بصعوبة، ينسبها الناس إلى صنعة عاد. و "الآرام" الأعلام تنصب في المفاوز يهتدى بها، أو خاص بعاد، أي بأعلامهم، و "الأروم" الأعلام في المفاوز. وكان من عادة الجاهلية، انهم إذا وجدوا شيئاً في طريقهم لا يمكنهم استصحابه تركوا عليه حجارة يعرفونه بها حتى إذا عادوا أخذوه. وقيل قبور عاد.

وقد كان الجاهليون قد مهدوا الطرق وكسوا بعضها بمادة قوية مثل "الاسمنت" ووضعوا عليها العلامات. وقد أطلق العرب لفظة "العود" على الطريق القديم العادي.

وسن الطريق سنأَ إذا ساره، ويقال ترك سنن الطريق، أي جهته. وقد كان القادة يتنكبون عن سنن الطريق، ليباغتوا العدو، أو ليتجنبوا تعقبهم لهم. وقد كان لرؤساء القوافل علم باًلأبعاد والمسافات وباًلأماكن التي يجب النزول بها والتمون منها بالماء والطعام. ونجد في كتب أهل الأخبار أخباراً بأسماء منازل القوافل وبأبعادها وقد استقيت من أفواه رجال القوافل في الجاهلية. كما نجد إن للاعراب دراية مدهشة بمواضع الماء وبالطرق مع مرورها في بوادي يصعب السير فيها، وقد ورثوا علمهم هذا عن أسلافهم ومن تجاربهم الخاصة التي تعلموها من كثرة أسفارهم وتنقلاتهم.

وقد كان التجار وأصحاب القوافل يقطعون أسفارهم بمراحل، ينزلونه في كل مرحلة بمنزل يستريحون فيه ويموّنون أنفسهم بما يحتاجون اليه من ماء وزاد. ويعبرون عن المسافات التي تقطعها القافلة بين منزل ومنزل آخر ب "مسيرة"، فيقولون "مسيرة يوم" أو "مسيرة نهار" وما شابه ذلك. كما عرفوا الأبعاد بالفرسخ والميل. و "النزل" المنزل، وما هيىء للضيف ان ينزل عليه. ومنه منازل الطريق. وتراعى القوافل في سيرها إلى أهدافها الأخذ بأقصر الطرق الآمنة المطمئنة التي تتوفر فيها المياه، وقد تعدل من سيرها فتسلك طرقاً بعيدة أو وعرة إذا أحست بعدو يتربص لها في الطريق المسلوك، أو بلصوص ظهروا فيها، أو بقوم يريدون الاستيلاء على قافلتهم، كالذي فعله "أبو سفيان" مقفله من الشام يريد مكة، حيث بدل طريقه، فحوّله عن "بدر"، وساحل، فأضاع بذلك الفرصة على المسلمين ووصل سالماً بقافلته إلى مكة.

قوافل الميرة

وقد يجتمع نفر للذهاب إلى سوق للامتيار منه، وقد يذهب أصحاب البيوت إلى الأسواق ليمير أهله بما يحتاجون اليه من طعام ولباس، وكان "الأعشى" المازني الشاعر في جملة من يمتار من سوق "هجر". وقد خرج مرة يمتار في شهر "رجب"، من "هجر" فهربت امرأته بعده ناشزة عليه، فعآذت برجل منهم يقال له "مطرف بن نهشل"، فلما قدم الأعش أخبر أنها نشزت، وأنها عاذت ب "مطرف" فأتاه، فقال له: يا ابن عم عندك امرأتي معاذة فادفعها اليّ فامتنع مطرف، وكان أعزّبه، فخرج حتى أتى الي فعاذ به وأنشد شعراً، فكتب الرسول إلى "مطرف" أن يدفع زوجة الأعشى اليه، فدفعها اليه.

وقد استغل بعض الناس هذه الطرق للتعيش منها، فعمل على حفر ارضها، وعلى تهيئة ما يمكن تهيئته من وسائل الراحة للمسافريين،لينزلوا بها وليخففوا بذلك عنهم عناء السفر،: ليتزودوا بالماء الطيب العذب. فنشأت عشرات المنازل، التي أراحت المسافرين وأصحاب القوافل،وجعلتهم في مأمن من الجوع والعطش وامكانية التيه في البوادي والقفار. كما حفظت لهم حياتهم وأموالهم بضمان أصحاب ذلك المنازل للمسافرين حياتهم وأموالهم من تحرش أحد بهم ما داموا في جوارهم وفي حماهم، وضمان قبائلهم لهم حق الحماية والجوار، والقيام مهم بمعاقبة من يتطاول على المسافرين وينتهك حرمة الجوار.

وقد صارت الطرق مورداً من موارد العيش لمن لا عيش له ولا رزق من الصعاليك والذؤبان. فتجمعوا، وكوّنوا عصابات أخذت تتربص بالقوافل حتى إذا جاءت قافلة انقضت عليها وسلبتها، ثم فرت بما غنمته إلى مواضع نائية قصية بعيدة عن أي حكم، لتعيش على ما غنمته. وقد عرف هؤلاء ب "لصوص الطرق"، وكان المطرود من قبيلته ومن غضب أهله عليه فنفوه عنهم وتبرأوا منه، والعبيد الابقون، يتجمعون في المواضع الحصينة، وفي المراقي الصعبة التي تشرف على الطرق، ويهاجمون منها المارة والسابلة والقوافل. ولما ظهر الإسلام، كان قوم من هؤلاء جماعهم من كنانة، ومزينة، والحكم، والقارة، ومن اتبعهم من العبيد، قد اعتصموا في "جبل تهامة"، وآذوا الناس، فكتب لهم رسول الله، انهم إن آمنوا وأسلموا، فعبدهم حر، ومن كان منهم من قبيلة لم يرد إليها، وما كان فيهم من دم أصابوه، أو مال أخذوه، فهو لهم، وما كان لهم من دين في الناس رد اليهم، ولا ظلم عليهم ولا عدوان.

الفصل الثالث بعد المئة

طرق الجاهليين

لا أملك نصاً جاهلياً فيه أخبار عن الطرق التي كان يسلكها الجاهليون في تنقلاتهم من مكان إلى مكان، لأغراض خاصة، أو للرعي أو للاتجار، وما سأذكره عن الطرق مأخوذ من الموارد الإسلامية فقط، وهي موارد تعرضت لموضوع "المسالك" والطرق التي كان يسلكها الحجاج والمسافرون والتجار في أيام الخلافة، داخل أرض الخلافة وخارجها. وعلى رأس هذه الموارد كتب "المسالك والممالك"، وبقية كتب "الجغرافيا" والسياحات ووصف جزيرة العرب ففي هذه الموارد وصف للسالك والطرق ولسكك البريد التي كانت في بلاد العرب وهي وإن كانت طرقاً إسلامية، إلا أنها بنيت على الطرق الجاهلية القديمة في الأغلب،وما فعله المسلمون، هو أنهم اختصروا بعضاً منها، أو أقاموا مستوطنات جديدة عليها، أو حفروا آباراً بين منازلها التي كانت متباعدة، بدليل أن المنازل والمواضع الجاهلية التي ترد أسماؤها في الشعر الجاهلي ترد كذلك في وصف الإسلاميين لطرق جزيرة العرب على النحو الوارد في ذلك الشعر، أو في أخبار أيام العرب أو في كتب السير والتواريخ.

ولهذا فسيكون اعتمادي في وصف طرق القوافل عند أهل الجاهلية، على هذه الموارد الإسلامية، مع العلم بأن بعض المسالك الجاهلية، قد ماتت وذهب أثرها، وان بعضاً منها بقي على حاله، وان بعضاً من الطرق المسلوكة في الوقت الحاضر، والتي مهدت وعمرت تعميراً حديثاً بالوسائل الفنية المعروفة في هذا اليوم، هي طرق جاهلية قديمة، كانت مسلوكة قبل الإسلام. وهي طرق طبيعية كانت مسلوكة لوجود الماء فيها في مواضع متقاربة، و قد أقيمت عندها مستوطنات، وبقيت على حالها، لم تذهب فائدتها، ولم تتغير مراضع الاستيطان فيها، لذلك صارت السبل التي تسلك بين أجزاء جزيرة العرب الى هذا اليوم.

ومما يؤسف له كثيراً، هو إن الموارد الإسلامية التي تحدثت عن غزوات الرسول وسراياه وعن الوفود التي قصددته من مختلف أنحاء جزيرة العرب، والعمال والرسل الذين أرسلهم الرسول الى سادات القبائل أو لجمع الصدقات،.ثم عن حروب الردة وعن عمال ا الخلفاء على أقاليم جزيرة العرب،سكتت عن ذكر الطرق التي سلكت والمنازل التي نزلت، ولم تفصل في ذكر المنازل والمراحل، فأضاعت علينا بذلك معرفة الطرق الجاهلية التي كان يسلكها الجاهليون في تجاراتهم وفي أسفارهم، ثم إن الذين بحثوا في الإسلام عن المسالك والطرق، وذكروا المنازل مع أبعادها بالأميال أو بالفراسخ، أو بالمراحل، لم يهتموا بالاشارة إلى ذكر تواريخ هذه الطرق أو المنازل والى أصلها، هل هي جاهلية أم هي اسلامية، أم معدلة، ولمثل هذه الملاحظات التي أملوها أهمية كبيرة باًلنسبة للبحث بالطيع. وسأبدأ بالطرق التي سلكها أهل الجاهلية فيما بين العراق وبلاد الشام. وقد كان منهم من يحاذي الفرات، حتى لا يبتعد عن الماء والغذاء وأهل الحضر، ثم يسلك الطرق الشمالية التي مهدها الروم، لدخول بلاد الشام، وهي في أيدي الروم في الغالب، غير إن الفرس استولوا عليها في بعض الأحايين، ونظراً إلى ما لهذه الطرق من الأهمية من الناحية الاقتصادية والعسكرية، فقد تشدد الروم في مراقبة القوافل التي تقصد بلاد الشام، أو تخرج منها للذهاب إلى العراق،وتصعبوا في السماح لها وللتجار بالمرور.

ومن التجار من كان يخرج من الحيرة إلى بلاد الشام، فيسلك طريق "القطقطانة"، وهو موضع سبق أن تحدثت عنه في أثناء كلامي على نهاية الملك "النعمان بن المنذر"، إذ جاء في رواية أن "كسرى" أمر به فسجن به. وهو موضع غير بعيد عن الكوفة من جهة البرية بالطف. ثم يسلك الطريق إلى "البقعة"، ثم إلى "الأبيض"، ثم إلى "الحوشي"، ثم إلى "الجمع"، ثم إلى "الخطى"، ثم إلى "الجبة"، ثم الى "القلوفي"، ثم إلى "الأعناك"، ثم إلى "أذرعات"، ثم إلى "دمشق".

وطريق آخر سلكه الناس من العراق إلى بلاد الشام يبدأ من "عين التمر"، وهو موضع تحدثت عنه في مواضع من هذا الكتاب، ويتجه نحو "الأخدمية"، ثم إلى "الخفية"، ثم إلى "ا الخلط"، ثم إلى "سوى"، ثم إلى "الأجيفر"، ثم الى "الغربة"، ثم إلى "بصرى".

وفد سبق لي إن تحدثت عن بصرى في مواضع من هذا الكتاب. وهي المدينة التي وصل إليها الرسول مع عمه "أبي طالب"، وبها كان "بحيرا" الراهب على ما جاء في كتب السير، واليها كان يقصد تجار مكة، حيث يتاجرون بأسواقها. وبها قبر "بحيرا"، وهو يزار.

وأما طرق العربية الشرقية مع العراق، فقد كان من الجاهليين من يسلك الطرق المائية فيتجه نحو سواحل اللخليج عن طريق الأبلة، فيحاذي الساحل، ومنهم من كان يتجه إلى الشرق نحو جزر الخليج، ثم يتجه منها إلى ساحل "عمان"، ومنهم من كان يسلك طرق البر. وقد ذكر "ابن خرداذبه"، إن الطريق من البصرة إلى عمان على الساحل، يمر إلى "عبادان"، ثم ا الى "الحدوثة"، ثم إلى "عرفجا"، ثم إلى "الزابوقة"، ثم إلى "المقر"، ثم إلى "عصى"، ثم إلى "المعرس"، ثم إلى "خليجة"، ثم إلى "حسان"، ثم إلى "القرى" "القرنتين"، ثم إلى "مسيلحة" "مسلحة"، ثم إلى "حمص"، ثم إلى ساحل "هجر"، ثم إلى "العقير"، ثم إلى "قطر"، ثم إلى "السبخة"، ثم إلى "عمان".

ومن الطرق المهمة التي تربط اليمامة بجنوب العراق، طريق يأخذ من الاْبلة "البصرة"، ثم يتجه نحو "كاظمة"، ثم إلى منازل ثلاثة لم يذكر أسماءها "ابن خرداذبه"، ثم إلى "القرعاء"، ثم إلى "طخفة"، ثم إلى "الصمّان"، ثم منازل ثلاثة لم يشر إلى اسمها "ابن خرداذبه"، و منها إلى "جب التراب"، ثم إلى منزلين اخرين، ومنهما إلى "سليمة"، ثم إلى "النباك"، ومنه إلى "اليمامة". ويتفق وصف هذا الطريق، وأسماء المواضع مع ما ذكره "قدامة بن جعفر" في كتابه "الخراج" سوى إن "إبن خرداذبه"، يبدأ بالبصرة، ثم ينتهي باًليمامة، أما "قدامة"، فيبدأ باليمامة وينتهي بالبصرة.

ونجد في كتاب بلاد العرب، للحسن بن عبد الله الاصفهاني وصفاً لطريق آخر يتجه من "حجر" اليمامة حتى ينتهي بالبصرة، ذكر فيه أسماء المواضع ووصف الأرض والمياه، وينتهي طريقه ب "سفوان"، "صفوان"، المعروف اليوم في العراق. وقد ذكر "كاظمة"، وذكر أنها على ساحل البحر، وبها حصن وتجار ودور مبنية، ثم ذكر أسماء مواضع تقع بينها وبين "سفوان". ولما كانت البصرة إسلامية، بنيت في زمن "عمر"، فإن الجاهليين، كانوا يسافرون من "الأبلة" التي حلت البصرة محلها إلى جزيرة العرب.

ويبدأ هذا الطريق بالحرمليّة، وهو ماءة في قف في شُعبة عليه نخلات، ثم تركب القف، فتأخذ على واد يقال له "ذو جراف"، فتجزعه عرضاً، ثم تنتهي إلى "المديدان"، ثم تجًزع "الحرملية" ثم وادي "بنبان" حتى تصل "سويس"، ثم "البديع"، ثم "الطنب"، ثم "ا لجرداء"، و هي رو ضة تشرب من وادي جراف. ثم "الراح". فإذا جزته وقعت في العرمة ثم تخترق وادي حرج حتى تنتهي إلى "الجرباء" وعلى يسار الجرباء في العرمة ماء يقال له "الرداع"، فإذا فصلت من العرمة من حيال الجرباء صرت إلى واد يقال له "مجمع الأودية" ثم تصير إلى "ذات الرّئال"، ثم تنتهي إلى "الحفر"، حفر سعد، ثم تفوز إلى "الدهناء"، فتصل "خشاخِش" فتقع في معبر، فتعبر جبال الدهناء، فتصل الى أبرق يقال له "القنفذ"،.ثم تستقبل "الصمان"، فتمضي فيه حتى تنتهي إلى "المعا"، ثم ترد "طويلعا"، وهو وسط الطريق بين حجر وبين البصرة. وهو موضع فيه ماء وفيه تجار، وحصن يتحصنون به من اللصوص.

ثم تجوز "طويلعاً" إلى واد يقال له "الشيط"، فإذا انحدرت من عقبة الشيط تأتي "الوريعة"، فإذا جزته، تأتي "الدوّ". فإذا فصلت في "الدو" صرت إلى "كفة العرفج"، وفي منقطع "الدو" حين تجوزه واد يقال له "وادي السيّدان"، وعلى الطريق ماء "النحيحة"، تخرج منه إلى "تياس"، وقريب منه ثمد يقال له "الفارسي"، ثم تجوز ثماد أخرى حتى تصل "المخارم"، فتهبط "كاظمة". ثم تخرج من "كاظمة" إلى "النجفة"، ثم تمضي إلى "الصليف" "الصليب"، ثم تهبط الى "أيرمى" "أيرمى الركبان"، وهو علم مبني من حجارة للطريق، وهو شبه شخص إنسان. ثم تصل "الحزيز"، ثم تهبط "سفوان"، ثم تخرج حتى تهبط "الأحواض"، وهو ماء للسانية، ثم تصل البصرة.

وهناك طريق يوصل "حجراً" باًلكوفة، يبدأ بالحبل، وهو ماء في ناحية القف. لراعية اليمامة، ثم تخرج منه فترد القف، ثم تمضي حتى ترد "البالدية"، فإذا خرجت منها وردت ماءً يقال له "الغميم"، ثم ترد وادياً يقال له "العتك"، ثم "مبايض"، ثم تجوزه إلى "تعشار"، ف "مويهة"، ثم "تلعة"، ثم "السقيا"، ثم تجوز الدهناء، فتعلو قفاً يوصلك إلى "المجازة" وهي من طريق مكة الذي يأخذ عليه البصريون، عليه المنار من بطن فلج. وهي منهل، ثم تجوزها فتقع في "اللوى" ثم تصير إلى "لينة"، وهي ماءة كبيرة، ثم تسير فترد "زبالة". وهي سوق من أسواق طريق الكوفة المؤدي إلى مكة. فإذا خرجت من "زبالة" وردت "القاع"، ثم تخرج منه إلى "العقبة" ثم ترد "الشقوق"، ثم "واقصة": ثم "العذيب".

ويذكر علماء اللغة إن العرب أطلقت "القعقاع" على الطريق من اليمامة إلى الكوفة، وذكر بعضهم إلى مكة.

وكان بين أهل "الحيرة" وبين أهل مكة اتصال تجاري وثيق، بل واتصال ثقافي أيضاً، فمنها حمل الخط العربي إلى مكة على رواية أهل الأخبار. وكان التجار يرحلون منها إلى "القادسية"، وهو موضع معروف سبق إن تحدثت عنه، وبه كانت وقعة القادسية. ومنه إلى "العذيب"، وهو مسلحة بين العرب وفارس في حد البرية، وبها حائطان متصلان من القادسية إلى العذيب ومن الجانبين كليهما نخل ، وبالعذيب أحساء، غزير الماء، يخرج الماء خريراٌ من قوة اندفاعه على ما يفهم من شعر ورد على لسان بعض الضبيين. ويخرج الإنسان من العذيب فيدخل المفازة، ويكون بنجد حتى يبلغ موضع "ذات عرق". والعذيب بين القادسية ومغيثة، وفي الحديث ذكر العذيب. وهو ماء لبني تميم. وهو طرف أرض العرب.

ويتجه الطريق من "العذيب" إلى المغيثة، وفيها برك. وماؤها ماء السماء، ثم يتجه إلى "وادي السباع"، ثم إلى "القرعاء"7، وفيه آبار، ثم إلى "واقصة"، ثم إلى "العقبة"، وبها آبار، ثم إلى "القاع"، ومن "القاع، الى "زبالة"، ومن "زبالة" الى "ا لشقوق"، ومن "الشقوق" إلى "البطان"، وهو قبر العبادي: ثم إلى "الثعلبية"، وهو ثلث الطريق فيها برك ، ثم إلى "الخزيمية"، وهي مدينة سميت "خزيمة" لأن خزيمة صيرّ فيها سواني، وكانت تسمى "زرود"، ثم إلى "الأجفر"، ثم إلى "فيد"، وهي نصف الطريق، وبها منزل العامل في الإسلام. وبها أسواق وقناة وزروع ، وبرك وآبار وعيون جارية، وفد عظم شأنها في الإسلام، ذكر أن بها حصناً، عليه باب حديد وعليها سور دائر، وكان الحجاج يودعون فيها فواضل أزوادهم إلى حين رجوعهم وما ثقل من أمتعتهم، وهي قرب "أجأ" و "سلمى" جبلي طيء. وقد ذكرت في شعر "زهير بن أبي سلمى"، إذ قال: ثم استمروا وقالوا إن مشربكم  ماء بشرفيّ سلمى فيد أوركك

وتقع في فلاة فيَ الأرض بين أسد وطيء، اقطعها الرسول إلى "زيد الخيل". ثم إلى "توز"، فيها برك وآبار وحصن بناه "ابو دلف". ثم الى "سميراء" ، ثم الحاجر. فمعدن القرشى، وهو "معدن النقرة". وعنده تفترق الطريق، فمن أراد مكة نزل "المغيثة"، ومن أراد "المدينة" أخذ نحو العسيلة فهبطها. وهو منزل حاج العراق بين "اضاخ" و "ماوان". وفيه بركة وثلاثة آبار، بئر تعرف بالمهدي، وبئران تعرفان بالرشيد وآبار صغار للأعراب تنزح عند كثرة الناس وماؤهن عذب.

فمن أخذ على المدينة، فمن المعدن إلى العسيلة، ثم إن بطن نخل، ثم إلى الطرق، ثم إلى المدينة. وهي."يثرب". وذكر بعض أهل الأخبار إن "مرزبان اليادية" كان قد عينّ على المدينة في الجاهلية عاملاّ يجبي خراجها، وكانت قريظة والنضر ملوكاً ملكوها على المدينة على الأوس والخزرج، وفي ذلك يقول شاعر الأنصار: تؤدي الخرج بعد خراج كسرى  وخرج من قريظة والنضـر

ومن المدينة الى " السيالة"، ومنها إلى "الروحاء"، ثم إلى "الرويثة"، ومنها إلى "العرج"، ثم إلى "السقيا"، ثم إلى "الأبواء"، ثم "الجحفة"، ثم إلى "قديد"، ثم إلى "عسفان"، ثم إلى "مر الظهران"، ثم إلى مكة.

ومن أراد "مكة" قصد "مغيثة الماوان" ، ومن "مغيثة" إلى إالربذة" وماؤها كثير. واليها هاجر "أبو ذر" الغفاري، وبها مدفنه. وقد خربت سنة "319" للهجرة بالقرامطة. ومن الربذة إلى معدن بني سليم، ومن معدن بني سليم إلى العمق، ومنه إلى "أُفاعية" "الأفيعية" إلى "المسلح"، ثم إلى "الغمرة"، ومنه يعدل إلى اليمن، ومن الغمرة إلى "ذات عرق"، ومنه يقع الاحرام ، ثم إلى "أوطاس"، ثم إلى بستان بني عامر "بستان ابن عامز"، ثم غمر ذي كندة، ثم مشاش، ثم مكة.

ويلاحظ أن هذا الطريق هو من أقصر الطرق المؤدية من "الحيرة" إلى "المدينة"، وهو يمر بجبلي "طيء"، أي "جبل شمر"في الوقت الحاضر. ويمر على "حائل" بجبلي طيء، وهو مدينة في الوقت الحاضر ورد ذكرها في شعر "امرىء القيس" إذ يقول: يا دار ماوية بـالـحـائل  فالفرد فالجبتين من عاقل

وبجيل "سلمى".مدينة اسمها "أُرك" ، عرفت بمدينة "سلمى"، وأصحابهما من "طيء": وقد انحاز إليها "خالد بن الوليد"، لما أرسله "أبي بكر". من "ذي القصة" لمحاربة المرتدين. وقد نزل "خالد" بأجأ، ثم تعيأ لملاقاة "طليحة الأسدي"، فالتقى به على "بزاخة".

ويسلك هذا الطريق في الوقت الحاضر الحجاح الذين يقصدون الحج عن طريق النجف بالسيارات.

و "الربذة" من القرى القديمة في الجاهلية، وهي عن المدينة من جهة الشرق على طريق حاج العراق على تحو ثلاثة أيام سميت ب "خرقة الصائغ" " بها مدفن "أبي ذر".

ومعدن بني سليم، هو لبني سليم، الذبن غزاهم الرسول غزوة "قرارة الكدر"، ويقال: "قرقرة بني سليم وغطفان"، لما بلغه إن بقرارة الكدر جمعاً من غطفان وسليم يريد الكيد للمسلمين. و "الكدر" ماءة لبني سليم في ديار غطفان ناحية المعدن. والى هذا الموضع أيضاً وصل للرسول في غزوته المعروفة بغزوة السويق، وسببها إن "أباسفيان" نذر ألا يمس راًسه ماء من جنابة حتى يغزو محمداً، انتقاماً لبدر، فسلك النجدية حتى نزل بصدور قناة إلى جبل يقال له "تيت"، من المدينة على بريد أو نحوه، ثم خرج إلى "بني النضير"، ثم خرج فأرسل رجالاً من قريش إلى ناحية من المدينة يقال لها "العرُيض"، فحرقوا في أصوار من نخل لها، وقتلوا رجلين، ثم انصرفوا راجعين، فخرج رسول الله في طلبهم حتى بلغ "قرقرة الكدر"، فوجد إن "أباً سفيان" قد فاته وأصحابه، وكان أبو سفيان وأصحابه يلقون جرب الدقيق ويتخفون، وكان ذلك عامة زادهم، فلذلك سميت غزوة السويق.

وقد غزا الرسول "بني سليم" مرة أخرى فسار عليهم حتى بلغ موضع "بحران" معدناً بالحجاز من ناحية الفرع، فلما لم يجد أحداً منهم، وكانوا قد تفرقوا رجع عنهم. ويظهر إن قريشاً كانوا قد جاءوا اليهم، واتفقوا معهم على مهاجمة المدينة، بدليل ما ورد في خبر هذه الحملة من انه " غزا يريد قريشاً وبني سليم".

و "بحران" موضع بناحية الفرع من الحجاز، به معدن للحجاج بن علاط البهري. و "الفرع" باًلحجاز، من أضخم أعراض المدينة.

وهذا الطريق هو الطريق الذي كان أهل مكة في الجاهلية ليسلكونه إلى العراق. ولما خافت قريش طريقها الذي كانت تسلك إلى الشام حين كان من وقعة "بدر" ما كان، قررت سلوك طريق العراق، اًي هذا الطريق، واستأجرت لها دليلاً خريتاً بالطرق عالماً بها، هو "فرات بن حيان"، وخرجت القافلة تحمل مالاً كثيراً، فيه فضة كثيرة، وهي عظم تجارتهم، سلكت طريق "ذات عرق"، ثم خرج الدليل بهم على "غمرة"، وانتهى إلى النبي خبر العير وفيها المال الكثير، فأرسل "زيد بن حارثة" على سرية، التقت بالقافلة بموضع "القردة"،فظفر بالعير، وأفلت أعيان القوم. وأتى بدليلها أسيراً، وخمست الغنائم، فبلغ الخمس عشرين ألف درهم.

وقد ذكر "الهمداني"، أسماء منازل طريق الكوفة - يثرب، والكوفة - مكة على هذا النحو. الكوفة، فالقادسية، فالمغيثة، ثم القرعاء، ثم واقصة ثم العقبة، ثم القاع، ثم زبالة، ثم الشقوق، ثم البطان، ثم الخزيمية، ثم الأجفر، ثم فبد، ثم توز، ثم سميراء، ثم الحاجر، ثم معدن النقرة، ثم العسيلة، ثم بطن نخل، ثم الطرف، ومنه إلى المدينة.

ومن الطرف يؤدي الطريق إلى مكة، فيمر بالسيالة، ثم الروحاء، ثم الرويثة، ثم العرج، ثم السقيا، ثم الأبواء، ثم الجحفة، ثم قديد، ثم عسفان، ثم مرّ الظهران، ثم مكة.

ومن أخذ الجادة من مكة إلى معدن النقرة، فمن مكة إلى البستان، ثم ذات عرق، ثم الغمرة، ثم المسلح، ثم الأفيعية، ثم حرة بني سليم، ثم العمق، ثم السّليلة، ثم الربذة، ثم ماوان، ثم معدن النقرة. وهو ملتقى الطريقين.

وقد عرف طريق العراق من الكوفة إلى مكة ب "المثقب". يقال: سلكوا المثقب، أي مضوا إلى مكة. وقيل انه طريق ما بين اليمامة والكوفة. وذكر بعض العلماء انه طريق كان بالشام والكوفة وكان يسلك في أيام بني أمية. ويظهر إن الاسم من الأسماء القديمة، بدليل اختلاف العلماء في تعليل التسمية، فقال بعضهم سمي لمرور رجل به يقال له مثقب، وقال بعض آخر سمي بذلك لأن بعض ملوك حمير بعث رجلاً يقال له مثقب على جيش كثير إلى الصين فأخذ ذلك. الطريق فسمي به.

وكان حاج البصرة إذا أرادوا الحج، اتجهوا إلى "المنجشانية" على ستة أميال من اليصرة، تنسب إلى "منجش" مولى "قيس بن مسعود" ، ثم إلى "الحفير"، وهو ركايا ما بين "ماوية" و "المنجشانيات" ، ثم إلى "الشجى"، ثم إلى "الخرجاء"، وهو ماءة احتفرها "جعفر بن سليمان " على طريق حاج البصرة ، ثم الى "الحفر" ، ثم إلى "ماوية"، ثم إلى ذات العشر، ثم إلى "الينسوعة"، ينسوعة القف، منهل من مناهل طريق مكة على جادة البصرة، بها ركايا كثيرة عذبة الماء عند منقطع رمال الدهناء بين ماوية النباج. ثم الى "السُمَينة"، أول منزل من النباج لقاصد البصرة ، ثم إلى "النباج"، ويقال له نباج بني عامر بن كريز، وهو بحذاء "فيد"، وبه يوم من أيام العرب، مشهور لتميم على يكر بن وائل. وقد استنبظ ماءه "عبد الله ين عامر ابن كريز"، شقق فيه عيوناً وغرس نخلاً، وسكن به رهطه بنو كريز.

و "عامر بن كريز بن ربيعة" القرشي العبشمي، والد "عبد الله"، وهو من المحمقين في قريش، ذكر انه أسلم يوم الفتح، وكان ابنه "عبد الله" أميراً على البصرة زمن عثمان ، كما كان صهراً لمعاوية، ومن أغنياء المسلمين.

ومن النباج إلى "العوسجة"، ثم إلى "القريتين"، ثم إلى "رامة"، ثم إلى "امرة"، ثم إلى "طخفة"، ثم إلى ""ضرية"، ثم إلى "جديلة" ثم الى "فلجة"، ثم إلى "الدثينة" "الدفينة"، ثم إلى "قبا"، ثم إلى "مران"، ثم الى "وجرة"، ثم إلى "أوطاس"، ثم إلى "ذات عرق" ثم إلى بستان ابن عامر، ثم إلى مكة.

ويلاحظ أن مبدأ هذا الطريق، قد عمر في الإسلام، وذلك بسبب تأسيس البصرة، ولكنه يسلك أيضاً الطريق الجاهلى القديم في مواضع كثيرة منه.

و "بستان ابن عامر" عند مكة، ويرى بعض العلماء أن هذه التسمية مغلوطة وأنها من أقوال سواد الناس وأن الصحيح بستان ابن معمر، وهو مجتمع النخلتين اليمانية والشامية. بينما يرى بعضهم العكس، إذ قال: "وبستان ابن عامر بنخلة. هو عبد الله بن عامر بن كريز بن ربيعة. ولا تقل بستان ابن معمر، فإنه قول العامة. وورد أيضاً "بستان ابن عامر لعمر بن عبد الله بن معمر ابن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد ين تميم بن مرة بن كعب بن لؤي ، ولكن الناس غلطوا فيها، فقالوا: بستان ابن عامر، وبستان بني عامر، وإنما هو بستان ابن معمر، وقوم يقولون نسب إلى ابن عامر الحضرمي، وآخرون يقولون نسب إلى ابن عامر بن كريز". وذكر أنه على مقربة من هذه البستان موضع يقال له "المسدّ"، وهو مأسدة.

ويقع موضع "السّيّ"، وهو ماء من ذات عرق إلى "وجرة" على ثلاث مراحل من مكة إلى البصرة وخمس من المدينة. فهو من منازل طريق البصرة - مكة. واليه أرسل الرسول "شجاع بن وهب" الأسدي، على "بني عامر" بناحية "ركبة". ووجرة في طريق البصرة. وأما "ذات عرق" فحد يفصل في عرف علماء جزيرة العرب بين الحجاز ونجد. فمن ذات عرق إلى الغرب الحجاز، ومن ذات عرق مشرقاً، فهو نجد. واذا جزت "وغرة" ووجرة فأنت في نجد إلى أن تبلغ "العذيب"، و "غمرة" في طريق الكوفة. وهي فصل ما بين تهامة ونجد.

وعلى مقربة من "ذات عرق"، يقع قبر أبو رغال في موضع يقال له "الغمير"، بين ذات عرق وبين البستان.

وقد ذكر "القلقشندي" طريقاً يبدأ بالبصرة ويتجه نحو "اليمامة"، على هذا النحو: "البصرة"، ثم "المنجشانية"، ثم إلى "الكفير?" "الحُفير"، ثم إلى "الرحيل"، ثم إلى "الشجى"، ثم إلى "الحفر"، ثم الى "ماوية"، ثم إلى "ذات العشر"، ثم إلى "الينسوعة"، ثم إلى "السمنية"، ثم إلى "النباج"، ثم الى "العمومية ثم" "العوسجة"، ثم إلى "القربتين"، ثم إلى "سويقة"، ثم إلى "صداة"، ثم إلى "السدّ"، ثم إلى "السقي"، ثم الى "المنبية"، ثم إلى "السفح"، ثم إلى "المريقة"، ثم إلى "اليمامة".

وذكر "الهمداني" أسماء بعض المواضع التي كان يسكنها المسافرون من الكوفة إلى العراق، وهي الطرق السالكة التي عرفت ب "المحجة"،لأنها طرق الحج.

وقد ذكر "الهمداني" أسماء مواضع يمر بها الطريق من "نجران" إلى البصرة. وهي: نجران، ثم كوكب، ثم الحفر، ثم العقيق، وهو معدن ذهب، ثم "الفلج"، ثم "الخرج"، ثم "الخضرمة"، ثم "الفقى"، ثم البصرة.

وإذا أراد أهل اليمامة السفر إلى مكة ،سافروا إلى العرض، وهو بطن العرض، عرض بني حنيفة، الوادي المعروف اليوم باًسم الباطن، وفيه مياه وقرى ، ثم "الحديقة"، ثم إلى "السيح"، وهو سيح "آل ابراهيم بن عربي" والى اليمامة في عهد "عبد الملك" و "هشام"، ثم إلى "الثنية"، ثم إلى"سقيراء"، ثم إلى "السدّ"، ثم إلى صداة ، ثم إلى "شريفة"، ثم إلى "القريتين" من طريق البصرة، فيتصل الطريق بطريق البصرة، ويسلكها على نحو ما مرّ. وقد ذكر " قدامة" منازل هذا الطريق على هذا النحو: "العرض"، ثم "حديقة"، ثم "السيح"، ثم "الثنية العقاء"، ثم "سقيراء"، ثم "السدّ"، ثم "مراره"، ثم "سويقة"، ثم "القريتين"، ثم طريق البصرة.

ونجد في "بلاد العرب" وصف طريق يبدأ ب "حجر" اليمامة وينتهي بمكة. ويبدأ ب "بطن العرض" ، ثم "السيح"، ثم "ثنية الأحيسى"، ثم ناحية من "قر قرى" اليمامة، ثم "المنفطرة"، ثم "الغزُ يز"، ثم "الو ركة"، ثم "أهو ى" و "أضيمر"، ثم "العفافة"، ثم "عكاش"، ثم "المروت"، ومنه إلى "السحامة" وعليها طريق المنار، واذا جزت أهوى، فمن ورائها مويهة يقال لها "الأسودة"، ثم تعبر رملة يقال لها "جراد"، ثم تصل "الهلباء" بحايل، فإذا جزت "الهلباء" وقعت في واد، تجوزه فترد "عكاشا"، ثم ترد "العيصان"، وهو معدن ، ثم ترد معدن الأحسن، وهو من أول عمل المدينة، ثم تجوزه إلى "العلكومة"، ثم ترد "الدثينة" "الدفينة"، قرية على طريق البصرة إلى مكة ، ثم يسلك هذا الطريق المواضع التي ذكرتها عند حديثي على طريق البصرة - مكة.

وكان لأهل اليمامة طرق توصلهم إلى اليمن، منها طريق يؤدي إلى "الخرج"، ثم الى "نبعة"، ثم إلى "المجازة"، و "المعدن"، و "الشفق"، "الشقق ?"، ثم "الثور"، ثم "الفلج"، وهو قرية كبيرة بها نخيل ومزارع وعين يقال لها "الذبا" يخرج منها سبعة عشر نهراً، وهي من الأفلاج. ثم "الصفا"، وبئر الآبار ونجران، ثم الحمى وبرانس، ومريع، والمهجرة. ثم يسلك طريق المهجرة ألمؤدي إلى صنعاء.

وذكر "الهمداني" طريقاً يصل نجران باليمامة ثم ينتهي بالبصرة. ومعنى ذلك طريق يوصل البصرة باليمن، فنجران من أهم عقد الطرق المؤدية إلى اليمن.

ويبدأ الطريق بنجَران ، ومنها إلى "كوكب"، ثم الى "الحفر"، ثم "العقيق"، وهو معدن يعق عن الذهب، وهو لجرم وكندة، ثم "المقترب"، ثم "الفلج"، ثم "الخرج"، ثم "الخضرمة"، ثم "الفقى" ، وهو طرف اليمامة: ثم البصرة.

وذكز "الهمداني" أن من يريد التوجه من "الفلج" إلى اليمامة، سلك طريق "العقيمة"، أو "مخمسة". ومن أخذ "الثفن" من الفلج إلى اليمامة أخذ أسافل أودية جعدة، فيأخذ الغادي على اًسفل الغيل من الثفن، ثم يقطع "غلغل" و "الثجة" و "النضخ" " فإن أحب شرب بدلاميس، ثم نسلة إلى الخرج، وإن اًحب شرب بالمرّاء، ثم برك ثم بريك.

وإذا أراد أهل البحرين التوجه إلى اليمامة، صعدوا الطريق، فيكون عن يمينهم "خرشيم"، وهي هضاب وصحراء مطرّحة إلى "الحفرين" وإلى "السلحين"، ثم "الحابسية"، ثم "مزَلقَّة"، ثم "الموارد" ثم الفروق الأدنى ثم الفروق الثاني، ثم الخوار، خوّار الثلع، ثم الصليب، وعن يمينك الصلب، صلب المِعَي والبرقة برقة الثور. ثم الصتمان، ثم ترجع إلى طريق "زَرٌى"، فعن يسارك "الدُبيب"، وعن يمينك "الدحرض"، ثم تقطع بطن "قو"، ثم السمراء، ثم تأخذ في الدهناء وتأخذ على الشجرة، ثم إلى "الخل" خل الرمل، ثم قَلْت هبل، ثم "النظيم" نظيم الجفنة، ثم شباك العرمة والغرابات، ثم تقطع العرمة و "شيعا"، ثم تسير في "السهّباء"، ثم تقطع جبيلاّ يقال له "أنقد"، ثم الروضة، ثم ترد "الخضرمة" جو الخضارم. وهي أول اليمامة قبل البحرين.

وكان لأهل نجد جملة طرق يسلكونها في اتجاههم نحو "مكة" أو المدينة أو اليمن. وقد عرف طريق نجد إلى مكة ب "الجلال" وب "مثقب" وب "القعقاع". وذكر أن "المثقب" طريق العراق من الكوفة إلى "مكة"، وكان فيما مضى طريقاً بن اليمامة والكوفة يسمى "مثقباً"، وذكر أنه طريق العراق إلى مكة، وقد أوجدوا لذلك جملة تعاليل لحلّ مشكلة التسمية. فقالوا: إنهُ سميّ مثقباً لمرور رجل به يقال له مثقب. وقالوا: بل لأن بعض ملوك حمير بعث رجلاً يقال له مثقب على جيش كثير إلى الصين، فأخذ ذلك الطريق فسمي به. وذكر بعض آخر. أنه طريق كان بين الشام والكوفة، وكان يسلك في أيام بني اًمية.

وذكر إن "القعقاع" الطريق لا يسلك إلا بمشقة، وهو طريق من اليمامة إلى الكوفة، وقيل إلى مكة.

و قد يكون طريق نجد إلى المدينة و مكة جزءاً من طريق العراق إلى المدينتين، و قد ذكرت أسماء بعض المواضع التي يسلكها القادمون من الكوفة أو الحيرة ثم من البصرة إلى المدينة أو مكة، و هي تمرّ بعد اجتيازها حد العراق بنجد. و من هذه المواضع: "القَرْدة" "الفَردة"، الذي كانت إليه سرية "زيد بن حارثة" للتعرض بقافلة لقريش تنكبت طريق الشام خوفا من تحرش المسلمين بها و سلكت طريق العراق في الشتاء، فالتقى بها "زيد بن حارثة" بهذا الموضع فظفر بالعير.

و من مواضع طرق نجد "قطن"، و هو جبل بناحية "فيد"، به ماء لبني أسد غابن خزيمة بنجد، و إليه أرسل الرسول، "أبا سلمة بن عبد الاسد"، و قد نكب بالسرية عن طريق و سار بها ليلاً و نهاراً حتى يعجل إلى ملاقاتها، فنذر بهم القوم و تفرقوا، ثم عاد بعد أن وجد سرحاً و معه ثلاثة رعاء مماليك. و "قطن" جبل في غرب "القصيم" من نجد لا زال معروفاً بقرب بلدة "الفوارة".

و نَجْدٌ في اصطلاح بعض العلماء، ما بين "العذيب" إلى "ذات عرق" و إلى اليمامة و إلى اليمن و إلى جبلي طيئ، و من المربد إلى "روجرة". و ذات عرق أول تهامة إلى البحر. وذكر ان الاعراب يقولون: إذا خلقت "عجلز" مصعداً، فقد انجدت. و "عجلز" فوق "القريتين"، فإذا أنجدت عن ثنايا ذات عرق، فقد أتهمت، فإذا عرضت لك الحرار بنجد قيل ذلك الحجاز. و ذكر أن نجداً الاربضة التي تقع جنوب العراق و الشام، و شمال تهامة و اليمن. و ذكر أن كل ما وراء الخندق على سواد العراق، فهو نجد. و الغور كل ما انحدر سيله مغربياً و ما أسفل منها مشرقياً فهو نجد. و تهامة ما بين ذات عرق إلى مرحلتين من وراء مكة، و ما وراء ذلك من المغرب فهو غور، وما وراء ذلك من مهب الجنوب فهو السراة إلى تخوم اليمن.

وأما طرق العربية الغربية، فأهمها الطرق الممتدة من بلاد الشام إلى اليمن، و تتصل بها الطرق الآتية من مصر. و قد كان الجاهليون يقصدون دمشق للاتجار بها وللاصطياف، ولزيارة أمراء الغساسنة الذين كانوا قد امتلكوا قصوراً بها، غير أن بعضاً منهم كان يقف عند "بصرى"، يتاجر في أسواقها ثم يعود. ومنهم من كان يتوجه إلى "غزة"، للاتجار بها لوجود تجار بها قصدوها من سواحل البحر الأبيض، معهم تجارة ساحل البحر. وقد كان "هاشم" ممن قصد هذه المدينة.

ويبدأ طريق دمشق ب "الكسوة " ومن "الكسوة" إلى "جاسم"، وهو موضع ورد ذكره في شعر لحسان بن ثابت، إذ قال: قد عفا جاسم إلى ببت رأس  فالجوابي فحارث الجولان

ومن "جاسم" إلى أفيق، وأفيق من أعمال حوران، وهو عقبة طويلة، وأفيق في أول العقبة ينحدر منها إلى غور الأردن ومنها يشرف على طبرية. ومن "أفيق" إلى "طبرية". وتعد "سرغ"، في آخر الشام وأول الحجاز، بين "المغيثة" و "تبوك"، وفيها لقي "عمر" أمراء الأجناد ، ثم "تبوك" وهي قرية مهمة يرد خبرها في أخبار غزوات الرسول، إذ عرفت بغزوة "تيوك". وبها صالح رسول الله "يحنة بن رُ ؤبة". صاحب أيلة، وأهل جرباء وأذرح.

ومن "تبوك" يتجه الطريق إلى "المحدثة" ثم إلى "الأقرع"، ثم إلى "الجنينة"، ثم إلى "الحجر"، وهي في نظر أهل الاْخبار ديار ثمود وبلادهم، وقد أشير إليها في القرآن: )كذب أصحاب الحجر المرسلين" ، وقد مر بها رسول الله في غزوته لتبوك، ونهى عن دخول مساكنها وعن الشرب من مائها، واستحث راحلته، وأسرع حتى خلفها. وذكر "إن بيوتها منحوتة في الجبال مثل المغاور، كل جبل منقطع عن الآخر، يطاف حولها، وقد نقر فيها بيوت تقلّ وتكثر على قدر الجبال ا لتي تنقر فيها. وهي بيوت في غاية الحسن فيها بيوت وطبقات محكمة الصنعة وفي وسطها البئر التي كانت تردها الناقة. وهي قرية لا تزال معروفة مسكونة.

ثم إلى "وادي القرى"، فتمر القوافل في قرى عديدة، ثم إلى "الرحيبة"، ثم إلى "ذي المروة"، وهو قرية بين "ذي خشب"، و "وادي القرى" ، ثم إلى "المر"، ثم إلى "السويداء" ، ثم إلى "ذي خشب"، وهو وادٍ على مسيرة ليلة من المدينة، ذكر في الأحاديث والمغازي، ويقال له "واديً خشب"، فيه عيون ، ثم الى المدينة.

ولما سار الرسول إلى "تبوك" نزل "ذا خشب"، ثم "ثنية الوداع"، ثم مرَّ بوادي القرى، ثم بالحجر، ثم تبوك.

وهناك طريق يمتد من "أيلة" إلى "حقل"، ثم "مدين"، ثم إلي الأغواء، ثم إلى "الكلابة"، ثم إلى "شغب"، ثم إلى "بدا". وشغب موضع ذكر في حديث الزهري، انه كان له مال بشغب وبدا، وهما موضعان كانا في الشام، وبه كان مقام "علي بن عبد الله بن عباس" وأولاده إلى أن وصلت اليهم الخلافة. وبشغب مات الزهري، وهو "أبو يكر محمد بن مسلم ابن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري"، المدني، مات سنة "124 ه" في أمواله بها. وذكر انه قبر بأداما، وهي خلف شغب وبدا، وهي أول عمل فلسطين وآخر عمل الحجاز، وبها ضيعة "الزهري" التي كان فيها.

ومن "بدا" يتهجه الطريق إلى"السرحتين"، ثم إلى "البيضاء"، ثم إلى "وادي القرى"، ثم إلى "الرحيبة"، ثم إلى "ذي المروة"، ثم إلى "المر"، ثم إلى " السويداء"، ثم إلى "ذي خشب"، ثم إلى المدينة، ومنها إلى مكة. وقد كان حجاج مصر يسلكون هذا الطريق،إذا جاؤوا من البر.

وهناك طريق ساحلي سلكه حجاج مصر أيضاً، يبدأ بشرف البعل، ثم إلى "الصلا"، ثم الى "النبك" ، ثم إلى "ظبة"، ثم إلى "عونيد"، ثم إلى "الوجه"، ثم إلى "منخوس"، ثم إلى "الجرة"، ثم. إلى "الأحساء" ثم إلى "ينبع"، ثم إلى "مسئولان"، ثم إلى "الجار"، ثم الى المدينة.

و "الجار" على ساحل البحر، وهو فرضة المدينة، ترفأ اليه السفن من أرض الحبشة ومصر وعدن، وبحذائه جزيرة في االبحر ميل في ميل يسكنها التجار. و "ينبع" حصن له عيون فوّارة، ذكر بعضهم أنها ماثة وسبعون عيناً، ونخيل وزروع، بطريق حاج مصر عن يمين الجائي من المدينة إلى "وادي الصفراء"، وقد جفت عيونه فيما بعد، كما ذكر من زارها من الباحثين.

وأما طريق المدينة المؤديَ الى مكة، فيمر ب "الشجرة"، وهو ميقات أهل المدين ، ثم إلى "ملل"، ثم إلى "السيالة". وقد ذكر أنها أول مرحلة لأهل المدينة، إذا أرادوا مكة، وأنها بين "ملل" والروحاء. ثم إلى "الرويثة" ثم إلى "السقيا"، فيها نهر جار، بين المدينة ووادي الصفراء. ثم إلى "الأبواء"، وهي قرية من أعمال "الفرع" بين المدينة والجحفة ، ثم إلى "الجحفة"، وهي من تهامة، وفيها آبار، وهي ميقات أهل الشام، وكانت تسمى "مهيعة"، فنزل بها "بنو عبيل"، وهم اخوة عاد وكان أخرجهم العماليق من يثرب فجاءهم سيل جحاف فاجتحفهم فسميت الجحفة. وهكذا فسر "ابن الكلبي"، سبب تسمية هذه القرية القريبة من البحر بهذه التسمية.

والأبواء من المنازل التي كان يطرقها المسافرون إلى بلاد الشام، فهي على طريق التجارة القديم. وللرسول غزوة عرفت بغزوة الأبواء وبغزاوة ودّان،وصل فيها إلى موضع "ودّان"، وكان يريد اعتراض عير لقريش، مرت بهذا المكان، وهي أول غزوة غزاها الرسول. وقد وادع فيها "بني ضمرة بن بكر بن عبد مناة" على ألا يكثروا عليه ولا يعينوا أحداً عليه ، مما يدل على إن هذا الموضع كان لبني ضمرة في ذلك العهد. وورد انه كان لبني ضمرة ولغفار وكنانة.

وودّان قرب الأبواء والجحفة من نواحي "الفرع"، بينها وبين "هرشى" ستة أميال، وبينها وبين "الأبواء" نحو من ثمانية اًميال، وكانت قرية سكنها "الصعب بن جثامة" الليثي من أصحاب الرسول، فنسب إليها.

و "هَرشٌى" ثنية قرب "الجحفة" في طريق مكة يرى منها البحر، ولها طريقان فكل من سلكهما كان مصيبأ، وهي على طريق الشام وطريق المدينة إلى مكة في أرض مستوية، وأسفل منها "ودّإن" على ميلين مما يلي المغرب. ويتصل بها من الغرب خبت رمل في وسط هذا الخبت جبل أسود شديد السواد صغير يقال له طفيل.

ومن الجحفة يتجه المسافر إلى "قُد يد" ، ثم إلى "عسفان"، ثم إلى بطن مر، ثم الى مكة. و "بطن مر"، قرية كبيرة، وعلى أربعة أميال منها قبر "ميمونة" زوجة النبي، وعلى مسافة منها مسجد عائشة، ومنها بحرم أحل مكة، وهو حد الحرم.

والجحفة من منازل طريق تجارة مكة إلى الشام، ولذلك صارت هي والمواضع التي تقع على هذا الطريق من الأهداف ا التي قصدها المسلمون للتحرش بقوافل قريش. ومن نواحي الجحفة "ثنية المرة"، ومنها سار "عبيدة بن ا الحارث ابن المطلب" على عر لقريش يحرسها مائتان من المشركين بقيادة "أبو سفيان"، أو غيره وذلك في السنة ا الأولى من الهجرة، فالتقى بها على ماء يقال له "أحياء" من بطن "رابغ" على عشرة أمال من الجحفة، وأنت تريد قديداً عن يسار الطريق.

و "رابغ" وادٍ عند الجحفة قرب البحر بين "البزواء" و "الجحفة" دون "عزور"، وقرية لا تزال معروفة. بينها وبين "بدر" خمس مراحل. الأول "قاع البزواء"، ثم عقبة وادي السويق، ثم آخر ودان، ثم شقراء، ثم رابغ. وهي اليوم قرية، مياهها عذبة ذات مزارع ونخيل.

وأرسل الرسول سرية أخرى إلى "الخرّ ار" للتعرض لعير قريش التي كانت تسلك الجحفة، فلما وصلت "الخر"از" من الجحفة قريباً من "خم"، وجدت عير قريش قد سبقتها، ونجت. و "خم" غدير دون الجحفة وقيل بالجحفة.

وعلى مسيرة يوم من "ينبع"، يقع جبل "رضوى" الذي يبعد سبع مراحل عن المدينة، ومن نواحي هذا الجبل ناحية "بواط"، واليها خرج الرسول غازياً معترضاً عير قريش، التي كانت مارة بهذا المكان. وكانت قافلة كبيرة تتألف من ألفين وخمسمائة بعير، يحرسها مائة رجل من قريش، فيها "أمية بن خلف"، وقد أفلتت القافلة ونجت، دون أن يقع أي قتال.

وببطن ينبع موضع يقال له: "ذو العشيرة"، "ذات العشيرة"، اليه كانت غزوة "العشرة" "غزوة ذات العشيرة"، حين بلغ الرسول خبر خروج عير لقريش إلى بلاد الشام، وقد جمعت قريش أموالها في تلك العير، ولكن القافلة نجت، فوصلت سالمة إلى بلاد الشام، وهي التي خرج الرسول في طلبها لما عادت، وكانت وقعة بدر. فرجع الرسول إلى لمدينة، بعد أن صالح "بني مدلج" وحلفاءَهم "بني ضمرة".

ولما هاجر الرسول من مكة إلى المدينة سلك به الدليل طريقاً لا تسلكه القوافل، أي طريقاً لا يسلكه المسافرون عادة إلى المدينة، ليتجنب من ملاحقة قريش له. سلك به وبصاحبه "أبي يكر" أسفل مكة، ثم مضى بهما حتى حاذى بهما الساحل، وعارض الطريق أسفل من "عسفان"، ثم سلك بهما على أسفل "أمج"، ثم استجاز بهما حتى عارض بهما الطريق بعدما جاوز "قديداً"، ثم أجاز بهما من مكانه ذلك، فسلك بهما "الخرّار"، ثم سلك بهما "ثنية المرة" "ثنية المراة"، ثم أجاز بهما "مدلجة لفف " "لقف"، ثم استبطن بهما "مدلجة مجاج " ، مجاج"، طريق يقال له "المدلجة" بين طريق "عمق " وطريق الروحاء. ثم سلك مرجح من مجاج ، ثم بطن "مرجح ذي العضوين " ثم "بطن ذي كشد" "بطن ذات كشد" "ذي كشد"، ثم أخذ بهما على "الجداجد"، ثم على "الأجرد"، ثم سلك بهما "ذا سلم" "ذا سمر" من بطن أعداء "مدلجة تعهن"، ثم على "العبابيد"،ويقال "العبايب " ويقال "الغيثانة" "العتبانة"، ثم اجاز بهما "الفاجة"، ويقال "القاحة". ثم هبط بهما "العرج"، ثم خرج بهما دليلهما من العرج، فسلك بهما ثنية "العاثر" "الغابر" "الأعيار" ، ويقال "ثنية الغاثر" ، عن يمين "ركوبة"، ثم هبط "بطن رئم " "بطن ريم " ، ثم قدم بهما "قباء"، ثم "يثرب".

ولما سمع الرسول بقدوم "أبو سفيان " مقبلاً من الشام في عير لقريش عظيمة فيها أموال لقريش وتجارة من تجاراتهم، خرج لملاقاتها في موضع "بدر". وكان بدر طريق ركبان قريش من أخذ منهم طريق الساحل إلى الشام. فخرج من المدينة على نقب المدينة، فنزل بالبقع، ويقال بئر أبي عتبة، وهي على ميل من المدينة، ثم اتجه نحو "بيوت السقيا"، فضرب عسكره هناك. ثم أمر أصحابه إن يستقوا من "بئر السقيا"، وصلى عند بيوت السقيا، وسلك من السقيا بطن العقيق حتى نزل تحت شجرة بالبطحاء، ثم سلك "في ا الحليفة"، ثم على "أولات الجيش " "ذات الجيش"، ثم على "تربان"، ثم على "ملل"، ثم على "غميس الحمام " من "مريين"، ثم على صخيرات اليمام، ثم على "للسيالة"، ثم على "فج الروحاء"، ثم على "شنوكة"، وهي الطريق المعتدلة، ثم على "عرق الظبيتة" "الظبية"، ثم على "سجسج"، وهي بئر الروحاء، حتى إذا كان بالمنصرف، ترك طريق مكة بيسار وسلك ذات اليمين على "النازية" يريد " بدراٌ"، فسلك في ناحية منها، حتى جزع وادياً يقال له "وحقان " بين "النازية" وبين مضيق الصفراء ثم على المضيق انصب منه إلى "الصفراء"، فهي قرية بين جبلن، ثم سلك إلى واد يقال له "ذ فران"، ثم سلك على ثنايا يقال لها "الأصافر"، ثم انحط منها إلى بلد يقال له "الدّبةّ" "الدية"، وترك "الحنان " بيمين وهو كثيب عظيم كالجبل، ثم نزل بدراً.

و "السقيا"، موضع به ماء، بين المدينة ووادي الصفراء ، يعرف اليوم ب "أم البرك".

و "شنوكة"، جبل جمع على "شنائك " في شعر لكثير، لأنه ثلاث أجيل صغار منفردات من الجبال، بمر منها الطريق إلى بدر والصفراء وإلى النازية ورحقان، ويدع المنصرف إلى يساره. وتقع بين "المنصرف " و بين الروحاء. ولا تزال معروفة.

و "المنصرف"، موضع يقال له "المسيجد" في الوقت الحاضر، وهو قرية كبيرةْ. وتقع على طريق المدينة المتجه الى "الصفراء" فالساحل والذي يتصل بجدة. وهو غير بعيد عن "النازية". و "النازية" عين ثرة على طريق الآخذ من مكة إلى المدينة قرب الصفراء، وهي إلى المدينة أقرب.

و "بدر" أسفل وادي الصفراء، وهو إلى المدينة أقرب، يقال إنه هو منها على ثمانية وعشرين فرسخاً، وبينه وبين "الجار"، وهو على ساحل البحر ليلة. وبه بئر حفرها رجل من غفار، اسمه "بدر بن يخلد بن الضر بن كنانة" وقيل "بدر بن قريش بن بخلد بن النضر بن كنانة، وقيل بدر رجل من "بني ضمرة" سكن ذلك الموضع فنسب اليه، ثم غلب اسمه عليه، وقيل بدر رجل من جهينة كان يملك البئر فسميّت به. ولهم تفاسير أخرى من هذا القبيل في تعليل سبب تسمية بدر بدراً. وبدر قرية كبيرة في الوقت الحاضر أسفل "وادي الصفراء"، يتجه منها طريق إلى "ينبع"، ومن ينبع إلى مكة. وكان "أبو سفيان " لما بلغ "الزرقاء" من بلاد الشام، وهو منحدر إلى مكة، أخبره أحدهم إن محمداً قد كان عرض لعيرهم في بدأنهم، وانه تركه مقيماً ينتظر رجعتهم، فخرج خائفاً من الرصد، فلما بلغ الساحل،أرسل رسولاّ استأجره بعشرين مثقالاً، وأمره إن بخبر قريشاً إن محمداً قد عرض لعيرهم، فذهب اليهم وأخبرهم، فتجهزوا وأسرعوا لانقاذ قافلة "أبي سفيان"، الذي خاف خوفأ شديداً حين دنا من المدينة، فلما أصبح "أبوسفيان " ببدر، ضرب وجه عيره فساحل بها، وترك بدراً يساراً وانطلق سريعاً، حتى بلغ مكة. وكان أهل مكة قد خرجوا من مكة على طريق "مرّ الظهران"، ثم "عسفان "ثم "قديد"، ثم إلى "مناة" من البحر، ثم "الجحفة"، ثم "الأبواء"، ثم "بدر"، حيث التقوا برسول الله، فوقعت معركة بدر.

وكانت قريش تأخذ الساحل: ساحل البحر حين تأخذ إلى الشام. وهو طريقها إلى متجرها هناك، وقد عرف بالمعرقة، وفيه سلكت عير قريش حين كانت وقعة "بدر". ومن هذا قول "عمر" لسلمان أين تأخذ إذا صدرت أعلى المعرقة أم على المدينة ?. ويقع طريق المعرقة بين "عزور" وبنن "رضوى " تختصره العرب إلى الشام والى مكة والى المدينة. وهو بين الجبلين.

ومن مواضع هذا الطريق: العيص، وهو عرض من أعراض المدينة،وموضع على مقربة من ساحل البحرْ. ومن "ذي المروة". وهو موضع على طريق تجارة قريش مع الشام، وبه كان يمر طريق الشام ومصر إلى المدينة ومكة. وإلى سيف البحر ناحية العيص أرسل الرسول "حمزة"، حين بلغه إن "أبا جهل " قد جاء بعير لقريش من الشام يريد مكة في ثلاثمائة راكب. فقد كان هذا الموضع من الساحل مسلك قوافل قريش. ولايزال اسم العيص معروفاً. وفي مقابله "الحوراء"، مرفأ سفن مصر في القديم.

ولم يذكر علماء السير والأخبار أسماء المراحل التي قطعتها قريش عند زحفها على "أحد" بتفصيل وكل ما ذكروه أن قريشاً جاؤوا فنزلوا "عينين "بحبل ببطن السبخة من قناة على شفير الوادي مما يلي المدينة. وذكر أنه الجبل.لذي أقام عليه الرماة يوم أحد، ولذلك قيل يوم أحد يوم عنين. وكانوا قد قدموا من "ذي طوى" على طريق "الأبواء" حيث همت وهي هناك أن تنبش قبر "امنة" أم النبي. وسلكوا "العقيق " حتى نزلوا ظاهر المدينة. ثم التقوا بالمسلمين عند احد.

ويظهر من هذه الأسماء، أن قريشاً سلكت في سيرها على المدينة الطريق المألوف الذي يمر بالأبواء. و "ذو طوى" موضع قرب مكة عرف بالزاهر، به بئر حفرها "عبد شمس بن عبد مناف".

ولما سار الرسول للعمرة، سلك طريق "الفرع " "الفروع " نحو "مر الظهران"، ثم "بطن يأجح"، وحبس الهدي ب "ذي طوى" ودخل مكة من الثنية. و "مر الظهران"، واد به عيون ومياه، غير بعيد عن مكة، وبه "مجنة"، ويعرف الآن بوادي فاطًمة.

وخرج الرسول من المدينة، فسلك حرة بني حارثة، ثم "الشوط" بين المدينة وأحد، ثم "الشيخين " حتى نزل الشعب من "أحد" في عدوة الوادي إلى الجيل. ولما عاد الرسول إلى المدينة، بلغه أن "أبا سفيان " كان بموضع "ملل"، يقرر الرجوع على المسلمين، وأن رجلاً أخبره أنه رأى "أيا سفيان " بالروحاء،وهو مجمع مع قريش على السير على المدينة، وسأل الرسول عن موضع قريش فقيل له: إنه بالسيالة ،فخرج من المدينة حتى وصل "حمراء الأسد" فبلغه رجوع قريش إلى مكة، وذهاب شرها فرجع إلى يثرب.

ولما عاد "عمرو بن أمية الضمري " من مكة، وكان قد وجهه الرسول لقتل أبي سفيان، خرج إلى "التنعيم"، ثم أخذ طريق "الصفراء"، ثم "غليل ضجنان"، ثم أخذ المحجة، ثم "النقيع " حتى وصل المدينة. و "التنعيم " على ثلاثة أميال أو أربعة من مكة، وهو أقرب أطراف الحل إلى البيت، على يمينه جبل نعيم ،وعلى يساره جبل ناعم، والوادي اسمه "نعمان". و "الصفراء واد بين مكة والمدينة، وراء بدر مما يلي المدينة. و "ضجنان " غليل يظهر من وصف خبر رجوع " عمرو بن أمية" إلى المدينة، انه بعد الصفراء، ذكر انه موضع أو جبل بين مكة والمدينة، ويظهر إن العلماء كانوا قد اختلفوا في تعبين مكانه. و "النقيع " هو "نقيع الخضمات " الذي حماه "عمر" لنعم الفيء وخيل المجاهدين فلا يرعاها غيرها. وورد في الحديث أول جمعة جمعت في الإسلام بالمدينة في نقيع الخضماتْ. ويظهر من شعر لمعبد بن أبي معبد الخزاعي، إن ماء "ضجنان " بعد ماء "قديد".

ولما سار الرسول على "بني لحيان"، خرج من المدينة، فسلك على "غراب " جبل بناحية المدينة على طريقه إلى الشام، ثم على "مخيض"، ثم على"البتراء" ثم صفق ذات اليسار، ثم على "يين"، ثم على "صخيرات اليمام"، ثم استقام به الطريق على المحجة من طريق مكة، حتى نزل على "غُران"، وهي منازل بني لحيان. و "غران " واد بين "أمج " و "عسفان " إلى بلد يقال له "ساية". ثم سار الرسول حتى نزل "عسفان"، ثم بعث فارسين من أصحابه حتى بلغا كراع "الغميم"، ثم "كرا"، ثم قفل الرسول راجعاً إلى ا لمدينة.

ويظهر من هذا الوصف أن الرسول أراد اعماء خبر غزوته عن "بني لحيان"، فسلك طريق الشام، ثم غيرّ اتجاهه، فتوجه نحو "يين " وصخيرات اليمام ،فبلغ الجادة ، ثم أسرع حتى بلغ "غران"، منازل "لبني لحيان " بين "أمج " و "عسفان". فتكون منازل "بني لحيان " في هذه المنطقة.

ولما سار الرسول على مكة عام الفتح ، سلك طريق "العرج"، و "العرج " جبل بين مكة والمدينة يمضي إلى الشام ، وواد يقع بين أم البرك، الموضع المعروف بالسقيا قديماً،" وبين الجيّ، الوادي اًلذي يقطعه المسافرون مع طريق السيارات القديم إلى "المسيجد" ، وذكر أنه على أربعة أميال من المدينة ، وكان الرسول قد نزل "السقيا"، وهي "أم البرك " الآن ، وذكر أنه بين المدينة والصفراء، وفي الحديث أنه كان يستعذب من بيوت السقيا.

و "الصفراء" وراء "بدر" مما يلي المدينة. كما مرّ بثنية العقاب وبالأبواء، وبذي الحليفة، وبالجحفة، وبالكديد، وهو موضع على اثنين وأربعين ميلاً من مكة بين "عسفان " و "رابغ"، وقيل بين عسفان وقديد بينه وبين مكة ثلاث مراحل، أو بين ثنية غزال وأمج ، وب "قديد" ، وبمر الظهر ان.

ولما حج الرسول حجة الوداع، سار من المدينة،فصلى الظهر ب "ذي الحليفة"، ثم استوى بالبيداء، ومرّ إلى "القاحة"، وهو موضع على ثلاث مراحل من المدينة وعلى ميل من "السقيا"، وهو بين "الجحفة" و "قديد". ثم سار إلى "ملل " "يلملم " ، وهو موضع به آبار، على مسافة اثني عشر ميلاً من "الشجرة" ، أو سبعة عشر ميلاً من "المدينة"، وقيل عشرين ميلاّ ، ثم شرف السيالة، وهو موضع بين "ملل " و "الروحاء" في طريق مكة ، ثم "عرق الظّبية" بين "الروحاء" و "السيالة"، وهو دون "الروحاء"، ثم نزل "الروحاء"، ثم راح من "الروحاء" فصلى العصر بالمنصرف. و "المنصرف " على أربعة برُ د من "بدر" مما يلي "مكة" ، وصلى المغرب بالمتعشى وتعشى به، وصلى الصبح بالأثاية. و "أُثاية" بطريق "الجحفة" إلى مكة، فيه مسجد نبوي، قيل بينه وبين المدينة خمسة وعشرون فرسخاً، أو بئر دون العرج. وأصيح بالعرج يوم الثلاثاء.

ونزل "السقيا" يوم الأربعاء، وأصبح بالأبواء، ثم راح إلى "الجحفة" ، ثم راح منها إلى "قديد"، ثم "عسفان"، ثم "الغميم". م "مر الظهران"، ثم نزل موضع "سرف". ولما انتهى إلى "الثنيتين " بات بينهما، بين "كداء" و "كدى"، ودخل مكه من "كداء".

وأما الطريق من مكة إلى الطائف، فمن مكة إلى بئر ابن المرتفع، ثم إلى قرن المنازل، وهي ميقات أهل اليمن والطائف، ثم إلى الطائف، ومن أراد من مكة إلى الطائف على طريق العقبة يأتي عرفات، ثم بطن نعمان، ثم يصعد عقبة حراء، ثم يشرف على الطائف ويهبط ويصعد عقبة خفيفة، تسمى "تنعم الطائف"، ثم يدخل الطائف.

وبين مكة والطائف، موضع يقال له "بطن نخلة" "نخلة"، اليه أرسل الرسول "عبد الله بن جحش" على رأس سرية، ليرصد بها عير قريش. فسلك على الحجاز، حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع يقال له "بحران" سلك طريقه نحو "نخلة" حتى بلغها، فمرت بهم عير لقريش تحمل زبيباً وأدماً وتجارة من تجارة قريش وخمراً، فاستولت على العير وأخذت أسيربن ممن كان يحرس العير، ورجعت إلى المدينة. وذكر أن "عبد الله بن جحش" كان يحمل كتاباً من الرسول، يعين له الهدف، أمره ألا يفتحه إلا بعد أن يسير ليلتين، فلما سار وصار ببطن "ملل" أو عند "بئر ابن ضميرة" فتح الكتاب، فإذا فيه أن يذهب إلى "بطن نخلة" ليتحسس أخبار قريش.

وقد سلك أهل مكة في ذهابهم إلى اليمن وقي إيابهم منها جملة طرق، منها ما تمرّ بالساحل، ومنها ما تمر شرقاً عنه. ومن هذه الطريق: طريق يبدأ بمكة، ثم إلى "قرن المنازل"، قرية كبيرة، وهو ميقات أهل اليمن والطائف، واسم واد. ثم إلى "الفتق"، وهو قرية، ثم إلى "صفن" "صفر" "صقر"، ثم إلى "تربة"، ثم إلى "كرى" "كرا" "كدا" "كدى"، ثم إلى "رنية"، ثم إلى "تبالة"، ويرد اسمها في تأريخ "الحجاج"، فقد استعمل عبد الملك "الحجاج" عليها، فلما أتاها استحقرها ولم يدخلها، فقيل: "أهون من تبالة على الحجاج". ثم إلى "بيشة بعطان"، ثم إلى "جسداء"، ثم إلى "بنات حرب" "بنات حرم"، ثم إلى "يبمبم"، وهو منزل في صحراء فيه بئر واحدة عذبة وليس به أهل، وحوله أعراب من خثعم، وبينه وبين "جرش" نحو أربعة عشر ميلاً، ومنه إلى "كتنة" "كثبة"، ثم إلى "الثجة"، ثم "سروم راح" "شروم راح"، ثم إلى "المهجرة"، وفيما بين "سروم راح" والمهجرة طلحة الملك، شجرة عظيمة تشبه الغرب، غير انها أعظم منه، وهي الحد ما بين عمل مكة وعمل اليمن. وكان النبي حجز بها بين اليمن ومكة.

ومن "المهجرة" يتجه الطريق إلى "عرقة"، وهو أول عمل اليمن، ثم إلى "صعدة"، وهي مدينة يدبغ فيها الأدم، واشتهرت بالنعل. ولصعدة مخاليف، وقرى كثيرة. وقد ذكر "قدامة" أن أكثر تجار "صعدة" من أهل البصرة، وطريق منها للبصريين يرجع إلى "ركبة" "الركيبة". مما يدل على أن التجارة كانت متين ة بين أهل اليمن وبين أهل البصرة في الإسلام. ومن يدري، فلعل هذه التجارة تعود إلى ما قبل تأسيس البصرة، أي إلى ما قبل الإسلام.

ومن صعدة، يتجه الطريق إلى "الأعمشية"، ومن الأعمشية الى خيوان، قرية جبلية الماء من السماء، وفيها كزوم، ومن خيوان إلى "اثافت"، وهي قرية عظيمة وفيها زروع وكروم، وماء الشرب من بركة، ثم إلى صنعاء".

والطريق المذكور،هو الطريق الذي عليه الأميال، وهو طريق العوامل والعمال. فهو الطريق المسلوك الذي يمر به البريد.

وذكر العلماء أن أهل "صنعاء" كانوا إذا أرادوا مكة قصدوا "الرحابة"، ثم إلى "رافدة"، ثم إلى "خيوان"، ثم إلى "صعدة"، ثم إلى "النضح"، ثم "القصبة"، ثم "الثجة" ثم كثبة، "كتنة"، ثم بنات حرم "بنات حرب" ثم جسداء، ثم بيشة، ثم تبالة. ثم رنية، ثم الزعراء، ثم صفر، ثم الفتق، ثم بستان ابن عامر، ثم مكة.

و "تربة" بناحية "العبلاء"، على أربع ليال من "مكة" طريق صنعاء ونجران. واليها أرسل الرسول "عمر بن الخطاب" على رأس سرية فى شعبان سنة سبع. وأصحابها من "عجز هوازن".

وذكر "الهمداني" محجة "صنعاء" إلى مكة على هذا النحو: ريدة، ومنها إلى "أثافت"، م خيوان، ثم العمشية، ثم صعدة، ثم إلى "العرقة"، في المحجة اليسرى القديمة، ثم بقعة في المحجة اليمنى المحدثة، ثم إلى مهجرة، ثم إلى أرينب، ثم سروم الفيض، ثم إلى الثجة، ثم إلى كتنة،ثم الى الهجيرة، ثم إلى يَبمبم، ثم إلى بنات حرب، ثم الى، الجسداء، ثم الى بيشة بعطان، ثم تبالة، ومنها إلى كرى، ثم تربة، ثم الى الصفن، ثم الفتق، ثم إلى رأس المناقب، ثم قرن المنازل، ثم رمة، ثم الزيمة، ثم مكة.

وذكر "الهمداني" إن هنالك طريقاً يمر بتهامة، هو محجة صنعاء إلى مكة. فقال: "من صنعاء صليت من البون، ثم المربد، ثم أسفل العرقة وأخرف، ثم الصرجة، ثم رأس الشقيقة، ثم حرض، ثم الخصوف من بلد حكم ثم الجوينية من قنونا وتسمى القناة، ثم دوقة وهي للعبدين من بقايا جرهم، ثم إلى السّرين، ثم المعجر، ثم الخيال، ثم إلى يلملم ثم ملكان ثم مكة. هذه طريق الساحل". "والمحجة القديمة ترتفع إلى حلي العليا وتسمى حلية، واليها ينسب أسود حلية... ثم إلى عشم، ثم على الليث ومركوب إلى يلملم".

وأما محجة "عدن"، فمن عدن إلى المخنق، ومن المخنق الحُجار، ومن الحجار المسيل، ومن المسيل عبرة، ومن عبرة إلى كهالة، بئر ذي يزن، ومن كهالة الماجلية، ثم المقعدية، ثم إلى زبيد، ثم إلى المعقر، ثم الكدراء" ثم المهجم، وبالمهجم تفضى محجة صنعاء على وادي سهام ثم بلحة من وادي مور، ثم الحسارة، ثم العباية، ثم الشرجة، ثم العرُش، عثر.

وذكر "ابن خرداذبه" طريقاً ساحلياً ربط "عمان" بمكة، وهو الطريق الذي سلك في الإسلام. وقد كان جاهلياً ولا شك، لأن الجاهلين والروم وغيرهم كانوا يساحلون العربية الغربية والجنوبية والشرقبة، ويهبطون بعض المواضع التي يذكرها المسلمون كمراحل هذا الطريق. ويبدأ الطريق بعمان، ثم يمر إلى "فرق"، ثم إلى "عوكلان"، ثم إلى ساحل "هباه" "هماه"، ثم الى "الشحر"، وهي بلاد "الكندر"، ثم إلى مخلاف "كندة"، ثم إلى مخلاف "عبد الله بن مذحج"، ثم إلى مخلاف "لحج"، ثم إلى "عدن أبين"، ثم إلى "مغاص اللؤلؤ"، ثم إلى "مخلاف بني مجيد"، ثم إلى "المنجلة"، ثم إلى مخلاف الركب، ثم إلى المندب، ثم إلى مخلاف زبيد، ثم إلى غلافقة، ثم الى مخلاف عك، ثم إلى الحردة، ثم إلى مخلاف حكم، ثم إلى عثر، ثم إلى مرسى ضنكان، ثم إلى مرسى حلي، ثم إلى السرين، ثم إلى أغيار، ثم إلى الهرجاب، ثم إلى الشعيبة، ثم إلى منزل لم يذكر "ابن خرداذبه" اسمه، ثم إلى "جدة" وهي اسلامية، لم تكن في الجاهلية، وإنما ذكرت هنا، لأن هذا الطريق، كان يسلك فىِ الإسلام، ومن جدة إلى مكة.

ويوجد طريق بري بين مكة وحضرموت يمر ب "نجران" و "الضحيان" و "تثليث"، وهو طريق مختصر يكون الجادة إلى حضرموت.

وذكر "الهمداني" إن محجة حضرموت من العبر إلى الجوف، ثم صعدة، وتنضم معهم في هذه الطريق أهل مأرب، وبيحان، والمسّروين، ومرخة، وهذه محجة حضرموت العليا. وأما محجتها السفلى، فمن العبر في شئز صيهد إلى نجران، ثم من نجران حبونن، ثم الملحات، ثم لوزة، ثم عبالم ثم مريع، ثم الهجيرة، ثم تثليث، ثم جاش، ثم المصامة، ثم مجمعة ترج، والتقت يمحجة صنعاء بتبالةْ.

الفصل الرابع بعد المئة

الاسواق

والسوق المحل للذي يتسوق منه. وهي إما ثابتة مع أيام السنة، يبيع فيها الباعة ويقصدها المشترون للشراء، وإما موسمية، تعقد في مواسم معينة، فإذا انتهى الموسم رفعت. ويقال للسوق القسيمة كذلك.

وتكون الأسواق الثابتة في مواضع السكن، كالقرى والمدن والمستوطنات، أي بين "الحضر"، حيث القرار والاستقرار والإقامة، فيجلس الناس في السوق يبيعون ما عندهم من سلع، يبسطونها على الأرض، أو على "الدكة" المبنية للجلوس عليها، ولعرض البضاعة فوقها، أو على مائدة أو ما شابه ذلك، وهم من صغار الباعة ممن لا تكون عندهم سلع كثيرة. أما الباعة الكبار فيجلسون في "حوانيت"، وهي "الدكاكين"، يبيعون فيها سلعهم التي توضع فيها، ولها أبواب، فإذا انتهوا من البيع، أغلقوها ليعودوا إليها في اليوم الثاني. ويقال للحانوت "المبيعة" كذلك.

ولم يكن كل الباعة يملكون حوانيتهم، أو ما يعرضونه من سلع للبيع. فبينهم من كان يشتغل لغيره، كأن يكون مملوكاً، أقامه سيده في "مبيعته"، ليبيع عنه، وليأتي بثمن ما باعه اليه، ومنهم من كان أجراً اتفق مع صاحب الحانوت ومالكه على أن يشتغل عنده في مقابل أجر يقسمه اليه، فهو لا ينال من الدكان إلا أجر عمله.

والبيع في العربية من الأضداد، يقال: باع فلان إذا اشترى، وباع من غيره. والبائع هو كل من البائع والمشتري، والبياعة: السلعة، والتبايع المبايعة، وللبيعة الصفقة على ايجاب البيع وعلى المبايعة، والمبيعة الدكان، أي موضع البيع. وقد تخصص بعض الجاهليين في عمله، فمنهم من كان حدّاداً، حرفته معالجة الحديد، ومنهم من كان نجاراً، ومنهم من كان بزازاً، ومنهم من كان عطاّراً، ومنهم من كان "جزاراً" حرفته "الجزارة". وقد يجتمع صنف واحد من الباعة في مكان واحد، يكونون سوقاً خاصة بهم، فتسمى سوقهم بأسم ذلك الصنف.

وهناك مصطلحات تطلق على السوق من حيث الرواج والكساد. فإذا نشطت السوق وراج عمل أصحابها قيل نفقت السوق، واذا كسدت قبل انحمقت.

و "الصفقة" البيعة. يقال صفقة رابحة وصفقة خاسرة، أي بيعة. وإنما قيل للبيعة صفقة، لأنهم إذا تبايعوا تصافحوا بالأيدي، ويقال لمن لا يشتري شيئاً إلا ربح فيه: إنه لمبارك الصفقة. والصفقة تكون للبائع والمشتري. والصفق للتبايع. وفي حديث "ابن مسعود" صفقتان في صفقة ربا، أراد بيعتان في بيعة، وهو على وجهين، أحدهما أن يقول البائع للمشتري بعتك عبدي هذا بمائة درهم على أن تشتري مني هذا الثوب بعشرة دراهم، والوجه الثاني أن يقول بعتك هذا الثوب بعشرين درهماً على أن تبيعني سلعة بعينها بكذا وكذا درهماً. و "الصفاق" الكثير الأسفار والتصرف في التجارات.

وقد يشهد الأسواق للتجارة قوم لا رأس مال عندهم ولا نقد لديهم، فإذا اشترى التجار شيئاً دخلوا معهم فيه. ويقال لهؤلاء: "الصعافقة".

وقد ترد التجارة من الخارج لبيعها في السوق. ويقال للذين يجلبون الإبل والغنم للبيع الأجلاب والجلب. وذكر إن الجلب ما يجلب من إبل وغنم وخيل ومتاع وسبي. وفي المثل: النفاض يقطر الجلب، أي إذا نفض القوم، بمعنى نفدت أزوادهم قطروا إبلهم للبيع، كالجليبة و "الجلوبة. ويقال لموضع بيع النعم: "المربد".

وتمتار القبائل ميرتها من أسواق الحضر، والميرة الطعام يمتاره الإنسان، وجلب الطعام. فكان رجالها يقصدون الأسواق في المواسم وعند الحاجة لشراء ما فيها من طعام محتاجون اليه، ومن حاجيات أخرى محتاجون إليها،ثم يعودون إلى منازلهم. و "الميار" جالب المرة، ويقال للرفقة التي تنهض من البادية إلى القرى لتمتار "ميار ة".

و "السواقط" الذين يردون اليمامة لامتيار التمر، و "السقاط" ما يحملونه من التمرْ.

ويقال لكل سوق يجلب إليها غير ما يؤكل من حر الطيب والمتاع غير الميرة "لطيمة". والميرة لمآ يؤكل. وذكر أن اللطيمة سوق فيها أوعية من العطر ونحوه، وربما قيل لسوق العطّارين لطيمة.

ويقال للابل التي تخرج ليجاء عليها بالطعام "ركاباً"، حين تخرج وبعدما تجيء. وتسمى عيراً على هاتين المنزلتين. والتي يسافر عليها إلى مكة أيضاً ركاب تحمل عليها المحامل والتي يكثرون ويحملون عليها متاع التجار وطعامهم كلها ركاب، ولا تسمى عيراً، وإن كان عليها طعام إذا كانت مؤاجرة بكرى. وليس العير التي تأتي آهلها بالطعام ولكنها ركاب. ويقال زيت ركابي، لأنه يحمل من الشام على ظهور الإبل.

ويباع في الأسواق كل شيء: سلع مختلفة الأصناف والألوان ومنها البشر والحيوان. وقد ذكر العبيد والإماء مع الحيوانات في بعض الأوامر والأنظمة التي أصدرها الملوك في تنظيم البيع والشراء، وفي كيفية جباية حصة الحكومة من البيع والشراء، كما في هذه الجملة المقتبسة من أمر ملكي أصدره الملك "شمر يهرعش ملك سبأ وذي ريدان" في تنظيم التجارة والجباية: "بن انسم وابلم وثورم وبعرم وشامت بمنمو ذ يشامتم عبدم فعو امتم وبعرم". ومعناها: "من انس "بشر" وإبل وثيران وبعر تشتري. ومن يشتري عبداً أو أمتاً أو بعراً". فذكر "انسم" أي "انس" وذكر بعدهم الإبل والثيران والبعر وغير ذلك. وكيف يميز بين الإنسان والحيوان، والانسان في ذلك الوقت سلعة، مثل سائر السلع تباع وتشترى، ليكون عبداً وخادماً ومملوكاً لمشتريه! والبضاعة، القطعة من مال يتجر فيه. وأبضعه البضاعة أعطاه اياها. وهي من الألفاظ التجارية التي لا زالت رائجة جارية على كل لسان في الأسواق. ويقال لثمن الشيء: "القيمة"، وهو ثمن الشيء بالتقويم. وقومت السلعة ثمّنتها. ويقول أهل مكة: "استقمتها" ت أي ثمنّتها، ويقولون استقمت المتاع، أي قوّمته.

و"العينة" خيار المال. وعن التاجر، إذا باع من رجل سلعته بثمن معلوم إلى أجل معلوم ثم اشتراها منه بآقل من ذلك الثمن الذي باعها به. وقد كره العينة أكثر الفقهاء وروى فيها النهيْ.

وقد كانت بالقرى والمدن أسواق محلية، فكان بمكة والمدينة أسواق بها مبيعات. ويظهر أن "ملا" القرى كانوا. يشرفون عليها ويأخذون ضرائب البيع والشراء منها. وقد ورد أن "عمر" استعمل على سوق المدينة "السائب بن يزيد" وسليمان بن أبي خيثمة وعبدالله بن مسعود. ولم تشر الرواية إلى الأعمال التي أناطها "عمر" بهؤلاء. ولكني لا استبعد احتمال كون هذا التعيين استمرار لعادة قديمة كانت متبعة بيثرب قبل الإسلام، لمراقبة السوق، ولمنع للتلاعب به وأخذ الحقوق من التعامل بالسوق.

اسواق العرب الموسمية

وللعرب أسواق يقيمونها شهور السنة وينتقلون من بعضها إلى بعض ويحضرها سائر العرب بما عندهم من حاجة إلى بيع أو شراء. وتقع هذه الأسواق في مواضع مختلفة متناثرة من جزيرة العرب. فهي إذن أسواق عربية. وهناك أسواق أخرى قصدها العرب للاتجار في مواسم وفي أوقات مختلفة، كانت خارج جزيرة العرب، في العراق أو في بلاد الشام أو في الحبشة، وقد كان العرب يقصدونها أيظاً للاتجار والامتيار.

وقد ذكر "اليعقوبي"، إن أسواق العرب كانت عشرة أسواق يجتمعون بها في تجاراتهم ويجتمع فيها سائر الناس ويأمنون فيها على دمائهم وأموالهم. ويظهر من قول "اليعقوبي" هذا من انهم كانوا يأمنون فيها على دمائهم وأموالهم أثناء التقائهم بها. إن من دين أهل الجاهلية، اعتبار هذه الأسواق أماكن حرماً، يأمن الإنسان فيها دمه وماله ما داموا في ضيافة السوق وحرمته. ولهذا كان لكل سوق "قومة" يقومون بأمر السوق وبالمحافظة على الأرواح والأموال فيه. فقد "كان في العرب قوم يستحلون المظالم، إذ حضروا هذه الأسواق، فسموّا "المحلون". وهؤلاء "المحلون"، هم مثل "المحلون" الذين كانوا لا يقيمون وزناً لحرمة "الحرم" و "إلحرمات"، مثل حرم مكة، ولا يقيمون للاشهر الحرم قدراً، فكانوا يعتدون فيها وفي كل شهر، ولذلك قيل لهم "المحلون".

ومن المحلّين قبائل من اسد وطيء وبني بكر بن عبد مناة بن كنانة وقوم من بني عامر بن صعصعة.

ولحماية الأسواق والمجتمع من "المحليّن"، الذين أباحوا لأنفسهم استحلال المظالم، ظهر قوم من أهل المروءة والمعروف، تواصوا فيما بينهم على ردّ السفيه عن سفهه والغاوي عن غيهّ،ونصبوا أنفسهم حماة على الأسواق، يحملون سلاحهم فيها في الأشهر الحلّ وفي الأشهر الحرم للذود عن الحرمات. وقد عرف مثل، هؤلاء ب "الذادة المحرمون". وقد تحدث عنهم "اليعقوبي"، فقال: "وكان في العرب قوم يستحلون المظالم إذا حضروا هذه الأسواق، فسموا المحلوّن، وكان فيهم من ينكر ذلك وينصب نفسه لنصرة المظلوم والمنع من سفك السماء وارتكاب المنكر، فيسمون: الذادة المحرمون. وأما المحلون، فكانوا قبائل من أسد وطيء وبني يكر بن عبد مناة بن كنانة وقوم من بني عامر ابن صعصعة. وأما الذادة المحرمون، فكانوا من بني عمرو بن تميم، وبني حنظلة بن زيد مناة، وقوم من هذيل، وقوم من بني شيبان وقوم من بي كلب بن وبرة. فكانوا هؤلاء يلبسون السلاح لدفعهم عن الناس، وكان العرب جميعاً بين هؤلاء تضع أسلحتهم في الأشهر الحرم".

والذود في اللغة السوق والطرد والدفع. فالذادة هم المدافعون الذابون عن المظلومين، والواقفين أمام الظالمين. وقد ورد "ذادة" بمعى يذودون عن الحرم. ولم تكن هذه الأسواق محصورة في موضع معين، انما كانت تعقد في مواضع مختلفة متعددة من جزيرة العرب. وقد خصصت في للغالب بامتيار الأعراب وبشراء ما عندهم من سلع فائضة عليهم: ولا يستبعد بالطبع ورود التجار الأجانب إليها من غير العرب،فقد كان الروم مثلا يتوغلون إلى مسافات بعيدة في هذه الأرضين الشاسعة للبيع والشراء.

وبحكم ورود أناس إلى هذه الأسواق لا يسهل الاجتماع والاتصال بهم في الأوقات الآخرى، فقد قصدها أناس من أماكن بعيدة بحثاً عن طلب أو ترويجاً لرأي، فقصدها المبشرون للاتصال بالقبائل وللتأثر في بعض أفرادها لادخالهم في دينهم. وفي كتب السير: إن الرسول نفسه كان يخرج في المواسم، لعرض نفسه على للقبائل، ولهدايتهم إلى الإسلام.

ومن أشهر أسواق العرب عند ظهور الإسلام: "سوق دومة الجندل"، و "سوق هجر"، و "سوق عمان"، و "سوق المشقر"، و "سوق عون أبن"، و "سوق صنعاء"، و "سوق حضرموت"، و "سوق ذي المجاز"، و "سوق مجنة"، و "سوق عكاظ"، و "سوق حبلشة"، و "سوق صحار"، و "سوق بدر"، و "سوق بني قينقاع"، و "سوق الشحر"، و "سوق عثر، وأسواق محلية أخرى تاتيها القبائل والعشاثر للامتيار وقد ذكر بعض أهل الأخبار أن أسواق العرب للكبيرة كانت في الجاهلية ثلاث عشرة سوقاً، وأولها قياماً دومة الجندل.

وذكر "الهمداني"، أن من أسواق العرب القديمة: عدن، ومكة،والجند، وتجران، وذو المجاز، وعكاظ، وبدر، ومجنة، ومنى، وحجر اليمامة، وهجر البحرين. وسوق "همل" من الحارف ببلد حاشد. وهناك أسواق أخرى عديدة وردت أسماؤها عرضاً في روايات أهل الأخبار.

اما "دومة الجندل"، فكانوا ينزلونها أولَ يوم من شهر ربيع الأول، يجتمعون في أسواقها للبيع والشراء والتبادل. وكان أكيدر صاحب دومة الجندل يرعى الناس وبقوم بأمرهم أول يوم، وتدوم سوقهم نصف الشهر. وكان "أكيدر" يعشر الناس،. وربما يتولاها بنو كلب الذين ياتونهم متأخرين، فيتولونها، وتسوم عندئذ إلى آخر الشهر، ويتولون هم حينئذ تعشير للناس. ويعرف البيع فيها ب "بيع الحصاة"، وهو نوع من انواع المقامرة ابطله الإسلام. وكانت تقصدها قبائل الشام والحجاز والأقسام الشمالية والغربية من اعالي نجد، وتقيم بالقرب منها كلب وجديلة طيء.

وكان الذي يشرف على هذه السوق سادات العرب من كلب أو من غسان، يتنافسون عليها ويتزايدون، فأي الحيين فاز، خضع ودان له الآخر. وكان مكس هذه السوق لمن يتولى الاشراف عليها. وهم جميعاَ يأخذون الاذن بالإشراف على السوق من الملك الذي يحكم الموضع في ذلك الوقت. وكان الإشراف على هذه السوق عند ظهور الإسلام بين "الأكيدر" وبين "قنافة الكلبي" الذي كان ينافسه على الملك.

وذكر "ابن حبيب" انه "كان لكلب فيها قنّ كثير في بيوت شعر، فكانوا يكرهون فتياتهم على البغاء ويأخذون كسب أولئك البغايا، ولما كان الإسلام حرم هذه العادة بالآية: "ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا ًلتبتغوا عرض الحياة الدنيا".

ودومة الجندل في غائط من الأرض خمسة فراسخ، ومن مغربه عين تثج فتسقي ما به من النخل والزرع، ودومة ضاحية بين غائطها وا!ميم حصنها ماردْ. وهو حصن قديم، ورد ذكره في الشعر الجاهلي وفي كتب الأدب. وقد اكتسب شهرة كبيرة بين الجاهليين حين ضربوا به وب "الأبلق" حصن السموأل المثل في العزّ والمنعة، فقالوا: "تمرد مارد وعز الأبلق"، قالوا: قصدتهما الزباء فعجزت عن قتالهما، فقالت: "تمرد مارد وعزّ الأبلق"، وذهب مثلاً لكل عزيز ممتنع. ويظهر أن حصن "مارد" كان من الحصون الحصينة القديمة التيبنيت ب "الجندل"، أي الحجر.

ولم تكن دومة الجندل سوقاً يقصدها التجار في موسم واحد معين، بل كانت مفرقاً مهماً من مفارق الطرق، وموضعاً يقصده أصحاب القوافل الذاهبون من جزيرة العرب إلى العراق والى بلاد الشام، وبالعكس، لوجود الماء العذب بها، وما يحتاج المسافر اليه من زاد وماء. وهي اليوم "الجوف" في المملكة العربية السعودية.

ويقصد سوق المشقر الأعراب الساكنون في العربية الشرقية والأعراب القريبون إلى هذا الموضع، ويرد إلى هذه السوق تجار فارس ببياعاتهم يقطعون البحر، فيتاجرون مع من يقصد هذه السوق من القبائل والحضر. وكانت بنو تميم وعبد القيس جيرانها. أما المشرف عليها فرؤساء تميم من بني عبد الله بن زيد رهط المنذر بن ساوى، وكانوا يتلقبون بألقاب الملك. ويسيرون في معاملتهم في هذه السوق سيرة الملوك بدومة الجندل،ويأخذون العشر. وكان من يؤمها من التجار يتخفرون بقريش، لأنها لا تؤتي إلا في بلاد مضر. وكان بيعهم فيها الملامسة والهمهمة. وتقوم سوقها أول يوم من جمادى الآخرة إلى آخر الشهر.

وقد قصد هذه السوق أحياء من العرب من مختلف أنحاء جزيرة العرب، كما وفدت إليها اللطائم. وطالما اعجبت أرض هجر، وموضع المشقر منها، بعض هؤلاء الأعراب فيبقون فيها ولا يرتحلون عنها، فمن هناك صارت بهجر طوائف من كل حي من العرب وغيرهم.

ويحمي المشقر حصن قديم قويم، يقال ورثه "امرؤ القيس"،وقد أشير اليه في الشعر. قال عنه "المخبل": فلئن بنيت لي المشقر في  صعب تقصر دونه الهمم

لتنقبن عني الـمـنـيّة  إن الله ليس كعلمه علم

وكان من الحصون التي تحمي قرى ساحل الخليج من الأعراب، به حامية كبيرة، تغلق عليها الأبواب عند دنو الخطر. ويظهر من قصة فتك المكعبر بتميم، انه كان ذا بابين، وكان قد بني لحماية المنطقة من الأعراب وللمحافظة على الأمن. وقد كان حصناً كبيراً ادخر فيه الفرس الميرة والأرزاق لتوزيعها على الأعراب أيام المجاعة. وبه جنود من الفرس، يحكمهم قواد منهم، يقومون بضبط الأمن ومراقبة حركات الأعراب.

وتعقد سوق هجر في شهر ربيع الآخر، وكان الذي يتولى تعشير التجار بها "المنذر بن ساوى"، أحد بني عبد الله بن دارم. وهو ملك البحرين. وهجر اسم لجمع أرض البحرين، وقصبة بلاد البحرين. وقد عرفت بكثرة تمرها، ومنه المثل كمبضع تمر إلى هجر. وذكر أن "عمر" تذكرها فقال: عجبت لتاجر هجر وراكب البحر، كأنه أراد لكثرة وبائها، فتاجرها وراكب البحر في الخطر سواء. ويظهر أنها كانت موبوءة.

ثم يرتحلون نحو عمان من البحرين أيضاً، فتقوم سوقهم بها. ثم يرتحلون فينزلون "إرم" وقرى الشحر،فتقوم أسواقهم بها أياماً. ثم يرتحلون فينزلون سوق عدن.

أما "سوق عدن"، فكانت تقوم أول يوم من شهر رمضان إلى عشر يمضين منه. وكانت الأبناء هي التي تعشر التجار بها، والأبناء هم أبناء الفرس. الذين فتحوا اليمن مع وهرز وقتلوا الحبشة. وكان التجار لا يتخفرون فيها بأحد، لأنها أرض مملكة، وأمرها محكم. أما ما قبل حكم الأبناء، فقد كان يعشر هذه السوق ملوك حمير، ثم من ملك اليمن من بعدهم. وأشهر ما يباع فيها الطيب. ولم يكن أحد يحسن صنع الطيب من غير العرب، حتى إن تجار البحر ترجع بالطيب المعمول تفخر به في السند والهند، ويرحل به كذلك تجار البر إلى فارس و الروم.

وأما سوق صنعاء، فكانت تقوم في النصف من شهر رمضان إلى آخره. وكانت الأبناء تعشرهم. وكان بيعهم بها الجس جس الأيدي. وقد اشتهرت ببيع الخرز والأدم والبرود. وكانت تجلب إليها من معافر. والقطن والكتاّن والزعفران والأصباغ وأشباهها مما يتفق بها،. ويشترون بها ما يريدون من البر والحديد وحاصلات اليمن وما يأتي إلى اليمن من نجارات البحار.

وسوق ذي المجاز، قريبة من عكاظ، وتقوم أول يوم من ذي الحجة إلى يوم التروية. ثم يصيرون إلى منى. وقد كانت لهذيل. وكانت مبايعة العرب بها بإلقاء الحجارة، وذلك أنهم كانوا يجتمعون حول السلعة يساومون بها صاحبها، فأيهم أراد شراءها ألقى حجراً، وربما اتفق في السلعة الرهط، فلا يجدون بداً من أن يشتركوا وهم كارهون. وربما ألقوا الحجارة جميعاً فيوكسون صاحب السلعة إذا تظاهروا عليه. وكانت قريش تخرج قاصدة إليها من مكة، فإن اخذت على حزن لم تتخفر من القرب حتى ترجع، وذلك أن مضر عامتهم لا تتعرض لتجار قريش ولا يتهجّمهم حليف لمضري مع تعظيمهم لقريش ومكانتهم في البيت.

وأما سوق حُباشة،فمن أسواق العرب المشهورة القديمة في الجاهلية في العربية الغربية. وهي سوق بتهامة، يتاجر فيها أهل الحجاز. وأهل اليمن. وكان في جملة من حضرها وتاجر فيها الرسول. وكانت تقام في شهر رجب. وحباشة سوت أخرى كانت لبني قينقاع.

وكان الجلندي بن المستكبر، هو الذي يعشر تجار سوق صُحار بعمان، وكذلك تجار سوق "دبا". وكان يقصد سوق "دبا" تجار السند والهند والصين ومواضع أخرى، فهي سوق عظيمة كبيرة، ذات تجارة مع العالم الخارجي. احدى فرضتي العرب. ويقوم سوقها آخر يوم من رجب. وكان بيعهم فيها المساومة. وتقوم سوق صُحار أول يوم من رجب. تقوم خمس ليالي. ويذكر بعض أهل الأخبار إن البيع في سوق صحار هو بالقاء الحجارة.

وقد اشتهرت "صحار" بثيابها، فعرفت بأسمها، كما كانت سوقاً للتجارات المستوردة من اليمن والصين والبحرين والهند. ولذلك كانت برقاً نشطة، وبها أصحاب حرف وصناعة.

وأما "بدر"، فكان موضعاً فيه ماء وفيه وقعت معركة بدر الكبرى. وكان موسماً منمواسم العرب، تجتمع لهم بها سوق كل عام، يجتمعون فيه للتجارة وللتنزه، فكانوا ينحرون ويطعمون ويشربون ويسمعون الغناء. وذكر إن موضع "بدر" بئر حفرها رجل من غفار، ثم من "بني النار" اسمه بدر. وذكر انه "بدر بن قريش بن يخلد"، وبه سمي الموضع بدراً، وقيل بدر رجل من "بني ضمرة" سكن المكان فنسب اليه ، وهو بين مكة والمدينة أسفل وادي الصفراء، وهو إلى المدينة أقرب، وبينه وبين "الجار"، وهو ساحل البحر ومرفأ ليلة. ويظهر انه كان من المواضع المقدسة على شاكلة "سوق عكاظ" به أحجار، يتقرب إليها الناس، وبه ماء فصار سوقاً في موسمه المخصص له، يقصده الناس من مكة ومن المواضع القريبة لبيع ما عندهم من ناتجهم فيه،ولشراء ما يحتاجون اليه منه.

وأما سوق بني قينقاع،فسوق لليهود يذهب إليها الناس للاتجار وابتياع ما عند يهود من سلع، ولبيع ما عندهم ليهود.

أما "سوق الشحر" شحر مهرة، فتقوم السوق تحت ظل الجبل الذي عليه قبر هود. ولم تكن بها عشور،لأنها ليست بأرض مملكة. وكانت التجار تتخفر فيها ببني محارب بن هرب، من مهرة. وكان قيامها للنصف من شعبان. وكان بيعهم بها إلقاء الحجارة. وكان غالب ما يعرض فيها الأدم والبزُ وسائر المرافق. ويشرون بها الكندر، والمرّ، والصبر، ويقصدها تجار من البرّ والبحر ،وأما سوق الرابية بحضرموت، فلم يكن يصل إليها أحد إلاّ بخفارة،لأنها لم تكن أرض مملكة. وكان من عز فيها بزّ صاحبه. فكانت قريش تتخفر فيها ببني آكل المرار، وسائر الناس يتخفرون بآل مسروق بن وائل من كندة.

وتقوم سوق نطاة بخيبر وسوق حجر باليمامة يوم عاشوراء إلى آخر المحرم. وأشهر الأسواق المتقدمة وأعرفها "سوق عكاظ"، وهي سوق تجارة وسوق سياسة وسوق أدب، فيها كان يخطب كل خطيب مصقع،وفيها علقت القصائد السبع الشهيرة افتخاراً بفصاحتها على من يحضر الموسم من شعراء القبائل على ما يذكره بعض أهل الأخبار. وكان يأتيها قريش وهوازن وسليم والأحابيش وعقيل والمصطلق وطوائف من العرب. وكانت تقوم للنصف من ذي القعدة إلى آخر الشهر. ولم تكن فيها عشور ولا خفارة. وكان بيعهم السرار: إذا وجب البيع

وعند التاجر فيها إلف ممن يريد الشراء ولا يريده أشركه في الربح.

وذكر إن عكاظ نخل في واد بينه وبين الطائف ليلة، وبينه وبين مكة ثلاث ليال، وبه كانت تّقام سوق العرب. وقيل: عكاظ ماء ما بين نخلة والطائف إلى بلد يقال له الفنق، كانت موسماً من مواسم الجاهلية. تقوم هلال ذي القعدة وتستمر عشرين يوماً. وكانت تجتمع فيها قبائل العرب فيتعاكظون،أي يتفاخرون ويتناشدون ما احدثوا من الشعر، يقيمون على ذلك شهراً، يتبايعون ثم يتفرقون. فلما جاء الإسلام هدم ذلك.

وذهب فريق من أهل الأخبار إلى أن انعقاد سوق عكاظ إنما كان يقوم بهلال شهر ذي القعدة ويستمر لمدة عشرين يوماً. وهم يخطئون رأي من يذهب إلى أن انعقاد السوق كان في شهر شوّال،وحجتهم أن انعقاد السوق كان في الأشهر الحرم، ليراعي الناس حرمة تلك الأيام فلا يعتدون على من يقصد أسوق،وشهر شوال لا يدخل في جملة الأشهر الحرم، لذلك فلا يمكن أن يكون انعقاد السوق فيه. ويستدلون بدليل آخر، هو تقاتل بعض العرب في أيام عكاظ، ونظراً لوقوع ذلك القتال في شهر حرام، أطلقوا على تلك الأيام، أيام الفجار، وهي أربعة أيام: يوم شمطه،ويوم العبلاء،ويوم الحريرة،ويوم شرب، وهذه الأسماء هي أسماء أماكن في عكاظ. وما كان العرب ليطلقوا على تلك الأيام أيام الفجار لو لم تكن قد وقعت في أيام حرم.

وجاء في بعض الأخبار إن أشراف العرب كانوا يتوافون بتلك الأسواق مع التجار من أجل إن الملوك كانوا يرضخون للأشراف، لكل شريف بسهم من الأرباح. فكان شريف كل بلد يحضر سوق بلده، إلا عكاظ، فإنهم كانوا يتوافون بها من كل أوب. فسوق عكاظ، اذن سوق حرة، لا عشور فيها ولا خفارة. وهي تختلف بذلك عن بقية الأسواق التي كان يعشرها الملوك، إذا كانت في حكم "ملك"، أو في حكم الأمراء وسادات القبائل، على أن يؤدوا سهماً من الأرباح المتجمعة من العشور والخفارات إلى أشراف العرب، أي سادات القبائل الذين تقام تلك الأسواق في أرضهم. فأشراف "تميم" وإن اشرفوا على هذه السوق، وحكموا بها، ونظموا أمورها، إلا انهم لم يكونوا يجبون شيئاً من التجار. ولعل ذلك كان بتأثير قريش عليهم ط، فقد كان رجال مكة هم المستأثرون الأثيرون في عكاظ. وكانوا يشجعون العرب على حضورها، لما لهم فيها من منافع اقتصادية،وقد كان لهم أنفسهم إشراف على نواح من أمور السوق. ويظهر انه لأجل تشجيع القبائل على حضور "عكاظ" وجمع أكثر مَن ممكن جمعه منِ التجار، اتفقوا مع سادات تميم، ولا سيما مع "بني دارم" على آن يتركوا السوق حرة، ليقصدها أي تاجر، فلا يكلف احد منهم بكلفة العشور والخفارة،ولا يهان أو يعتدى عليه، وهو بالطبع في شهر حرام، ليضمنوا بذلك حضور أكبر عدد ممكن من الناس، وليضمنوا مجيئهم بعد ذلك إلى مكة، وقد كانوا يسعون جهد طاقتهم لجلب العرب إليها من الأماكن البعيدة، ليستفيدوا منهم في موسم الحج، وليكوّنوا معهم صلات طيبة، وعلاقات وثيقة تؤمن لهم ولقوافلهم ولتجارتهم حق المرور بأمن وسلام، وتقديم كل ما يحتاج اليه رجال القوافل من ماء وطعام ومأوى وحماية.

ويعرض للبيع وللشراء في سوق عكاظ وفي الأسواق الآخرى كل أنواع البضاعات، من أدم ومن حبوب وأقمشة إلى بضاعة حية ناطقة هي الحيوان، أو الإنسان، حيث يعرض الرقيق في السوق. وقد كان شراء "خديجة" زوجة الرسول ل "زيد بن حارثة" من سوق عكاظ. وقد اشتهرت سوق عكاظ بأديمها حتى عرف بين تجار الأديم ب "الأديم العكاظي" مع أنه لم يكن من حاصل عكاظ، بل كان يورد إلى السوق من مختلف الأنحاء.

وذكر بعض أهل الأخبار أن "سوق عكاظ" موسم عظيم من المواسم،وقّد اتخذت سوقاً بعد عام الفيل بخمس عشرة سنة. وهي من أعظم أسواق العرب على الاطلاق في الجاهلية وفي الإسلام. ثم تضاءل شأنها وخربت بعد سنة "129" للهجرة، عندما ظهر الخوارج الحرورية مع المختار بن عوف في مكة، فنهبت هذه السوق، وخاف الناس على أنفسهم من الذهاب إليها، فتركت.

ولو أخذنا بهذه الرواية، نكون قد جعلنا مبدأ هذا السوق سنة "585" أو "586" للميلاد تقريباً. أي إن تأريخ سوق عكاظ لم يكن بعيد عهد كل عن الإسلام. فهو قبله بنحو قرن. وقد أقيمت وعمر الرسول آنذاك "5ا" عاماً.

ويذهب الناس بعد سوق عكاظ إلى سوق أخرى، هي سوق مجنة، فيقيمون بها عشرة أيام. فإذا رأوا هلال ذي الحجة في نهاية هذه الأيام العشرة قصدوا ذا المجاز، وهي سوق جاهلية، فيقيمون فيها ثمانية أيام يبيعون ويشترون، ثم يخرجون يوم الرّوية من ذي المجاز إلى عرفة، فيأخذون ذلك اليوم من الماء ما يرويهم من ذي المجاز. وقد سمي هذا اليوم باسم يوم التروية لترويهم من الماء بذي المجاز، حيث كان ينادي بعضهم على البعض الآخر أن يترووا من الماء لأنه لا يوجد ماء بعرفة. كذلك لا يوجد ماء بالمزدلفة يومئذ. ويعتبر يوم التروية نهاية أسواقهم. وكان العرب لا يتبايعون في يوم عرفة ولا في أيام منى. فلما جاء الإسلام أحل لهم ذلك.

وذكر إن "ذا المجاز" موضع بمنى، وذكر انه سوق كانت في الجاهلية على فرسخ من عرفة، بناحية كبكب ، سمي به لأن إجازة الحج كانت به. و "كبكب"، جبل بعرفات خلف ظهر الإمام إذا وقف، وقيل هو ثنية.

ويذكر علماء التفسير إن متجر الناس في الجاهلية كان سوق عكاظ وذو المجاز،فلما جاء الإسلام تركوا ذلك.. وكانوا لا يتجرون في أيام الحج، فكانوا لا يبيعون أو يبتاعون في الجاهلية بعرفه، ويبتاعون ويبيعون قبل وبعد أيام الحج، اذ كانوا يتأثمون من الاتجار في أيام الحج.

وقد كان الحج من أكبر مواسم الربح لقريش،تبيع قريش ما عندها للأعراب القادمين إليها من البادية ولأهل القرى البعيدة عن مكة، وتشتري منهم ما يحملونه منهم من مواد وسلع، ثم تقوم قوافلهم بنقل الفائض مما اشترته إلى الأسواق الخارجية في بلاد الشام أو العراق، وتشتري في مقابل ذلك ما يحتاج اليه الحجاز وأعراب البادية من سلع ومواد.

ومكة في مواسم الحج وفي المناسبات الآخرى سوق تجارية مهمة، لا تقل شأناً في الواقع عن الأسواق الآخرى. وقد تمكن أهلها النشطون في جمع المال من اكتناز الأموال ومن استثمار ما يحصلون عليه من أرباح حتى صاروا من أغنى الناس في الحجاز.

ويظهر من روايات أهل الأخبار إن حظ المفاخرة والمباهاة والتمدح والذم، لم يكن بأقل من حظ البيع والشراء في سوق عكاظ. فقد كان الشعراء يعرضون أجود وأحدث ما عندهم من شعر على الحاضرين. وكان كثر من هؤلاء الحاضرين إنما يفدون إليها للوقوف على أحدث ما يقال من صنوف الشعر، وهو صنف رائج أكثر من رواج النثر بالطبع، لما فيه من ايقاع وموسيقى ووزن وسهولة في الحفظ وأثر في النفس، لذلك كان للشاعر في هذه السوق مكانة تزيد كثيرا على مكانة التاجر فيها، لما لشعره من أثر في الحياة العامة لمجتمع ذلك اليوم.

ويقال إن الشاعر الشهير "النابغة الذبياني"،كان يحضر سوق عكاظ، فتضرب له قبة من أدم، يجلس تحتها، فيفد اليه من الشعراء من يريد أن يفتخر بشعره على غيره، لينشد أمامه شعره، فيحكم على شعره برأيه، لما لرأيه من أثر في الناس. وكان الشاعران الأعشى وحسان بن ثابت ممن احتكما اليه وكذلك الشاعرة الخنساء.

ومن حضر عكاظ الخطيب الجاهلي الشهير "قس بن ساعدة الايادي" "شيشرون" العرب، وعمرو بن كلثوم التغلبي،الشاعر المعروف. ويذكر أهل الأخبار إن الرسول رأى "قس بن ساعدة الأيادي" يخطب في هذه السوق، وقد قصد الرسول سوق عكاظ وسوق مجنة وذي المجاز، يدعو من كان يحضر المواسم إلى دين الله. وقيل انه مكث سبع سنين يتبع الناس في مواسمهم في سوق عكاظ، وكان في من كلمهم ودعاهم إلى الإسلام "بنو عامر بن صعصعة".

وحال الأسواق الآخرى مثل حال سوق عكاظ من حيث ورود الشعراء إليها لعرض ما عندهم من شعر جديد. والظاهر إن قرب سوق عكاظ من مكة، وورود الحجاج إليها قبل البدء بالحج، ثم ورود اسمها في أخبار الرسول،ولكونها سوق مكة وتجار قريش، ووقوعها في أرض يتكلم أهلها باللغة التي نزل بها الوحي، هذه الأسباب وغيرها هي التي خلّدت اسم هذه السوق، وربطت بينها وبين الشعر والنثر، أكثر من الأسواق الآخرى التي كانت بعيدة عن مكة، وبعيدة لذلك عن ذاكرة أهل الأخبار،هذا وان للباحثين في موضع سوق عكاظ آراء متباينة فيه. ولا زالت هذه الآراء متباينة فيه حتى اليوم.

هذا، وقد كان موضع عكاظ في الأصل مكاناً مقدساً على ما يظهر من أخبار أهل الأخبار. فقد ذكروا أن العرب كانت تطوف بصخور كانت هناك ويحجون إليها، وكانوا يذبحون وينحرون إلى تلك الأصنام والأنصاب. حتى تلطخت تلك الأنصاب والأرض التي تحيط بها بدماء البدن. ويظهر أن أهمية ذلك المكان الدينية كانت قد قلت بالتدريج، إذ غطت قدسية مكة عليه. ولما جاء الإسلام، وأزال الأنصاب والأصنام ذهبت كل أهمية لمحجة عكاظ واختفت أهمية السوق معه حتى ماتت على نحو ما ذكرت.

ويتقدم سادات الناس في مثل هذه المناسبات إلى آلهتم بإطعام الفقراء واضافة الناس. وكان "خويلد بن فضيل بن عمرو بن كلاب" المعروف ب "الصعق"، لأن صاعقة نزلت عليه فأحرقته، ممن يطعم بعكاظ. وكان من سادات قومه. ويترك هذا الكرم أثراً في نفوس من يحضر السوق، ويكون سبباً للحصول على ثناء ومديح الشعراء على أولئك الكرماء.

والظاهر من روايات أهل الأخبار عن هذه الأسواق، انها كانت كلها في الأصل، مواضع مقدسة، لها أصنام تعبدها القبائل وتأتي للتقرب إليها في مواسم معينة، هي مواسم حجها، فتتحول تلك المواسم إلى أسواق للبيع والشراء. فقد ذكروا إن "بني وبرة"، كانوا يفدون إلى "دومة الجندل" للتقرب إلى "ودّ"، وكان سدنته من "بني الفرافصة بن كلب"، وأن "بني عبد القيس " كانوا يتقربون إلى صنم لهم اسمه "ذو اللّب"، وكان بالمشقر، وسدنته "بنو عامر" ويجب ألا ننظر إلى هذه الأسواق نظرتنا إلى السوق بالمعنى المفهوم من اللفظة في الوقت الحاضر. فقد كانت أسواق الجاهلية أوسع مجالاً من ذلك بكثير. كانت مجامع لأهل اللسان من شعراء ومن خطباء، من مرموقين معروفين ومن مغمورين طلاب شهرة، قصدوا هذه الأسواق للحصول على اسم وسمعة، كما هو شأن سوق عكاظ. كما كانت مجتمعات تعقد فيها العقود والمعاهدات والاتفاقات القبلية والعائلية، ومواضع يعلن فيها عن التبني وعن الخلع، أي خلع الأفراد، لجرائم يرتكبونها، وهي ساحات محاكم، يجلس فيها المتخاصمون للاستماع إلى قرار حاكم مهاب محترم، اتفقوا على تحكيمه في نزاعهم. وقد كانت الحكومة في هذه السوق إلى "بني تميم"، وكان آخر من حكم منهم فيها: الأقرع بن حابس التميمي.

ويروي اهل الأخبار أن فرسان العرب كانوا إذا حضروا موسم عكاظ تقنعوا إِلا "أبا سليط" "طرفة بن تميم"، فارس عمرو بن تميم في الجاهلية، فإنه كان لا يتقنع ولا يبالي أن تقع عيون الفرسان عليه، وذلك اعتماداً على نفسه وازدراءً لشأن أعدائه ومن يريد إلحاق الأذى به. وقد كانت سوق عكاظ وبقية الأسواق، من أهم المواضع التي تجلب أنظار الفرسان إليها، إذ كان الكثير منهم يتصيدون فرص الأخذ بالثأر، بعد انفضاض موسم السوق، أو الحصول على غنائم بمهاجمة التجار ومن يحمل تجارة دسمة أو حمولة ثمينة، ولهذا كان لا بد للفرسان ومن يريد الحصول على مغنم أو تنفيذ مأرب ما من التحفظ والاحتراز حذر انكشاف أمره، فيكون عرضة للغدر.

وإذا وقعت في هذه الأسواق خصومات في مثل اختلاف في سعر أو اختلاف في تجارة، فهناك حكام يلجأ المتخاصمون اليهم للنظر في خصوماتهم وللنظر في كل خصومات أخرى قد تقع على الحاضرين. فيقوم هؤلاء الحكام بفض ذلك النزاع. وقد اشتهر سادات بني تميم بالنظر في الخصومات التي تقع في الأسواق القريبة منهم أو التي تقع قي ديارهم، وكان من أواخر حكامهم "الأقرع بن حابس".

سوق عكاظ في الإسلام

كانت سوق عكاظ عامرة مقصودة في الجاهلية، "فلما جاء الإسلام هدم ذلك". وورد في كتب الحديث: "عن ابن عباس، رضي الله عنهما، قال: كانت عكاظ، ومجنة،وذو المجاز، أسواقاً في الجاهلية، فلما كان الإسلام تأثموا من التجارة فيها، فأنزل الله: ليس عليكم جناح في مواسم الحج. قرأ ابن عباس كذا". وورد في تفسير الطبري: "قال ابن عباس: كانت ذو المجاز وعكاظ متجر الناس في الجاهلية، فلما جاء الإسلام تركوا ذلك حتى نزلت ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم في مواسم الحج". وورد: "كانوا يحجون ولا يتجرون، فأنزل الله: ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم". وتفسير ذلك كما جاء في كتب التفسير والحديث، وكما سبق أن تحدثت عنه ذلك في الجزء الخاص بالحياة الدينية عند أهل الجاهلية، إن الجاهليين كانوا يتأثمون من الاتجار في الحج، فلا يحجون ولا يتجرون، وتكون تجارتهم في الأسواق المذكورة قبل الحج، أو في مكة بعد الحج، وبقوا على ذلك حتى رفع عنهم الحرج بنزول الوحي: )ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم( فرخص لهم في المتجر والركوب والزاد، وأحل الله لهم الاتجار في الحج ،فصاروا يتبايعون بمكة، فأثر ذلك على الأسواق المذكورة. وكان تحديد مواقيت الحج، وانتشار الإسلام،ومنع التعرض والتحرش بالناس طيلة أيام السنة، في جملة العوامل التي قلت من أهمية تلك الأسواق، فلم يعد الحجاج في حاجة إلى الذهاب قوافل إليها، استغلالاً لحرمة الأشهر، بل صاروا يتجهون إلى المواقيت المعينة للحج رأساً، فيتجرون بمكة ويعودون إلى ديارهم، فقلت بذلك أهمية تلك الأسواق حتى ماتت.

وسبب آخر، هو في نظري أهم من كلّ ما ذكرت. هو إن هجرة الرسول إلى يثرب، وإنتصار الإسلام على مكة، ثم وفاته بيثرب، واتخاذ الخلفاء الثلاثة الأول إياها قاعدة لهم ولبيت مال المسلمين، ثم خروج سادات مكة إليها في حياة الرسول، وانتقالهم إلى الأمصار المفتوحة لأدارتها سياسياً وعسكرياً،او للاشتغال بها بالزراعة والتجارة وبالأعمال الآخرى المربحة،كل هذه العوامل وأمثالها جعلت مكة في الدرجة الثانية بعد "يثرب"، حتى أن من بقي بالمدينة من الصحابة ولم يغادرها كما غادرها غيرهم إلى الأمصار المفتوحة، وجدوا إن من أدب الصحبة ملازمة قبر الرسول، والثوى بها في الحياة وفي الممات، ولم يقيموا بمكة إلا فترات، لحج أو لزيارة، فأثر ذلك على وضعها المالي، وأزال مكانها القديم في التجارة، فتغير بذلك كل شيء.

الفصل الخامس بعد المئة

البيع والشراء

أنواع للبيع

وقد تعرض أهل الأخبار لبعض أنواع البيع وطرقها التي كان يستعملها الجاهليون، وهي لا تختلف في طبيعتها عن طبيعة ما يسمى ب "الحظ والنصيب" في العهد الحاضر. ونظراً إلى ما قد كانت تسببه هذه الأنواع من خصومات ومنازعات بين المشتري وبين البائع، من بيعهم شيئاً مجهولاً غير معلوم، والى ما في كثير من هذه البيوع من غرر، نهى الإسلام عنها، وجاء ذكرها لذلك في كتب الحديث و الفقه.

والبيع والشراء، إما أن يكونا بشروط، يشترطهما أحدهما أو كلاهما عند عقد الصفقة، ويتم التوافق والتعاقد عليهما برضى البائع والمشتري، أي الطرفين، وإما ألا يكونا بشروط. فإذا اشترط المشتري على البائع شرط حق إرجاع السلعة اليه،إن وجد فيها شيئاً مخالفاً للوصف، ورضي البائع بذلك، فللمشتري حق إرجاع السلعة اليه في حدود معقولة، وقد يعين زمن ذلك الحق وهو ما يحدث في الغالب.

ومن جملة طرق البيع "بيع الحصاة". وهو بيع ذكر أهل الأخبار أنه كان متبعاً في سوق "دومة الجندل" المنعقدة في أول يوم من شهر ربيع الأول. وقد ذكروا أن هذه المبايعة من بيوع الجاهلية التي أبطلها الإسلام. وتفسير ذلك أن يقول أحد المتبايعين للآخر: إرم هذه الحصاة، فعلى أي ثوب وقعت فهو لك بدرهم، أو أن يبيع أحد المتبايعين من أرضه قدر ما انتهت اليه رمية الحصاة،او أن يقبض على كف من حصى ويقول: لي بعدد ما خرج في القبضة من الشيء المبيع، أو يبيعه سلعة ويقبض، على كف من الحصى ويقول: لي بكل حصاة درهم، أو أن يمسك أحدهما حصاة في يده، ويقول: أي وقت سقطت الحصاة وجب البيع، أو أن يتبايعا ويقول أحدهما: إذا نبذت اليك الحصاة فقد وجب البيع،أو أن يعترض القطيع من الغنم فيأخذ الحصاة ويقول: أي شاة أصابتها فهي لك بكذا ، أو هو أن يقول بعتك من السلع ما تقع عليه حصاتك إذا رميت بها ،أو بعتك من الأرض إلى حيث تنتهي حصاتك. أو أي ثوب من هذه وقعت الحصاة التي أرمي بها فهو لي بكذا، فيقول البائع: نعم.فيقع البيع لوجود شروط الايجاب والقبول.

ومن طرق البيع بيع الملامسة، والمراد بالملامسة المس باليد، وأن يجعل عقد البيع لمس المبيع. وذكر أن بيع الملامسة: أن تشتري المتاع بأن تلمسه ولا تنظر اليه. وذلك كأن يقول: "لمَسْمتَ ثوبي أو لمستُ ثوبك أو إذا لمست المبيع، فقد وجب البيع بيننا بكذا وكذا، ويقال هو أن يلمس المتاع كل من وراء الثوب ولا ينظر اليه،ثم يوقع البيع عليه" و " قيل: معناه أن يجعل اللمسَ باليد قاطعاً للخيار".

وقيل هو أن يأتي البائع بثوب مطوي ثم يطلب من المشتري أن يلمسه، ثم يقول له: "بعتك إياه بثمن كذا بشرط أن يقوم لمسك مقام نظرك". أو أن يقول له: "إذا لمست هذا الشيء فهو لك ": فيكون اللمس نهاية خيار المشتري. وهو محل بذلك محل النظر إلى الشيء الذي سيباع وتدقيقه وتمحيصه للوقوف على مقدار جودته أو بما فيه من عيوب. فهو بيع شرطه اللمس ولا خيار فيه. ومن بيع الملامسة، أن يقول الرجل للرجل: أبيعك ثوبي بثوبك ولا ينظر واحد منهما إلى ثوب الآخر، ولكن يلمسه لمساً.

واختلف الفقهاء في تفسير الملامسة على ثلاث صور: إحداها أن يكتفي باللمس عن النظر ولا خيار له بعده، بأن يلمس ثوباً لم يره ثم يشتريه على أن لا خيار، له إذا رآه. الثانية، أن يجعل اللمس بيعاً، بأن يقول: إذا لمسته، فقد بعتكه، اكتفاءً بلمسه عن الصيغة. الثالثة، أن يبيعه شيئاً على انه متى لمسه لزم البيع وانقطع خيار المجلس وغيره اكتفاء بلمسه عن الالزام بتفرق أو تخاير. وبطلان المبيع المستفاد من النهي، لعدم رؤية المبيع، واشتراط نفي الخيار في الأولى ونفي الصيغة في عقد البيع في الثانية، وشرط نفي الخيار في الثالثة.

ومن البيوع، بيع المنابذة. وهو أن يجعلا النبذ بيعاً. وهو أن تقول لصاحبك: انبذ إلي الثوب أو غيره من المتاع، أو انبذه اليك، وقد وجب البيع بكذا وكذا. أو هو أن ترمي اليه بالثوب ويرمي إليك بمثله. وهو أن يجعلا النبذ بيعاً بغير صيغة، أو أن يجعلا النبذ قاطعاً للخيار. ويقال له بيع الإلقاء. وقيل هو أن تقول: إذا نبذت الحصاة اليك، فقد وجب البيع، أو أن ينبذ الرجل إلى الرحل بثوبه، وينبذ الآخر اليه ثوبه، ويكون ذلك بيعهما من غير نظر ولا تراضٍ. فيكون النبذ وحده هو البيع و "النجش"، أن يبيع الإنسان بياعة فتساومه بثمن كثير لينظر إليك ناظر فيقع فيها، وكذلك في الأشياء كلها. وقيل: النجش في البيع أن يزيد الرجل ثمن السلعة وهو لا يريد شراءها، ولكن ليسمعه غيره فيزيد بزيادته. وقيل أن تمدح سلعة غيرك ليبيعها، أو أن تنفر الناس عن الشيء إلى غيره. والغاية من كل ذلك هو غش المشتري وجرّ النفع. لذلك نهي في الإسلام عنه. و"التناجش" في البيع المنهى عنه، هو التزايد في البيع وغيره. وأن يقول الرجل للرجل بيعُ فيقول نظر، أي انظرني حتى اشتري منك. والنجش في الشرع، أن يزيد في ثمن السلعة من غير رغبة ليوقع غيره فيها. فهو بيع غش وخداع.

ويقال للنجش الفلح. قالوا، الفلح النجش في البيع،وذلك أن يطمئن اليك، فيقول لك بع لي عبداً أو متاعاً أو اشتره لي، فتأتي التجار فتشتريه بالغلاء وتبيع بالوكس وتصيب من التاجر، وهو الفلاح. وذكر انه زيادة المشتري ليزيد غيره فيغريه.

ومن طرق البيع أيضاً: البيع ناجزاً بناجز. أي يداً بيد. ومن بيوعهم قول أحدهم بعتك هذا الثوب نقداً بدينار ونسيئة بدينارين، وقد ورد في الحديث: لا يجوز شرطان في بيع، أي مثل هذا البيع.

والبيعُ مُزابنة،وهو بيع التمر في رؤوس النخل بالتمر. وبيع الرطب في رؤوس النخل بالتمر. أو بيع كل ثمر على شجرة بتمر كيلاً. أو بيع التمر على رؤوس النخل بالذهب والفضة. وقد نهي عنه في الإسلام،إلا إذا انضج ولا يباع منه إلا بالدرهم والدينار. وذلك لأنه بيع مجازفة، ولما يقع فيه من الغبن والجهالة. وروي عن الإمام "مالك" انه قال: المزابنة كل جزاف لا يعرف كيله ولا عدده ولا وزنه بيع بمسمى من مكيل وموزون ومعداد. أو هي بيع معلوم بمجهول من جنسه أو بيع مجهول بمجهول من جنسه، أو هي بيع المغابنة في الجنس الذي لا يجوز فيه الغبن، لأن البيعين إذا وقفا فيه على الغبن، أراد المغبون إن يفسخ البيع،واراد الغابن أن يمضيه، فتزابنا فتخاصما فتدافعا. وتكون المزابنة في النخل غالباً. وذكر إن سبب ورود النهي عن هذا البيع، هو انه يؤدي إلى ربا الفضل، إذ الجهل بالمماثلة كحقيقة المفاضلة من حيث انه لم يتحقق فيها المساواة المشروطة في الربوى بجنسه.

وكان هذا البيع معروفاً عندهم. وذلك إن يبيع رجل ثمر نخله بتمر كيلاً أو بغير كيل، أو أن يبيع كرمه بزبيب، فورد النهي عنه في الإسلام، وإنما نهى عن ذلك لجهل المبيع. واعتبر هذا البيع نوعاً من أنواع الربا.

ومن البيوع الجاهلية: المخاضرة، بيع الثمار خضراً قيل أن يبدو صلاحها. ويدخل فيه بيع الرطاب والبقول وأشباهها على قول بعض. سُميّ مخاضرة لأن المتبايعين تبايعا شيئاً أخضر بينهما، مأخوذ من الخضرة.

وقد نهي عن "المعاومة" في الإسلام. وهي بيع النخل معاومة. وأن تبيع زرع عاملك بما يخرج من قابل. أو أن تبيع ثمر النخل أو الكرم أو الشجر سنتين أو ثلاثاً فما فوق. فهو بيع السنين، ولما فيه من غرر ومن بيع لمجهول، لم يصح هذا البيع في الإسلام.

و "الطني": شراء الشجر، او بيع ثمر النخل خاصة. ونهى في الإسلام عن بيع صبرة التمر المجهولة القدر، أي بيع المبيع بالكومة، ولا يعلم مكيلته بالكيل.

ومن ذلك أيضاً البيع المعروف ب "المجر"، وهو من بياعات الجاهلية. والمجر بيع ما في بطون الحوامل من الإبل والغنم، وهو إن يباع الشيء.بما في بطن الناقة، وأن يباع البعير أو غيره بما في بطن الناقة، ولا يقال لما في البطن مجراً إلا إذا ثقلت الحامل. فالمجر اسم للحمل الذي في بطن الناقة، وحمل الذي في بطنها.

ونهى الإسلام عن بيع "حبل الحبلة"، وهو بيع نتاج النتاج،وبيع الأجل، فكان الرجل في الجاهلية يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة ثم تنتج التي في بطنها، أو بيع حبل الكرم قبل أن يبلغ، ومنه بيع الملاقيح والمضامين. والملاقيح ما في البطون من الأجنة والمضامين ما في أصلاب الفحول، وكانوا يبيعون الجنين في بطن الناقة وما يضربه الفحل في عام أو أعوام. وسبب النهي عنه انه من بيوع الغرر، وهو بيع مجهول.

ومن بيوع أهل الجاهلية: "الغَدَوى"،وذلك أن تبيع الشاة بنتاج ما نزا به الكبش ذلك العام. وقيل كل ما في بطون الحوامل، وقوم يجعلونه في الشاة خاصة. أو هو أن يباع البعير أو غيره بما يضرب الفحل، أو أن تباع الشاة بما نزا به الكبش. وكان الرجل منهم يشتري بالجمل أو العنز أو الدراهم ما في بطون الحوامل.

وأما بيع "الغذى"،فهو كالسابق أن يباع بنتاج ما نزا به الكبش. وقيل بل يكون الغذى من الإبل والبقر والغنم. وأظن أن "الغدى" و "الغذى" شيء واحد. وقد أخطأ بعض النساخ في حرفي الدال أو الذال، فصارت الكلمة كلمتان.

وقد نهي في الحديث عن بيع الملاقيح والمضامين. روي عن سعيد بن المسيب أنه قال: "لا ربا في الحيوان،وإنما نهي عن الحيوان عن ثلاث، عن المضامين والملاقيح وحبل الحبلة " فالملاقيح ما في ظهور الجمال، والمضامين ما في بطون الإناث. وورد العكس، اًي الملاقيح ما في بطون الإناث،والمضامين ما في أصلاب الجمال. وكانوا يتبايعون أولاد الشاة في بطون الأمهات وأصلاب الآباء. و "الرجع" أن تباع الذكور ويشترى بثمنها الإناث. وقيل بيع الإبل بعد الارتجاع منها. و"الرجعة: إبل تشتريها الأعراب ليست من نتاجهم وليست عليها سماتهم". و"الراجعة: الناقة تباع ويشترى بثمنها مثلها". والرًّجِيعة بعير ارتجعته، أي اشتريته من أجلاب الناس، ليس هو من البلد الذي هو به. وكانوا يربحون من بيع الذكور وشراء الإناث بثمنها، لنأ الإناث تلد، فيكثر عندهم المال. "قيل لقوم من العرب بمَ كثرت أموالكم ? فقالوا: أوصانا أبونا بالنجع والرجع". فالنجع: طلب الكلأ، والرجع أن تباع الذكور ويشترى بثمنها الإناث. وبذلك يكثرون أموالهم.

وتدخل في البيوعات الجاهلية بيع الرجل ما ليس عنده، وهو يتضمن نوعاً من الغرر، فإنه إذا باعه شيئا معيناً وليس في ملكه ثم مضى ليشتريه ويسلمه له كان متردداً بين الحصول وعدمه، فكان غرراً يشبه القمار فنهى الإسلام عنه. وبيع المعدوم لا يدري يحصل أو لا يحصل ولا ثقة لبائعه بحصوله بل يكون المشتري منه على خطر، فإن البائع إذا باع ما ليس في ملكه ولا له قدرة على تسليمه ليذهب ويحصله ويسلمه إلى المشتري كان ذلك شبيهاً بالقمار والمخاطرة من غير حاجة بهما إلى هذا العقد ولا تتوقف مصلحتهما عليه، لهذا منع الشارع بيعه، لا لكونه معدوماً بل لكونه غرراً.

وقد نهى الإسلام عن بيع الرجل على بيع أخيه وسومه على سومه. فورد إن الرسول نهى عن أن يستام الرجل على سوم أخيه. وكان أهل الجاهلية يستامون بعضهم على بعض بما في ذلك استيام الأخوة، فنهى عنه، لما قد يحدث هذا الاستيام من فرقة واختلاف بين الأخوة.

ونهى الإسلام عن التلقي للركبان، أي عن تلقي البيوع والسلع حتى تبلغ الأسواق. وقد ورد في الحديث: "لا تلقوا الجلب، فمن تلقاّه فاشترى منه، فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار". وذلك لأن من تلقاهم يكذب في سعر البلد ويشتري بأقل من ثمن المثل وهو تغريرا. وقد نهى عن بيع الحاضر للبادي. وذلك بأن يكون له سمساراً ليكسب منه، أو أن يطلب الحاضر من البادي أن يترك متاعه عنده حتى يبيعه بسعر أغلى، وذلك لما في هذا البيع من تغرير ومن ضرر يصيب الناس.

ونهى الإسلام عن بيوع أخرى من بيوع الجاهلية، منها بيع "الغرر"، ويراد به البيوع التي لا يحيط بكنهها المتبايعان،وهو بيع المخاطرة وهو الجهل بالثمن أو المثمن أو سلامته أو أجله، ومن ذلك بيع العبد الآبق الذي لا يقدر على تسليمه والفرس الشارد والطير في الهواء، وبيع السمك في الماء، وكبيع ضربة الغائص وما تحمل شجرته أو ناقته وما يرضى له به أو يهبه له أو يورثه إياه ونحو ذلك مما لا يعلم حصوله أو لا يقدر على تسليمه أو لا يعرف حقيقة مقداره، فهو بيع شيء مجهول. وقد كانت من البيوع الشائعة بين الجاهليين تفنّناً في الغش، وفي الكسب من أي طريق كان.

وقد عرفوا بيعة الغائص، بأن يقول الغائص في البحر للتاجر: أغوص غوصة،فما أخرجت فهو لك بكذا، فيتفقان على ذلك. وقد نهي عنه لأنه غرر. ومن البيوع الجاهلية: "الجس"، وهو بيع عُرِف بسوق صنعاء. فإذا تعاقد شخصان على سلعة، ووافقا على البيع، جس أحدهما يد الآخر،علامة على صحة البيع.

ومنها: "السرار". فإذا وجب البيع وعند التاجر إلف ممن يريد الشراء ولا يريده، اشركه في الربح.

وهناك نوع من البيوع يقال له "الجزاف"،وهو أخذ الشيء بالحدس بلا كيل ولا وزن ولا عدد.

وقد عرف "بيع المزايدة" عند الجاهلين كذلك. وهو أن يعرض ما يراد بيعه للبيع فيتزايد من يريد شراءه على ثمنه، حتى يقف على آخر من يقدم أكثر سعر له.

ومن البيوع بيع "العينة"، أن يشتري التاجر بحضرة طالب العينة سلعة من آخر بثمن معلوم ويقبضه ثم يبيعها من طالب العينة بثمن أكثر مما اشتراه إلى أجل مسمى، ثم يبيعها المشتري من البائع الأول بالنقد بأقل من الثمن الذي اشتراها به، فهذه عينة. وسميت عينة لحصول النقد لطالب العينة. وذكر إن العينة، إذا باع التاجر من رجل سلعته بثمن معلوم إلى أجل معلوم، ثم اشتراها منه بأقل من ذلك الثمن الذي باعها به. وللفقهاء كلام في هذا البيع. وقد كانوا يربحون من "العينة"، قال"ا عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وكان من سادة قريش: "أُغد غداً الى السوق، فخذ لي عينة"، فغدا ابنه فتعين من السوق عينة لأبيه، ثم باعها، فأقام اياماً، ما يبيع في السوق طعاماً ولا زيتاً غير ابنه من تلك العينة. وربح منها ربحاً طيباً.

وقد كان في جملة البيوع التي نهى عنها الرسول، حاضر لباد، والبادي هو الذي يكون في البادية، مسكنه المضارب والخيام، والحاضر ساكن الحضر، وصورة البيع للبادي أن يقدم غريب من البادية بمتاع ليبيعه بسعر يومه، فيقول له البلدي: اتركه عندي، لأبيعه لك على التدريج بأغلى منه. أو أن تشتري السلع من الأعراب الوافدين على القرى وهم في طريقهم إلى االسوق وأماكن البيع بأثمان بخسة ، ثم عرضها في السوق واغلاء أثمانها فيها،أو تشرى السلع منهم، وهي في السوق وعرضها مرة أخرى للبيع، لكسب الفرق بين السعرين، وقد نهى الإسلام عن هذا البيع، لما فيه من احتكار واضرار بالمصلحة العامة،ليكتسب بذلك نفر محدود من الناس. وللفقهاء في هذا البيع كلام وآراء.

وقد كان الناس يلجأون إلى أساليب غير حميدة من أساليب التلاعب بالأسعار، وغش المشترين والتحايل بالبيع، كأن يأتي البائع بجماعة من أصحابه يتظاهرون بالشراء وبالتكالب على السلعة لرفع السعر، حتى يدقع الحاضرين على رفع السعر، فيرسو البيع عليهم. وبذلك يغش البائع المشتري. وهو بيع نهي عنه في الإسلام.

ومن البيوع التي تتضمن الغش والخداع بيع التصرية. وكان من عادة العرب إذا أرادوا بيع شاة أو ناقة تركوا أياماً لا يحلبونها، فيبقى اللبن في ضرعها، فيكبر، فيعرضها البائع للبيع، ويظن المشتري إن كبر ضرعها ووجود اللبن بغزارة فيه، هو بسبب إن تلك الشاة أو الناقة حلوبة، فيشتريها، فيغش. ونظراً إلى ما في هذا البيع من غش وخداع نهى عنه في الإسلام، وجعل خيار البيع ثلاثة أيام، فإن ردها ردّ معها صاعاً من تمر، وإن شاء أمسكها. ويقال لهذا البيع أيضاً بيع المصراة.

وقد يشتري الشركاء سلعة رخيصة، ثم يتزايدون بينهم حتى يبلغوا غاية ثمنها، فيشتريها من يرسو الثمن عليه، ويأخذها. ويقال لذلك: "التقاوي". ولم ير الإسلام بأساً بذلك. وفي حديث ابن سيرين لم يكن يرى بأساً بالشركاء يتقاوون المتاع بينهم فينمى ويزيد.

ومن البيوع التي نهي عنها في الإسلام "الإعراب". أن يقول الرجل للرجل: إن لم آخذ هذا البيع بكذا، فلك كذا وكذا من مالي.

الخلابة

ومن البيوع الفاسدة الخلابة. وتقوم على المخادعة، والخلابة المخادعة. وفي الحديث: أن بيع المحفلات خلابة، ولا تحلّ خلابة مسلم. والمحفلات التي جمع لبنها في ضرعها. وفي حديث النبي، أنه قال لرجلٍ كان يخدع في بيعه: "إذا بايعتَ، فقل لا خلابة، أي لا خداع". وذلك لأن بعض الباعة كانوا، يخادعون المشتري في بيوعهم.

ومن بيوع أهل الجاهلية: بيع المواصفة، وهو أن تواصف الرجل بالسلعة ليست عندك. وقد أبطل هذا البيع بعض الفقهاء، وأجازه بعض آخر،إذا وافقت السلعة الصفة.

وقد يتفق في السلعة الرهط، فلا يجدون بداً من أن يشتركوا وهم كارهون. وربما اتفقوا فألقوا الحجارة جميعاً إذا كانوا عدداً على أمر بينهم فوكسوا صاحب السلعة إذا طابقوا عليه.